مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج اقرأ- أ. أسامه ملحس: إقرأ-ح11           برنامج إضاءات على القواعد الفقهية: اضاءات في القواعد الفقهية-14-اي قرض جر نفعا فهو ربا           برنامج إضاءات على القواعد الفقهية: اضاءات في القواعد الفقهية-13-لا اجتهاد في موضع النص           برنامج إضاءات على القواعد الفقهية: اضاءات في القواعد الفقهية-12-حقوق الله وحقوق العباد           برنامج أشــــــرقـــــــي: أشرقي-ح17-تربية الطفل           برنامج قصة النهاية ( طارق سويدان ): قصة النهاية-24-وصف الجنة 2         

New Page 1

     سُورَةُ التّوبة

New Page 1

المَقَاصِدُ النُّورانِيَّةُ لِسُورَةِ التَّوْبَة

المقاصد النورانية للقرءان الكريم


سورة التوبة







تميز السورة باسميها الشهيرين (التوبة و براءة ) ، ولها أسماء أخرى تقارب الخمسة عشر اسما تعتبر علامات مميزه للسورة، فقد نزلت لتضع حداً فاصلاً بين عهد النبوة بشقيه المكي والمدني، وما بعده، لينبثق من خلال آياتها؛ كيفية تعلم المسلمين في العهد المكي الصبر الجميل، وكيف ترسخ لديهم مفهوم الثبات على العقيدة، ومن ثم كيفية تحمل مشاق الدعوة في العهد المدني الحافل بمؤامرات ودسائس وعداوة اليهود، إضافة إلى أعباء الجهاد، فكان لا بد من أن تتبلور الصورة لمواجهة كل ذلك حباً في الله، وطلباً لمرضاته، وخاصة مع ظهور فئة المنافقين الحاقدة، الذين كانوا أشد الحلقات خطورة وصعوبة على المسلمين، فكانت سورة التوبة جامعة للدروس التي تبين كيفية التعامل مع الفئات الثلاث الحاقدة، وخاصة المنافقين. لتفضح سريرتهم، وتقشقشهم، وتدمدم عليهم، وتحفر على أساساتهم، وتشدد علي قلوبهم وتشردهم، وتنقر على رؤوسهم، لتظهر صورتهم الحقيقية وتبين كيفية درء مخاطرهم.




 


إن للسورة أسماء عديدة، ذكر ها ابن الجوزي في زاد المسير فقال: (ولها تسعة أسماء أحدها سورة التوبة) والثاني: براءة؛ وهذان مشهوران بين الناس والثالث : سورة العذاب؛ قاله حذيفة والرابع: المقشقشة، قاله ابن عمر والخامس: سورة البحوث، لأنها بحثت في سرائر المنافقين، قاله المقداد ابن الأسود والسادس: الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين، قاله ابن عباس . والسابع: المبعثرة، لأنها بعثرت أخبار الناس، وكشفت عن سرائرهم، قاله الحارث بن يزيد والثامن: المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين ومثالبهم، قاله قتادة والتاسع : الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين ) وزاد السيوطي في الإتقان فقال :
والمَنقِّرة نقرت في قلوب المشركين ، فأرعبتهم . وقال فيه : هي إلى العذاب أقرب ما كادت تقلع عن الناس، حتى ما كادت تبقي منهم أحدا إضافة إلى أسماء أخرى متعددة صاحبت السورة .



سبب تسميتها بسورة التوبة

 



حيث رغب الله عز وجل فيها الى التوبة لعباده جميعاً بكل أشكالهم في قوله تعالى 
(فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).

وقالها للذين تبرأ منهم وهم المشركون والمنافقون فى قوله عز وجل ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فما بالكم بمن هم دونهم من العصاة وأهل الذنوب، حيث ختمت السورة بقصة الثلاثة الذين ُخلِّفُوا، ليظهر فضل الله تعالى في توبته عليهم ويظهر اسم الله التواب في آخر السورة ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (118)

أما براءة 


 

هي العنوان السياسي للسورة، سميت بهذا الاسم العظيم، لأن الله جل في علاه بدأ السورة بإعلان سياسي شديد اللهجة، أمر فيه بقطع العلاقات مع المشركين، ليضفي مهابة على افتتاحية السورة، فقال جل في علاه ( بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ التوبة)) ١ ( فشدة القسوة من شدة العبارة واللهجة، ليستشعر المخاطب بخطورة الإعلان، فالله تعالى لم يبدأ بنفسه، وهو المتبرئ، بل قدم الفعل، ليستبعد السامع أي نوع من الرأفة والرحمة، ولِت ْ ظهِر قسوة البراءة منهم 


جو السورة العام

 


لقد كان استعداد المسلمون فى وضوح النهار لغزو الروم وسط اراجيف المنافقين لوضع حد لبقايا الوثنيه فى نفوس البعض ولقوله صلى الله عليه وسلم ( اخرجوا المشركين من جزيرة العرب) لذا كان افتتاح السورة بإعلان يبث روح القوة في نفوس المؤمنين ويقذف الرعب والوهن والخوف فى قلوب المشركين والمنافقين ولتيم تحديد العلاقة معهم مع اعطائهم فرصه الأمان ..قال الله تعالى: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَ‌ٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) 






 
في إعلان البراءة ورد عهود الغادرين وقتالهم مع أخذ الحيطة والحذر منهم وبيان حقيقة نجس المشركين.









 
فإنه يتضمن تحديد العلاقة مع أهل الكتاب وبيان سبب خطورة اعتقادهم التاريخي والواقعي ومدى انحرافهم عن دينهم ومحاولين بشتى الوسائل طمس دين الله الذى ارتضاه للناس وبيان خطورة التشبه بأهل الكتاب كما فى قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).






 

الذى يتمحور حول الجهاد وفضله وبيان خطورة المتثاقلين وقعودهم الذي لا يضر إلا بهم لأن نصر الله ورسوله ودينه ليس مرتبط بنصر الناس له وإنما هو ابتلاء من الله وتمحيص فعن أبى هريرة قال :قال صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن كمثل الزرع ، لاتزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ، ومثل المنافق كمثل شجره الارز لا تهتز حتى تستحصد ) صحيح مسلم وفى حديث اخر عن ابى هريره رضى الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبه من النفاق ) صحيح مسلم 







 


يبين حقيقة الصفقة وأهمية البيعة مع الله، قال الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَ‌ٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.. } (التوبة: ١١١ )،


يقول سيد قطب: (يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين بالّله، وعن حقيقة البيع، فمن بايع ووفَّى بما بايع فهو المؤمن الحق الذي تتمثل فيه حقيقة الإيمان) انتهى كلامه ، وخاصة عندما رسخ لعقيدة الولاء والبراء،بالنهي عن الاستغفار للمشركين، وأن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه ، كان بعلم الله تعالى، فلما تبين لإبراهيم كفر أبيه تبرأ منه. ليكون جو السورة العام بين البراءة والتحذير والوعيد والإمهال والقتل والقتال والجهاد، يتخلل ذلك جو من الرحمة والتودد والسكينة والأمان والذين آمنوا لإتمام فضله وبيان سروالطمأنينة الناتجة عن توبة الله تعالى على النبي رحمته، وعلى الثلاثة الذين ُ خلِّفو ا، بل إن توبته جل في علاه سبقت توبتهم، قال الله تعالى ( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )




بعد أن عرفنا الأجواء المحيطة بالسورة فلنبدأ سوياً لنعلم المقاصد النورانية للسورة

 


سورة التوبة (مدنية) نزلت بعد المائدة، وهي في ترتيب المصحف بعد الأنفال. عدد آياتها 129 آية، وهي آخر سورة كاملة أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

لقد أنزلت هذه السورة في وقت كان المجتمع الإسلامي يستعد للخروج برسالة الإسلام من الجزيرة العربية إلى شعوب الأرض كلها.
أنزلت هذه السورة بعد آخر غزوة للنبي، غزوة تبوك، وكان عدد المسلمين فيها ثلاثين ألفاً. واللطيف أنها جاءت في ترتيب المصحف مباشرة بعد الأنفال التي تحدثت عن غزوة بدر (أولى غزوات النبي) حيث عدد المسلمين فيها 313 شخصاً فقط. ولعل الحكمة هي أن يلاحظ قارئ القرآن الفرق بين ظروف الغزوتين وأحكامهما وطريقة القرآن في التعقيب عليهما. غزوة تبوك كانت من أكثر الغزوات التي ظهر فيها أثر النفاق إذ كان مع الجيش منافقون كثر، وتخلف عنها منافقون كثر كما تخلّف عنها بعض المؤمنين بسبب الكسل. كانت نتيجة الغزوة انتصاراً للمسلمين، وأنزلت هذه السورة للتعليق على كل هذه المواقف.


 


 


إن سورة التوبة هي السورة الوحيدة التي لم تبدأ بالبسملة كما هو الحال في كل 
سور القرآن. والمسلم عندما يقرأ القرآن ويبتدئ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) يشعر من بداية حرف الباء أنه يعبر خطاً فاصلاً بين وضع سابق ووضع جديد، يشعر أنه داخل على عالم جديد ليترك الدنيا وما فيها ويتوجّه بقلبه لسماع كلام ربه والعيش مع أسماء ربه الحسنى (الرحمن الرحيم).



وسبب غياب البسملة عن أول سورة التوبة - على قول أغلب العلماء - هو أنها أكثر سورة تكلمت عن الكفار والمنافقين، فحرموا من البسملة ومن معاني الرحمة الموجودة فيها، من أولى كلماتها ]بَرَاءةٌ مّنَ ٱلله وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ[ (1).
ولسورة التوبة أسماء أخرى، فقد سميت بالفاضحة لأنها فضحت المشركين، ففيها خمس وخمسين صفة من صفات المنافقين التي كانوا يمارسونها مع النبي صلى الله عليه وسلم. وسميت بالكاشفة لأنها كشفت عيوب الكفار والمتخاذلين عن نصرة الإسلام، وسميت بسورة السيف لكونها أكثر سور القرآن دعوة للجهاد وتحريضاً على القتال وتحذيراً من القعود والتخاذل. فهي سورة شديدة إذاً، وهنا قد يقول قائل: لماذا سميت بسورة التوبة؟



 

إن التوبة بالنسبة لنا هي غاية في رقة العلاقة مع الله، فهي تعني العودة إلى الله تعالى واللجوء إليه والإقلاع عن الذنوب والمعاصي. فما علاقة التوبة بصفات المنافقين والمشركين والحثّ على الجهاد؟
إن هذه السورة هي البلاغ الأخير للبشرية، وقد أنزلت قبل ختام القرآن ووداع النبي صلى الله عليه وسلم، وبالرغم من أن السورة قد تضمنت التهديد الشديد للكفار والمنافقين والدعوة الشديدة للمؤمنين إلى الدفاع عن دينهم، لكنها حرصت على إبقاء باب التوبة مفتوحاً لجميع الناس قبل الوداع. فرغم كون السورة تتكلم عن المنافقين والكفار إلا أنها تدعوهم إلى التوبة في مرات عديدة، فنلاحظ تكرار قوله تعالى ]فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ[.


 

وإذا بحثنا ورود لفظة (التوبة) ومشتقاتها في هذه السورة وفي القرآن كله، نجد أنها تكررت في هذه السورة سبع عشرة مرة وهي أكثر سور القرآن إيراداً لكلمة (التوبة).
بينما ذكرت في سورة البقرة مثلاً 13 مرة مع أنها أطول سورة في القرآن. وذكرت في سورة آل عمران 3 مرات وفي سورة النساء 12 مرة وفي المائدة 5 مرات وفي هود ستة مرات وفي الأنعام مرة واحدة.




 

إذاً أكثر سورة وردت فيها كلمة التوبة هي السورة التي بين أيدينا. والملفت أنها لم تذكر نوعاً من طوائف المجتمع إلا وذكرته بالتوبة: الكفار والمشركين والمرتدين والمترددين والمنافقين والعصاة والمؤمنين الصالحين، حتى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. فكلما تحدثت السورة عن فئة منهم نراها تذكرهم بالتوبة أو تخبرهم بأن الله تعالى قد تاب عليهم ]لَقَدْ تَابَ الله... فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ...[ (117-118).

فبالرغم من أن السورة قد فضحت المنافقين إلا أنها توصل لهم رسالة وهي أن كل حيلهم قد كشفت وأصبح المؤمنون يعرفونها فلا سبيل لهم للنجاة إلا بالتوبة. لقد فضحتهم لتلجأهم إلى التوبة.. كمن يبتليه الله ببلاء ليكون سبباً في عودته. فسورة التوبة تشعر المنافقين بأنهم محاصرون ولم يعد لهم من حجة بعد بيان الدين وتوضيحه، فلا منفذ لهم إلا بالتوبة. حتى دعوة المؤمنين إلى القتال، تهدف إلى تسلل اليأس إلى الكفار من القتال والحرب ويتوبوا إلى الله...

علاقتها بالسور التي قبلها

 

عند تقسيم القرآن إلى ثلاثة أقسام نجد أن القسم الأول يشتمل على السور السبع الطوال ويختتم بسورة التوبة. وكأنها جاءت بعد بيان المنهج ووسائل القيام بالمهمة لتفتح باب التوبة والرحمة لمن بدّل أو غيّر أو قصّر في حق الله. ومن اللطيف أنها من أواخر ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، حتى يكون ختام الوحي وختام نزول القرآن بفتح باب التوبة.. هل استشعرت هذا المعنى؟
بعض الناس حين يقرأ هذه السورة يشعر بشدتها على الكفار والمنافقين، والبعض الآخر يقرأها فيشعر برحمة الله الواسعة والتي تتجلى في قبوله التوبة من جميع البشر، وهؤلاء أقرب إلى فهم معاني السورة لأن ما فيها من شدة وتهديد ووعيد إنما هو لحمل الكفار والمنافقين على التوبة.. فحتى فضح المنافقين كان لحملهم على التوبة، وحتى دعوة المؤمنين للقتال جاء لحمل الكفار على التوبة بعد أن يئسوا من القتال..




 


 


إن السورة تبدأ بداية شديدة وملفتة، فإضافة إلى كونها لا تبدأ بالبسملة كبقية السور، فإنها تبدأ بكلمة "براءة".. ]بَرَاءةٌ مّنَ ٱلله وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِى ٱلاْرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱلله[ (1-2) بداية شديدة ومهلة محددة. ثم أذان من الله ورسوله يقرع الآذان: ]وَأَذَانٌ مّنَ ٱلله وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلاْكْبَرِ أَنَّ ٱلله بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ[ (3).

لماذا كل هذه الشدة؟ ]فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱلله[ (3)، فالتهديد إذاً كان من أجل التوبة لا من أجل الانتقام والوعيد، كأن "براءة" و"أذان" هما النداء الأخير للتوبة.


توبة المشركين المحاربين

 

وتصل بنا الآيات إلى الآية الخامسة ]فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلاشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ... كُلَّ مَرْصَدٍ[ ومع ذلك ]فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ[ فبعد كل هذا الأمر بالقتال جاء التذكير بالتوبة لحثّ الكفار عليها.. فبقدر ما السورة حادة في مواجهتهم بقدر ما هي حريصة على توبتهم وإنابتهم إلى الله..

وبعد ذلك تخبرنا بأنه لا بد أن تقام الحجة على الكفار وذلك بدعوتهم وبيان الدين لهم قبل قتالهم ]وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱلله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ...[ (6).

وتتابع الآيات على نفس الوتيرة: تهديد، وفي نهاية كل تهديد ووعيد وتذكير بالتوبة. فمثلاً في الآية العاشرة يقول تعالى ]لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ[ ثم تقول الآية التي بعدها ]فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدّينِ[. فلم تعفِ عنهم الآيات فحسب بل أوجبت على المؤمنين محبتهم بعد توبتهم لأنهم قد أصبحوا إخواناً لنا.



ثم عودة للتهديد في حال إصرار المشركين على القتال في الآيات (12) و(14): ]وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَـٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ[و]قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ٱلله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ...[. ثم عودة للتوبة مباشرة في الآية (15): ]... وَيَتُوبُ ٱلله عَلَىٰ مَن يَشَاء...[. إنها قمة في توازن ووسطية الإسلام بين الرحمة والرفق من جهة، وبين الواقعية والشدة من جهة أخرى.

فإن كان الأمر كذلك بالنسبة للكفار والمنافقين، فما الحكم في المؤمنين الذين قد عصوا ربهم... أيتوب تعالى عليهم أم لا... فإن كان تعالى يقول عن الكفار ]فَإِن تَابُواْ... فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدّينِ[ (11) فما بالك بمن ارتكب بعض المعاصي من المؤمنين؟

إن سورة التوبة هي من أكثر السور التي تزيد أمل المؤمن ورجاءه برحمة الله تعالى... فإن كان رب العزة بلطفه وإحسانه تعالى قد حثّ الكفار والمنافقين على التوبة وكرّر ذكر كلمة التوبة (17) مرة في السورة، فكيف لا يغفر لمن تاب من المؤمنين العصاة!؟



توبة المؤمنين المتخاذلين عن نصرة الدين


 

نصل إلى الآية (24) التي تخاطب المؤمنين وتحثهم على نصرة دين الله تعالى، فالآية لا تتحدث عن الجهاد بمعنى الحرب فقط بل أن تنصر الدين ويكون أغلى من كل أمور حياتك الدنيوية.

يقول تعالى: ]قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوٰنُكُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ... ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ[ (24).

لقد ذكرت الآية ثمانية أمور وكلها مباحة، لكنها حذرت من أن تكون سبباَ في البعد عن الله تعالى وترك الجهاد، وهذا يعني أن يكون أمر الله تعالى أولوية في حياتك وفوق كل رغباتك، وإلا فانتظر عقاب الله والعياذ بالله.


وتنتقل السورة للحديث عن نوع جديد من التوبة، غير التوبة من الذنوب والمعاصي التي نعرفها والتي يقع فيها الناس دائماً (كالنظر إلى الحرام أو تأخير الصلاة). إن السورة تدعو للتوبة من التخاذل عن نصرة الإسلام، وكأنها تشير بأن هذا الفعل الشنيع يحتاج إلى توبة شديدة. فتأتي الآية (38): ]يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱلله ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلاْرْضِ... قَلِيلٌ[ عتاب رقيق تعقبه لهجة قوية في الآية التي بعدها: ]إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ...[ (39) فحذار حذار من الاستبدال، لأن الله تعالى ينصر دينه وليس بحاجة إلى أحد ]إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱلله...[ (40) إلى أن تأتي الآية بالأمر الشامل الكامل الذي لا يستثني أحداً: ]ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله[ (41) فلكي يرتدع الكفار ويلجأوا إلى التوبة لا بد من جهادهم، فكأن جهادك أيها المسلم عون لهم على الرجوع والتوبة، وكأن تخاذل المسلم سبب لتمادي أهل الكفر في غيهم وضلالتهم. فهيا نعمل لديننا ونطرق أبواب الخير لنساعد أنفسنا فننجو ونساعد غيرنا فيتوب.





التوبة من عدم التوكل على الله


 

وخلال الآيات السابقة تتحدث الآيات عن غزوة حنين وكيف أعجب المؤمنون بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئاً، فوقع المسلمون في خطأ الاعتماد على العدد وحده ونسيان أن النصر من عند الله وحده.

]لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱلله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ... وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ...[ (25).
وهذا الخطأ لا بد له أيضاً من توبة، فتأتي الآية (27) لتشير إلى ذلك: ]ثُمَّ يَتُوبُ ٱلله مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاء وَٱلله غَفُورٌ رَّحِيمٌ[.


التخاذل عن نصرة الدين


 
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى المتخاذلين عن نصرة الإسلام من المنافقين. فتقول الآية (46): ]وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱلله ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ[ لو كانت عندهم نية صادقة لتحركوا وأعدوا لهذا الخروج، ولكن لعدم صدق نيتهم كره الله خروجهم فثبط هممهم ]فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ[.

ألا تؤلمك هذه الكلمة أخي المسلم؟ إذا حرمت من عمل الخير والدعوة فتذكّر أن الله تعالى قد يكون غاضباً منك وكارهاً لعملك... فمن منا يحب أن يكره الله عمله؟ من منا يرضى بأن يكون عبئاً على الدين؟ ]لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً[ (47).

  • والآيات تتوالى في التوبيخ والتقريع:

]وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ[ (49).
]وَيَحْلِفُونَ بِٱلله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ...[ (56).
]لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَـٰرَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ[ (57).

والآيات (81 - 87) شديدة اللهجة في التهديد، فمثلاً نرى الآية (86).

]وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءامِنُواْ بِٱلله وَجَـٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ[.

فكلمة القاعدين مؤثرة للغاية، فمن يرضى لنفسه أن يبقى قاعداً يشاهد التلفاز ولا يكلّف نفسه عناء أي عمل لنصرة دينه، وقد يكون من المصلّين ومن المثابرين على صلاة الجماعة لكنه سلبي لا يحرّك ساكناً لخدمة الإسلام، فهذا النوع من الناس عليه أن يحذر من الآية (87): ]رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ[.





فكيف يستقيم لهم رأي أو عمل وهم على هذه الحال؟ وانظر إلى الإيجابيين المتحركين.
]لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ جَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ[ (88).


أفراح في جهنم


 

في الآية (81): ]فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱلله...[ توبيخ شديد. فهي توضح أن موازين الفرح والحزن غير سوية عندهم. فمن يفرح بالخذلان؟ إنه كمن يفرح بنار جهنم عقوبة له:
]... وَكَرِهُواْ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ & فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[ (81 - 82).


دعوة الجميع للتوبة


 

كما ذكرنا فان كل توبيخ في السورة يختتم بدعوة المخاطبين للتوبة، فنرى مثلاً:
1 - توبة المنافقين والمرتدين:
]فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذّبْهُمُ ٱلله عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلاْخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلاْرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ[ (74).
2 - توبة المترددين:
]وَءاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً عَسَى ٱلله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱلله غَفُورٌ رَّحِيمٌ[ (102).
3 - ثم حثّ الجميع على التوبة:
]أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱلله هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ وَأَنَّ ٱلله هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ[ (104).

إن شروط التوبة ثلاثة



- ندم على الذنب - إقلاع عن الذنب - عزم على عدم العودة

فبادر إليها أخي المسلم، وإياك وتأخيرها لأن تأخير التوبة وتأجيلها هو بحد نفسه معصية لله تعالى.


 





 


وفي مقابل الحديث عن المنافقين تنتقل السورة للكلام على صفات المؤمنين الذين عقدوا عقد بيع مع الله تعالى: ]إِنَّ ٱلله ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱلله فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ[ (111).
إن السياق القرآني يجعلنا نتشوق لمعرفة صفاتهم، فنقلب الصفحة لنقرأ قوله تعالى: ]ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰئِحُونَ ٱلركِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ ٱلاْمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱلله وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ[ (112).


توبة لصفوة الأمة



ومن جمال التوبة وحب الله لها، ذكر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام:
]لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلاْنصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ[ (117).
فالتوبة - كما يقول العلماء - أول منازل العبودية وآخرها. فبداية الإيمان تكون بالتوبة كما أن التوبة مطلوبة في نهاية الحياة. من هنا نفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم : "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".


توبة أخيرة للثلاثة المتباطئين

 


وأخيراً توبة خاصة بالثلاثة المؤمنين الذين تخلفوا عن توبة تبوك، فالتقاعس عن نصرة الإسلام - كما أسلفنا - بحاجة إلى توبة.

]وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلارْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱلله إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ ٱلله هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ[ (118).
لاحظ معي روعة الآية: ]تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ[. فلا بد أن يتوب الله عليك ويهيء لك طريق التوبة، فالهداية من عند الله، وهو وحده المعين عليها. أخي المسلم، الزم دائماً هذا الدعاء: "اللهم تب عليَّ لأتوب".

خير ختام لخير حياة
 

 





 
إن القارئ لسورة التوبة يحس أن فيها براءة وتهديد ووعيد، لكنها تفعل كل ذلك وهي فاتحة ذراعيها للتوبة. ومن لطف القرآن أن الله تعالى لم يغلب اسم الفاضحة على سورة التوبة لأنه يحب الستر. ومن اللطائف الأخرى أنه بالرغم من أن السورة قد حرمت المنافقين من الرحمة في أول السورة (من خلال عدم البدء بالبسملة والبراءة منهم) لكنها أعطت جميع الناس في آخر السورة رحمة مهداة، والمتمثلة في النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث رحمة للعالمين:
]لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ[ (128).


 


وهذه الآية خير ختام للسبع الطوال، وهي أيضاً خير ختام لحياة النبي صلى الله عليه وسلم. فهي آخر سورة أنزلت كاملة على رسول الله. إنها سورة الوداع، وخير وداع في ديننا هو التوبة على كل الناس. فإن أبوا التوبة فإن الآية الأخيرة تقول:
]فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱلله لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ[ (129).

أخي الكريم. إسأل نفسك: هل ستتوب أم لا؟ فإذا كان باب التوبة مفتوحاً لكل فئات الناس ولكل فئات المجتمع مهما تفاوتت درجة قربهم أو بعدهم عن الدين، فكيف يكون حالك وأنت مؤمن ومحب لكتاب الله؟ لذلك فلنعمل للإسلام ولنعش للإسلام ولنحذر التخاذل والقعود عن نصرة الدين، ولنتيقن أن الله تبارك وتعالى يتوب على من يشاء.

من لطائف القرآن

 

وفي النهاية نشير إلى أن سورتي التوبة والأنفال جاءتا متتاليتين بالإضافة إلى أنهما توافقان الترتيب الزمني لغزوتي بدر وتبوك. فسورة الأنفال تتحدث عن أول غزوة غزاها النبي بينما سورة التوبة تعقّب على آخر غزوة لرسول الله. وقد جاءت السورتان متتاليتين حتى نلاحظ الفرق في المجتمع الإسلامي بين بداية نصرة المسلمين لدينهم ونهاية الانتصار العظيم. فالسورتان تفتحان المجال أمام علماء الاجتماع والباحثين كي يلاحظوا الفروقات بين المجتمعين ويحللوا سنن تطور المجتمعات، وهذا أمر يحتاج من علماء الاجتماع والمحللين والدارسين إلى النظر والتفكير .



 

إن الله -تعالى- أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليدل الناس على الإسلام الذي هو أكمل الشرائع، وأمره أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله.

ولم يؤمر أن ينقب عن قلوبهم ولا أن يشق عن بطونهم، بل تُجرى عليهم أحكام الله في الدنيا إذا دخلوا في دينه، وتجرى أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونياتهم، فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان.



ولهذا قَبِلَ إسلام الأعراب، ونفى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وقَبِلَ إسلام المنافقين ظاهراً، وأخبر أنّه لا ينفعهم يوم القيامة شيئاً، وأنّهم في الدرك الأسفل من النار.

فأحكام الله -تعالى- جارية على ما يظهر للعباد ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه 

  • فانقسم الناس تجاه دعوته إلى: المؤمنين الصادقين، والكفار الظاهرين، والمنافقين المستترين، فعامل كلاً بما أظهر .
ثم إن أهل الإيمان انقسموا بحسب تفاوت درجاتهم في الإيمان والعمل الصالح إلى درجات كما قال –تعالى )ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ}(فاطر: 32{

* حكم من كفر بعد الإيمان: 


وحكم على من أظهر
 كفره من المنافقين، أو كفر من المسلمين بالقتل كفّاً لشرهم وردعاً لغيرهم؛ فإنّ محاربتهم للإسلام بألسنتهم أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة هذا في القلوب والإيمان، وهذا بخلاف الكافر الأصلي؛ فإن أمره كان معلوماً، وكان مظهراً لكفره غير كاتم له، والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه، وجاهروه بالعداوة والمحاربة، ولو تُرك ذلك الزنديق لكان تسليطاً له على المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبّة الله ورسوله.

وأيضاً فإن من سب الله ورسوله، وكفر بهما فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً؛ فجزاؤه القتل حَدّاً.

ولا ريب أن محاربة الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفساداً ؛ فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم ولا تأتي بقتل من صال على كتاب الله وسنة نبيّه بين أظهر المسلمين وهي من أعظم المفاسد؟.

وبين يديك أخي القارئ الكريم بعض الكلمات في جريمة الردّة تعرض جانباً من نظرة الإسلام إليها وإلى عقوبتها سائلاً الله -تعالى- أن ينفع بها.



* تعريف الردّة:

الردّة في اللغة: الرجوع عن الشيء والتحول عنه، سواء تحوّل عنه إلى ما كان عليه قَبْلُ، أو لأمرٍ جديد. ويقال : ارتدّ عنه ارتداداً، أي: تحوّل. ويقال: ارتد فلانٌ عن دينه إذا كفر بعد إسلامه.
وتدل في الاصطلاح الشرعي: على كفر المسلم بقول أو فعل أو اعتقاد .


* وقوع الردَّة وحصولها:

الردّة عن الإسلام والتحوّل عنه -أعاذنا الله منها وثبتنا على دينه- أمر ممكن الحصول؛ فقد ذكرها الله -تعالى- في كتابه محذراً منها، ومبيناً عاقبتها.

قال - تعالى- (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ(سورة البقرة: 217)

وقال – تعالى-(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (سورة المائدة : 54)

وقال – تعالى- (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (سورة النحل: 106)

إضافة إلى آيات كثيرة تبين هذا المعنى.

كما أخبر - تعالى- عن وقوع الكفر من طائفة من الناس بعد إيمانهم:قال - تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (سورة محمد: 25.)

وقال الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (سورة التوبة: 65-66)

وقال – تعالى} يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ} {سورة التوبة: 74{

وقال - تعالى} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} {سورة النساء : {137

كما وقعت الردة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم- في مواقف نذكر منها:

قصّة عبيد الله بن جحش:

فإنّه كان قد أسلم وهاجر مع زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة فراراً بدينه، قالت أم حبيبة: "رأيت في النوم عبيد الله زوجي بأسوأ صورةٍ وأشوهها، ففزعت وقلت: تغيّرت والله حالُهُ! فإذا هو يقول حين أصبح: إنّي نظرت في الدين، فلم أرَ ديناً خيراً من النصرانية، وكُنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، وقد رجعتُ، فأخبرتُهُ بالرؤيا، فلم يحفِل بها، وأكبَّ على الخمر.. حتى مات". 

ومنها ما حصل عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة:

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسِّيَر أنّه كان رجال قد آمنوا ثم نافقوا، وكان يجري ذلك لأسباب: منها أمر القبلة لما حُوّلت ارتدّ عن الإيمان لأجل ذلك طائفة، وكانت محنة امتحن الله بها الناس.

قال –تعالى} وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ{
(سورة البقرة: 143)

  • ومنها ما حصل في غزوة تبوك إذ قال رجل في هذه الغزوة:

ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنةً وأجبننا عند اللقاء، فرُفع ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فجاء الرجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد ارتحل وركب ناقته، فقال : يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فقرأ عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله تعالى}أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) {سورة التوبة: 65-66( وما يلتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وقريب من هذا ما حصل لهشام بن العاص -رضي الله عنه - فإنّه أسلم وتواعد على الهجرة مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ثم إنّه حُبِسَ عنه وفُتِن فافتتن.

قال ابن إسحاق: ""وحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر في حديثه قال: فكنا نقول: ما الله بقابلٍ ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قومٌ عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاءٍ أصابهم!، قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم".

فلما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم } قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} {سورة الزمر: 53}

فقدم المدينة بعد ذلك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

والردة في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ترتبط بعداوة الإسلام وحربه، ولكنها كانت مع ذلك ردّة موجبة للخروج عن الإسلام، وموجبة لتجريم فاعلها ولو لزم داره، بل إن المنافقين في الصدر الأول كان منهم من آمن ثم نافق بعد إيمانه ، وهذه ردّة أيضاً.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "وكذلك لما انهزم المسلمون يوم أحد وشُجّ وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- وكُسرت رُباعيته، ارتد طائفةٌ نافقوا... قال – تعالى}وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ } {سورة آل عمران: 166-167}

فإن ابن أُبيّ لما انخزل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحُد انخزل معه ثلث الناس، قيل: كانوا ثلاثمائة، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن؛ إذ لم يكن لهم داع إلى النفاق.

وفي الجملة: ففي الأخبار عمّن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره.


* عظم جريمة الردّة:

إنّ أهم مقصد جاء الإسلام بتحقيقه في الناس هو تحقيق توحيد الله والإيمان به ونفي الشرك والكفر والتحذير منهما، وقد جاء أيضاً بحفظه في نفوس من اعتنقه؛ وذلك أن العالَم لا يستقيم بدونها، فضياعها مهلك للبشر، وإذا تأمل الإنسان حال البشريّة عند بعثة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- فسيجد أنّه بُعِثَ على فترةٍ من الرسل في زمن تخبطت فيه البشريّة كما وُصفوا في الحديث القدسي: « إنّي خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب.. » 

وهؤلاء البقايا مات أكثرهم قبل مبعثه فصار الناس في جاهليّة جهلاء من مقالات مبدّلة أو منسوخة أو فاسدة قد اشتبهت عليهم الأمور مع كثرة الاختلاف والاضطراب.

"فهدى الله الناس ببركة نبوّة محمد -صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به من البينات والهدى، هدايةً جلّت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عموماً ولأولي العلم منهم خصوصاً، من العلم النافع والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة ، والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علماً وعملاً إلى الحكمة التي بُعث بها لتفاوتا تفاوتاً يمنع معرفة قدر النسبة بينهما؛ فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى".

ولذا صار الشرك بالله - تعالى - أعظم الذنوب:

عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نِدّاً وهو خلقك» قلت: ثم أيّ؟، قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قلت: ثم أيّ؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» 

وعند تأمُّل حال أمة ليس فيها سلطان للدين ولا رقيب منه، وكيف يتسلط بعضهم على بعض عند ذلك؛ لأن أهواء الناس تتفاوت وتختلف، وكل شخص سيفعل ما يراه مصلحةً له بحسب هواه، وإن منعه وازع من السلطان في العلن، فلن يتحفظ في السرّ، وعند ضعف الوازع السلطاني عن الاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض، فترى النفوس تُغتال، والأموال تُختلَس والأعراض تُنتهَك، والشاهد الجلي لهذا حال الدول غير المسلمة إذا ضعفت فيها السلطة، فتحصل الاغتيالات وانتهاب الأموال وانتهاك الأعراض .

ولذا كانت البيعة التي يأخذها النبي -صلى الله عليه وسلم- من الرجال والنساء تتضمن أن لا يشركوا ولا يزنوا ولا يقتلوا كما جاء في سورة الممتحنة وكتب الحدي.

بل ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعةً: الشرك، والزنا، وقتل النفس؛ ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة! الجريمة الأولى قتل للفطرة، والثانية جريمة قتل للجماعة، والثالثة جريمة قتل للنفس الموءودة.

إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة... ومن ثَمّ يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات ؛ لأنّه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار... 

والتساهل في هذه العقوبة يؤدي إلى زعزعة النظام الاجتماعي القائم على الدين، فكان لا بد من تشديد العقوبة لاستئصال المجرم من المجتمع منعاً للجريمة وزجراً عنها.

وشدة العقوبة تولّد في نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة ما يكبت العوامل الدافعة إليها، ويمنع من ارتكاب الجريمة في أغلب الأحوال 

ومن المعلوم أن العقوبات تتناسب مع الجرائم؛ فكلما ازدادت بشاعة الجريمة استلزمت عقاباً موازياً لها في الشدة .
ومن المبادئ المتفق عليها لدى التشريعات الجنائية مبدأ مقارنة جسامة الجريمة بجسامة العقوبة، وكلما زادت العقوبة في جسامتها دل ذلك على ارتفاع جسامة الوصف القانوني للجريمة، ويطلق على هذا المبدأ: مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة.

* أسباب الردّة:

عند تأمَّل التاريخ والواقع نجد جملة أسباب ودوافع أدت إلى حصول حوادث الردّة، وهي وإن كانت على مرّ التأريخ حوادث جزئية وقليلة إلا أننا يمكن من خلال تأملها استلهام جملة من الأسباب الدافعة أو المساعدة على حصول الردة.

ومن هذه الأسباب: 

1. كيد الكفار بالمسلمين: فمن مكر الكفار وكيدهم القديم أن يدخل طائفة منهم في الإسلام ظاهراً حتى إذا سكن إليهم المسلمون، عادوا فارتدوا معلنين السَّخَط على الدين وعدم الرضى به، ليفتنوا المسلمين عن دينهم ويصدوهم عن سبيله.

وقد ذكر الله - تعالى - هذه المكيدة منهم في كتابه: قال - تعالى }وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ { }سورة آل عمران: 72{
قال قتادة: "قال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضا بدينهم أوّل النهار واكفروا آخره؛ فإنّه أجدر أن يصدقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم" 

قال السُّدي: "كان أحبار قرى عربيّة اثني عشر حِبْراً، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أوّلَ النهار وقولوا: نشهد أن محمداً حق صادقٍ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنَّا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدثونا أن محمداً كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا؛ فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكّون، يقولون هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار؛ فما بالهم ؟ فأخبر الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذلك 


2. ضعف الإيمان فلا يثبت عند المحن: من خالط الإيمان قلبه فإنّه لا يتزحزح عنه لأي طارئ.

وقد سأل هرقل أبا سفيان ابن حرب قبل أن يسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أسئلة يستكشف بها حقيقة حاله، فكان مما سأله: هل يرتدّ أحد منهم أي أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟، فقال أبو سفيان: لا، فقال هرقل: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب .

وفي رواية زاد: لا يسخطه أحد، وفي رواية: وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه .

ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيميّة من انخذل من المسلمين يوم أحد مع عبد الله بن أُبي قال: « أولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان... فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقّاً الذين امتُحنوا فثبتوا على الإيمان، ولا من المنافقين حقّاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم، إذا ابتُلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيراً، وينافق أكثرهم أو كثير منهم.

ومنهم من يظهر الردّة إذا كان العدوّ غالباً ؛ وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عددهم كانوا مسلمين.


ولهذا كانت فائدة المحنة والابتلاء أن يظهر الصادق من الكاذب.

قال - تعالى } أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} {سورة العنكبوت: 2-3{

وقال – تعالى} وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} {سورة محمد: 31{.

3. الافتتان بما لدى الكفار: وهذا الافتتان يتخذ صوراً عديدة يجمعها ويربط بينها ضعف الشخصية الإيمانية والاقتناع التام بصدق المبدأ.

ومن ذلك الفتنة بما قد يُمَكّن للشخص من شهوات، فلما حاصر النصارى عكا سنة ست وثمانين وخمسمائة استمرت أمداد الفرنج تقدم عليهم من البحر كل وقت حتى إنَّ النساء ليخرجن بنيّة راحة الغرباء في الغربة، فقدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة حسناء بهذه النيّة، حتى إنّ كثيراً من فسقة المسلمين تحيّزوا إليهم لأجل هذه النسوة .
وذكر ابن كثير أيضاً قصة مجاهد يدعى عبده بن عبد الرحيم: "وأنّه في بعض الغزوات نظر إلى امرأة من نساء الروم فهويها وتنصّر من أجلها، فاغتمّ المسلمون بسبب ذلك؛ فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو معها، فقالوا: يا فلان! ما فعل قرآنك؟، فقال: اعلموا أنّي نسيت القرآن كله إلا قوله }رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} {سورة الحجر: 2-3{

ومنها: الافتتان بما لديهم من إتقان لأعمال الحياة الدنيا، ومهارتهم فيها ، مع عجز المسلمين عن ذلك، فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنّه على الحق، وأنّ من عجز عنها متخلّف وليس على الحق، وهذا جهل فاحش ...

فقد أوضح -جل وعلا- في قوله – تعالى}يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} {سورة الروم: 7{، أن أكثر الناس لا يعلمون، ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيويّة دخولاً أولياً؛ لأنهم لا يعلمون شيئاً عمن خلقهم... ورزقهم، ولم يعلموا شيئاً عن مصيرهم الأخير، ومن غفل عن جميع هذا فليس معدوداً من جنس من يعلم... بل علمهم في غاية الحقارة بالنسبة لما فاتهم" لأنه لا يجاوز ظاهر الحياة الدنيا.

4. سعي اليهود والنصارى: وهذا السبب أوضح من أن أستشهد عليه أو أقرره ؛ فقد بيّنه الله - تعالى - أتم بيان بقوله}وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } {سورة البقرة: 120{

وقال عن الكفار}وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا{}سورة البقرة: 217{

وقال}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} {سورة آل عمران: 100.

وقال } وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً } {سورة البقرة: {109.

ويظهر هذا بجلاء في المساعي التنصيريّة التي لا تزال تمارس نشاطاتها في العالم الإسلامي بصورة مباشرة حيناً، وبدعم التوجيهات غير الدينيّة من داخل بلاد الإسلام أحياناً أخرى، وهي مساعٍ عظيمة جداً ينفق عليها بسخاء كبير، واستعملوا لتحقيقها عدة طرق: من التطبيب، والتعليم، ونشر الفتن والحروب، والأعمال الاجتماعية وغيرها.

ويتأكد هذا الأمر عندما نعلم مدى تأثير الدين في الحياة الأمريكية حتى يمتزج بجميع نواحي الحياة، وحتى يصبح من أقوى العوامل في نجاح المرشح في الانتخابات وفي فشله أيضاً .

* عقوبة المرتد:

الإنسان باعتناقه للإسلام يعصم دمه وماله في الدنيا، وأما قبل إسلامه فإنّ الأصل أنه مباح الدم إلا إذا طرأ له عهد أو ذمة أو أمان أو مانع يمنع من قتله.

فكل شخص لم يعتنق الإسلام فالأصل أنّه مباح الدم إلا لعارض.

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى» 

وعن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؛ فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وصلّوا صلاتنا ، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا؛ فقد حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها» 

فقوله: «عصموا مني دماءهم»، وقوله: «حرمت علينا دماؤهم» "يدل على أنه كان مأموراً بقتل من أبى الإسلام... فإذا نطق بالشهادتين عُصم دمه وصار مسلماً؛ فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم" 
ويدل على ذلك قوله – تعالى}وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } {سورة البقرة: 193{

وقوله تعالى} فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} {سورة التوبة: 5{

فالإسلام هو العاصم عن إباحة دم الإنسان في الأصل، وأما غيره من الأسباب التي تمنع من قتل غير المسلم فهي أسباب طارئة تنتهي بانتهاء غايتها.

والمسلم نفسه متى ترك الإسلام عاد للحال التي كان عليها من حِل الدم والمال، بل هو أشد؛ لأن ضرره أعظم، ولأنه قد قامت عليه من الحجّة ما هو أبلغ من غيره.

وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر بعض أسباب القتل وكان منها: "الكفر، وبيّن أن من الفقهاء من جعل نفس الكفر مبيحاً للدم، ومنهم من جعله وجود الضرر منه أو عدم النفع فيه"، قال بعد ذلك: " أما المرتد فالمبيح عنده هو الكفر بعد الإيمان، وهو نوع خاصٌّ من الكفر؛ فإنّه لو لم يُقتَل لكان الداخل في الدين يخرج منه؛ فقتله حفظ لأهل الدين والدين؛ فإنّ ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه، بخلاف من لم يدخل فيه؛ فإنّه إن كان كتابياً فقد وجد إحدى غايتي القتل في حقّه وإن كان وثنياً... ولم يمكن استرقاقه ولا أخذ الجزية منه بقي كافراً لا منفعة في حياته لنفسه؛ لأنه يزداد إثماً، ولا للمؤمنين؛ فيكون قتله خيراً من إبقائه" 

إذا تقررت هذه القاعدة من أن أكبر عاصم لمال الإنسان ودمه هو الإسلام ؛ فإننا نعلم أن خروج الإنسان عن الإسلام بعده رافع لهذه العصمة، ولذا جاء الشرع في نصوص كثيرة جداً تبيّن حد المرتد وأنّه القتل.

فمنها قوله – تعالى}يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }{ سورة التوبة: 74{، فبين -تعالى- أن من كفر بعد إسلامه إن تاب كان خيراً له، وإلا يعذّب عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وعذابه في الدنيا هو الحد.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: ".. ولكونهم أظهروا الكفر والردة، لهذا دعاهم إلى التوبة فقال}فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا} {سورة التوبة: 74{ عن التوبة }يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} {سورة التوبة: 74{، وهذا لمن أظهر الكفر فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة".

وقال ابن الجوزي: "قوله تعالى }وَإِن يَتَوَلَّوْا} {سورة التوبة: 74{، أي: يُعرِضوا عن الإيمان }يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} {سورة التوبة: 74{ بالقتل وفي الآخرة بالنار" 
وقد أمر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- في نصوص نبويّة كثيرة... فمنها: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من بَدّل دينه فاقتلوه» 

و عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: كنت عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالساً إذ دخل رجلان وافدين من عند مسيلمة، فقال لهما رسول الله: «أتشهدان أني رسول الله؟»، فقالا له: "أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟"، فقال: «آمنت بالله ورسله؛ لو كنت قاتلاً وافداً لقتلتكما

وجاء من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي: «أما والله لولا أنّ الرسل لا تُقْتَل لضربت أعناقكما.

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «ارتدت امرأة عن الإسلام فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعرض عليها الإسلام وإلاّ قُتلت، فعرضوا عليها الإسلام فأبت إلا أن تقتل، فقُتلت

وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتل ابن خَطَل وقد كان مسلماً ثم ارتد مشركاً 
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة

وروت عائشة -رضي الله عنها - مثله عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 
وعن عثمان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس»

وفي رواية: «أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل» 

وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية، فقلت: إلى أين؟، فقال : أرسلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى رجلٍ تزوّج امرأة أبيه أن أقتله، أو أضرب عنقه، وزاد في رواية: وآخذ ماله، أو: أصفي ماله، أو: أخمّس ماله.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "إنّ تخميس ماله دَلَّ على أنّه كان كافراً لا فاسقاً، وكفره بأنّه لم يحرم ما حرّم الله ورسوله" لأنه كذَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبر به عن ربّه ، وجحود لآية من القرآن.

وفي السنَّة من النصوص الواردة في قتل الساحر ما ينضم إلى ما تقدَّم أيضاً.

وثبت القتل للمرتد من فعل صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ورضي الله عنهم:

-فقد أُتي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بزنادقة فأحرقهم بالنار 

-وورد ذلك عن ابن عمر و عثمان و أبي بكر - رضي الله عنهم - 

-ولما قدم معاذ بن جبل على أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- إذا رجل عنده موثَق، قال: "ما هذا؟"، قال: "كان يهودياً فأسلم، ثم تهوّد"، قال: "اجلس"، قال: "لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، فأمر به فقتل" 

والحكم بقتل المرتد محل إجماع من المسلمين، فلم يقع في أصله خلاف، وإن حصل اختلاف في فروعه كالاستتابة ومدتها وأنواع المكفرات.

ولكن هذا القتل لا يكون إلا بأمر حاكم؛ لأن مرجع تنفيذ الأحكام إليه، عند جمهور أهل العلم، كما لا يقتل حتى يستتاب ويصرّ على ردّته، ولا بد من تحقق الردّة بثبوت موجبها وتحقق شروطها وانتفاء موانعها من الخطأ والإكراه ونحو ذلك 
ومعنى ما سبق أن إثبات الحد الشرعي شيء، وتطبيقه في الواقع شيء آخر؛ فإن تنزيل الأحكام على الوقائع مختص بأهله.

* شبهات حول حد الردّة:

يظهر مما سبق أن الحكم بقتل المرتد حداً حدٌّ شرعيٌّ ثابت بالنص النبوي قولاً وفعلاً، وبإجماع المسلمين، ودَلّ عليه كتاب الله -تعالى- تفقهاً وعمل الصدر الأول من الأمّة، وهو متّسق مع قاعدةٍ كلية وهي إباحة دم الكافر إلا بطروء ما يعصمه.

وكل ما سبق مثبتٌ -بلا شك- أن القتل للمرتد واجب من واجبات الدين.

إلا أن هذا العصر لما شهد إعراض بعض الأمم عن تطبيق هذا الحد، أخذ بعضهم يبحث عن وسائل يجعل هذا الحد محل تردد، وأورد لذلك شبهات ، وتوصّل بعد ذلك إلى تحريم الردّة، ولكن جعل عقوبتها تعزيريّة عائدة لرأي الإمام إما بالقتل أو بالسجن أو بغيرهما 

وآخر بحثَ مثله عن شبهات وتوصل بعد عرضها والكلام حولها إلى أنّه لا عقوبة على الردة! 

ومجمل الشبهات التي أوردها هؤلاء هي:

أن عقوبة الردة وردت في أحاديث آحاد، والحدود لا تثبت بحديث آحاد، وقد تبيّن مما سبق أن حد الردة محل إجماع، والإجماع يرفع الحكم إلى القطعيات، كما أن الحديث ورد بعدة طرق، وأخرجه صاحب الصحيح مما يجعله محفوفاً بالقرائن التي ترفعه إلى إفادة العلم كما قرره الحافظ ابن حجر في نزهة النظر 

وقد نقل أيضاً في نفس الموضع الإجماع على وجوب العمل بما في الصحيح، ثم إن أحاديث الآحاد لم يتوقف علماء الصدر الأول من الإسلام عن الأخذ بها سواء في العلميات أو العمليات.

ولذا قال ابن حبان -رحمه الله- : "فأما الأخبار فإنّها كلها أخبار آحاد؛ لأنّه ليس يوجد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خبرٌ من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين، وكل واحد منهما عن عدلين، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استحال هذا ، وبطل ، ثبت أنَّ الأخبار كلها أخبار آحاد ، وأن من تنكّب عن قبول خبر الآحاد فقد الإضافة" 

كما أنّ حد الزاني المحصن وشارب الخمر وتفصيلات حدود السرقة وزنا البكر كلها إنّما ثبتت بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الآحاديّة.

ومع كل ذلك فإنَّ لدينا على هذا الحد دليلاً من القرآن تقدم، وإجماع مَرّ معنا.

ونظير هذه الشبهة: 
أن هذا الحكم لم يذكر في القرآن.

وهو مع الإشارة إليه في القرآن، ومع اعتقادنا أنَّ السنة مصدر للتشريع فإني ذاكر حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- : إذ لعن الواشمات والمتنمّصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله.
فقالت امرأة قرأتِ القرآن يقال لها أم يعقوب: "ما هذا ؟"، فقال عبد الله: "وما لي لا ألعن من لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في كتاب الله"، قالت: "لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدتُهُ"، 
قال: "والله لو قرأتيه لقد وجدتي }وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ{ }سورة الحشر: 7{

ولا شك عند كل مسلم سليم الاعتقاد أنَّ الحديث حجة بنفسه؛ فهو -عليه الصلاة والسلام- {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} }سورة النجم: 3-4.{

ومن الشبهات أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعاقب أحداً من المرتدين بقتله، وقد تبين مما سبق أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتل من ارتد وعاقب بذلك ,بل عاقب به من لم يحارب المسلمين ولم يقاتلهم.

* الردّة وحريَّة الاعتقاد:

لا شك أنّ كل مسلم يعلم أنّ الإسلام هو الدين الحقّ، وأنّ ما عداه باطل }وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} {سورة آل عمران: 85{.

لذا فإن على كل عاقل أن يسلم لله رب العالمين؛ فإن لم يسلم فقد تنكّب الصراط المستقيم، وخالف مقتضى العقل وداعي الفطرة.

ولا يعني هذا منع الإنسان من التفكير، بل هو بتفكيره السليم منقادٌ للإيمان بالله تعالى.

وعلى هذا؛ فليس للإنسان حريّة في الاعتقاد، بل مطلوب منه الإيمان، ولكن لا يُكرَه عليه، فإن أُكره فإنّ إيمانه لا ينفعه؛ لأنّه لم يكن عن قناعةٍ واطمئنان قلب.

قال - تعالى } فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} {سورة غافر: 84-85{.

أي: أنهم لمَّا عاينوا وقوع العذاب بهم وحَّدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة.

إنَّ الله -تعالى- بعث الرسل وأنزل الكتب لبيان الحق ودلالة الخلق، وإقامة البراهين والآيات والمعجزات التي تدل كل صاحب تفكير سليم إلى الإيمان}قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} {سورة سبأ: 46{.

وهذا فيه حريّة ظاهرة؛ إذ لا إكراه على اعتناق الإسلام مع أنّه المخلِّص للبشريّة من ضلالاتها، وسائر مشكلاتها، 
}لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} {سورة البقرة: 256{.

وشاهد هذا حال أهل الذمة الذين أقرهم المسلمون على دينهم دون أن يعرض أحد لهم، وإباحة الشرع للمسلم أن يتزوج كتابيّة ولو بقيت على دينها دون أن يجبرها على التخلي عنه. أما من دخل في الإسلام فإنّه قد التزم أحكام الإسلام وعقيدته التي منها أن من ارتدّ عنه قتل؛ فهو بدخوله في الإسلام التزم بأحكامه التي منها عقوبته عند الإخلال به.

وإذا كان الإنسان مخيراً في دخول أي بلد، فإذا ما دخلها لزمه الانقياد لأنظمتها وإلا استحق العقوبة على إخلاله، وليس له أن يحتج بأنّه كان مخيراً قبل دخوله لها؛ بينما المرتدّ بردته ارتكب عدة جرائم: جريمة في حق نفسه إذ أضلها، وجريمة باستخفافه بعقيدة أمته ونظامها الذي يرتكز على الإسلام، وجريمة بتشكيكه لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذا كله مؤدٍّ إلى اضطراب المجتمع واهتزازه؛ كما أنّه أعلن وجاهر بجريمته ولم يسرّ بها؛ لأنه لو أسرّ ردته صار منافقاً، ولمَّا أعلنها صار مرتداً مجاهراً 
وكل هذه الجرائم جرائم متناهية في البشاعة، فاستحق العقوبة الشرعيّة على جرائمه تلك.

إن القوانين الوضعيّة تقتل الخائن لها والمحطّم لنظمها دون أن تتذرع بأنّه يمارس حريته الشخصيّة؛ فكيف بمن يجرم في حق نفسه ومجتمعه وعقيدة أمته؟!

وبعد: فقد كان من المناسب بيان أصول المكفرات وشروط الحكم بالكفر على من وقع فيه؛ فلعل أحداً من المختصين أن ينبري لبيانها أو بيان شيء من المهم منها، والله الموفق والهادي لا إله إلا هو.

 

راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب