مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج كن داعيا: تجارب دعوية - د.سعيد دويكات           برنامج كن داعيا: تجارب دعوية - مؤمن حجاوي           برنامج منارات في طريق الدّعوة: الشيخ احمد ديدات           برنامج تفسير القرآن الكريم: تفسير النابلسي 1102 - الحجر 026 - 029           برنامج الكلمة الطيبة: حتى يغيروا ما بأنفسهم           برنامج منارات في طريق الدّعوة: الشيخ محمد ولد الددو         

New Page 1

     سُورَةُ الأَنْفَال

New Page 1

المَقَاصِدُ النُّورانِيَّةُ لِسُورَةِ الأنْفَال

 
المقاصد النورانية في سورة الأنفال
 
قوانين النصر مادية وربانية
(تلك عشره كامله) 





 

تنتهي سورة الأعراف لتبدأ سورة الأنفال فما معنى كلمة الأنفال ؟

الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه لهذه الأمة من أموال الكفار، وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نـزلت في قصة بدر أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، .فحصل بين بعض المسلمين فيها نـزاع، فسألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنها، فأنـزل اللّه يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَال كيف تقسم وعلى من تقسم؟

قال ابن عباس نزلت سورة الأنفال في بدر وعن أبي أمامة قال سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة حتى إذا كان الليل قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن نفينا عنه العدو وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به فساءت فيه أخلاق فانتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين ونزلت يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الآية))، قال الترمذي حديث حسن.

سورة الأنفال (مدنيّة)، نزلت بعد سورة البقرة، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة الأعراف، وعدد آياتها خمس وسبعون آية.


 

يوم الفرقان



 

وقد أنزلت هذه السورة بعد غزوة بدر للتعقيب عليها (لذلك سماها بعض العلماء سورة بدر). وغزوة بدر هي أول معركة في الإسلام، وسماها الله تعالى في هذه السورة بيوم الفرقان، لأنه اليوم الذي فرّق الله به بين الحق والباطل، يوم يمثل فرقاً بين عهدين في تاريخ البشرية: عهد كان الإسلام فيه مستضعفاً وعهد سيكون فيه الإسلام قوياً وله أمة قوية تدافع عنه إلى يومنا هذا. لقد كان يوماً عظيماً في تاريخ البشرية، لذلك نزلت السورة كلها للتعقيب على ذلك اليوم.

ولو كان النصر يقاس بالمقاييس المادية، فإن المسلمين لم يكونوا لينتصروا في ذلك اليوم، لأن عدد المسلمين كان ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ولم يكونوا مهيئين نفسياً أو مجهزين عتاداً للقتال، في حين كان عدد الكفار ما يقرب من ألف مقاتل كامل الجهوزية للحرب.
والجدير بالذكر أنه كان مع المسلمين في هذه المعركة فرسٌ واحد، في حين كان مع المشركين ثلاثمائة فرس. فبالمقاييس المادية كان من المستحيل أن ينتصر المسلمين في هذه المعركة.


 

سيئات الأبرار


 

الأنفال معناها الغنائم، وقد سميت السورة باسم هذه الغنائم - الأنفال -. وللصحابة تعليق لطيف على سورة الأنفال، فإنهم يقولون: فينا نحن معشر أصحاب رسول الله نزلت سورة الأنفال، حين اختلفنا على النفل وساءت فيه أخلاقنا. وليس سوء الخلق الذي يتحدثون عنه هو الذي نعرفه اليوم، ولكن عبروا عن اختلافهم بذلك لعظيم أدبهم وتواضعهم.

 






 

إن السورة تتحدث عن القوانين التي يعتمد عليها النصر، وهذا مناسب لجو السورة وسبب نزولها. فبعد أن انتصر المسلمون في بدر نزلت السورة لترسخ للمسلمين الأسباب الكونية للنصر، فهو لا يأتي من قبيل الصدفة ولا العبث، وإنما للنصر قوانين مادية وقوانين ربانية.

وهذا يعني أن للنصر سببين هامين:

1. اليقين بأن النصر من عند الله عز وجل ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[ (101).

2. الأخذ بالأسباب والسعي الجدي لتقريب موازين القوى مع الأعداء، بل والتفوق عليها إن كان ذلك ممكناً، ووضع الخطط والدراسات وكل ما له تأثير مادي على النصر.
فهذه السورة تحقق مفهوم التوكل على الله، بأن نوقن بأن الله هو الناصر، وأن نبذل كل جهد ممكن لتحقيق هذا النصر من طاقة مادية. ولذلك فإن السورة قد تضمنت قول الله تعالى: ]ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱلله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[ (53). فالآية تشير إلى أن الفعل في التأثير ليس إلا لله الواحد، ولكن بشرط أن تأخذ بالأسباب ما أمكن. فيجب أن ندرك أن النصر بين أمرين: جهد البشر وعمل القدر - تدبير الله تعالى -.

بعض الناس يظنون أن النصر معجزة ربانية فقط، فتراهم يدعون الله لينصرهم وبعد ذلك يتساءلون عن سبب تأخير النصر. فهم حقيقة لم يفهموا أن هناك أسباباً مادية ينبغي الأخذ بها من تخطيط وجهد وبذل. فلا يكفي الدعاء واللجوء إلى الله مع ترك الأخذ بالأسباب، لأننا بذلك نكون مقصرين في فهمنا لطبيعة ديننا ولسنن الله في هذه الأرض.

وبالمقابل، هناك نوع آخر من الناس يأخذون بالأسباب كلها من وضع الخطط والدراسات وجهد بالليل والنهار وبعد ذلك حين يريدون المقابلة والمقارنة مع قوة الكفار يجدون أنفسهم ضعفاء للغاية، فيظنون أنهم عاجزون عن فعل أي شيء والسبب في ذلك أنهم اعتمدوا على الأسباب المادية فقط ونسوا أن النصر من عند الله.

فالسورة ترشدنا إلى التوازن بين هذين النقيضين: أن نؤمن بتدبير الله أولاً، وأن نبحث عن الشروط المادية لتحقيق النصر.

 

النصر من عند الله





 


تبدأ السورة بسؤال:]يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلانفَالِ[ (1)، أي يسألون عن كيفية تقسيم الغنائم.

]يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلانفَالِ قُلِ ٱلانفَالُ لله وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱلله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱلله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[ (1).
وتنتقل الآيات بعد ذلك إلى سرد صفات المؤمنين: ]إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱلله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...[ (2). واللطيف أن الجواب على سؤالهم عن تقسيم الغنائم لم يأت بعد السؤال مباشرةً،إنما جاء الجواب في الآية الواحدة والأربعين أي بعد أربعين آية من السؤال: ]وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ...[.
وسبب تأخير الإجابة أنهم حين سألوا السؤال كانوا يريدون المكافأة الدنيوية على النصر، والله علمهم أن النصر أولاً وآخراً هو بتقديره ومن عنده سبحانه وتعالى.
فكان الجواب المبدئي على سؤالهم: ]قُلِ ٱلانفَالُ لله وَٱلرَّسُولِ[ (1)، وليس لكم منها شيء، وذلك من لطف القرآن في التربية في صرف أنظارهم عن الأنفال لترسيخ قوانين النصر أولاً، ثم بعد ذلك تمّ شرح كيفية توزيع الغنائم إلى أن قال لهم في آخر السورة ]فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلاً طَيّباً[ (69). فالله تعالى رسّخ ما هو أهم وبيّن أن مسألة تقسيم الأنفال هي مسألة فرعية لأنها من المسائل الدنيوية.

إن السورة تنقسم إلى نصفين: النصف الأول يركّز بشدة على أن منزّل النصر هو الله تعالى. والنصف الثاني يتحدث عن الأسباب المادية التي ينبغي الأخذ بها حتى ينزل النصر علينا.

 

القسم الأول 





 


وهو يظهر منة الله تعالى وفضله على المؤمنين بالنصر، وذلك من خلال:

1. ترتيب المعركة

قال تعالى: ]كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ[ (5).
فالكثير من المؤمنين لم يكونوا يريدون القتال، لكن الله تعالى دبّر ذلك ليحقّ الحق:
]وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱلله إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱلله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ & لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ[(7-8).
إن هذه الآيات لهي غايةٌ في الوضوح، فترتيب المعركة ابتداءً كان بتقدير الله عز وجل.

2. الإعداد النفسي للمعركة

يقول الله تعالى: ]إِذْ يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مّنْهُ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلاْقْدَامَ[ (11).
فأنامهم قبل المعركة وبعد أن استيقظوا من نومهم أنزل عليهم من السماء رذاذاً من المطر لكي يغتسلوا ويتوضأوا ويتنشطوا للقتال. فحتى الإعداد النفسي كان بتقدير من الله عز وجل.
أحد الصحابة يصف هذا الموقف فيقول بأنه حين كان يحرس المسلمين غلب عليه النعاس فنظر فإذا جميع الصحابة يغطون في النوم على الرغم من الخوف الشديد والرهبة التي كانت تحف الموقف، وذلك كله بتقدير من الله تعالى.

3. التجهيز المعنوي للجيش

وليس الإعداد النفسي وترتيب المعركة كانا من الله وحسب، بل إن الحالة النفسية - والتي ينفق الجيوش عليها مبالغ طائلة - كانت أيضاً بتدبيره سبحانه.
إن التجهيز المعنوي الرباني للمسلمين في غزوة بدر يتجلى في قوله تعالى: ]إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱلله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلاْمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱلله سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ[(43) ]وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ...[ (44).
فكان المسلمون يرون الكفار قليلاً فلا يخافون وكان المشركون يرون المسلمون قليلاً فيستهترون. نفس الرؤية ونفس المنظر كانا لهما في وقع كل طرف أثر مختلف. فسبحان من يخرج النصر ويهيّء له ويعين عليه.

4. نزول الملائكة

وهذا واضح في قوله تعالى: ]إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ[ (9).
وكذلك قوله: ]إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ[ (12).


فمن الذي فعل كل هذا، من هو المالك للأرض الذي يفعل ما يشاء؟ وكيف لا يثق الإنسان بربه وأن النصر من عنده تعالى؟ وكيف يثق المرء بغير الله؟ وكيف يعتمد على غيره؟

5. مكان المعركة وزمانها

تنتقل الآيات إلى ما هو أبعد من العوامل النفسية، فحتى مكان المعركة كان بترتيب من الله فالآية 42 تقول: ]إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ[(42).
فالعدوة الدنيا - حيث كان المسلمون - تتمتع بنوعية خاصة من التراب حيث أن المطر كان عند نزوله يثبّت الرمال تحت أقدام المسلمين مما يسهل حركتهم، وأما في العدوة القصوى فكان المطر يسبب سيولاً عند نزوله مما يعيق حركة جنود الكفار وفرسانهم. إنها قدرة الله تعالى مقدّر النصر وناصر المؤمنين.

6. (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱلله قَتَلَهُمْ)

وتتتابع الآيات ونصل إلى قوله تعالى: ]فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱلله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱلله رَمَىٰ[ (17). هذه الآية توضح نتيجة المعركة وخط سيرها حتى عند رمي النبي للتراب في وجوههم وقوله "شاهت الوجوه".
لذلك تؤكد الآيات على ضرورة طلب النصر من الله ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[ (10)، ولهذا كان النبي r يوم غزوة بدر يدعو ويدعو حتى ظهر بياض إبطيه ووقع الرداء عن ظهره r، فكان أبو بكر رضي الله عنه يقول له هوّن عليك يا رسول الله.
لأن النصر من عند الله فلا بد أن نستجيب لنداء الله تعالى:]يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[ (24).

 


القسم الثاني






 

1. أهمية الأخذ بالأسباب وأثر ذلك على النصر:


يقول الله تعالى: ]وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ[ (60). إن هذه الآية واضحة جداً في بيان هذا المعنى، فنفس السورة التي تؤكد أن النصر هو من عند الله تعالى وحده، تؤكد أيضاً ضرورة الأخذ بالأسباب. فالتخطيط إلى جانب اللجوء إلى الله هما السببان الرئيسيان في النصر، وهذه السورة تتحدث عن موازين القوى، وتشير إلى أن المعارك لا يجدي بها أن يقوم فرد ليقاتل منفرداً وينتصر على الجيوش الجرارة بحجة أن الله تعالى يقول: ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[ (10). إن هذا فهم خاطئ وناقص لدين الله تعالى وسننه التي يدير بها الكون.
والملاحظ أن الإرهاب الذي ذكر في الآية يهدف إلى منع القتال لا إلى سفك الدماء. فالمطلوب هو أن تكون للمسلمين قوة رادعة ترهب أعداءهم فتكون النتيجة وقف القتال. حتى في الحرب نرى الإسلام يدعو إلى السلم (عكس ما يعتقد الكثيرون عن هذا الدين). فالآية تقول بعد ذلك: ]وَءاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱلله يَعْلَمُهُمْ[ (60)، فهي تشمل إظهار قوة المسلمين أمام كل أعدائهم لردعهم عن القتال. لذلك تأتي الآية التي بعدها مباشرة لتقول:
]وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلله...[ (61).

2. موازين القوى المادية:

 



صحيح أن الله يؤيد بنصره من يشاء لكن لا بد من مراعاة موازين القوة والأخذ بالأسباب المادية حتى لا يقول بعض الناس: هناك تأييد رباني بالملائكة فلم الإعداد؟ يقول تعالى: ]يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ[ (65) ]ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱلله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱلله وَٱلله مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ[(66).

 

فقوله: ]بِإِذْنِ ٱلله[ فيه إشارة إلى أن الله تعالى هو الناصر وهو الذي يؤيد بنصره من يشاء، وقوله تعالى: ]وَٱلله مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ[إشارة إلى أنه لا بد من الصبر لتحقيق النصر. فسبحان من جمع بين السببين في سورة واحدة.

3. فقه قوانين الحرب:

وتشير الآيات بعد ذلك إلى سبب من أسباب هزيمة المشركين في المعركة، فإضافة إلى كونهم كفار فهم لم يأخذوا بالأسباب المادية التي تجعل النصر حليفهم، وقد أشارت إلى ذلك الآية (65): ]... وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ[ أي لا يفقهون الأسباب التي تجعل النصر حليفهم ولا يملكون الحنكة والتخطيط الحربي. يا مسلمون، تعلموا من سورة الأنفال سنن الله تعالى وقوانينه وافقهوا الأسباب المادية للنصر.

4. طاعة الله والأخوة في الله:

 




 

وتبيّن الآيات بعد ذلك أن هناك سبباً دنيوياً ينبغي تحقيقه ليتحقق النصر، وتوضح ذلك الآية (46): ]وَأَطِيعُواْ ٱلله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱلله مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ[. 
فالتكاتف وترك التنازع من أهم قوانين وأسباب النصر.

ويقول تعالى: ]وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱلله هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ & وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱلله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ[(62-63). فالأخوة هي من الأسباب الرئيسية حتى يحصل هذا النصر للمؤمنين.

5. ترك الرياء والعجب

وذلك واضح في قوله تعالى: ]وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَراً وَرِئَاء ٱلنَّاسِ...[ (47) فهذا عامل مادي آخر إضافي أدى لهزيمة المشركين عندما نحروا الإبل وسكروا وأقاموا الاحتفالات قبل موعد المعركة زهواً ليخيفوا كل العرب، فكان عجبهم بنفسهم سبباً في استخفافهم بعدوهم.

6. صفات المؤمنين إيجابية وعملية:

 


 

ونجد آيات كثيرة في هذه السورة توفِّق بين مفهوم التوكّل ومفهوم الأخذ بالأسباب، ولذلك نلاحظ معلومة هامة للغاية، فبداية السورة تذكر صفات المؤمنين وبعد ذكر هذه الصفات يقول تعالى:]أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً[ وفي آخر السورة أيضاً يذكر تعالى صفات المؤمنين في الآية (74) ويعقب عليها بقوله سبحانه وتعالى: ]أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً[. نفس الكلمات جاءت في أول السورة وفي آخرها مع أنه يوجد فارق في تصنيف هذه الصفات وحقيقتها.
فالصفات التي ذكرت في أول السورة كلها صفات إيمانية، وهي تناسب قوله تعالى: ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[. فيقول تعالى: ]إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱلله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ (2). فهي صفات إيمانية رقيقة، لأن هذا الجزء من السورة يختص بالجانب الإيماني من أسباب النصر.

وفي آخر السورة - وهو الجزء الثاني والمادي من أسباب النصر والمختص بالأخذ بالأسباب - جاءت صفات المؤمنين بأنهم: ]... ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱلله وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً[ (74) فالمؤمنون حقاً هم الذين يجمعون بين الصفات الواردة في أول السورة وآخرها، فهم خاشعون لله عباداً له ومجاهدون في سبيله وناصرون لدينه يعيشون لأجل الإسلام ويأخذون بالأسباب المادية. ولذلك كانت الآية المحورية في السورة هي قوله تعالى: ]يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱلله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ (45) فأسباب النصر جاءت مجموعة في هذه الآية، فالأمر بالثبات في قوله: ]فَٱثْبُتُواْ[ هو من الأخذ بالأسباب، والأمر بالذكر في قوله: ]وَٱذْكُرُواْ ٱلله كَثِيراً[ هو من اللجوء إلى الله صانع النصر، وختام الآية:]لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ فالفلاح يكون نزول النصر. وهذه القوانين ثابتة على مر العصور، وهذا واضح في تكرار قوله تعالى: ]كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ[ (52) مرتين للتأكيد على هذا المعنى. فالآية توضِّح أن سبب الهلاك كان كفرهم بالله (السبب الرباني) بينما الآية (54) توضِّح السبب المادي لهلاكهم: الظلم ]وَكُلٌّ كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ[.

 

لماذا سميت السورة بالأنفال


 

إن الأنفال وهي الغنائم هي إشارة للدنيا، والواقع أن المسلمين بعد غزوة بدر اختلفوا ودبت بينهم الشحناء وكادت الأخوة أن تضيع بسبب الدنيا. فالله تعالى من خلال هذه السورة يحذِّر المؤمنين من التنافس على الدنيا فتكون بذلك سبباً للفرقة وضياع الأخوة بين المؤمنين، مما يضيع اكتمال الأسباب المادية والربانية ويسبِّب الهزيمة. لذلك الآيات أمرتهم بإهمال الأنفال تماماً]قُلِ ٱلانفَالُ لله وَٱلرَّسُولِ[ حتى ترسخ أسباب النصر عندهم. فلما رسخ المعنى قسمها في الآية (41) إلى أن نصل إلى الآية (69) لتوضح أن مسألة الأنفال فرعية وتحل لهم ما أخذوا:]فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلاً طَيّباً...[.
وأسباب النصر كما ذكرنا هي لجوء إلى الله واخذٌ بالأسباب، ومن الأخذ بالأسباب الأخوة الشديدة ووحدة الصف، فلو ضاعت الأخوة وحلّت الفرقة فإن الهزيمة قادمة لا محالة. فسميت السورة بالأنفال حتى تذكرنا بما يسبب الهزيمة.

 

نسخ أحكام الميراث


 

وأخيراً ختمت السورة بنسخ حكم الميراث الذي كان متعاملاً به بين الصحابة وهو أن الأخ يرث أخاه في الله. فجاءت الآية في ختام السورة لتقول: ]وَأُوْلُواْ ٱلارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱلله[ (75) فالتوارث بين المتآخين كان مرحلة مؤقتة قبل غزوة بدر لتعميق معاني الأخوة بين المؤمنين، فلما جاء النصر وكانت الأخوة من أسبابه تحقق انصهار المجتمع لأن النصر يصلح مشاكل نفسية كثيرة في المجتمعات.
هذه سورة الأنفال. فلنحرص جميعاً على فهم قوانين النصر حتى يؤيد الله تعالى هذه الأمة. فلنلجأ إلى الله ولنثق بأنه صانع النصر: ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[، ولنأخذ بالأسباب المادية من طلبٍ للعلم وتفوق في حياتنا الاجتماعية والعملية مع الحذر من التعلق بالدنيا وزينتها "الأنفال" حتى يستجيب الله دعاءنا ويعيد العز لهذه الأمة.
 


 


 

تلك عشره كاملة
أرأيت كيف تتكامل هذه السور في رسائلها لتكون سلسلة واحدة متماسكة في موضوعاتها؟

لذلك بعد أن وضحت معالم المنهج، تأتي الأجزاء العشرة التالية لتقدّم لنا عوامل مساعدة على تحقيق المنهج، ومنها:

- التوبة. فى سوره التوبه 
- استشعار نعم الله تعالى (سورة النحل)، والتي من أهمها نعمة الإيمان (سورة إبراهيم).
- الاعتدال والوسطية في الدعوة إلى المنهج (سورة هود).
- الصبر والأمل بنصر الله (سورة يوسف).
بعد أن فهمنا أين نحن من تدبّر آيات ربنا، تعالوا إلى الأجزاء العشرة التالية من القرآن، وإلى المزيد من روائع القرآن وإعجازه.

 


 

 
أكد نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور عبدالله بن بيه أن الحلول التي يمكن اقتراحها لمعالجة الإرهاب متعددة ويمكن أن تمثل إستراتيجية متعددة الأوجه ترتكز على إجراءات أمنية وثقافية ونفسية بالإضافة إلى الوسائل السياسية والاقتصادية حتى الإعلامية، وقال: يمكن أن نحدد مجموعة من الضوابط للمشروع الإسلامي المقترح لمحاربة الإرهاب تتلخص في عدة نقاط أهمها: تحديد مفهوم الإرهاب والسلوك الإرهابي والتمييز بين الدفاع عن الأرض والعرض، وإبراز ثقافة التسامح الإسلامية وتصحيح المفاهيم المغلوطة في المنظومة المعرفية والتربوية، خاصة مفهوم الجهاد، حتى لا يختلط بمفهوم الإرهاب، والتأكيد على الشفافية في قضية الاتهام الموجه إلى الأفراد أو الدول واحترام حقوق الإنسان وسيادة الدول في هذا المجال لتكون الحرب على الإرهاب أكثر فاعلية، ومعالجة مشكلة الفقر واحترام حقوق الدول الفقيرة في النمو الذاتي، واحترام التنوع الحضاري والديني والثقافي للبشرية باعتباره عامل إثراء وانسجام وليس عامل تصادم وتباين، وتبرئة كل الديانات من وصمة الإرهاب وفي طليعتها الدين الإسلامي، والدعوة إلى حوار حضاري معمق، وضرورة معالجة الظلم في العالم، خاصة الظلم المسلط على الفلسطينيين، وتحديد الإصلاح المنشود دولياً ومحلياً و أن يكون إصلاحاً شاملاً، وإيجاد آليات تعاون أمني تنساب فيها المعلومات بشكل متبادل بين الدول. وحدد بن بيه أسباب تفشي الإرهاب بقوله: الدلالة اللفظية لهذا المصطلح في الآيات القرآنية أن كلمة (رهب) وما اشتق منها من تعاريف وردت في القرآن في اثني عشر موضعاً كانت في معظمها تتعلق بالخوف والرهبة من الباري جلت قدرته، وإن كانت آية الأنفال المتعلقة بإعداد القوة لإرهاب العدو قد توحي بظلال قد يخالها بعضهم ذات صلة بالإرهاب المعاصر، إلا أن الأمر عند التأمل الواعي يدل على خلاف ذلك، لأن الإرهاب في سورة الأنفال هو من قبيل الردع أو ما يعرف في العصر الحديث بإستراتيجية التهيؤ بالقوة لحماية السلام، بالإضافة إلى أنه خطاب موجه إلى الدولة المسلمة وليس للأفراد أو الجماعات، أما مصطلح (الإرهاب) المتداول اليوم فينبغي البحث عن تعريفه انطلاقا من مصدره الأصلي الغربي على وجه الخصوص، وذلك أن مصطلح الإرهاب: terrorismeأول ما ظهر في ملحق الأكاديمية الفرنسية سنة 1798م لوصف حكومة الثورة الفرنسية التي كانت ترهب الشعب باسم الحرية والثورة، فكان الإرهاب وصفا لنظام حكم إلا أنه منذ نهاية القرن الثامن عشر أصبح المصطلح يتعلق بعنف صادر عن أفراد وجماعات خارجة على القانون، وقد عُرِّف دولياً للمرة الأولى في عصبة الأمم سنة 1934م بأنه عمل إجرامي يهدف إلى إثارة الرعب والخوف.

بَيَانُ حَقِيقَة 
بشأن تصحيح مفهوم مصطلح ( الإرهاب ) في المرجعية الأصيلة للغة العربية و القرآن


لا شك في أن خاصة المسلمين و عامتهم مأمورون ببيان الحق شرعا بنص القرآن و السنة النبوية . و لا شك في أن هذا الأمر أمر وجوب لا أمر تخيير. فإذا كان المسلم قادرا على البيان صار الأمر أوجب . أما إذا كان السكوت عن الحق يفضي بالناس كافة إلى فتنة شاملة ماحقة ، فإن الساكت عن الحق لن يكون شيطانا أخرس فحسب ، بل سوف يكون أخطر من كل أسلحة الدمار الشامل الحاضرة و الغائبة . 
لذلك شدد الله الوعيد بالعقوبة و ليس كاللعنة الشاملة الطاردة من رحمة الله عقوبة أشد – على من كتم الحق و لم يبينه للناس ، تشديدا لا مزيد بعده، فقال ، و هو الحق و قوله الحق، في القرآن المنزل وحيا من عنده على الناس كافة : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ؛ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا، فأولئك أتوب عليهم ؛ وأنا التواب الرحيم.( 159 - 160 البقرة. 

بناء على هذا الأساس الواضح المتين ، و بعد أن انتظرتطويلا أن يتصدى لهذا الأمر الجلل من هو أعلم و أقدر مني عليه ، فلم ينبر أحد لتحمل هذه المسؤولية ، و لميزدد الخطأ في استعمال مفهوم المصطلح العربي الإسلامي ( إرهاب ) إلا انتشارا و تأثيرا سيئا في سلوك بعضالأفراد و بعض الجماعات من المسلمين و من غيرهم ،خشيت أن أكون من أكبر الآثمين بكتمان ما ألهمني الله إياه من فهم صحيح و تأصيل لغوي شرعي لهذا المصطلح .و قد شد عضدي و زادني إصرارا على تعميم هذاالبيان على الناس كافة بلغته الأصلية العربية ومترجما إلى الفرنسية و الإنجليزية ، ما أعرب عنه بعض العلماء الأجلاء من إشادة بهذا التأصيل، عندما استمعوا إلى العرض الذي ألقيته بهذا الصدد في ملتقى " حوار الحضارات "بنادي الفكر الإسلامي بالرباط، في محور" أثر الترجمة في حوار الحضارات " و تحت عنوان: (عندما تنحرف الترجمة بالحوار عن مساره إلىأوخم العواقب : مصطلح ( الإرهاب ) نموذجا .) .و إني ، بدوري ، أشيدبهؤلاء العلماء الفضلاء الذين أعربوا عن تواضعهم الجم للحق ، و إكرامهم لمن أدى حقه ببيانه للناس كما أمر الله رب العالمين .و أخص بالذكر منهم العالم الجليل الأستاذ الدكتور إدريس لكريني الباحث المتخصص في مسألة ( التيروريسم ) Le Terrorisme. فقد فاق تواضعه للحق كل المدى إذ أعلن أمام الملإ- و هو يعقبعلى العرض – أنه لم يكن يدرك المفهوم الصحيح للإرهاب في مرجعيته اللغوية العربية و مرجعيته الإسلامية قبل الاستماع إلى العرض . و أنه – بناء على هذا الفهم الأصيل المقنع – سوف يعيد النظر في كل ما كتبه من أبحاث حول ( الإرهاب ) بمفرده أو بالاشتراك مع غيره ، و نشره على عدد من المنابر الثقافية و الإعلامية مثل : مجلة " المستقبل العربي " و صحيفة "القدس العربي" و جريدة "الاتحاد الاشتراكي".. و غيرها .فجزى الله هذاالعالم الفذ و كل العلماء على ما أسدوه للعلم من اعتراف بالفضل لأهل الفضل. و ما الفضل إلا من عند الله ؛ فهو ذو الفضل و النعمة، يؤتي الحكمة من يشاء. فشكرا له حتى يرضى. و ليس هذا تزكية للنفس ، و إنما هو تحديث بنعمة الله ( و أما بنعمة ربك فحدث )، و هو أيضا اعتراف بالفضل لأهل الفضل من العلماء الأجلاء ،و شكر لهم واجب أداؤه شرعا ( من لا يشكر الناس لا يشكر الله ) . و تجدر الإشارة ، قبل الخوض في تصحيح مفهوم المصطلح العربي ( إرهاب ) ، إلى أن المفهوم الخاطئ الذي انتشر استعماله بكثافة و تركيز شديد في وسائل الإعلام ، و على ألسنة معظم العلماء و الأدباء والمفكرين المسلمين أنفسهم، قد أفضى بكثير من الشباب المسلم المتحمس غير المتفقه في الدين إلى تبني هذا الخطإ الفادح كأساس لمفهوم فريضة الجهاد . فزاد ذلكمن انتشار ظاهرة العنف المناقض لسماحة الإسلام ورحمة الله التي وسعت كل شيء من إنسان و حيوان و نبات و جماد . و لا شك في أن وزر نتائج هذه الممارسات المنحرفة الخطيرة لا يتحمله الشباب المسلم المنحرف وحده، ، بل إن العلماء الذين لم يبينوا للناس وجه الحق ناصعا كما بينه الله في القرآن ليتحملون منه القسط الأوفر . و إليكم الآن بيان تصحيح مفهوم المصطلح : 
معنى "الإرهاب" كما يجب أن يفهم من "آية الإرهاب" : 
1 ـ لماذا حدث الخطأ في ترجمة المصطلح الغربي "Terrorisme" إلى العربية ؟أ . 
لأن مجامع اللغة العربية أربعة يوحدها الافتراق ويفرقها الاتحاد، ولا سلطة لها على الاجتهادات الفردية، وليست لها استراتيجية لغوية تراعي كل المستجدات الطارئة ذات الأبعاد الدينية والقومية والثقافية والاجتماعية والسياسية. وخير دليل على صحة هذا الأمر هو صدور تعريفين اثنين للإرهاب في آن واحد عن مجمعين إسلاميين اثنين كل منهما يعتبر نفسه أعلى مؤسسة دينية ناطقة باسم الإسلام والمسلمين في العالم !ب. لأن معظم الباحثين اللغويين العرب المعاصرين لا يكلفون أنفسهم عناء البحث المتأني العميق في أصول تراث اللغة العربية وعرضه على محك القرآن الكريم وتحري ما يناسب اللفظ الأجنبي تماما من الألفاظ العربية قبل العدول في نهاية مطاف البحث الجاد الشامل عن الترجمة إلى التعريب.جـ. لأن هذه الفوضى هدمت معظم حصون اللغة العربية ومكنت أعداء الأمة من العبث بلغتها وتحميل ألفاظها ومصطلحاتها ما لا تحتمله. وهذا ما أغرى الأعداء بمحاولة هدم القرآن الكريم آخر وأهم حصون هذه اللغة. د. لأن المشتغلين بالترجمة لم يعتبروا مهمتهم واجبا شرعيا لا يتحقق على الوجه المحمود إلا إذا وافق روح القرآن الكريم، المرجع الأساسي الأوثق لهذه اللغة ؛ وأن التعريب في بعض الأحوال أحوط من الترجمة. وأعتقد أن كتاب الله الحكيم المنزل باللسان العربي المبين لا يتضمن كلمات مترجمة بل كل ما فيه من كلمات أجنبية معرب إلى حد تماهيه مع العربية الأصيلة !

2 ـ لماذا الإصرار على هذا الخطإ ؟ 
أ . لأن الوهم هيمن على الحقيقة والغفلة حارسه اليقظ. فكل من يتحدث عن الإرهاب يتوهم أنه يتحدث عن الترورسم، حتى ولو عبر عنه بلفظ عربي لا علاقة له به !
ب. لأن الخشية من بطش أمريكا الصليبية الصهيونية صار هاجسا قويا لم يسلم من تأثيره حتى بعض العلماء الذين صاروا يضربون صفحا عن الاستشهاد بآية الإرهاب )ترهبون به عدو الله وعـدوكم(، ومن اضطر إلى الاستشهاد بها كما حدث لبعضهم في أحد البرامج التلفزية المباشرة تحت ضغط أسئلة بعض المشاهدين وتدخلاتهم ذكرها مبتورة وكأنه يتستر على كلمة "ترهبون"لنفي التهمة عن القرآن حتى لا تلصق به التهمة هو أيضا بالتبعية !

3
 ـ كيف يجب تصحيح هذا الخطإ ؟
أ. يجب أن يلتزم جميع العرب والمسلمين بالعدول عن استعمال مصطلحالإرهاب" العربي بحمولته الغربية الغريبة الدخيلة في كل مجالات الإعلام والكتابة والتأليف ؛ وأن يستعملوا بدلا عنه المصطلح الإسلامي الأصيلالحرابة" و"حرابي" " ". وأفضل من ذلك أن يستعملوا المصطلح الغربي "Terrorisme" بصيغته الأصلية معربا : "ترورسم".

ب. يجب إعادة النظر في كل المعجمات اللغوية العربية سواء ما كان منها مختصا باللغة العربية منفردة أو مزدوجة، وتصحيح الخطإ بإرجاع الأمور إلى نصابها على أساس من القرآن الكريم والمراجع اللغوية العربية الأصيلة القديمة المعتبرة وأن تجمع هذه المصطلحات المصححة في معجم خاص بعنوان : "معجم المعانيالدخيلة على المصطلحات العربية الأصيلة"، على غرار "معجم الأخطاء الشائعة" و"معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة" للأديب الشاعر والباحث اللغوي الفذ محمد العدناني ؛ و"معجم الخطأ والصواب في اللغة" للدكتور إميل يعقوب.ولا شك في أن هذه الحركة التصحيحية قديمة قدم اللغة العربية، خاصة بعد انتشار الإسلام بين غير العرب. وهي حركة لا مسوغ لتوقفها أبدا، بل إن مواكبتها لتطور اللغة العربية في الزمان والمكان ليعتبر واجبا شرعيا على العلماء والأدباء والمفكرين المسلمين، بأدائه يصان القرآن الكريم من عبث العابثين، وتفهم معانيه على وجوهها الصحيحة.
جـ
. يجب إشاعة المفهوم القرآني الصحيح لمصطلح "الإرهاب" في كل وسائل الإعلام وكتب التربية والتعليم، وفي بعض النشرات المجانية. وهذا أضعف الإيمان، في مواجهة الهجمات الشرسة التي يتعرض لها الإسلام وأهله سرا وعلنا وبلا هوادة.د. يجب تصحيح كل المفاهيم الخاطئة المقحمة على المصطلحات العربية الإسلامية التي لها صلة بمصطلح الإرهاب مثل "الأصولية" و"السلفية" و"الجهاد". وقد بدأ هذا العمل الجليل الدكتور محمد عمارة بكتابه "معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام" 
فجزاه الله عن الإنسانية خيرا.

4
 ـ 
ما هو المعنى الصحيح للمصدر "إرهاب" ومشتقاته في القرآن الكريم ؟
إن المتصفح للمصادر اللغوية القديمة المعتبرة كلسان العرب والقاموس المحيط وأساس البلاغة ومعجم مفردات القرآن الكريم وغيرها لا يجد أثرا للمعنى الغربي الدخيل على مادة "رهب"
 الذي تبنته المعاجم العربية المتأخرة دون أي تمحيص ؛ إذ المعنى العربي الأصيل ينحصر ما بين خشية الله والخوف الغريزي من احتمال وقوع الأذى ، أو بعبارة أخرى ما بين "الرهبانية والرهبة".
وعلى هذا الأساس يكون معنى "الإرهاب" هو التخويف من احتمال وقوع الأذى لا التخويف بإيقاع الأذى ! وبالتالي فالقوة التي يجب إعدادها "للإرهاب" هي قوة ردع لدرء أي هجوم محتمل من العدو.وبيان ذلك بالتفصيل كما يلي :
يقول الله ـ عز وجل ـ في "آية الإرهاب" من سورة الأنفال:)وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم. وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون(تتضمن هذه الآية التي آثرت أن أسميها "آية الإرهاب" ثلاث معادلات هي : 

المعادلة الأولى :
 


 


ورباط الخيل أيضا ليس إلا جزءا متميزا من الإعداد، والهدف من الإعداد هو تحقيق القوة الرادعة لأي هجوم محتمل لا القوة البادئة بالهجوم.

المعادلة الثانية : 
 


 

فالهدف من الإرهاب هو وجوب اقتران مخافة الله بالقوة الرادعة لتحقيق العدالة والرحمة بين الناس كافة بالضرب على أيدي الظالمين المعتدين على أنفسهم إذا ما تعدوا حدود الله. وإن لم يكن ذلك كذلك فكيف نفسر أمره سبحانه في قوله : "وإياي فارهبون". وإذا كان الله يرهب عباده، فهل هو "إرهابي" بالمفهوم الأمريكي ، يجب إعلان الحرب عليه وعلى رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟!

المعادلة الثالثة 
: 
 


 


الناس ليسوا سواسية في تقدير الحق واحترامه، وليسوا ملائكة معصومين. إنما هم بشر يصيبون قليلا ويخطئون كثيرا ، ونوازع الشر فيهم أقوى من نوازع الخير. ولو طبق المسيحيون أنفسهم قول نبي الله عيسى عليه السلام : "إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فسلم له خدك الأيسر. وإن أخذ منك القميص فزده المعطف" لأكل بعضهم بعضا. لذلك كان من رحمة الله الواسعة بعباده أن يسخر للحق جنودا أقوياء يردون الناس إلى جادة الصواب لتجنيبهم عواقب انحرافاتهم الوخيمة، وبنى تحقيق السلام على أركان الرحمة الخمسة :

1 ـ البيان والتبليغ
: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )[44 النحل]

2 ـ التخيير : لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويومن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم.([256 البقرة]

3 ـ الردع : تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه .([1 الطلاق].([229 البقرة]


4ـ الجهاد
:وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا. إن الله لا يحب المعتدين.([190 البقرة] 

5 ـ المهادنة أو التوبة والصلح
: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله. إنه هو السميع العليم.( [61 الأنفال]


 

وفيما يلي إضاءة حول الحدود القرآنية لمفهوم مصطلح لإرهاب" : يقول الله ـ عز وجل- في "آية الإرهاب" من سورة الأنفال : )وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم. وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ؛ وأنتم لا تظلمون([60 الأنفال].
 


فالعناصر التي تتكون منها هذه الآية تسعة وهي على التوالي 
كما وردت في القرآن الكريم
 



 


 




يتبع بإذن الله تعالى مع مقاصد (سورة التوبة)

 

راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب