مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج اقرأ- أ. أسامه ملحس: إقرأ-ح02           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-08-مدرسة السياقة والتامين           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-07-دورية السلامة على الطرق           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-06-الشرطي الصغير           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-05-دور جهاز الشرطة في الحد من حوادث السير           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-04-دور الاعلام في الحد من حوادث السير         

New Page 1

     سُورَةُ المائِدَة

New Page 1

المقَاصِد النُّورَانيّة لِسُورَةِ المَائِدَة

إن في القرءان الكريم ترتيبان :ترتيب من حيث النزول وترتيب في مصحف الكريم . فمعجزة الرسول صلى الله عليه وسلم معجزة ليست فقط انشقاق البحر أو السير على الماء أو اشفاء المريض أو تبصير الأعمى بإذن الله لكنها معجزة ورسالة جامعة لجميع الأمم و لجميع العصور إلى أن تقوم الساعة , وإلى كونها جامعة فهي مانعه لأن يأتي بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً لذلك كان من الواجب أن ينفرد صلى الله عليه وسلم بمعجزة تبقى بقاء رسالته إلى أن تقوم الساعة وبمنهج يغطي كل أشكال الحياة إلى أن تقوم الساعة لأننا كما نعرف أن الرُسل قد أُرسلوا مسبقًا لأمم معينه و لأمكنة مخصوصة ولزمان محدد لأن العالم كان في شبه انعزال لعدم وجود الوسائل التي تيسر الالتقاء والتواصل بين الناس ولكن شاء الله سبحانه أن يختم الرسالات برسالته صلى الله عليه وسلم لتكون على موعد مع رشد العقل البشري في أن يجعل العالم كله وحده واحدة بحيث أن ظهر داء في الشرق يظهر هذا الداء فى الغرب ووجب أن يكون العلاج والمعالج واحداً .

وانفرد صلى الله عليه وسلم بمعجزةٍ تبقى.. أي تظل هذه المعجزة مع الرسالة والمنهج فتكون رسالته ومعجزته هي كما هي ولكن لو أن المعجزة جاءت على طبيعة المعجزات لإخوانه من الرسل السابقين لكانت قد انتهت بانتهاء زمانه بحيث تصبح خبراً وتاريخاً فنحن نعلم أن البحر انشق لموسى نعرفه خبراً ولم نشهده مشهداً ونعرف أن عيسى عليه السلام ابرأ الأكمه والأبرص ولكننا لا نرى هذه المعجزات إلا خبراً ولولا أن القرءان الذي نؤمن به قص علينا مثل هذه المعجزات ربما كنا نقف فيها ولكن لأن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة فيجب أن تظل معجزته باقية لتحرس المنهج وتكون دليلاً على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت معجزته هي القرءان التي تحوي المنهج والرسالة والمعجزة , فيستطيع أي مؤمن به أن يقول على القرءان الكريم بأنه منهج الإسلام وهذه معجزة رسوله وفي نفس الوقت حاضرة بيننا, ولأن الأمم مختلفة في اللغة والحضارات فقد وجب أن تكون هناك معجزة لا تختلف فيها اللغات والحضارات وهي المعجزات العقلية التي تتحقق بمرور القرون وتظهر في كل جيل تُثبت أن محمد صلى الله عليه وسلم هو النبي المُرسل والذين لا يؤمنون أن ما جاء به حقاً وصدقاً من عند الله رغم ثبوت أميته ولم يعرف عنه نشاطاً علمياً أو طبياً أو ثقافياً ثم يأتي بأشياء تتحقق بعد مضي القرون إذا لم يؤمنوا بهذه الأمور فقد رفعوه لمرتبة الألوهيه ,لأنه قد جاء بشيء مستقبلي هم أنفسهم أثبتوه بأيديهم وأقروا صعوبة الوصول إلى مثل هذه النتائج في وقت محمد صلى الله عليه وسلم .....

فكان واجباً على كل من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة الله ورسوله وتطبيق المنهج الذي نهجه القرءان الكريم وكان لِزامًا لهم أن يوفوا بكل العقود التي عقدها المؤمنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الأزمان ولأهمية هذه العقود ووجوب الإيفاء بها فكانت هذه السورة , ومن حق الله علينا أن نوفي بالعقود حيث أن الله قد قدم الكون كله للإنسان بكل أجناسه لخدمة البشرية فوجب علينا بعد قبولنا بكل هذه النعم أن نوفي العقود التي قعدناها إيماناً بخالق النعم ومسخرها لنا فكانت أول الآيات ربط بين الوفاء بالعهود ..وأحل لكم بهيمة الأنعام ...

هيّا بنا نبدأ سوياً مع سورة المائدة


سورة المائدة (سورة مدنية)، ومنها ما نزل في مكة (بعد حجة الوداع).


الوفاء بالعهود وخمسة عشر نداء من الله

نزلت بعد سورة الفتح، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة النساء، وعدد آياتها 120 آية.
إنَّ سورة المائدة هي السورة الوحيدة في القرءان التي ابتدأت بـ (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ...).
وتكرّر هذا النداء في القرءان كله 88 مرة، منها 16 مرة في سورة المائدة لوحدها.
يقول عبد الله بن مسعود: "إذا سمعت (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ) فارعها سمعك فإنه أمر خير تؤمر به أو شر تنهى عنه". ومعنى (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ) أي يا من آمنتم بالله حقاً، يا من رضيتم بالله رباً، يا من أقررتم بالله معبوداً، اسمعوا وأطيعوا.
 

 

هدفــها " نــداؤها"

 

أما هدف السورة فهو واضح من أول نداء جاء في السورة (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ) أي أوفوا بعهودكم، لا تنقضوا الميثاق، والعقود تشمل ما عقده الإنسان، من المسؤولية عن الأرض واستخلاف الله للإنسان، إلى أمور الطاعات كالصلاة والحجاب، إلى ترك المحرمات كشرب الخمر وأكل الحرام.


وكما ذكرنا فلم يتكرر نداء (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ) في أي سورة كما تكرّر في سورة المائدة (16 نداء) فسورة البقرة مثلاً فيها عشرة نداءات مع أنّ عدد آياتها أطول. هذه النداءات تشكل محاور السورة، فكلما يأتي نداء منها ترى بعده محوراً جديداً للسورة فيه تفاصيل الأوامر أو النواهي. 16 أمراً والسورة تنقلنا من أمر إلى آخر، لتأمرنا بالإيفاء بالعقود.
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "إنَّ سورة المائدة كانت آخر ما أنزل من القرءان فما وجدتم فيها من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيها من حرامٍ فحرِّموه".
ففي السورة نرى آخر آية أحكام في القرءان: (ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً) (3) من التي أنزلت في حجة الوداع.


أظن أن هدف السورة بدأ يظهر. الآن وقد تم الدين، فالتزموا بالعهد مع الله وحافظوا عليه، فأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. إنها سورة الحلال والحرام في الإسلام. لذلك جاء في الحديث "علّموا رجالكم سورة المائدة، وعلّموا نساءكم سورة النور".


محاور السورة

كما ذكرنا فكلما يأتي نداء (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ) تنتقل بنا السورة إلى محور جديد وأحكام جديدة تفصيلية. والملفت أن كل آيات السورة تدور في فلك هذه المحاور التي تبيّن أحكاماً كثيرة في الحلال والحرام:
1. الطعام والشراب والصيد والذبائح.
2. الأسرة والزواج.
3. الإيمان والكفارات.
4. العبادات.
5. الحكم والقضاء والشهادات وإقامة العدل.
6. تنظيم علاقات المسلمين والأديان الأخرى، خاصة اليهود والنصارى.


هناك تركيز في السورة على الحلال والحرام في الطعام والشراب والصيد والذبائح. وهذا يتناسب تماماً مع اسم السورة "المائدة"، فالطعام من أهم ضروريات الحياة ومع ذلك فيجب مراعاة الحلال والحرام فيه، فما بالك بغيره من شؤون الحياة؟ أيضاً خلال هذا الكم الهائل من أحكام الحلال والحرام في السورة يأتي التأكيد دائماً على أن التشريع ملك الله وحده، من أول آية (إِنَّ ٱلله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) إلى أن تأتي ثلاث آيات تحذّر من الحكم بغير ما أنزل الله، كقوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ).


تدرّج وترابط سور القرءان

وتنبَّه إلى علاقة سور القرءان السابقة مع سورة المائدة، فبعد أن أبلغت سورة البقرة مسؤولية الإنسان عن الأرض، جاءت سورة آل عمران لتحثّ المرء على الثبات، ثمّ سورة النساء لتبلغنا أنه حتى نثبت لا بد من أن نحقق العدل والرحمة مع الضعفاء خاصة مع النساء، ثمّ تأتي بعد ذلك سورة المائدة لتأمرنا بالإيفاء بكل ما سبق...

سورة المائدة تأمرنا إذاً بالعدل مع الزوجة والضعفاء وكل الناس وتأمرنا بالثبات والوفاء مع المنهج الذي أراده الله لنا وبيّنه في سورة البقرة.

لذلك جاءت فيها الآية (3) التي أعلنت ختام المنهج وإتمامه, ولاحظ أيضاً تدرّج سور القرءان الكريم في خطاب أهل الكتاب:
سورة البقرة: بيان لأخطاء أهل الكتاب فقط مع الدعوة إلى التميّز عنهم.
سورة آل عمران: مناقشة هادئة مع عقائدهم وإيجاد نقاط مشتركة.
سورة النساء: انتقاد غلو أهل الكتاب واختلافهم في عيسى عليه السلام.
سورة المائدة: مواجهة شديدة (لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱلله ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ...
ْ) (73).



"مما يعلمنا أن الإسلام منهج متدرّج في خطابه مع الأديان الأخرى"
 

 

النداء الأول: (أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ)
 

(يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِْ) (1).
فما علاقة الوفاء بتحليل الله تعالى لنا بهيمة الأنعام للذبح والطعام؟
إن أول ما ذكر بعد طلب الوفاء هو ما قد أحل، فلم يبدأ ربنا بما قد حُرِّم لئلا يكون منفراً فكلمة (أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ
ْ) توحي بأن الخطاب بعدها شديد اللهجة، فتأتي مباشرة كلمة (أُحِلَّتْ لَكُمْْ) وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة، وهذه طريقة ينبغي على الدعاة اتباعها لكسب القلوب، فالداعية لا يجدر به أن يبدأ مع من يدعوهم بما قد حُرّم عليهم، لأن الأصل في الأشياء الإباحة فيبدأ بما أبيح أولاً، ثمّ ينبّههم إلى المحرّمات بعد ذلك.
وإلى جانب الرحمة واللطف في الخطاب، هناك معنى لطيف في النداء الأول: أوفوا بالعقود حتى لا نضيّق عليكم دائرة الحلال، كما كان الحال مع اليهود.
والملفت أن هذا المعنى أشارت إليه السور المحيطة بسورة المائدة (النساء والأنعام).
فنرى في سورة النساء قوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
ْ) (160).
وفي سورة الأنعام (وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ...
ْ) (146).
لماذا كان هذا التحريم؟ (... ذٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ
ْ) (146).
فهم لم يوفوا بعهدهم مع الله فضيّق عليهم بعض الحلال عقاباً لهم، فحذار أيها المسلمون من أن يصيبكم ما أصابهم.

النداء الثاني (لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱلله)

(يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱلله...ْ) (2).
يا مؤمنين، لا تغيِّروا معالم دين الله تعالى من أوامر ونواهي.
(... وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْىَ وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ وَلا ءامّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ وَرِضْوٰناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ...
ْ) (2).
فالآية الأولى: أقرّت ضروريات الحياة (الطعام)، ثمّ الآية الثانية: بدأت بتقرير مبادئ إنسانية عظيمة:
- العدل (تأكيداً على هدف سورة النساء بإقرار العدل) (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ... أَن تَعْتَدُواْ
ْ).
- التعاون (تأكيداً على إحدى رسائل سورة آل عمران (الوحدة وعدم الاختلاف) (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاََعاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ
ْ).
وهذه الآية تشمل آلاف الصور من العلاقات الاجتماعية التي تندرج تحت البر والتقوى والتعاون.
- التقوى (وَٱتَّقُواْ ٱلله إِنَّ ٱلله شَدِيدُ آلْعِقَابِ
ْ).
(لتذكرنا بأن هذا الكتاب (هُدًى لّلْمُتَّقِينَ) كما جاء في أول سورة البقرة).
وبعد ذلك في الآية الثالثة: (حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ...
ْ).
فأول عقد ينبغي الوفاء به هو طيبات الطعام فلا يجوز أن يأكل المرء أكلاً فيه خبث...
وبعدها في الآية الخامسة: (ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ
ْ).
وهنا قد أرشدت الآية إلى حلالين : الطيبات من الطعام والطيبات من النساء سواء كنّ مؤمنات أم من أهل الكتاب بشرط أن يكنّ محصنات وذوات خلق متين. وفي هذا لفتة رائعة إلى تسامح الإسلام مع أهل الكتاب، في نفس السورة ذات اللهجة الشديدة في الخطاب معهم ونقض عقائدهم. فالله تعالى أحل لنا النساء العفيفات سواء كنّ مسلمات أو من أهل الكتاب.
وفي نفس الآية يأتي قوله تعالى: (ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإسْلاَمَ دِيناً
ْ). هذه الآية محورية كونها ختام الأحكام في القرءان وعلاقتها مع موضوع السورة أنه لا وجود للعهود إلا بعد الإتمام. فبما أن الدين اكتمل، عاهد الله تعالى أيها المؤمن على الإيفاء بعهده والالتزام بشرعه. يا ترى هل أحسسنا يوماً بهذه النعمة، نعمة إتمام الدين وشكرنا الله تعالى عليها؟
جاء رجل من اليهود إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: "يا أمير المؤمنين، إنكم تقرأون آية في كتابكم لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً". فقال عمر: "وأي آية؟" فقرأ اليهودي هذه الآية، فقال عمر: "قد علمت اليوم الذي أنزلت والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله تعالى لنا عيد".
وهنا ملاحظة لطيفة أخرى:
إن أكثر آيات السورة اختتمت بشدة وخاصة آيات المقدمة (إِنَّ ٱلله شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
ْ)(إِنَّ ٱلله سَرِيعُ ٱلْحِسَابِْ).
إلاّ الآية الثالثة التي ذكرت حكم الاضطرار (فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ...
ْ) فقد اختتمت بسعة رحمة الله تعالى (فَإِنَّ ٱلله غَفُورٌ رَّحِيمٌْ).
 

النداء الثالث (طيبات الروح)

(يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ...ْ) (6).

قد يتساءل البعض عن سبب ورود هذه الآية في وسط الكلام عن العقود والوفاء بها. فالواقع أن الآيات بدأت بطيبات الطعام ثمّ طيبات الزواج وكلها ملذات الدنيا وبعدها انتقلت الآيات إلى طيبات الروح وطهارة الروح التي تبدأ بالوضوء، وبهذا تكون السورة قد اشتملت على جميع اللذات: لذة العبادة بالإضافة للذائذ الطعام والزواج.
ويمكننا أن نستشعر خلال هذه الآيات شمولية الإسلام في الأحكام، فأحكام المعاملات قد أتت في السورة جنباً إلى جنب مع أحكام العبادات.

ملاحظة جميلة في سورة المائدة: كل 10 آيات تقريباً تأتي آية لتذكرنا بعهد الله وميثاقه. لقد ذكر العهد والميثاق في السورة 11 مرة في آيات صريحة وواضحة كأنها تقول للمسلمين "الآن وقد تمّ المنهج ووضح الميثاق، فهل ستلتزمون به؟" فتأتي الآية السابعة لتقول (وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱلله عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا...
ْ) وهنا علاقة رائعة مع سورة البقرة التي مدحت المؤمنين في ختامها (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُْ)(البقرة 285) بينما بنو إسرائيل كان قولهم (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاْ) (البقرة 93) أرأيت كيف تترابط سور القرءان الكريم وتتكامل في مواضيعها وأهدافها.

 

النداء الرابع (العدل)

ويستمر تتابع الآيات بعد ذلك إلى أن نصل إلى النداء الرابع
(يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لله شُهَدَاء بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱلله إِنَّ ٱلله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
ْ) (8).
فبعد أن تناولت الآيات إيفاء العقود في الطعام والشراب والزواج والوضوء، انتقلت إلى عقد مهم جداً (العدل) ولو مع الناس الذين نبغضهم، ولو مع الناس الذين نحاربهم. إن هذه الآية قاعدة هامة من قواعد تسامح الإسلام وعدله مع الفئات الأخرى.

 

النداء الخامس (ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱلله)

الآية (11) تذكرنا أن الله تعالى قد حفظ المؤمنين من غدر أعدائهم، فاتقوا الله يا مؤمنين وأوفوا بعهده: (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱلله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْْ).
فالله تعالى يفي بعهوده معنا سبحانه، ومن هذه الوعود الربانية الرائعة ما ذكر في الآية التاسعة: (وَعَدَ ٱلله ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
ْ) (9).

فهل سنفي بعهدنا أمام الله تعالى؟
•بنو إسرائيل وعقودهم
وبعد ذلك تذكر لنا السورة في ربع كامل نماذج من فئات لم تفِ بعهد الله تعالى وميثاقه، ولم تنفذ (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
ْ) كما أمرها الله تعالى وهم بنو إسرائيل، (وَلَقَدْ أَخَذَ ٱلله مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱلله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱلله قَرْضاً حَسَناً لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِْ) (12).


فماذا كانت النتيجة؟ (فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)(13) إنها آية شديدة في التحذير من أن نكون مثلهم فيحل علينا غضب الله ولعنته.
•قصة موسى عليه السلام مع قومه
وتنتقل بنا الآيات إلى قصة سيدنا موسى عليه السلام مع بني إسرائيل حين طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة (أرض فلسطين) التي كتبها الله تعالى لهم ووعدهم فيها
ْ(يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ الله لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ * قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا...ْ) (21 - 22).
رفضوا ونقضوا عهد الله تعالى، فكان العقاب الرباني (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلاْرْضِ
ْ) (26) حرّم الله عليهم دخول الأرض المقدسة أربعين سنة.
وقد أشرنا أن السورة بدأت بقوله تعالى بـ (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ...
ْ).
للحثّ على إيفاء العقود حتى لا يضيّق الله دائرة الحلال على الأمة، وهنا في القصة نرى أن الله تعالى ضيّق على بني إسرائيل لنقضهم عهودهم.

فالقاعدة العامة في السورة "إذا أوفى المرء بالعهود فإن الله تعالى يوسّع عليه وإن نقضها فإنه تعالى يضيق عليه".
•قصة ابني آدم عليه السلام
(وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءادَمَ بِٱلْحَقّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلاْخَرِ...
ْ) (27).
فابن آدم قتل أخاه متهوراً بسبب الغضب والحسد والغل، وأما علاقة قصة ابني آدم عليه السلام بقصة بني إسرائيل ودخولهم الأرض المقدسة هو أنهما نموذجان لنقض العهود: بنو إسرائيل نقضوا عهد الله تعالى لجبنهم، وأما ابن آدم فلقد نقض العهد لتهوّره، فهما نموذجان معاكسان لبعضهما، وكلاهما يؤدي لنقض العهد مع الله تعالى. والإسلام يأمرنا دائماً بالوسطية في كل شؤون الحياة.
ثم تأتي الآية (32) بعد القصة مباشرة للتعقيب عليها (مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
ْ) (32) لما صوّر لنا القرءان الكريم بشاعة جريمة القتل في قصة آدم عليه السلام، أتت الآيات التي بعدها بأحكام شديدة للقضاء على الفساد، فبيّنت حدود الحرية والسرقة والإفساد في الأرض.
والجدير بالذكر أن العالم لم يعرف إلا في عصرنا هذا موضوع الحق العام في الفقه القانوني، بينما نجد القرءان قد سبق هذه القوانين بـ 1400 عام، فالله تعالى يبيّن بشكل واضح (أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً
ْ)(32) فالجريمة ليست اعتداء على فرد، وإنما هي خطر على المجتمع، وهناك حق عام لا بد أن يؤخذ.

 

النداء السادس (الجهاد في سبيل الله تعالى)

يقول الله تعالى (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱلله وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَْ).
بعد أن عرضت الآيات السابقة خطر الفساد، أتت الآية (35) لتأمر المؤمنين بالجهاد ومحاربة الفساد.
لاحظ أنه في كل مرة يأتي الأمر بالجهاد في القرءان يذكر سببه (كما في سورة النساء حين ذكر الجهاد لنصرة المستضعفين):
(وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلله وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ...ْ) (النساء 75).

 

النداء 7، 8، 9: (لا للتقليد الأعمى)

وتصل بنا السورة إلى ربع جديد، وثلاثة نداءات تهدف إلى أن يكون لهذه الأمة هويتها المميزة.
(يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱلله لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَْ)
(51).
(يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱلله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَْ) (54).
(يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَاء...ْ) (57).


إن هذه الآيات لا تهدف إلى تحقير وتسفيه الأديان الأخرى، إنما تهدف للحفاظ على هوية المسلم. فهي دعوة إلى تحقيق الإنتماء الكامل إلى الإسلام. فسورة المائدة لا تمنع من التعامل مع أهل الكتاب بدليل ما سبق من الآيات كالآية (5)
(... وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَْ) التي أباحت الزواج من المحصنات من أهل الكتاب.
فالتسامح والرحمة مع أهل الكتاب أمر مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يؤدي إلى ضياع هوية المسلم وانتمائه. وهناك فرق بين الاحترام والتعاون الإيجابي والرحمة والتسامح وبين الذوبان في الآخر وضياع الهوية. لذلك نرى أن النداءات 7 و9 ركّزت على عدم موالاة الكفار ومحبتهم بينما النداء 8 حذر من الارتداد عن الدين لأنه من أخطر نتائج ضياع الهوية.
والملاحظ أن الآيات في الربع السابق ركزت على التحذير من الحكم بغير ما أنزل الله:
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَْ) (44).
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَْ) (45).
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَْ) (47).
(أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱلله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَْ) (50).
وعلاقة هذه الآيات بالنداءات الثلاثة التي بين أيدينا هي أن السبب الأساسي للحكم بغير ما أنزل الله هو التقليد الأعمى للغير.
فيا أيها الشباب أوفوا بالعقود في ترك التقليد الأعمى وأوفوا بالعقود بالإنتماء الكامل لدينكم والاحتكام إلى أوامره ونواهيه.

 

رقة الحب

ومن لطائف القرءان في النداء الثامن:
(يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱلله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ...
ْ) (54).
إن القرءان استعمل الرقة والحب في التحذير من أخطر ما يمكن أن يقع به المرء وهو الارتداد عن دين الله تعالى.
فالآية لم تقل "من يرتدد منكم عن دينه فسوف نعذّبه وندخله النار".
إن التهديد في هذه الآية كان بالحب لا بالنار. وهذا النداء الرقيق له تأثير مميّز في النفوس بعد الكلام الشديد والأوامر الشديدة التي زخرت بها السورة.

 

النداء العاشر (لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱلله لَكُمْ)
 

(يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱلله لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ٱلله لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَْ) (87).
هنا يأتي النداء أن لا يحرّم المؤمنون ما أحلّ الله لهم من الطيبات، فالتحريم والتحليل حق الله وحده، والله عندما حرّم، لم يحرّم علينا إلا الخبائث الضارة، وأحلّ لنا الطيبات المفيدة بالمقابل، فجاءت الآية التي تليها
(وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله حَلَـٰلاً طَيّباً وَٱتَّقُواْ ٱلله ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَْ) (88) لتؤكد على هذا المعنى.
والرابط بين هذا النداء والنداء الثاني
(لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللهْ) هو أن تحريم الحلال معصية لله تعالى وتغيير لشرعه تماماً كتحليل الحرام.
وهكذا نرى أن معالم الحلال والحرام في الإسلام تتضح شيئاً فشيئاً، وكل آية تضيف مفهوماً جديداً لتكمل الأحكام عند المسلمين قبل ختام نزول الآيات.

 

النداء الحادي عشر (محرّمات الشراب)

بعدما تحدثت الآيات عن الطيبات تنتقل إلى الحديث عن الخبائث (بنفس الترتيب الذي بدأت فيه السورة في الآيات (1 - 2).
(يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلاْنصَابُ وَٱلاْزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَْ) (90).
فالسورة بدأت بمحرّمات الطعام فلا بد أن تذكر محرّمات الشراب (فاسمها سورة المائدة) لتحذّر المسلم من الانغماس في ملذات الحياة المحرّمة وليفي بعهده فلا يدخل فمه قطرة خمر لتوقع العداوة والبغضاء في صفوف الأمة.
لاحظ أن الآية تعاملت مع قضية الخمر بشدة فقرنت بينه وبين الأنصاب والأزلام وهي من مخلّفات الشرك بالله وذلك للتشنيع من هذه العادة المهلكة للأمم.
والملاحظة الثانية أن القرءان استعمل كلمة (اجتنبوه) والتي هي أقصى درجات النهي والتحريم.

 

النداء الثاني عشر – الثالث عشر

(احذروا الابتلاء في الحلال والحرام)
 

يقول الله تعالى (يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱلله بِشَىْء مّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱلله مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبْ) (94) هذه الآية تحذر من البلاء (أي الامتحان) الذي قد يقع فيه المسلم ليختبر الله تعالى إيمانه وتطبيقه للحلال والحرام.
وقد نزلت عندما كان الصحابة محرمين واختبرهم الله تعالى بألاّ يصطادوا مهما كانت الطرائد منتشرة من حولهم. لذلك أتت الآية التي بعدها
(يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌْ) (95) لتؤكد على نفس المعنى. وهناك علاقة واضحة بين أول السورة وآخرها حيث نرى التركيز على أحكام الصيد.
 

 

النداء الرابع عشر (لا تضيّقوا على أنفسكم)

 

وتستمر النداءات إلى أن نصل إلى قوله تعالى (يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱلله عَنْهَا وَٱلله غَفُورٌ حَلِيمٌْ) (101).
هذه الآية ضابط من الضوابط التي وضعها الله تعالى في قضايا الحلال والحرام، يخطئ الكثير من الناس في فهمه، وهو عدم السؤال في المباحات إلى درجة تصل إلى حد التضييق على الإنسان، مما قد يؤدي إلى ترك الأمور التي ضيّق بها السائل على نفسه فيقع بما قد حرّم عليه.
فهذه الآية تدعو إلى التوازن فإذا كان الله تعالى قد أمرنا بالوفاء بالعقود لكن ذلك لا ينبغي أن يوصلنا للتضييق على أنفسنا.

وفي هذه الآيات ترابط عجيب مع سورة البقرة وقصة بقرة بني إسرائيل.

فالآية (102) تقول:
(قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَـٰفِرِينَْ).

في إشارة إلى كثرة سؤال الأمم السابقة لأنبيائهم فيضيق الحكم عليهم فلا يطيعون.
فهم في قصة البقرة
(فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونْ) لأنهم أكثروا من السؤال عن طبيعة البقرة ولونها فيما لم يطلب منهم، فضاق الحكم الواسع المطلق عليهم. ولنا في رسول الله وأصحابه الأسوة الحسنة في هذا المعنى:
قال رسول الله r يوماً لأصحابه: "إن الله قد فرض عليكم الحج" فقال أحد الصحابة: "أفي كل عام يا رسول الله".
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "لو قلت نعم لَوَجُبَتْ".
ففي سورة المائدة إذاً توازن بين التزام الأوامر والنواهي والوفاء بعهد الله وبين عدم التشديد على النفس فيما لم يأمر به الله تعالى.
 

 النداء الخامس عشر (لا تكن إمعة)

وتتوالى الآيات، وتصل بنا إلى النداء 15 والذي هو ضابط آخر من ضوابط الحلال والحرام:
(يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ...ْ) (105).
قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطيباً في الناس فقال: "إنكم تضعون هذه الآية في غير موضعها".
لأن الناس قد ظنوا أن معنى قوله تعالى
(... عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْْ) أي لا تأخذوا بأيدي أحد للهداية، فمن أراد الضلال فليضل، فأدى فهمهم الخاطئ إلى ترك الدعوة إلى الله تعالى.
لكن معنى الآية: لو كل الناس من حولك غيّرت الحلال والحرام وتركت الوفاء بالعقود، فعليكم أنفسكم يا مؤمنين، فأثبتوا على الحق ولا تغيروا أحكام الدين، وهذا مصداق لحديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا يكن أحدكم إمعة إن أحسن الناس أحسنت وإن أساء الناس أسأت، ولكن إن أحسن الناس فأحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا".
إذاً فالسورة ركزت في الندائين 14 و15 على ضابطين للأوامر
والنواهي:
- لا تضيّق على نفسك
- لا تتأثر بالناس من حولك.

 

النداء السادس عشر (الحلال والحرام في الشهادات والوصية)

 

تأتي الآية (يِـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْْ) (106) لتكمل سلسلة الأحكام في السورة، ولتثبت شمولية الإسلام لكل شؤون الحياة، من أمور الطعام والشراب، إلى الزوجات والعلاقات الأسرية إلى أحكام الحدود والعلاقات الدولية إلى المعاملات والشهادات والوصية.
تأمل معي - مرة أخرى - آية تمام الدين وشموله لكل جوانب
الحياة:
(ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناًْ)(3).
واحمد الله تعالى على النعمة التي أتمها عليك في هذا الدين وأحكام شريعته الغراء.


مقاصد الشريعة في السورة

 ولأن سورة المائدة هي سورة الحلال والحرام في الإسلام، فهي السورة الوحيدة التي جمعت مقاصد الشريعة الإسلامية الخمسة:
1. حفظ الدين
2. حفظ النفس
3. حفظ العقل
4. حفظ العرض
5. حفظ المال
فهذه السورة التي احتوت قوله تعالى
(أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱلله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَْ) تريد أن ترشدنا إلى أن شرع الله تعالى هو أحسن شرع لضمان مصلحة البشرية في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال:
1. حفظ الدين:
(يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِْ) (54) فأول ما تهتمّ به الشريعة هو حفظ الدين وترك الكفر.
2. حفظ النفس:
(مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاًْ)(32) وفيها تحريم قتل النفس.
3. حفظ العقل:
(إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلاْنصَابُ...ْ) (90) والغاية من تحريم الخمرة هي حفظ العقل.
4. حفظ العرض:
(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍْ) (5) (في تحريم العلاقة بين الجنسين قبل الزواج).
5. حفظ المال:
(وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَاْ) (38).
فمقاصد الشريعة الخمسة قد ذكرت في سورة المائدة لتثبت لنا أن الأوامر والنواهي المطلوب إيفاؤها إنما هي لضمان مصلحة الناس ضمن المحاور الخمسة المذكورة.


مراجعة العقود يوم القيامة

متى تراجع العقود؟ يوم القيامة. ولذلك كان الختام الرائع للسورة.
(يَوْمَ يَجْمَعُ ٱلله ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ) (109).
لاحظ ترابط آيات السورة، ففي البداية (أوفوا بالعقود) وفي وسط السورة
(يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ)(من أحكام الحلال والحرام) لتختم السورة بـ (يَوْمَ يَجْمَعُ ٱلله ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ).


وفي ختام السورة تأتي قصة سيدنا عيسى عليه السلام وتبرؤه من الذين ضلوا عن سبيله من النصارى. وهذا يفيد في التبرؤ من التقليد الأعمى للآخرين، فكيف ستتبعوهم يا مسلمين وسيدنا عيسى عليه السلام نفسه سيتبرأ منهم يوم القيامة.
ولأهمية ذكر يوم القيامة في حث الناس على الإيفاء بعهودهم تأتي هنا آية رائعة:
(قَالَ ٱلله هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ...) (119). والصادقون هم الذين يوفون بعقودهم مع الله ومع الناس.


لماذا سميت سورة المائدة بهذا الاسم

وأخيراً بقي أن نشير إلى سبب تسمية السورة بسورة المائدة وهل هذا بسبب ذكر قصة المائدة، فالسورة تتحدث عن الوفاء بالعقود، فما الذي يربط بينها وبين المائدة:



(إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء قَالَ ٱتَّقُواْ ٱلله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللهمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا وَءايَةً مّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ * قَالَ ٱلله إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ) (112 - 115).

فالآية الأخيرة هي آية محورية
(قَالَ ٱلله إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ...) (أي فمن ينقض العهد بعد إنزال المائدة)، فارتبطت قصة المائدة بقصة قوم طلبوا آية من الله تعالى فأعطاهم ربهم ما طلبوا وأخذ عليهم عهداً شديداً، إن نقضوه فسوف يعذّبون عذاباً شديداً.
أما بالنسبة لأمتنا، فقد أعطاها الله تعالى في هذه السورة الآية المحورية
(ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِينا) هذه الآية منحة ربانية مشابهة للآية التي أعطيها الحواريون (المائدة)، وهم قد وفوا بعهدهم فهل سيفي المسلمون بعهدهم؟

راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب