سورة الشعراء 026 - الدرس (17): تفسير الأيات (217 – 217)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الشعراء 026 - الدرس (17): تفسير الأيات (217 – 217)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج في القلب أنتم - إيمان فقهاء: في القلب انتم - ح78 - 14 - 8-2022           برنامج مــدارات: مدارات - ح22 - دمج الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة - أ نانسي الطويل           برنامج أجمل قصة حب: أجمل قصة حب - 14 - المشاركة في العناء           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - معركة القادسية           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1474 - سورة القمر 004 - 009           برنامج طبيبك ع الهوا: طبيبك ع الهوا -ح17- أمراض السرطان وأهمية الفحص المبكر         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الشّعراء

New Page 1

تفسـير القرآن الكريم ـ سـورة الشّعراء - (الآيات: 217 - 217)

01/11/2011 15:54:00

سورة الشعراء (026)
الدرس (17)
تفسير الآية: (217)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً ، وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً ، وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
     أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع عشر من سورة الشُّعراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
 
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ *إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
حقيقة التوكل :
      أيّها الإخوة الأكارم ، وعدْتكم في الدرس الماضي أن يكون الموضوع في هذا الدرس حول التَّوَكّل ، لِوُرود هذه الآية الكريمة التي فيها أمْرٌ من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ، والله سبحانه وتعالى أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فأيّ أمْرٍ مُوجَّه إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو في الوقت نفسِهِ مُوَجَّه إلى كلّ مؤمن ، فأنت أيها المؤمن أمام نصّ قَطْعِيّ الثُّبوت ، قَطْعِيّ الدلالة ، يأْمُرُكَ بالتَّوَكّل ، فما هو التوكّل ؟
      الله سبحانه وتعالى تحدَّث في القرآن الكريم عن التوكّل في آياتٍ كثيرة ، من أبْرز هذه الآيات ، قوله تعالى :
 
﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾
( سورة آل عمران )
إن الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين :
      هذه آية صريحة ، المؤمنون يجب أن يتوكَّلوا على الله ، إذاً فهمْنا من قول الله عز وجل في سورة الشعراء :
 
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾
( سورة الشعراء )
     على أنَّها موجَّهةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وأيُّ أمْرٍ يقتضي الوجوب موجَّه إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو بالتَّبَعِيَّة مُوَجَّه إلى المؤمنين ، ففي هذه الآية نصّ صريح يؤكِّد على كلّ مؤمن أن يتوكَّل على الله ، والإيمان كما يعرِّفُه بعض العلماء : إقْرار باللِّسان ، وعمل بالأركان ، واعتقاد بالجنان ، فهناك جانب داخلي ، وجانب كلامي ، وجانب سلوكي ، ويبْدو أنَّ الناس قد يُعَلّقون أهَمِيَّة كبرى على الجانب السُّلوكي ، وقد يُغْفِلون على ما يجب أن يكون في نفْس المؤمن من أحوال ، من لوازم المؤمن أنّه متوكّل ، والتوكّل سعادة ، ومن لوازم المؤمن أنّه مسْتَسْلِم ، وأنه راضٍ أنه مُفَوِّض ، فلذلك إن لم نعْرف دقائق هذه المشاعر، وكيف تتم تنميتها ؟ وكيف السبيل إليها ، فنحن لا تتوافر فينا صفة الإيمان ، الإيمان مجموعة من الحقائق التي يجب أن تعتقد بها ، ومجموعة من الأحوال التي يجب أن تشعر بها ، ومجموعة من الأقوال التي يجب أن تنطق بها ، ومجموعة من الأعمال التي يجب أن تفعلها ، فالتَّوَكّل حالة نفْسِيَّة تُلازم المؤمن ، فما التوكّل ؟ قبل كلّ شيء نحن إما بالتَّبَعِيَّة لقول الله عز وجل :
 
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾
( سورة الشعراء )
      أو بالأصالة مأمورون بالتَّوكّل ، قال تعالى :
 
﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ
( سورة آل عمران )
     هذه اللام لام الأمر ، إذا اقْترنَتْ بالفِعْل المضارع تجعله في المعنى فِعْل أمر فالفِعل اُكْتُب فِعْل أمر ، والفعل كتَبَ فعل ماضٍ ، وهناك مضارع يكْتب ، لو جاءَت لام الأمر مع الفعل المضارع يُصبحُ هذا الفعل في المعنى فعلَ أمر ، قال تعالى :
 
﴿ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾
( سورة البقرة )
     فحيثما اقْترنتْ لام الأمر بالفعل المضارع جعلتْهُ في المعنى فعل أمر ، وحيثما اقْترنَتْ لم بالفِعل المضارع جعلتْه في المعنى فعلاً ماضيًا ؛ لم يجْتهد لم ينْجح ، وحيثما اقْترنَتْ لن بالفعل المضارع جعلتْهُ للمستقبل ، بل إنَّ التَّوَكّل شرْط لازمٌ غير كافٍ للإيمان ، والدليل قول الله عز
 
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ سورة المائدة ]
     فإن لم تتوكَلوا فلسْتُم بِمُؤمنين .
الناس مع التوكل قسمان :    
     إنَّ التوكّل يفْرز الناس قِسمَين :
     قسْم مؤمنٍ إيمانًا حقيقيًّا ، وقِسْم آخر إيمانهُ شَكلي لا يُقدِّم ولا يؤخِّر ، فالذي لا يتوكَّل على الله ليْسَ مؤمنًا به ، ولا يعرفُه أساسًا ، من علامة أنّك تعرف الله ، وأنّك مؤمن به أن تتوكَّل على الله ، قال تعالى :
﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ
( سورة المائدة )
     فإن لم تتوكَلوا فلن تكونوا مؤمنين ، هناك علاقة ترابطيّة بين الإيمان والتَّوكّل ، إذا توكَّلْت فأنت مؤمن ، وإذا آمنْتَ فأنت متوكِّل .
مقاييس التوكل كما جاءت في القرآن والسنة :
    النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يُعطينا مقاييس كقوله صلى الله عليه وسلّم :
(( برئ من الشحّ من أدى زكاة ماله )) .
( الجامع الصغير عن خالد بن زيد بن حارثة بسند فيه ضعف)
     هذا مقياس دقيق .
(( وبرئ من الكِبْر من حَمَلَ حاجتهُ بيَدِهِ )) .
( الجامع الصغير عن أبي أمامة بلفظ سنده ضعيف: من حمل سلعته فقد برئ من الكبر )
 
و(( من أكثر من ذِكر الله فقد برئ من النِّفاق)) .
( الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند ضعيف)
     وهذا مِقياس ، قال تعالى :
 
﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ
( سورة المائدة )
      إن كنتَ مؤمنًا فلا بد أن تتوكَّل على الله ، وما أكْثر الهموم ، وما أكثر أشْباه المصائب ، وما أكثر المُقْلِقات في الحياة الدنيا ، والله سبحانه وتعالى هكذا جَعَلَ الدُّنيا ؛ مَشْحونةً بالمُقْلِقات وبالمَخاوِف ، ومن أجل أن تلْتجئ إليه ، فما هذه المشكلات ؟ وما تلك المخاوِف ؟ وما هذه الأشباح إلا من أجل أن تنْدفِعَ إلى بابه ، وأن تقف على بابه ، وأن تُمَرِّغَ جبْهتك في أعْتابه ، وهذه حِكمة المصائب ، من أجل أن تندفِعَ إلى الله عز وجل إذًا قال تعالى :
 
﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ
( سورة المائدة )
     إن كنتَ مؤمنًا فتَوَكَّل على الله ، وإن كنت متوكِّلاً على الله فأنت مؤمن ، هناك علاقة ترابطِيَّةٌ بين الإيمان والتَّوَكّل .
    شيءٌ آخر ، قال تعالى :
 
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
( سورة الطلاق )
     أي : يَكْفيه ، أحيانًا تُوَكِل أخًا لِحَلِّ قَضِيَّة ، وقد تُفاجأ أنَّ هذا الأخ الذي وكَّلْتَهُ بِهذه القضِيَّة ليس في المستوى المَطلوب ، بل دون المستوى المطلوب ، فخَسِرت هذه القضية ، وقد تضَعُ ثِقَتَكَ بإنسانٍ فإذا هذا الإنسان ليْسَ في المستوى المطلوب لا إخلاصًا ولا علمًا ولا قُدْرةً ، وقد ينقُصُه الإخلاص لك فَيُهْمِلُ هذا التَكليف ، وقد يكون مخْلِصًا لك ، ولكن ينْقصُه العِلم الغزير ، فَيُخْفِقُ مَسْعاه ، وقد يكون مخْلِصًا لك ، ويتمتَّعُ بِعِلْمٍ غزير ، ولكنَّ قدْرتهُ محدودة على حلّ هذه المشكلة ، لكنَّ الله سبحانه وتعالى يقول :
 
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
( سورة الطلاق )
رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالخَلق :
     إنّ الله سبحانه وتعالى خَلَقَ العِباد لِيَرْحمهم ، فهو الذي يُحِبُّهم ، وهو الذي خلقهم لِيُسْعِدَهم ، وما رحمة العباد فيما بينهم إلا جزءٌ يسيرٌ يسير من رحمة المولى القدير ، قال تعالى :
 
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران ) 
     أيْ بِرَحمةٍ جُزْئِيَّة ، وهذا تنكير التَّقليل ، وهو أرحمُ بِنا من أنفسنا ، وأرْحمُ بالابن مِن أُمِّه ، قال تعالى :
 
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
( سورة التوبة : 128)
     كلّ هذه الرَحمة التي يمتلئ بها قلبُ النبي عليه الصلاة والسلام جزْءٌ يسير يَسير من رحمة الله عز وجل ، والدليل قول الله عز وجل :
 
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
( سورة الكهف )
     هذه الألف واللام تُفيد الاسْتغراق ، أيْ الرحمة كلّها عند الله عز وجل ، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف ، وقد وصَلَها مَشيًا على قَدَمَيْه هو وغلامهُ زَيْد ، وقد ردَّ أهلها عليه ردًّا قبيحًا ، وردًّا غليظًا وردًّا مُجافيًا ، وكذَّبوهُ وسَخِروا منه ، وأغْرَوا به صِبْيانهم ، وألجؤوه إلى حائط ، وجاءهُ جبريل عليه السلام وقال : يا محمّد ، أمرني ربي أن أكون طَوْع إرادتك ، لو شئْتَ لأطْبقْتُ عليهم الأخْشبَيْن ! يعني الجبلين قال : لا يا أخي اللهمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون ماذا فعَل النبي عليه الصلاة والسلام ؟ الواحدُ مِن الناس إذا مَسَسْتَهُ بِسُوء يتمنَّى أنْ يُمَزِّقَكَ إربًا إِربًا ، إنْ مسَسْتَ مكانتَهُ ، وإن مسسْتَ سُمْعتَهُ ، وإن مسسْتَ ماله وحاجاته ، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء ليَهْديهم فكان الأذى والصد ردّهم قال : يا محمّد أمرني ربّ أن أكون طَوْع إرادتك ، لو شئْتَ لأطْبقْتُ عليهم الأخْشبَيْن ! يعني الجبلين قال : لا يا أخي اللهمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون لعلّ الله يُخْرج من أصلابهم من يُوَحِّدُه ، هذه رحمة الله ، قال تعالى :
 
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران ) 
     أما الله سبحانه وتعالى :
 
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
( سورة الكهف )
    الرّحمة كلّها عنده ، إذًا كما قال تعالى :
 
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
( سورة الطلاق )
     يُحِبُّنا ورحيمٌ بنا ، وعلمهُ لا حدود له ، أحيانًا تُعطي آلةً لإنسانٍ تتوهَّم أنَّ فيه العِلم الكافي لإصلاحها ، فإذا هو يُفْسدها ، ويُخَيِّب ظنَّك فأنت توكَّلْت عليه فأفْسَدَ لك الآلة ، إذًا عِلْمهُ ليس في المستوى المطلوب ، عِلْمُ الله عز وجل محيط ، وبكلّ شيءٍ عليم ، وأحيانًا تضعُ هذه الحاجة عن زَيْد ، وزيْدٌ يُحِبّك ومخْلصٌ لك ، وزيْدٌ علْمهُ غزير ، ولكنّ قدْرتَهُ محدودة ، يقول لك : هذه ليْسَت في طاقتي ، وتحتاج إلى توقيعٍ من فلان، وفلان لا يُوَقّعُها ، حاوَلْتُ معه فَرَفَضَ ، توسلت له فأبى ز
    أما ربّنا عز وجل فكل شيء بين أُصبعيه ، والقلوب بين أُصبُعَيه كما قال عليه الصلاة والسلام ، كُنْ فيَكُون وزل فيَزُول ، إذًا محبَّتُهُ وعِلْمُهُ وقُدْرتُهُ ، قال تعالى :
 
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
( سورة الطلاق )
     لذلك قالوا : إذا أردْتَ أن تكون أقوى الناس فَتَوَكَّلْ على الله ، لو كنْتَ مُجَنَّدًا في ثكنة ، وكان لك رفيق عِرِّيف ، وهو يستطيع أن يتغاضى عنك إذا غبْتَ ، وتنتهي هنا مسؤوليَّته ، ولكنّ هناك قضايا تحتاج أكثر من عِرِّيف ، لك ملازم رفيقك ، هذا رتبتُهُ أوْسَع ولكن محدودة ، فما قولك إذا كان قائِدُ الجيش مِن طرفك ؟ أيُّ شيءٍ يعْسُر عليه في تطبيق الأنظمة النافذة ؟ كلّما كان الذي توكَّلْت عليه عظيمًا كلَّما أوْرَثَكَ أمْنًا واطْمِئْنانًا ، كلّما رفعْتَ المسْتوى توسَّعت في الراحة ، فلِذلك :
 
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
( سورة الطلاق )
    هناك آية أخرى تُفيد المعنى نفسه ، قال تعالى :
 
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا
( سورة النساء )
   يكْفيك أنّ الله عز وجل إذا توكَّلْت عليه لا يُخَيِب ظنَّكَ ، لذلك يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :
(( أنا عند ظنِّي عبدي بي فليظن بي ما شاء )) .
( الترمذي وابن ماجه )
   ولا تقل : هذا الشيء صعب ، قال تعالى :
 
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
     الأشياء التي تبْدو لك مستحيلة هي مسْتحيلة بِحُكم العادة ، ولكنَّها على الله ليْسَت مسْتحيلة ، وسَلْ الأطِبَّاء عن الحالات التي تمَّ في الشِّفاء بعد أن كان الشِّفاء ميْؤوسًا منه ؟ يقولون لك : هناك آلاف الحالات شفيت شفاءً ذاتياً ، فيا أيّها الأطِبَّاء ، ماذا تُسمُّون شفاء هذه الحالات ؟ قالوا : الشِّفاء الذاتي ، مرضٌ مَيْؤوسٌ منه ، ومع ذلك إذا تدخَلَتْ قدرة الله عز وجل أصْبح السقيم صحيحًا ، والفقير غنِيًّا ، والطريد آمِنًا ، ولكن إيَّاك أن تتوكَّل على الله عز وجل في الباطل ! يا محمَّد ، هكذا قال بعض من حَوْل النبي ، مثِّلْ بهم يتصدون قتلى المعارك من الكفار ، هؤلاء كُفَّار قريش الذين أخْرجوك ، وعذَّبوا أصْحابك ، وقاتلُوك ، وكادوا لك ، وشَتَموك ، واتَّهَمُوك بالسِّحر والجنون ، والشِّعْر ، هؤلاء قد قتلْتهم بِبَدْر مثِّلْ بهم فقال عليه الصلاة والسلام : لا أُمثِّلُ بهم فيمَثِّل الله بي ، ولو كنتُ نبيًّا !!! هذه النّقطة أتمنَّى أن تقفوا عندها ، يعني أن تتوكَّل على الله لِتُؤْذيَ الناس  ولِتَنال شيئًا ليس لك ؛ هذا شيءٌ مستحيل ، إذا كان بعض البشر يُحابون أتباعهم على الباطل ، فهذا ليس من صفات الله عز وجل ،
(( لو أنَّ فاطمة بنتُ محمّد سرقَتْ لقطَعْتُ يدها )) .
( البخاري عن عائشة )
(( يا فاطمة بنت محمَّد ، يا عبَّاس عمّ رسول الله ، أنْقِذا نفْسَيْكُما من النار فأنا لا أُغني عنكما من الله شيئًا )) .
( الترمذي)
(( من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبُه )) .
( الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه)
 (( لا يأتيني الناس بأعمالهم ، وتأتوني بأنسابكم )) .
 
( ورد في الأثر )
لا محاباة في الدِّين .
(( لا فضْل لِعَربيّ على أعجميّ إلا بالتّقْوى )) .
( البيهقي عن جابر)
(( الناس كلّهم بنو آدم ، وآدم من تراب )) .
( الترمذي  وأبو داود عن أبي هريرة)
(( الخَلْقُ كلّهم عِيال الله ، وأحبُّهم إلى الله أنفعهم لِعِياله )) .
( البخاري عن عائشة )
     الله سبحانه وتعالى لا يُحابي أحدًا .
     قال سيدنا عمر رضي الله : << يا سعْدُ ، لا يغرنَّك أنَهُ قد قيل : خال رسول الله ‍>> ! لا يوجد صحابي قال له النبي صلى الله عليه وسلّم : (( فِداك أبي وأُمِي )) إلا سيّدنا سعْد ، قال له : (( ارْمِ سَعْدُ ، فداك أبي وأُمِّي )) .
( الترمذي وابن ماجه عن علي )
     وكان إذا دَخَلَ سعْدُ ، يقول : هذا خالي  أروني خالاً مثل خالي ، هل بعد هذه المحبّة محبّة ؟ هل بعد هذا الإيثار إيثار ؟ وهل بعد هذا التَّكريم تكريم ، ومع ذلك سيّدنا عمر الذي عرف الله عز وجل قال : يا سعْدُ ، لا يغرنَّك أنَهُ قد قيل خال رسول الله ‍! لا تغترّ ، فالخلْق كلّهم عند الله سَوَاسِيَّة ، وليس بعينه بينهم قرابة إلا طاعتهم له ، وهذه المعاني تبثّ الطمأنينة في النَّفس ، يقول لك : أنا مَنْسوب !! قال عليه الصلاة والسلام :
(( أنا جدّ كلّ تقيّ ولو كان عبْدًا حبشِيًّا ...)) .
( سلسلة الأحاديث الضعيفة)
و : (( سلْمان مِنَّا آل البيت )) .
( الجامع الصغير عن عمرو بن عوف)
      قال تعالى :
 
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
( سورة المسد )
      فأبو لهب عمّ رسول الله !! << ويا سعْدُ ، لا يغرنَّك أنَهُ قد قيل : خال رسول الله ‍! فالخلْق كلّهم عند الله سَوَاسِيَّة ، وليس بينهم قرابة إلا طاعتهم له >> .
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ 
    إذاً هذا الكلام كلّه تمهيد لهذه الآية :
 
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ
( سورة النمل )
     إذا كنتَ على الحقّ فتوكَّل على الله ، وإن كنتَ على خِلاف الحق ، فإن توكَّلْتَ أو لم تتوكَل فلن يكون الله معك ، قال تعالى :
 
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾
( سورة المائدة )
     معِيَّة الله مَشْروطة ، لا توجد هناك مَعِيَة مطلقة ، إن فَعَلْتُم كذا وكذا فلكم كذا وإلا فلا !! قال تعالى :
 
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ
( سورة النمل )
     فيا أيّها الإخوة الأكارم اِجْتهَدوا أن تكونوا على الحقّ المبين ، في بيعِكَ وشِرائِك ، من دون غِشّ أو تدْليس ، ومن دون غَدْر ولا اسْتِغلال جهْل الشاري ، غبْن المسترسل ربا وحرام ! وفي علاقتك بِزَوْجَتِك لا تكن ظالمًا ، إذا كنتَ على الحقّ المبين فتوكَّل على الله ، وفي أيّ حركاتك وفي أيّ نشاط ، وفي أيّ تحرّك ، كُنْ على الحقّ ، ولا تخْشَ في الله لوْمة لائم ، قال تعالى :
 
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ
( سورة النمل )
    و أحيانًا يكون للإنسان صاحب وثيق الصِّلة به ، وهذا الصاحب له شأن كبير في المجتمع ، هذا الصاحب يُدْخل على قلبهِ الطمأنينة ، يقول لك : أنا فلان صاحبي ولا يهمني إذاً أحداً ! فإذا مات هذا الإنسان ؛ ماذا تفعل ؟ ربّنا عز وجل قال :
 
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾
( سورة الفرقان )
     هؤلاء يموتون ، قد يموت قبل أن يُعْطيكَ ما وعَدَك به ، وقد تُعَلِّقُ على صُحْبتِهِ آمالاً عريضة ، فيموت بِحادِث ، أين آمالك ؟ ضاعَت مع هذا الحادث ! قد تُعَلِّقُ عليه أحلامًا فتقول : وعدني بهذا المنصِب ، ووعدني بهذه الأرض ، ووعدني بِمُوافقته على سفري ، فإذا ماتَ فجأةً أين هذه الوعود ؟ لكن كما قال الشاعر :
اِجْعَل لِربِك كلّ عِزٍّ يستقرّ ويثبت فإذا      اعْتَزَزْتَ بِمَـن يموت فإنَ عِزَّك ميِّتُ
    لذلك قال تعالى :
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾
( سورة الفرقان )
    الآية الأخيرة في التوكّل :
 
﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة آل عمران )
    معنى ذلك أنَ كلّ عملٍ في الأرض لا ينْجح إلا بِشَرْطَين ؛ أن تأخذ بالأسباب التي رسمها الله عز وجل ، وأن تتوكَل على الله عزو جل الذي يحدث أنَّ هناك من يأخذ بالأسباب بِكُلّ طاقاته ، ولكنَّه لا يتوكّل فَيُخْفِق ، وهناك من يتوكَّل ولا يأخذ بالأسباب فيُخْفِق ، إذًا الأخْذ بالأسباب والتَّوكّل كلاهما شرط لازمٌ غير كافٍ ، خُذْ بالأسباب وتوكَّل على الله ، لذلك قال تعالى :
 
﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
     هذا الطبيب ، المحامي ، المهندس ، المُدرّس ، البائع ، التاجر ، الصانع ، قبل أن تقول خطَّطْت ، وقرَّرْت ، ودرستُ السوق والأسعار والمواد ؛ قُلْ : اللهمّ لا سَهْل إلا ما جعلتهُ سهلاً ، وأنت تجعل الحزن إذا شئْت سهلاً ، واللهمّ إنِّي تبرَّاْتُ من حولي وقوَّتي ، والْتجأْتُ إلى حولِك وقوَّتك يا ذا القوّة المتين ، قبل أن تقول : أنا ، أعْلِنْ افتقارك إلى الله عز وجل حتى تسْتحِقَّ المعونة ؛ لأنَّه من اتَّكَلَ على نفْسِهِ أوْكلَهُ الله إيَّاها ، ومن شُؤْمِ العَبْد أن يعْتدَّ بِنَفْسِهِ فيَكِلُهُ الله إليها قال تعالى :
 
﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا*إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا*إِلا الْمُصَلِّينَ
[ سورة المعارج ]
    لأنَّهم متوَكِّلُون .
صور عملية لحقيقة التوكُّلِ والأخذِ بالأسباب :
    النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يقول :
(( لو أنَّكم توكَّلتم على الله حق توكّله لرزقتم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا ، وتروح بطانا)) .
( الترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب)
    هناك توكّل هوائي ، وتوكّل فارغ ، وتوكّل شكلي ، وهناك تواكل ، وفي  حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام :
(( من قال : لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ...)) .
( أخرجه الحاكم )
    ومعنى راحَ في الحديث السابق عاد إلى بيْتِهِ ، على خِلاف اسْتِعمال العامّة لهذه الكلمة ، فلو طرقَ الإنسان بابك ، وقال ابنك للطارق : راح بابا ‍!! وكنت أنت داخل البيت ، فابْنُكَ صادِق ، لأنَّ راحَ بِمَعنى عاد إلى البيت وغداً ذهب إلى عمله ، ولكنَّهُ كاذِبٌ شرْعًا لأنَ السائل فَهِمَ أنَّه ليس في البيت ، فهو صادقٌ لغةً ، وكاذِبٌ شرْعًا ! لو أنَّكم توكَّلتم على الله حق التوكّل ...." خِماصًا أي جائعة ، بطنها فارغ ، وتعود بطانًا أيْ ممْتَلِئَة ، فهل يُفْهم من هذا أنَّ الطَّيْر بَقِيَتْ في أعْشاشِها وجاءها الرِّزْق ؟ قلَّما من ينتبِه لهذا الحديث ، عامَّة الناس يظنون أنَّه يأتيها رزقها رغَدًا ، طيِّب هذه الطَّيْر تركَت عشَّها ، وطارَتْ تبْحثُ عن رِزْقها ، إذاً التَّوَكُّل يُرافقهُ السَّعي ، والسيّدة مريَم ، أليس الله سبحانه وتعالى قد تكفَّلَ بِرِزْقها ؟ ولكن ما قال لها : كُلِي ، ولكنه لن يقل لها كما في قوله تعالى :
 
﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا
( سورة مريم )
   يحتاج الأمر إلى حركة وهزَّة ، فالسيّدة مريم أُمِرَتْ أنْ تهزّ جِذْع النَّخْلة وهذه الطَّيْر تغْدو خِماصًا ، اُخرج من بيتك ، واسأل ، وابْحَث ، ولكن أن تقْبعَ في بيتك ، وتتمنَى أن يأتيك رزقك ، فهذا سوء أدبٍ مع الله عز وجل ، والنبي عليه الصلاة والسلام مِن أدْعِيَتِهِ الشَّريفة يقول : اللَّهمّ إنِّي أسْألك التَّوفيق مِن محابِّك من الأعمال ، وحُسْن الظنّ بِك ، وصدق التوكّل عليك .." يعني هناك توكّل كاذب ، وتوكّل صادق ، فإذا قلْتَ توكّلْتُ على الله ، وأعمالك كلّها معْقودة على زَيْد أو عُبَيْد ، هذا توكّل كاذب ، وتوكَّلْتُ على الله ، وأنت متوكِّل على فلان ؛ هذا توكّل كاذب ، النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ويقول : اللَّهمّ إنِّي أسْألك التَّوفيق مِن محابِّك من الأعمال ، وحُسْن الظنّ بِك وصدق التوكّل عليك .
[قالها إبراهيم فنجَاه من النار ، وقالها محمّد حينما قال له الناس : ] إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ     روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن ابن عباس : أنّ الآية ]حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ [ ، كان من الممكن لسيدنا إبراهيم أن ينْجُوَ من القبْض عليه ، وكان من الممكن ألا يُفكِّر قومه بإحراقه بالنار ، وكان من الممكن أن تسقط أمطار غزيرة تُطفئ النار ، مكَّنَ الله قوْم إبراهيم من القبْض عليه ومكَّنهم مِن جمْع الحطب وإشعال النِّيران ، ومكَّنهم أنْ يضعوه بِطَريقةٍ تجعله في وسط النار ، كلّ هذا من أجل أن تكون هذه القِصَّة شيئًا صارخًا جدًّا جدًّا على مدى الأجيال ، فإذا الإنسان أُضرِمَت له النِّيران بِشَكل مُخيف وأُلْقِيَ فيها فهذا موتُهُ مُحَقَّق ، لكنَّ النار عند أهْل السنَّة والجماعة لا تُحْرقُ بِذاتها ، ولا تُحْرقُ إلا إذا سمَحَ الله لها أن تُحْرق ، لذلك علماء التَّوحيد يُلخِّصون هذه العقيدة بِكَلمتين : عندها لا بها ، فالنار تُحْرق عند مشيئة الله لا بِقُوَّة مودَعةٍ فيها، والدَّواء لا يشْفي إلا عند مشيئة الله لا بِقُوَّة مودَعةٍ فيه ، وهذه الخلايا لا تنْمو نُمُوًّا عَشْوائيًّا إلا بِمَشيئة الله لا بِقُوَة مودعةٍ فيها ، وهذا الدَّسام يضيقُ بِمَشيئة الله لا  بِقُوَة مودعةٍ فيه يجب أن تعْتَقِد أنّ كلّ شيءٍ لا يقعُ إلا بِمَشيئة الله ، يقولون  عندها لا بها ، لذلك جاءهُ جبريل ، وقال له : ألَكَ حاجة ؟ قال : منك ؟ قال : لا ، من الله عز وجل ، قال : " علمه بِحالي يُغني عن سؤالي ! " قال : حسبنا الله ونعم التوكل فنجَّاهُ الله من النار ، وإنسانٌ يُقْذَفُ في الماء فيلْتَقِمُهُ الحوت ! والله هذا شيءٌ مستحيل ، قد يركب الإنسان مركبةً ، ويكون احتمال في تدهورها بحدود كبيرة ، وفي أثناء تدهْوُر هذه المركبة بنحو ذلك الإنسان الذي يركبها ، علماً بأن احتمال نجاته كان ضئيلاً ، ولو أنَّ واحدًا ركِبَ طائرةً ، واحْتَرَقَتْ في السماء ومقعده في مكان انْشِطارها مقعدُه فنَزَلَ هذا الراكب من ارْتِفاع ثلاثة أربعين ألف قدم ، فالأمل بالنَّجاة صِفْر !! لكنه نزل بِغابات سويسْرا بالشِّتاء ، ولكن سماكة الثلج على أغْصان الصَّنوبر خمسة أمتار ، فهذه الأغصان مع الأمتار الخمسة امتصَّت الصَّدْمة فَنَزَلَ واقِعًا على قدَميْه ! أما إذا وقعَ الإنسان في الماء ، والْتَقَمَهُ الحوت ، وكان في ظلمات ثلاث ؛ في ظُلْمة البحر ، وظلمة الليل ، وظُلمة بطْن الحوت ، فكم الأمل ؟! صفْر ، ربّنا عز وجل قال :
 
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ ﴾
( سورة الأنبياء )
قانون : وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
     القصَّة انْتَهتْ واتضح مصير يونس ، وبدأ التَّعليق الذي قلَبَها إلى قانون ، قال تعالى :
 
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
( سورة الأنبياء )
     فكُلَّما واجَهَك أمرٌ تذكَّر سيّدنا يونس وتوكل على الله واستسلم لله مثله ، وهو في بطن الحوت في ظلْمة بطْنِهِ ، وفي ظلْمة الليل ، وفي ظلمة البحر ، ولم يجعلها الله تعالى خاصَّة به ، وقال :
 
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
( سورة الأنبياء )
      فكان قانونًا إلهياً لكل مؤمن . وكلَّما ألمَّ بك أمْر لن يكون أمرك أصْعب من سيدنا إبراهيم الذي ألْقيَ في النار ، قال تعالى :
 
﴿ قُلْنَا يَا نََارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ
( سورة الأنبياء )
    لولا كلمة سلامًا لمات من البرْد ، فالتَّوَكُّل يدفع في النَّفْس الطمأنينة  ويبثّ الراحة والرِّضا ، ويبثّ فيك أنّ الله يُحِبُّك ، وأنَّك بِعَيْنِهِ ، قال تعالى :
 
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ
( سورة الطور )
     وقالها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه حينما قيل لهم : ]إِِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ [ .
    أحيانًا يقولون لك : احْذَر ! فإنِّي قرأْتُ شيئًا بِعَيني ضِدَّك ، ولكنك تسلك سبل الحق ، فقُل له : حسبنا الله ، ونِعم الوكيل ، الله عز وجل بِيَدِهِ كُلّ شيء ، خُصومك بيَدِهِ ، وحُسَّادُك بيدِهِ ، وأعداؤُك بيَدِهِ ، وأنفاسهم بيَدِهِ ، وقلوبهم بيَدِهِ ، وحركاتهم وسكناتهم بيَدِهِ وإلْهاماتهم بيَدِهِ ، وقُدراتهم بيَدِهِ ، قال تعالى :
 
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ*إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾
( سورة هود )
     أنت علاقتك ليس مع الدَّواب المربوطة ، ولكن بِمَن هو ماسكها بيَدِه! فإذا قرَّبها من أحد أخافه بها ، كالكلب العقور المخيف ، قال تعالى :
 
﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
( سورة هود )
     علاقتك مع من بيَدِهِ زِمام هذه الوُحوش ، ربّنا عز وجل قال :
 
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ*وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ*وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ*وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
[ سورة الفلق ]
هناك أشخاص يُحِبُّون إيقاع الأذى ، وهناك وُحوش فِعْلِيَّة في الصَّحراء ، وهناك حشرات مُخيفة ، وهناك ثعبان وأفعى وعقرب ، وهناك إنسان كالعقرب يُحبّ أن يوقِعَ فيك الأذى :
أَطِعْ أمْرَنا نرْفَعْ لأجلِكَ حُجْبنا   فإنَ منَحْنا بالرِّضا من أحبَّنا
ولُذْ بِحِمانا واحْتَمِ بِجَنابِنــا    لِنَحْميك مِمَّا فيه أشرار خلقنا
*  *  *
      فهؤلاء الأشرار لهم دَوْر كبير جدًّا ، وهو أنَّهم يُقَرِّبوك من الله عز وجل ، وكلَّما خوَفُوك تُقَرِّب من الله عز وجل أكثر ، فهم لهم دَوْر إيجابي في مسارك لأن الإنسان المؤمن إذا خاف الْتَجَأَ إلى الله عز وجل .
     النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( اللهمّ لك أسْلمْتَ وبك آمنت ، وعليك توكَلت وإليك أنبْتُ ، وبك خاصَمْتُ ... )) .
( أبو داود عن ابن عباس )
    ولخَّص هذا كلّه بِدُعاءٍ فقال عليه الصلاة والسلام :
(( اللهمّ بِكَ وإليك )) .
( أبو داود عن علي )
     أي أنا بك ، عِلمي بك وقُدْرتي بك وحِلْمي بك ، ورزقي بك ، وأنت الهدف الأكبر
 والنبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا هذا الدُّعاء ؛ قال :
(( من خرج من بيته فقال : بسم الله ، توكَّلت على الله ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله ، يُقال له : هُديتَ ووُقيتَ وكُفيتَ )) .
( الترغيب والترهيب عن أبي هريرة )
     الإنسان يخرج من البيت صباحًا ، يا ترى يرجع من دون مشكلة ؟ قد تأتي مشكلة كبيرة بالنَّهار ، يذهب ماله كلّه ، وقد يتعرض لحادث ما فيفقد بعض الأعضاء ، وهناك مشكلاتٌ لا تعَدّ ولا تُحْصى ، فإذا خرج الإنسان من بيته وقال : توكَّلت على الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله يُقال له : هُديتَ ، ووُقيتَ ، وكُفيتَ ، حتى إنّ بعض العلماء قال : إنَّ التوكّل هو نصف الدِّين ! من أين لك بهذا ؟ قال لأنَّ الله عزَّ وجل يقول :
 
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( سورة الفاتحة )
     القرآن كلّه جُمِعَ في الفاتحة ، والفاتحة كلّها جُمِعَتْ في هذه الآية ، إياك نعبد وإياك نستعين ، فأحدهما الطاعة ، والثانية التَّوَكُّل ، ونصف الدِّين هو التَّوَكّل .                                                                                                                                                     
التوكّل عامٌّ :
     بل إنَ بعض العلماء يقول : التوكل عامّ ، فما مِن إنسان إلا ويتوكَّل ، ولكن هناك إنسان يتوكَل على الله لِيَستقيم على أمْرهِ ، ويتوكَّل عليه لِيصْلح حاله مع ربّه ، ومنهم من يتوكَل على الله من أجل الرِّزْق ؛ يا فتَّاح ، يا عليم ، يا رزَّاق ، يا كريم ، والتاجر يتوكَّل على الله ، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يَجْبُر عنه هذه البِضاعة ، والمُزارع يتوكَل على الله فلعلَّ الله عز وجل يُنْبتُ له الزَّرْع والزَّيْتون فيجني هذه الثمار فيعيش طوال العام ، والصانع يدعو لعلّ الله عزَّ وجل يُوفِّقُهُ إلى هذه الصِّناعة ، والمعمل يحتاج إلى مواد أوَّليَّة ، وله إنتاج ، وعمَّال ، وأُجور ، ويحكي لك همومًا لا تنتهي ، فكلّ إنسان له عند الله تعالى هُموم .
     وهناك من يتوكَّل على الله في أمْر آخرته ، يا ربّ اِهْدِني ، واهْدِ بي يا ربّ أصْلِح حالي معك ، ويا ربّ ألْهِمني السداد والرَّشاد ، وألْزِمني سبيل الاستقامة ، هناك من يتوكَّل على الله لِصَلاح أمْر آخرتِهِ ، قال : هذا أعلى أنواع التَّوكّل وأسماها وأقْدَسها ، وهناك من يتوكَّل على الله من أجل دُنياه ، اللهمّ أصْلِح لنا ديننا الذي هو عِصْمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ، فهذا يحتاج إلى زوجة صالحة يأمرها فَتُطيعُه ، وينظر إليها فتَسُرُّه ، ويغيبُ عنها فتَحْفظهُ ، وهذا يحتاج إلى بيت مُشْمس ، مساحته مئة وعشرون متراً ، ولكن هناك من يتوكَّل على الله في المعاصي ، أحيانًا يتلبَّس بِمَعْصِيَة فإذا كُشِف فالوَيْل له والثُّبور ، ويقول : يا ربّ !! فالتَوكّل عام ، ولكن هنيئًا لمن كان توكُّله في ما يُرْضيه ، في الدَّرجة الأولى لِمَن كان توكّله لأمر الآخرة ، وفي الدرجة الثانية لمَن كان توكّله في الدنيا في المباحات المَشروعة ، وأحدهم قال لشيخه ـ فاسمع للحوار بينهما ـ أريد أن أعْصِيَ الله ، فقال له شيخه : خمسُ أشياء إن فعلْتها لا تضرّك معْصِيَة ، فقال له: ما هي ؟ قال : إذا أردْتَ أن تعصي الله عز وجل فلا تسْكُن أرضَهُ، فقال : وأين أسْكُن إذًا ؟! فقال له : أتسْكُن أرْضَهُ وتعْصيهِ ! وتشرب الماء الذي هو من خلْق الله عز وجل ، فقال : هاتِ الثانِيَة ؟ قال له : إذا أردْت أن تعْصيه فلا تأكل رزْقهُ ! فقال : ماذا آكلُ إذًا ؟! قال : أتسْكن أرضهُ وتأكل رزقه وتعْصيه ؟!! فقال : هات الثالثة ؟ فقال : إذا أردْت أن تعْصيهِ فاعْصِهِ في مكانٍ لا يراك فيه ! فقال : إن الله بأيّ مكانٍ هو معنا ، فقال : أتسْكن أرضهُ وتأكل رزقه وتعْصيه وهو يراك ؟! لذلك سيّدنا بلال يقول : لا تنظر إلى صِغَر الذَّنْب ولكن اُنْظر على مَن اجْتَرَأْتَ !
تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه   هذا لعمري في المقال بديعُ
لـو كان حُبُّك صادقًا لأطعْتهُ   إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبّ يُطيعُ
*  *  *
أقوال العلماء في التوكل :
     والأئمّة الكِبار لهم أقوال في التَّوَكّل ، لا مانِعَ من أن نسْمعها ، فالإمام أحمد بن حنبل يقول : " التَّوكّل عمل القلب ، وليس من عمل اللّسان ، وليس من عمل الجوارح " ، يا ربّ توكَّلتُ عليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك التوكّل بالقلب ، فاللِّسان لا يُقدِم ولا يؤخِّر ، قد تنطق بِلِسانك بِصِيَغ التَّوكّل ، وأنت غير متوكِّل على الله ، القلب في أعماقهِ يجب أن يكون مطمئنًّا إلى الله عز وجل راضِيًّا بِحُكمه ، وليس التَّوكّل كما يقول الإمام أحمد من عمل اللّسان وليس من عمل الجوارح ، فالأعضاء يجب أن تسْعى بالأسباب ، أما التوكّل محلّه القلب ، ولكن من تخلّف المؤمنين صار التَّوكّل في الجوارح ، والشِّرْك في القلب ، ترَكُوا الأخْذ بالأسباب ، ثمّ يقولون : توكَّلْنا ! لا فأنت ما توكَّلْت ، فالتَّوَكّل محلّه القلب أمـا الجوارح يجب أن تأخذ بالأسباب .
    بعضهم قال : التَّوَكّل عِلم القلب بِكِفاية الربّ للعبد ، قال تعالى :
﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾
[ سورة الزمر ]
     هو الذي يكْفيك ، وبعضهم قال : التَّوَكّل سُكون القلب فالاضْطراب والقلق والخَوف يشعران بعدم التوكل ، فلان يوافق أو لا يُوافق ، ماذا سأفعل لا ينام الليل !! ليس هذا هو المتوكِّل ، فالمتوكِّل ساكن القلب ، وعليه ترْك الاختيار والاسْتِرسال في مجاري الأقدار ، نعم أنت مُخَيَر ، ولكنَّ المتوكِّل يُسَلِم اخْتِيارهُ إلى الله ، أنا مختار ، واخْتَرْتُ يا ربّ أن تختار لي أنت ما تريد في شؤون الزَّواج ، وفي شؤون العمل اللهمَّ خر لي واختر لي .
من تعريفات التوكل :
     التَوَكُّل في تعريفاته الدَّقيقة " الرِّضا بالمقدور " ، فهذا الذي لم يرْضَ بِفِعْل الله عز وجل ليس مُتَوَكِّلاً ، فهناك توكّل كاذِب .
     قال بعض العلماء: تتوكَلُ على الله وأنت تكبُ عليه ! قال : وكيف ؟ قال : من توكَّل على الله رَضِيَ بما يفْعلُ الله ، مِن علامات التَّوَكُّل أن ترْضى عن الله ، قال أحد الأشخاص ، وهو في طوافه حول الكعبة : يا ربّ ، هل أنت راضٍ عنِّي ، فكان وراءهُ الإمام الشافعي ، فقال له الإمام الشافعي : وهل أنت راضٍ عن الله حتى يرْضى عنك ؟ قال : سبحان الله ، ومن أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا محمَّد بن إدريس ! قال : كيف أرْضى عنه وأنا أتمنَى رِضاه ؟ فقال له : يا هذا ، إذا كان سرورك بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمة فقد رضيت عن الله تعالى ، وإذا رضيتَ عن الله رَضِيَ الله عنك فهل ترى أنّ يد الله حكيمة عليمة عادلة ، وهذا الأمر مِن فِعْل الله، واصْبِر لِحُكم ربِّك .
      متى يكون الرّجل متوكِّلاً ؟ قيل : إذا رضي بالله وكيلاً ، مِن معاني التَّوَكُّل الثِّقة بالله ، كأنَّك تُبْرِزُ عَجزك أمام الله عز وجل ، والله عز وجل إذا توكَّلْتَ عليه فهُوَ حسْبُك ، والطُّمأنينة إليه ، والسُّكون إليه .
     ذو النُّون المِصري يقول : التَّوكّل ترْك التَّدبير ، والانْخِلاع من الحَول والقوّة ، أيْ تَرْك التَّدبير النَفسي ، أنت تسْعى ، أما أن تعتمد على حَوْلِكَ وقوّتك فأنت لسْتَ متوكِلاً ، وبعضهم قال : التَّوكّل هو التَّعلق بالله في كلّ حال ، في الرِّضا وفي الغضب ، وفي البحبوحة وفي الضِّيق ، وفي الصِّحة ، وفي المرض ، وفي الخوف ، والطمأنينة ، وفي إقبال الدنيا وفي إدبارها ، وفي العلوّ والانخِفاض ، وفي كلّ شيء ، وبعضهم قال : التَّوكّل نفيُ الشُّكوك والتَّفويض إلى ملك الملوك ، ومن توكّل على الله ولو كاد له من في السماوات والأرض فإن الله سبحانه وتعالى يُنَجِّيه، ويجعل له من بين ذلك مَخْرجًا ، أما من توكَل على زيد أو عُبَيد جعل الله الأرض هَوِيًّا تحت قدَمَيْه ، وقطَّع أسباب السماء بين يديه .
     إن شاء الله في الدرس القادم نُتابِعُ موضوع التَّوكّل ، ونصل إلى موضوع العزيز الرحيم ، ماذا يعني اسم العزيز ؟ لِقَول الله عز وجل :
 
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾
( سورة الشعراء )
     الحديث القدسي الذي كرتُهُ قبل قليل : ما من مخلوقٍ يعْتصِمُ بي من دون خلقي أعرفُ ذلك مِن نِيَّتِه ، فتكيدُهُ أهل السماوات والأرض إلا جعلْتُ له من بين ذلك مخرجًا ، وما من مخلوقٍ يعْتصِمُ بِمَخلوقٍ دوني أعرفُ ذلك من نيَّتِهِ إلا جعلتُ الأرض هَوِيًّا تحت قدَمَيْه ، وقطَّع أسباب السماء بين يديه .
ملخَّص الدرس :
    ملخَّص الدرس ؛ إذا أردْتَ أن تكون أقوى الناس فتوكَلْ على الله ، وإذا أردْت أن تكون أغنى الناس فَكُن بِما في يدي الله أوْثَقُ منك بما في يديك ، وإذا أردْت أن تكون أكرم الناس فاتَق الله .
والحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب