سورة البقرة 002 - الدرس (10): تفسير الآية (21 - 22) العبادة ، الأرض

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (10): تفسير الآية (21 - 22) العبادة ، الأرض

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج عمـــار يا بلد: عمار يا بلد - 138 - التجاوزات في المولد النبوي           برنامج نـداء الشـريـعـة: نداء الشريعة - 31- من وصايا الرسول           برنامج قصة التمكين: قصة التمكين - 9-سابع شروط للتمكين - العلم - 2           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - تربية النشأ مفتاح النهضة           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1526 - سورة الحشر 020 - 021           برنامج منارات مقدسية: منارات مقدسية - 119 - حمام العين والشفا         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - (الآيات: (21 - 22) - العبادة ، الأرض

20/03/2011 17:45:00

سورة البقرة (002)
الدرس (10)
تفسير الآيات: (21-22)
" العبادة ، الأرض "
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس العاشر من دروس سورة البقرة .
 الخالق عز وجل هو وحده يستحق العبادة :
مع الآية الثانية والعشرين وهي قوله تعالى :
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾ .
والآية التي قبلها :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾ .
من الذي يستحق العبادة ؟ الذي خَلَقْ ، الذي خلقك هو وحده يستحق العبادة ، والذي أمدَّك بكل ما تحتاجه هو وحده يستحق العبادة ، والذي أَمْرُك بيده هو وحده يستحق العبادة ، والذي مصيرك إليه هو وحده يستحق العبادة ، خلقك ، وأمدك ، وجعل أمرك بيده ، ومصيرك إليه هذا الذي ينبغي أن تعبده ، بعض الناس يعبدون ما لا يملك لهم نفعاً ، ولا ضراً ، ولا رزقاً ، ولا حياةً ولا نشوراً ، وهذا هو الخطأ الجسيم ، الحُمْقُ البالغ ، والغباء الشديد أن تتجه إلى جهةٍ لا تملك لك نفعاً ولا ضراً ، لا تملك لك ، ولا تملك لذاتها نفعاً ولا ضراً ، وكأن الطريق مسدود ، هناك إحباطٌ شديد يصيب هؤلاء الذين عبدوا من دون الله ، لأن كل جهةٍ دون الله عزَّ وجل ليس لها من الأمر شيء ولا تملك لك نفعاً ، ولا ضراً ، ولا رزقاً ، ولا حياةً ، ولا أمناً ، ولا توفيقاً ، ولا نصراً ، ولا تطميناً ، ولا تمكيناً ، لا تملك لك شيئاً ، ومع ذلك فالإنسان يعبد هذه الجهة ويَمْحَضُها حُبَّه وولاءه ، وهو بهذا يمشي في طريقٍ مسدود ، لذلك يقول الله عزَّ وجل :
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (48) ﴾ .
(سورة النساء )
 يغفر الله ما يشاء إلا الشرك به :
كنت قد ضربت حول هذه الفكرة مثلاً أنه يمكن أن تتجه إلى مدينة ، ولك فيها مبلغٌ كبيرٌ جداً ، يُمكن أن ترتكب وأنت في الطريق إليها آلاف الأغلاط ، لكنَّك تسير نحوها وستأخذ هذا المبلغ ، أما الخطأُ الذي لا يُغْتَفَر أن تتجه في طريقٍ معاكس لا تجد فيه شيئاً .
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ (48) ﴾ .
(سورة النساء )
((إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إليّ صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم  ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي ـ الله رؤوف رحيم ، رؤوف رحيم ـ لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها )) .
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
 لا يليق بالإنسان أن يعبد غير الله وإلا فإنه يحتقر نفسه :
الذي خلقك ، الذي أَمَدَّك ، الذي يُسَيِّرُك ، الذي أمْرُكَ بيده ، الذي إليه يُرْجَعُ الأمر كله ، الذي مصيرك إليه ، هذا وحده الذي ينبغي أن تعبده ، ولا ينبغي أن تعبد سواه ، ولا ينبغي أن تتجه إلى سواه ، ولا ينبغي أن تكون محسوباً على غيره ، يجب أن تكون محسوباً على الله وحده ، لا يليق بك أن تكون لغير الله ، إنَّك إذاً تحتقر نفسك .
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾ .
(سورة البقرة )
أنت تحتقر نفسك حينما تتجه إلى غير الله ، عبدٌ ضعيفُ مثلك ، نقطة دم في دماغه تجعله مشلولاً ، ونموٌ عشوائيٌ في بعض أنسجته يجعله مصاباً بمرضٍ خبيث يُسَلِّم الأمر لغيره ، الإنسان ضعيفٌ جداً ، فكيف تتجه إليه ؟ وكيف تعلِّق الأمل عليه ؟ وهو لا يملك حياته !!
أيها الأخوة الكرام ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والدين كله توحيد .
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾ .
أقرب اسمٍ من أسماء الله تعالى إلى العبد اسم الرب ، وأقرب شيءٍ إلى الطفل أمُّه ، لأنها تربيه ، تمدُّه بالحليب ، تمده بالـرعاية ، تعطف عليه ، ترعى شؤونه ، تأخذ بيده ، ترقى به ، أقرب كائنٍ في حياة الطفل أمه ، وأقرب اسمٍ مـن أسماء الله الحسنى إلى الإنسان ربُّ العالمين ، فهو يربيه ، إذا أودع الله في قلب الأب رحمةً فمن الله عزَّ وجل ، إذا رأيت أباً يرحم ابنه هذه رحمة الله ، إذا رأيت أماً تعطف على ابنها هذه رحمة الله .
 
كلُّ الخلائق يتراحمون بجزءٍ من رحمة الله :
 
تروى قصةٌ رمزية ـ لها معنى عميق ـ أن أحد الأنبياء رأى امرأةً تَخْبُزُ وابنها إلى جنبها ، كلما وضعت رغيفاً في التنور ضَمَّت ابنها وقَبَّلته ، فعجب هذا النبي من رحمة هذه الأم بولدها ، فقال الله له : هذه رحمتي يا عبدي ، وسأنزعها ، فلما نزع من قلبها الرحمة بكى طفلها فألقته في التنور .
إذا رأيت أماً تعطف على ابنها فهذه رحمة الله ، إذا رأيت حيواناً يعطف على أولاده هذه رحمة الله ، كلُّ الخلائق يتراحمون بجزءٍ من رحمة الله ، بل إن الرحمة التي في قلبك تتناسب مع اتصالك بالله عزَّ وجل بالضبط ، أشدُّ الخلق اتصالاً بالله هو رسول الله ، إذاً هو أرحم الخلق بالخلق على الإطلاق . ذهب إلى الطائف ، وكذَّبوه ، وسخروا منه ، وأغْرُوا صبيانهم بإيذائه ، فلما جاءه جبريل وقال : يا محمد أَمَرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لم ينتقم ، مع أنهم بالغوا في الإساءة إليه ، قال :
(( لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون ، أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً )) .
[متفق عليه عن عائشة]
يا أيها الأخوة الكرام ، إليكم هذا القانون ، وهو مستنبط من هذه الآية :
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾ .
(سورة آل عمران : آية " 159" )
كنت ليِّناً معهم بسبب رحمةٍ استقرَّت في قلبك من خلال اتصالك بنا ، فالتفوا حولك ، وأحبّوك ، وفدوك بأرواحهم وأولادهم ونسائهم ، وكانوا معك في كل شيء إلى نهاية الطريق ، قال أبو سفيان : " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحابُ محمدٍ محمداً " ، وهذا الذي يفقده المسلمون اليوم . 
 مظاهر الإسلام صارخة ، ولكن الحب معدوم بين المسلمين ، ما رأيت أحداً يحبُّ أحداً كحبِّ أصحابِ محمدٍ محمداً .
 العبادة غاية الخضوع :
أيها الأخوة الكرام ، هـل تصدِّقون أن امرأةً أنصارية تتفقَّد أقرباءها عقب معركة أحد ، تذهب إلى ساحة المعركة فإذا زوجها شهيدٌ ، ثم ترى أباها شهيداً ، ثم ترى أخاها ، ثم ترى ابنها ، معقول ؟! زوجها ، وأبوها ، وأخوها ، وابنها وتقول : ما فعل رسول الله ؟ فلما رأته بأم عينها ، واطمأنت على سلامته قالت : يا رسول الله كل مصيبةٍ بعدك جلل ، هكذا كان أصحاب النبي ، هكذا كان حبُّهم لرسول الله ، هكذا كانت تضحياتهم ، بهذا وصلوا إلى المَشرِقَين ، بهذا مكَّنهم الله في الأرض ، بهذا استخلفهم ، بهذا بدَّل خوفهم أمناً ، بهذا دانت لهم أنحاء الأرض .
جاءت رسالة إلى هارونَ الرشيد من إمبراطور الروم ، تقول هذه الرسالة : إن الإمبراطورة التي سبقتني دفعت لك الجزية ، وكان الأولى أن تأخذها منك ، فَرُدَّ كل شيءٍ أخذْتَه منها وإلا بيني وبينك القتال ، فأجابه : من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى كَلب الروم ، الجواب ما تراه لا ما تسمعه ، فغزاه ، وقهره ، وجعله يدفع الجزية ضِعْفَاً .
هكذا كان المسلمون يوم كانوا مع الله ، كلمتهم هي النافذة ، هي العُليا ، ولكن حينما تركوا سُنَّة رسول الله اختلف الوضع :
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾ .
(سورة مريم)
أيها الأخوة الكرام ، قضية عبادة الله عزَّ وجل أخطر موضوعٍ في حياة المؤمن ، من تعبد ؟ العبادة غاية الخضوع ، لمن تخضع ؟ هل تخضع لغير الله ؟ أقول لكم هذه الكلمة التي قلتها مراراً : حينما يطيع الإنسان مخلوقاً ـ كائناً من كان ـ ويعصي ربَّه ، فهو لم يقل : الله أكبر ، ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، لماذا ؟ لأنه تصوَّر أن طاعة هذا المخلوق ـ القوي في نظره ـ أثمن عنده من طاعة الله ، إذاً لم يقل : الله أكبر بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، الذي يَغُشُّ المسلمين ما قال : الله أكبر ، ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، لأنه رأى أن هذا المال الذي يأخذُه من هذا الغش أثمن عنده من طاعة الله .
 كلمة المسلمين ليست هي العليا لأنهم اعتزّوا بغير الله :
قال تعالى :
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾ .
(سورة مريم)
الذي لا يقيم الإسلام في بيته إرضاءً لزوجته ما قال : الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، لأنَّه رأى إرضاء أهله وأولاده أثمن عنده من إرضاء الله عزَّ وجل ، قضيةٌ مصيرية هو الجواب عن سؤالٍ كبير لماذا نحن كذلك ؟ لماذا يعد المسلمون خُمس العالم مليار ومئتي مليون ، وليست كلمتهم هي العُليا ؟ ترتعد فرائصهم إذا حدث شيءٌ في العالم ونُسب إليهم ، لأن الغضب سينصَبُّ عليهم ، أهذه حياة ؟!! لأنهم اعتزّوا بغير الله ، لأنهم ما أرادوا عزاً عن طريق الدين ، بل عن طريق شيءٍ آخر .
أيها الأخوة الكرام :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (21) ﴾ .
هو الذي خلقك ، وهو الذي يربيك ، يُمِدُّك بما تحتاج ، وهو الذي يربِّي نفوسنا ، ينقلها من حالٍ إلى حال ، من طور ٍإلى طور ، هو الذي يراقب أعمالنا ، يطَّلع على ما في سرائرنا ، يحاسبنا على خواطرنا ، هو الذي بيده كل شيء ، وإليه مصير كل شيء .
 الربَّاني الذي لا يشغل ساحتَه إلا اللهُ :
أيها الأخوة ، ينبغي أن تعبد هذا الإله ، ينبغي أن تنتمي إليه ، ينبغي أن يكون ولاؤك لـه ، حُبُّك له ، إخلاصك له ، شبابك له ، حياتك كلها له ، مالك له ، ذكاؤك له ، طلاقة لسانك له ، خبرتك له ، علمك له :
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) ﴾ .
(سورة الأنعام)
هذا هو الربَّاني :
﴿ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيينَ (79)
(سورة آل عمران)
الربَّاني الذي لا يشغل ساحتَه إلا اللهُ ، لا يعمل إلا لله ، لا يرضي غير الله ، لا يخاف إلا من الله ، لا يسعى إلا لطاعة الله ، لا يهاب أحداً إلا الله ، هذا هو التوحيد ، ائتني باثْنَي عشر ألف موحّد ولن يُغلبوا في الأرض ، ورد في الحديث الصحيح :
(( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة )) .
[ الجامع الصغير ]
(لن تغلب) تفيد تأبيد النفي :
(( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة )) .
[ الجامع الصغير ]
إن لم يصلح المجتمع كُلُّه فعليك بإصلاح نفسك ، إن لم يصطلح الناس مع ربهم اصطلح أنت مع الله ، إن لم يُقِم الناس الإسلام في بيوتهم فأقم أنت الإسلام في بيتك ، أقم الإسلام في عملك ، كن مع الله ولا تُبالِ .
 
أسماء الجلال وأسماء الجمال :
 
أيها الأخوة الكرام ، هذه الآية الأساسية :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾ .
قضيةٌ ثابتة ، من يستطيع أن يدَّعي أنه خلق الناس ؟ من يستطيع أن يدَّعي أنه خلق الأرض ؟ أنه أنزل الماء من السماء ؟ شيءٌ بديهي حتى إن الكُفر يعني الإيمان ! كيف ؟ كفر : غطَّى ، غطَّى شيئاً ، ما هذا الذي تغطيه ؟ هو الإيمان ، الكافر يقول : مصرف إسلامي ، المعنى أن المصارف الأخرى غير إسلامية .
أيها الأخوة الكرام :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾ .
لعلكم تتقون أسماء جلاله بأسماء جماله ، أسماء جلاله : قَهَّار ..
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾ .
(سورة البروج)
الله منتقم ، هـذه أسماء الجلال ، كيف تتقيها ؟ بطاعته ، فإذا أطعته نِلْتَ أسماء الجمال ؛ هو الرحيم ، هو اللطيف ، هو المعطي ، هو المُعِزّ ، هو الرافع ، هو العَدل ، تتقي أسماء جلاله بأسماء جماله .
 عناصر الأرض متنوِّعة لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله :
أيها الأخوة الكرام ، شرِحَت هذه الآية في الدرس الماضي ، بعدها :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾ .
الحقيقة الفِراش مُرِيح ، مـا كان الفراش فراشاً إلا لترتاح عليه ، ليِّن ، مُريح ، نظيف ، يتناسب مع جسمك ، يتفاعل مع خطوط جسمك ، ترتاح عليه ، قدَّم الله لك نموذجاً لشيءٍ قريبٍ منك ، فالإنسان وهو نائم أقرب شيءٍ إليه فراشه ، ما سُمي فراشاً إلا لأنه مريح ، جعل الله جلَّ جلاله  لك الأرض فراشاً ، أي جعلها مستوية ، فلو جعلها متعرِّجة ؟!! قد تشتري أرضاً في سفح جبل تنفق عليها مئات الألوف لتجعلها مصاطب ، شيء متعب ، جعل لك الأرض فراشاً ، جعلها مستوية ، ماذا تفعل بها لو جعلها صخرية ؟ جعلها تربة تنبت لك الزرع ، جعلك مستقراً عليها عن طريق الجاذبية ، جعلها لك فراشاً ، أودع فيها الماء ، أودع فيها المعادن ، أودع فيها أشباه المعادن .
عناصر الأرض متنوِّعة لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله ، جعل لكل عنصر درجة انصهار خاصة ، ولو أن كل العناصر لها درجة انصهار واحدة لوجدت الأرض كلها صلبةً ، أو سائلةً ، أو غازاً ، تجد شيئاً صُلباً ، الحديد قاسٍ ، الصخر قاسٍ ، الرخام قاسٍ ، المعادن قاسية ، قاسية ومتينة ، تجد بالمقابل بعض الأجسام الليِّنة ، الكاوتشوك ، الفَلِّين ، بعض النباتات ، الصوف ، القطن . هناك أشياء سائلة ، و أشياء غازية ، هذا التنوُّع بين الصلب ، واللَّزج ، والمَرن ، والسائل ، والغاز لتكون الأرض فراشاً ، تحتاج إلى هواء تستنشقه ؛ غاز ، تحتاج إلى ماء تشربه  سائل ، تحتاج إلى فراش تنام عليه ليِّن ، تحتاج إلى معدن قاسٍ تصنع منه المركبة والمحراث كالحديد ، جعلها الله فراشاً ، جعلها تنبت .
 الله تعالى جعل الأرض فراشاً فيها استقرارك واستمرار حياتك :
جعلها فراشاً بمعنى أنه جعل فيها أسباب استقرارك عليها واستمرار حياتك فيها ، لو سكنت في بيت لا ماء فيه تخرج منه ، لو سكنت في بيت ليس فيه تدفئة في الشتاء تخرج منه ، لو سكنت في بيت لا يوجد فيه تكييف في الصيف تخرج منه ، لو سكنت في بيت لا يوجد فيه فراش ، كيف تنام على الأرض ؟
هذا البيت لماذا تستقر فيه ؟ فيه ماء ، فيه هواء ، فيه طعام ،  هناك ثلاجة ، غرفة ضيوف ، غرفة جلوس ، هناك حمام ، ومطبخ ، وغرفة للأولاد ، هذه الغرف ، وهذا الفَرْش ، وهذه الأدوات كلها وسائل الاستقرار والاستمرار في هذا البيت ، وكذلك الأرض جعل الله أسباب استقرارك واستمرارك فيها ، إذاً هي كالفراش . تحتاج إلى معدن تصنع منه طائرة يجب أن يكون خفيفاً جداً ومتيناً جداً ؛ الألمنيوم ، هو معدن يتميَّز عن غيره ، لو أن الطائرة من حديد لكانت كُلفة طيرانها عشرة أضعاف ، لكن معدن الطائرة متين وخفيف في وقتٍ واحد ، تحتاج إلى معدن يَنْصَهِر بدرجة مئة ، كيف تعامل الحديد مع الحجر ؟ عندَّك دُكَّان ولها باب ، تريد أن تضع القفل على الحجر ، ينصهر معدن الرصاص  في درجة مئة ، هذا المعدن له خاصة ينفرد بها أنه حينما يبرد يزداد حجمه ، فيكفي أن تحفر الحجر على شكل إجاصة ، وأن تضع الحديد في الحجر ، وأن تسكب الرصاص ، فحينما يبرد يتمدد ، وعندئذٍ توجد قوة تنزع الحديد من الحجر . من خلق هذا المعدن خصيصاً لهذا الاستعمال ؟ الله جلَّ جلاله ، تحتاج إلى معدن يكون قِيَماً للأشياء جعل الذهب والفضة ، هذا المعدن مهمته أن يكون قيماً للأشياء يصنع منه النقد ، تحتاج إلى معدن ينقل الحرارة ؛ النحاس ، أسلاك الكهرباء من النحاس ، أواني المطبخ من النحاس ، تحتاج إلى معدن ليِّن ؛ قصدير ، معدن قاسٍ ، معدن متين ، معدن مقاوم ، معدن لا يصدأ ، رأيت صورةً لسبائك ذهبية استخرجت من البحر حيث غرقت قبل مئة عام ، غرقت سفينة بين أمريكا وأوربا وفيها خمسة أطنان من الذهب على شكل سبائك ، بحث عنها ووجدت ، استخرجت والله كأن هذا الذهب سُبْكَ من يومه ، مئة عام في أعماق البحر لم يتأثر إطلاقاً ، خلق لك هذا المعدن خصيصاً ليكون نقداً .
هناك حيوانات خُلِقَت مذللة خصيصاً للإنسان :
الألمنيوم له فائدة ، والرصاص له فائدة ، والنحاس له فائدة ، والحديث عن المعادن يطول ، وكل معدن له خصائص ، وإذا دَمَجْتَ معدنين جاءت خصائص جديدة ليست في أحد المعدنين ، علم المعادن علمٌ عميقٌ وطويلٌ وفيه أسرار كبيرة جداً ، من الذي خلق هذه المعادن ؟ المعدن الأساسي الذي هو قوام حياتنا ؛ الحديد :
﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (25) ﴾ .
(سورة الحديد : آية " 25" )
ما من شيءٍ تراه عينك إلا والحديد أحد أسباب وجوده ، كل الأدوات من الحديد ، فهذا معنى قول الله عزَّ وجل :
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾ .
هناك أسماك تأكلها ، وأطيار ، وحيوانات ، حيوانات خُلِقَت مذللة خصيصاً لك .
﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ (72) ﴾ .
(سورة يس : آية " 72 " )
البقرة مذلَّلة ، أما إذا جنَّت لا تُبقي ولا تذر ، يضطر صاحبها أن يطلق عليها الرصاص ، خلقت بالأصل مذللة ، أما إذا أصابها مرض الجنون يطلق عليها صاحبها الرصاص بعد أن دفع ثمنها مئة ألف ، لأنها تصبح مجرمةً ، من ذللها ؟ يوجد خروف ويوجد ضبع ، من رَكَّب في الخروف هذه الطباع الليِّنة ، لا تخاف منه ، لا تتهيَّبه أبداً ، ينساق لك ، حتى إلى الذبح ينساق لك ، بينما الضبع تحسب له ألف حسابٍ وحساب .
 
 آيات دالة على عظمة الله :
الحيوان الذي تأكل منه مذلل ، والماء الذي تشربه مذلل ، من جعل هذا الماء عذباً فراتاً بعد أن كان مِلحاً أجاجاً ؟ شيء لا يصدق ، من أجل أن يتبخَّر ماء البحر فيصبح سحاباً وينقلب إلى أمطار ، وتكون هذه الأمطار في أعماق الأرض ، جُعِلَت هذه المسطَّحات المائية الواسعة جداً ، فأربعة أخماس اليابسة بحر ، يتبخَّر هذا البحر ليشكِّل سحاباً ، ليصبح أمطاراً ليستقر في باطن الأرض ، من أودع في هذه الأرض الينابيع ؟ في بعض البلاد أربعة آلاف جزيرة ، وفي كل جزيرةٍ نبعٌ يتناسب مع مساحتها ، وتأخذ كل هذه الجُزُر المياه من جبالٍ في آسيا ، إذاً هناك تمديدات من أعماق الجِبال إلى هذه الجزر ، هذا صُنْعُ الله عزَّ وجل .
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾ .
الأرض فيها هواء ، والهواء متوازن ، لو أن الهواء على شكلٍ آخر ، لو أن نِسَب الأوكسجين في الهواء عالية لاحترق كل شيء ، ولو أن نسب غاز الفحم عالية لما اشتعلت النار إطلاقاً ، ولو أن النبات يتنفَّس الأوكسجين مثلنا ويعطي غاز الفحم لانتهى الأوكسجين من آلاف السنين ، ما هذا التوازن الرائع ؟ يأخذ النبات غاز الفحم ويعطي الأوكسجين ، ويأخذ الإنسان الأوكسجين ويعطي غاز الفحم  .
 خصائص الماء : لا لون له ، لا رائحة ، لا طعم ، يتبخَّر بدرجة أربعة عشر ، سريع النفوذ ، هذا الماء لا يقبل الضغط ، لو وضعت متراً مكعباً من الماء وفوقه ثمانمئة طنلا تنضغط ولا ميلي ، أما حينما يتمدد لا يقف أمامه شيء ، يُصَدِّع الفولاذ . إذا جَمَّدت الماء في الفولاذ  تمدد الماء بعد التجَمد فيتصدع الفولاذ من تمدد الماء ، الماء مصمم ، الماء كأي عنصر إذا برَّدته ينكمش ، ولكنه يتمدد عند الدرجة الحَرِجة (+4) ، ولولا هذا التمدد لما كنا في هذا المسجد ، ولا وجدت كائناً حياً على وجه الأرض ، تمدد الماء في الدرجة (+4) سر الحياة على الأرض ، فراش بهوائها ، بمائها ، بنسب البحار إلى اليابسة .
 كل شيءٍ في الأرض خلقه الله تكريماً للإنسان :
اليابسة فيها مناطق خضراء ، وفيها صحارى قاحلة ، قد يقول قائل : لمَ هذه الصحارى ؟ لو أن الأرض كلها خضراء لما عشنا ، هذه الصحارى الحارَّة تُشَكِّل حرارة تسَخِّن الهواء الذي فوقها ، إذا سخن الهواء يتخلخل ، فيقل ضغطه ، وعندما ينكمش الهواء البارد يزداد ضغطه ، من وجود ضغطين متفاوتين تمشي الرياح ، أساس الرياح منطقتان ذواتا ضغطين متباينين ، الهواء في القطب بارد منكمش ضغطه مرتفع ، وفي خط الاستواء الهواء مخلخل ضغطه منخفض ، تأتي الرياح من الشمال إلى الجنوب ، والأرض تدور ، تأتي الرياح إذاً من الشمال إلى الجنوب الشرقي ، هذا مسير الرياح ، ولبحث الرياح بحوثٌ طويلة .
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾ .
الله عزّ وجل فضلاً عن أنه هيَّأَ لنا الأساسيَّات أعطانا الأشياء المُحَسِّنة ، توجد أزهار فهناك بعض المُجَلَّدات ـ ثمانية عشر مجلداً ـ كل صفحةٍ في هذه المجلدات فيها رسم زهرةٍ ، وكل هذه الصفحات في ثمانية عشر مجلداً هي أنواع الأزهار التي خلَقها الله لهذا الإنسان ، فالأزهار خُلِقَت تكريماً للإنسان ، خُلِقت الروائح العطرية تكريماً للإنسان ، خُلِقت التوابل تكريماً للإنسان ، توجد أطعمة كثيرة ، وتوجد نباتات كثيرة ، وتوجد روائح كثيرة هدفها أن تقوم حياتك بها ، هدفها أن تتنعم بها ، وهذا يشير إلى اسم الودود :
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) ﴾ .
 (سورة البروج)
هذا كلُّه من معنى :
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾ .
 الليل والنهار من الآيات الدالة على عظمة الخالق :
أيُّها الأخوة ، الحقيقة الحديث عن أن الأرض فراش لا ينتهي ، كل شيءٍ في الأرض مخصَّص للإنسان ، بدءاً من حجم الأرض ، لو كان حجم الأرض عشرة أضعاف لكان وزنك عشرة أضعاف ، لو حجمها العُشر لكان وزنك العُشر ، لو لم تكن هناك جاذبية لكانت الحياة لا تُطاق لأن الله عزّ وجل يقول :
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً (61) ﴾ .
(سورة النمل : آية " 61")
أنت مستقر عليها بفعل الجاذبية ، وثمة شيء آخر : لو كان الليل مئة ساعة لما أُطيقت الحياة ؛ تنام وتستيقظ ، وتنام وتستيقظ ، طاقتك للنوم ثماني ساعات ، والليل مئة ساعة ، ناس يعملون في الليل ، ولا أحد ينام ، ضجيج وعمل ، جعل ربنا عزّ وجل الليل اثنتي عشرة ساعة ، والنهار اثنتي عشرة ساعة ، ويختلفان من فصلٍ إلى فصل ، حتى الليل والنهار مصمم للإنسان ، وزن الإنسان مصمم ، هذا التناسب مثلاً : هذا الحليب الذي تنتجه البقرة يتناسب تناسباً مذهلاً مع جسم الإنسان ، وهو غذاءٌ كامل ، لأن الذي خلق الإنسان هو الذي خلق البقرة ، وخلق هذا الحليب خصيصاً له حيث إن وليد البقرة يحتاج إلى اثنين كيلو في اليوم ، بينما تعطي البقرة أربعين كيلو .
هذا الخروف تنتفع من كل شيءٍ فيه ؛ مـن جلده ، وصوفه ، ولحمه ، ودهنه ، وشحمه ، وأمعائه ، وكل أعضائه ، فهو خُلِقَ خصيصاً لك .
 الفواكه وتصميمها من الآيات الدالة على عظمة الله تعالى :
الفواكه .. انظر إلى التفَّاحة ؛ شكلها جميل ، حجمها معقول ، رائحتها عطرة ، قشرتها مانعة ، طعمها لذيذ ، فيها غذاء مفيد ، فيها مواد سكرية ومعادن ، وفيها حديد ، فمن الذي جعل مقوِّماتها ، عناصرها ، قِوامها ؟  كيف تأكلها لو أنها كالصخر ؟ تحتاج إلى مطحنة بحص ، فإنها لا تؤكل معك ، قوامها معقول ، قشرتها ، حتى قَطْفُها سهل ، لو أردت أن تسحب عنقود العنب سحباً لَعُصِر في يدك ولا ينسحب معك ، أما بحركة معاكسة تنزعه من على الشجرة ، كل شيء مصمم ، هذا البطيخ يجب أن ينضج خلال تسعين يوماً لأنه فاكهة الصيف ، لو أنه نضج في يومٍ واحد لا تنتفع منه إطلاقاً ، كذلك الخضراوات ، أما المحاصيل فيجب أن تنضج في يومٍ واحد تسهيلاً لجنيها ، وهذه الفواكه مبرمجة ، كل فترة من الصيف تنضج فاكهة ، تبدأ بهذه الفاكهة ثم هذه الفاكهة ، مبرمجة فيما بينها ، ومبرمجة في نضجها في ذاتها ، والثمار الكبيرة على الأرض ، لو أنها على الشجر لصار هناك حوادث موت كثيرة جداً ، لو وقعت بطيخة وزنها اثنتي عشرة كيلو على إنسان فإنها تُميته ، البطيخ على الأرض ، والفواكه اللطيفة على الشجر ، والشجر قريب ، هناك تصميم مذهل في الكون  .
هذه الأرض فِراش ، بحجمها فِراش ، بنسب الماء إلى اليابسة فِراش ، بليلها ونهارها فِراش ، بشَّمسِها ؛ لو أن الشمس أقرب لاحترق كل ما على الأرض ، نموذج قبل أسابيع بلغت الحرارة إحدى وخمسين درجة كاد الناس يخرجون من جلودهم ، من صمم هذه الحرارة بشكل معتدل بين الخمسة والخمسة وثلاثين على مدار السنة ؟ هذه فِراش ، فحجم الأرض ، وشكل الأرض الكُروي ، والشمس ، والليل والنهار ،  والجاذبية ، والماء والهواء ، والمحاصيل والفواكه والخضراوات ، والأسماك والأطيار ، والمعادن وأشباه المعادن ، والفيتامينات ، وتصميم الفواكه والخضراوات مع جسمك ، هذا كلُّه لأنه شيء مريح جعل لكم الأرض فِراشاً .
 
 حينما تركع وتسجد لا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى خلق لك الأرض فِراشاً :
أيّها الأخوة الكرام ، توجد أشياء لا تنتهي ، والله ما ذكرت إلا القليل إلا الذي حضرني وأنا ألقي هذا الدرس ، أما استقصاء هذه الحقائق فيشمل الأرض كلَّها ، حينما تقول :
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾ .
(سورة الفاتحة)
حينما تركع ، وحينما تسجد فلا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى خلق لك الأرض فِراشاً ، سمح لك أن تبني بيتاً ، أعطاك مواداً أولية للبناء ، ليس هذا الإسمنت في الأساس من صنع البشر من أعطى هذه المواد ـ مواد الإسمنت ـ خصائصها فسهُل عليك البناء ؟ من أعطى الحديد خصائصه فسهُل عليك البناء ؟ من خلق هذا الوقود السائل فسَهُلَت عليك الحركة ؟ لأن الآية الكريمة :
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾ .
(سورة النحل)
 عُزي خَلْقُ المركبة ، والطائرة ، والباخرة إلى الله ، ومعنى عُزي إلى الله : أي هو الذي خلق موادها الأولية ، وهو الذي خلق الوقود السائل الذي أودعه الله في الأرض ، هذه الطاقة من خلقها ؟
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) ﴾ .
(سورة يس)
أحدث نظرية للبترول أنه في العصور المطيرة انطمرت هذه النباتات العملاقة في باطن الأرض ، وهي طاقةٌ مخزونة فأصبحت بترولاً ، وصناعات البترول لا تُعدُّ ولا تُحصى ، بل إن استهلاك البترول في الوقود يُعدُّ استهلاكاً له غير معقول لأن له استعمالات أخرى ، الآن كل شيء بالبترول ، فهذه الأرض فِراش .
 لا تزال الأرض تملك ثروات لا يعلمها إلا الله :
هناك شيء يلفت النظر ، في الحرم المكي والمدني رخامٌ أبيض تدوسه عند الظهيرة  الحرارة قد تصل تحت أشعة الشمس إلى الثمانين ، تدوس على هذا الرخام فإذا هو بارد ، شيء لا يُصدَّق ، أحد أنواع الرخام النادر بالعالم كأن الله صممه لهذا الحدث ، إنَّ الحُجاج والعُمَّار يطوفون حفاةً والدليل : أن الرخام القديم تحت الأروقة لو جاءته الشمس وسِرْتَ عليه كما لو وضعت يدك على مكواة حارة بالضبط ، لا تستطيع أن تسير عليه ، من صمم هذا الرخام ؟ فكل شيء في الأرض جاهز ، ولا تزال الأرض تملك ثروات لا يعلمها إلا الله ، قال تعالى :
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) ﴾ .
(سورة طه)
المعادن والفلذات التي اكتشُفت والتي لم تُكتشَف ، يوجد في البحر وحده مليون نوع من السمك ، ليس مليون سمكة بل مليون نوع من السمك ، بدءاً من الحيتان الزرقاء وزن مئة وخمسين طناً ـ هو شيء لا يُصدَّق مخلوق هائل ـ مدينة ، يخرج منه تسعون برميل زيت ، فيه خمسون طن لحماً ، وخمسون طن دهناً ، وفيه أرقام لكبده ولدماغه ولمعدته شيء لا يُصدَّق ، وليده يرضع منه ثلاثمئة كيلو في الرضعة الواحدة ، وهو يحتاج ثلاثة رضعات في اليوم ، فيرضع منه طن حليب ، إلى سمكٍ صغير تراه في بعض أحواض السمك ـ سمك تزييني ـ سمكة صفراء ، سمكة خضراء ، سمكة فسفورية ، سمكة شفافة ، سمكة سوداء هذه للمنظر فقط سمك تزييني .
النباتات ؛ يعيش هذا النخل ستة آلاف عام ، هناك نخلٌ نأكل منه التمر كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، تعيش النخلة ستة آلاف عام وتعطي تمراً فيه ست وأربعون مادة غذائية ، التمرة صيدلية ، العسل ، ماذا أقول ؟ أنواع النباتات لا تُعدُّ ولا تُحصى .
 سخَّر الله للإنسان كل شيء تكريماً له أمَّا هذا المُسخَّر له فهو غافل عن الله :
ذهبت ذات مرة إلى بلد غربي ودخلت إلى مكان لبيع الخضراوات فرأيت عشرة أنواع لا أعرف اسمها ولا شكلها ، شيء غريب ، أنواع النباتات لا تُعَدُّ ولا تُحصى ، أنواع الأزهار ، أنوع الأطيار ، أنواع الأسماك ، أنواع المعادن ، أنواع الفِلزات ، هذا كلُّه من أجل الإنسان ، سخَّر الله لنا كل شيء تكريماً لنا ، أمَّا هذا المُسخَّر له فهو غافل عن الله :
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) ﴾ .
(سورة الإسراء)
أما الذي سُخِّرَت له كل هذه النعم هو وحده الغافل ، ما موقفه يوم القيامة وقد رأى كل المخلوقات سُخِّرت له وهي تسبِّح الله عزّ وجل ؟ والله أيها الأخوة لو عرفنا الحقيقة لم نَنَم الليل .
لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً عن شهوةٍ ، ولا دخلتم بيوتكم تستظلون بها ، ولذهبتم إلى الصُعُدات تبكون على أنفسكم .
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾ .
 (سورة الحجر)
فو الله ما ذكرت شيئاً من هذه الكلمة :
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾ .
كالفراش تماماً ، أنت الآن في الحر تجد وسائل لتخفيف الحر ، يوجد برد فهناك وقود ومدافئ ، أنت تحتاج إلى الماء ، الماء موجود تستخرجه من أي مكان ، أي مكان إذا حفرت بئراً تصل إلى الماء ، من أودع الماء في الأرض ؟ الله جلَّ جلاله ، نظام المطر ، نظام الرياح ، هذا كلُّه يحتاج إلى دراسات .
 على المؤمن أن يحمد الله تعالى لأنه هداه إليه :
أيها الأخوة ، كلمة (فِراش) كلمة دقيقة جداً يجب أن نذوب شكراً لله عزّ وجل ، والإنسان حينما يقف بين يدي الله عزّ وجل ليقول :
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾ .
هل حمدت الله على أنَّه أوجدك ؟ وهل حمدت الله على أنه أمَدَّك ؟ وهل حمدت الله على أنه هداك إليه ؟ هناك شعوب ؛ تسعمائة مليون في بعض البلاد يعبدون البقر ، شعب اليابان يعبد ذكر الرجل ، شعوبٌ تعبدُ الجرذان ، شعوبٌ تعبد النار ، والشعوب المتحضِّرة تعبد أهواءها أي تعبد المرأة ، تعبد شهوتها .
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) ﴾ .
(سورة الفرقان)
لكن المؤمن وحده يعبد الله ، يعبد خالِقَ الكون ، يعبد ربَّ العالمين ، يعبد المُسَيِّر ، يعبد الحكيم ، يعبد القدير ، يعبد الغَني :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾ .
وفي درسٍ آخر إن شاء الله نُتابع هذه الآية .
 
والحمد لله رب العالمين



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب