سورة الشعراء 026 - الدرس (10): تفسير الأيات (141 – 159)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الشعراء 026 - الدرس (10): تفسير الأيات (141 – 159)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج في القلب أنتم - إيمان فقهاء: في القلب انتم - ح78 - 14 - 8-2022           برنامج مــدارات: مدارات - ح22 - دمج الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة - أ نانسي الطويل           برنامج أجمل قصة حب: أجمل قصة حب - 14 - المشاركة في العناء           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - معركة القادسية           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1474 - سورة القمر 004 - 009           برنامج طبيبك ع الهوا: طبيبك ع الهوا -ح17- أمراض السرطان وأهمية الفحص المبكر         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الشّعراء

New Page 1

تفسـير القرآن الكريم ـ سـورة الشّعراء - (الآيات: 141 - 159)

17/10/2011 16:33:00

تفسير سورة الشعراء (026 )
الدرس (10)
تفسير الآيات: (141 – 159)
قصة سيدنا صالح مع قوم ثمود ـ درجات الطائعين
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً  وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا أتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون مع الدرس العاشر من سورة الشعراء .
أيها الإخوة الأكارم ، في الدرس الماضي تحدثنا عن أنواع منوعة من المذنبين ، ومن لوازم هذا الموضوع الحديث عن أنواع منوعة من الطائعين ، فكما أننا تناولنا في الدرس الماضي دركات العصاة ، في هذا الدرس موضوع آخر متعلق بدرجات الطائعين .
أنواع الطائعين :
قبل كل شيء يقول عليه الصلاة والسلام :
(( رأس الدين الورع ، وركعتان من وَرِع خير من ألف ركعة من مُخَلِّط ، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله )) .
(ورد في الأثر)
من صفات المؤمن العدالة والضبط :
وفي هذا الموضوع شيء آخر ، هو أنّ من صفات المؤمن العدل والضبط ، أو العدل والضبط .
الضبط : صفة عقلية ، والعدالة : صفة نفسية ، هناك أشياء إذا فعلها الإنسان سقطت عدالته ، قال عليه الصلاة والسلام :
((من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته  وحُرمَتْ غيبته )) .
(سلسلة الأحاديث الضعيفة )
من عامل الناس فلم يظلمهم ، فمن ظلم الناس سقطت عدالته ، وحدثهم فلم يكذبهم ، مَن كذَب الناسَ سقطت عدالته ، ووعدهم فلم يخلفهم ؛ مَن أخلف الناسَ وعدَه سقطت عدالته ، من فعل هذا ، أيْ من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته .
الفرق بين سقوط العدالة وجرح العدالة :
لكن بعض العلماء يفرق بين سقوط العدالة ، وبين جرح العدالة  سقوط العدالة شيء ، وجرح العدالة شيء آخر ، فمن أكل لقمة من حرام فقد جرحت عدالته ، تطفيفٌ بتمرة ، إذا رجح الميزان رجحت كفة البضاعة ، عن الحد المطلوب بمقدار تمرة ، فقد جُرحت عدالة المؤمن . وكذلك مَن تنزه في الطريق ، وفي الطريق كاسيات عاريات ، مائلات مميلات فقد جُرحت عدالته ، مَن صحب الأراذل فقد جرحت عدالته ، من أطلق لفرسه العنان فقد جُرحت عدالته ، من قاد برذوناً ، يعني حيواناً مخيفاً ، أخاف به الأطفال فقد جُرحت عدالته ، مَن مشى حافياً فقد جُرحت عدالته ، من أكل في الطريق فقد جرحت عدالته ، من كان حديثه عن النساء جرحت عدالته ، يعني فلان عدالته مجروحة كإناءٍ مشعور ، أما الذي عدالته ساقطة ، فهو كالإناء المكسور ، الفرق بين سقوط العدالة ، وبين جرحها كالفرق بين الإناء المكسور ، وبين الإناء المشعور ، مَن علا صياحه في البيت حتى سمعه مَن في الطريق فقد جُرحت عدالته .
إذاً هناك سقوط العدالة ، وهناك جرح العدالة ، والنبي عليه الصلاة والسلام كما قلت قبل قليل قال :
((رأس الدين الورع)) .
( الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال )
و ((ركعتان من وَرَع خير من ألف ركعة من مُخَلِّط)) .
( الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال )
و((من لم يكن له وَرَع يصده عن معصية الله إذا خلا ، لم يعبأ الله بشيء من عمله)) .
( ورد في الأثر)
أقسام الورع أربع درجات :
إنَّ بعضَ العلماء الأجلاَّء قسَّم الورع إلى أربع درجات : 
( الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال )
الدرجة الأولى : هي ورع العدول :
يعني أنّ هؤلاء لا يفعلون شيئاً حرمه الشرع ، أو لا يفعلون شيئا حرمته فتاوى الفقهاء ، يا سيدي كسب هذا المال حرام أم حلال ؟ يقول لك المفتي ، أوْ مَن تستفتيه : حرام ، فترك الحرام يجعلك في مستوى ورع العدول ، فيما يتعلق في كسب المال  وإنفاق المال والعلاقات الاجتماعية ، ومعاملة الزوجة ، ومعاملة الأولاد في أيّ علاقة لك مع الآخرين ، هناك موقف يعد في الشرع حلالاً ، وموقف آخر يعد حراماً ، فمن ترك المحرمات ، أو من ترك ما أفتى به الفقهاء على أنه حرام فقد كان في مرتبة سماها بعض العلماء مرتبة ورع العدول ، أما الذي يخترق هذه الحرمات يقع في الفسق حتماً  وتسقط عدالته ، ويثبت عصيانه ، وربما انتهى إلى النار مصيره ، مَن خرق هذه الحرمات ، من خرق أوامر الشرع ، من تجاوز الحد المعقول من خرج عن دائرة القبول ، هذا تسقط عدالته ، ويثبت فسقه وعصيانه  وقد يقوده عمله ، إن لم يتب منه إلى النار ، طبعاً الحد الأدنى من الاستقامة أن تكون في هذا المستوى ، الحد الأدنى من التدين ، من الورع ، من طاعة الله عز وجل أن تكون في هذا المستوى ، لأن الله عز وجل يقول :
 
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
( سورة الأحزاب : 36 )
أنت مخير ، ولكنك إذا عرفت حكم الله عز وجل في أمر ما ينتهي اختيارك ؛ هذا حكم الله انتهى الأمر ، وتنتهي حريتك كما يقولون عندما تبدأ حرية الآخرين ، هناك تعديل لهذا القول ؛ تنتهي حريتك حينما تعرف حكم الله عز وجل ، هذا حرام حَرَّمه خالق الكون ، هذه تعليمات الصانع ، يا أخي أنت لماذا تغض بصرك عن محارم الله ، فتقول : أنا أنفذ تعليمات الصانع ، لماذا تمتنع عن هذه الأرباح الفاحشة بطريق غير مشروع ، مع أن أحداً لا يراقبك ؟ أنا أنفذ تعليمات الصانع.
ورع العدول هو الحد الأدنى ، ومن نزل عن هذا الحد كان خارج الإسلام ، لأن المسلم هو الذي انقاد إلى أوامر الله كلها طواعية ، وهذا المعنى المقبول للعبودية لله عز وجل ، غاية الخضوع لله عز وجل مع غاية المحبة ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :
((ما آمن بالقرآن مَن استحل محارمه)).
( سورة الأحزاب : 36 )
﴿ورب تال للقرآن والقرآن يلعنه﴾
( سورة الأحزاب : 36 )
لكن كما أن المعاصي درجات ، والعصاة أنواع ، كذلك الطاعات درجات ، والطائعون أنواع منوعة .
المرتبة الثانية : ورع الصالحين :
ورع الصالحين مرتبة أعلى من مرتبة ورَع العدالة ، فالصالح يمتنع عما يتطرق إليه احتمال التحريم  يعني يدع الشبهات ، فَعَنْ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
((الْحَلالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)) .
(أخرجه البخاري)
قد يقال لك : هناك رأيٌ ضعيفٌ يجيز لك أن تفعل ذلك ، أمّا رأي جمهور العلماء فلا يجيز لك أن تفعل ذلك ، وقد تعثر على فتوى في كتاب تجيز أن تأكل هذا المال ، لكن ما هم عليه أهل السنة والجماعة يمتنعون عن السماح بأكل هذا المال ، إذاً هناك شبه ، يعني ما دام هناك شبهة ، ما دام هناك وجه من أوجه الحرام ، ما دام هناك دليل ظني ، ما دام هناك قضية خلافية فيها أخذ وفيها رد ، فالصالح يدعُ الشبهات .
((الْحَلالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)) .
إذا أردت الفتوى فقد تجد لكل مخالفة فتوى ، قد تجد لكل معصية تغطية ، أما إذا أردت التقوى ، فَلْتأْخُذْ بالأحوط ، تدع الشبهة وتبقى في البيّنة ، مَن ترك ما اشتبه عليه كان لما استبان أترك ، ومن وقع فيما اشتبه عليه كان لما استبان أوقع ، يعني دائما الشيطان إذا استطاع أن يقنعك أن تأخذ بشبهة جرك بعدها إلى شيءٍ واضح ، جرك إلى معصية صريحة ، وإذا بقيت متمسكاً بترك الشبهات ، كانت هذه الشبهات التي تركتها هامشَ أمانٍ بينك وبين الحرام ، لذلك :
((الْحَلالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ)) .
في العلاقات المالية ، في الاجتماعية ، في كل مشكلة ، في كل موقف  الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، أما المشتبهات إن كنت صالحا تدعها لله تدعها وترتاح ، تدعها وتنام نوماً هانئاً ، تدعها وتستريح ، تدعها ويطمئن قلبك ، الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطّلع عليه الناس ، ما دام هناك قلق ، ما دام هناك تساؤُل ، ما دام هناك حرج ، فالأمر فيه شبهة ، وترك الشبهات من صفات الصالحين ، يعني أحياناً يقول لك شخصٌ : أنا تزوجت زواجاً شرعياً ، بإيجابٍ وقبولٍ وشاهدين، وانتهى الأمر ، ثم طلقت بعد مدة محدودة طلاقاً شرعياً ، لا عليك ، افعل مثلي ، ولكن أترضى لابنتك أن تتزوج زواجاً مؤقتاً ، الصيغة صحيحة ، لم يكن التوقيت مشروطاً ، إيجاب ، وقبول ، ومهر ، وشاهدا عدل ، فالزواج صحيح ، لكن أنت تنوي أن تطلق بعد حين ، أيضاً الطلاق شرعي ، فظاهر الإجراءات كله صحيح ، لكن أنت لم تنوِ التأبيد في هذا الزواج ، نويت التوقيت ، ولو أن هناك من يقول هذا يجوز ، مثلاً مذهب ابن حنبل يجوّز ذلك ، هذه شبهة ، إذاً دع هذه الشبهة لما استبان لك ، هناك أشياء ، هناك من يدعمها بفتوى ، وهناك من يجد لها في بعض الكتب سماحاً ، أو إجازة الصالح يدع الشبهات ، ويبقى في البيّنات ، يعني كما يقول بعض العلماء ليس كل شبهة يجب اجتنابها ، ولكن كل شبهة يستحب اجتنابها إذا كنت صالحاً .
المرتبة الثالثة : ورع المتقين :
أرقى من هاتين المرتبتين ، هي ورع المتقين : التقي يمتنع عن الحرام أصلاً ، وعن الشبهات أصلاً ، ويمتنع عن بعض الحلال مخافة أن يصل به إلى الحرام ، هذا الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام ، فَعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ)) .
( أخرجه الترمذي).
فالانغماس في المباحات قد يجر إلى بعض المعاصي ، وقد يجر إلى ترك مجالس العلم ، الانغماس في الشيء الذي أحله الله عز وجل ، والمبالغة به ، قد يجر إلى حب الدنيا ، وإلى الطمأنينة لها ، فالتقيُّ لا يدع الحرام فقط كالعدل ، ولا يدع الشبهة فقط كالصالح ، ولكن يدع الحرام ، ويدع الشبهة ، ويدع المباحة ، ليس كل المباح ، يدع بعض المباح مخافة أن يصل به هذا المباح إلى محرم ، لذلك صحَّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ :
((إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ)) .
( أخرجه أحمد ) .
إذا جعلت النعيم همَّك الأول ، المباح ، المشروع ، إذا تفننت في أنواع الطعام والشراب ، إذا تفننت في أنواع المتع المباحة ، فهذه المتع المباحة ، قد تجرك إلى الدنيا ، قد تجعلك تخلد إلى الأرض  قد ترغبك في الدنيا ، قد تبعدك عن مجالس العلم ، قد تبعدك عن طلب العلم قد تبعدك عن الهمة العالية في العمل الصالح ، قد تحملك على أن تجمع المال من أجل أن تنفقه في هذه المباحات ، قد تحملك على الجُبن ، قد تحملك على الخَوف ، قد تبعدك عن خطر تتوهمه من أجل أن تبقى في دنياك كما تريد ، هذه المباحات قد تجر الإنسان شيئاً فشيئاً إلى بعض الشبهات والشبهات تجر إلى المحرمات وهكذا .
فالتقي أحياناً يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
((لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ)) .
( أخرجه الترمذي).
يدعم هذا القول وهذه المرتبة قول النبي عليه الصلاة والسلام :
((إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ)) .
( أخرجه أحمد ) .
 قد تتنعم ، وقد تسعد ، وقد تسر في بيتك ، وقد يبارك الله لك في مالك ، وقد تتنزه ، وهذا كله يأتي إكراماً من الله عز وجل ، أمّا أن يكون مقصوداً لذاته ، وأن تسعى من أجله ، فهذا يتناقض مع رسالة المؤمن في الحياة ، لا تنسَ قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يُدعى إلى اللهو يقول : لم أخلق لهذا.
يقول سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه : << كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام >> ، أما الآن فالإنسان يكفي أن يتعلق بفتوى لإنسان ، أَيّ إنسان ، ويقول : أنا أعمل بفتواه ، والعهدة عليه وبذمته ، وبرقبته ، لكن لتعلَمْ أن اللهَ عز وجل أمرك بالتمحيص ، وأمرك بالتدقيق ، والله سبحانه وتعالى قال :
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
( سورة آل عمران : 102 ) .
 
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾
( سورة الزمر : 19 ) .
النبي عليه الصلاة والسلام وهو أعظم المخلوقات قدراً عند الله عز وجل قال :
((يا فاطمةُ بنتَ محمد ، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار ، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً )) .
( الترمذي عن عائشة )
((لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ، مَن يبطّئ به عمله لم يسرع به نسبه)) .
( ورد في الأثر)
فهذا الإنسان الذي يتعلق بفتوى ، يتعلق برأي العالم ، ويأخذ في بعض الشبهات ، هذا إنسان ربما انتقل شيئاً فشيئاً إلى المحرمات ، لا تنسَ أن بعض المباحات تقودك إلى بعض الشبهات ، وأن بعض الشبهات تقودك إلى بعض المحرمات ، وإذا وقع الإنسان في الحرام انقطع عن الواحد الديان ، فإذا انقطع عن الله عز وجل أصبح في ظلمات بعضها فوق بعض ، إذا أخرج يده لم يكد يراها ، الله سبحانه وتعالى يخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ، يخرجونهم من النور إلى الظلمات .
الدرجة الرابعة : ورع الصِّديقين :
الصّديق ، طبعاً يدع الحرام ، ويدع الشبهات ، ويدع بعض المباحات ، ويدع ما سوى الله  قال تعالى :
 
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾
( سورة المؤمنون : 1 ـ 3 ) .
اللغو يعني كل ما سوى الله ، لأن الإنسان يعيش حياة محدودة ، هذه الحياة المحدودة  هي إعداد لحياة أبدية ، فأية دقيقة تذهب سدى يحاسب عنها الإنسان يوم القيامة ، لذلك فالمؤمن لا يندم إلا على شيء واحد ؛ يندم على ساعة مرَّت لم يذكر الله فيها ، وربنا عز وجل قال :
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
( سورة الأحزاب : 41 ) .
المؤمن كل وقته ، وكل جهده ، وكل طاقته لربه ، وهذا الذي سأل بعض شيوخه ، قال له : كم الزكاة يا سيدي ؟ قال له ، عندنا أم عندكم ؟ قال : ما عندنا وما عندكم ؟ قال الشيخ : عندكم اثنان ونصف بالمئة ، أما عندنا فالعبد وماله لسيده ، فما عند السابقين السّابقين فالمال وصاحبه لله ، وما عند أصحاب اليمين فالزكاة مبلغ قدّر شرعاً ،
 
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ*فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ*وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ*فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ
( سورة الواقعة : 88 ـ 91 ) .
إنّ أصحاب اليمين ناجون ، ولكنّ المقربين ..
 
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ*فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
( سورة القمر : 54 ـ 55 ) .
يجب على الإنسان أن يطلب أعلى درجة بالجنة ، أخي أنا أريد وراء باب الجنة فقط ، لمَ وراء الباب فقط ؟ كُنْ بصدرها ، المؤمن طموح ، حتى في طلبه الجنةَ طموح ، فعليه أن يطلب الجنة في أعلى مراتبها ، لذلك :
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
( سورة آل عمران : 102 ) .
 
﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ .
( سورة الحج : 78 ) .
والباب مفتوح على مصراعيه ، وكل شيء لا علاقة له بالآخرة فلن تستفيد منه شيئاً ،
 
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا
( سورة الكهف : 46 ) .
في حياتك شيئان : شيءٌ يفنى ، وشيءٌ يبقى ، فكل عمل متعلق بشيء يبقى فهو منتهى الذكاء ، ومنتهى التوفيق ، ومنتهى العقل ، وكل جهد تبذله من أجل شيء يفنى فهو خسارة في خسارة ، وهذا معنى قول الله عز وجل :
 
﴿ وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
( سورة العصر : 1 ـ 2 ) .
حياتهُ بضعة أيام ، الأيام تمضي ، الإنسان مُسْتَهلَك ، حينما يستهلك الوقت يستهلك هو ، هو وقت ؛ لأن الإنسانَ ، كُلما مضى يوم ، مضى جزء من عمره ، وعمره مجموعة أيام ، إذاً مضى بضع منه  فمرور الوقت فيه خسارة للإنسان ، إلا إذا آمن وعمل صالحا وتواصى بالحق وتواصى بالصبر ،
 
﴿ والْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
( سورة العصر : 1 ـ 3 ) .
فهذا الصدّيق يدع الحرام ، ويدع الشبهات ، ويدع المباح الذي يؤدي إلى شبهة ، ويدع فوق هذا كل ما ليس له علاقة بالله عز وجل ، والشيء الذي لا يوصله إلى الله والدار الآخرة خارج اهتمامه .
هذه بعض المراتب ، أما مراتب الورع أن يعد الإنسان نفسه مسلماً ، وهو غارق بالمعاصي ، فهذا شيءٌ يحتاج إلى جهد كبير ، وإلى توبة نصوح حتى يرقى في سلم أهل الإيمان .
عودة إلى القصة التي تركناها ، والتي وصلنا إليها في الدرس الماضي ، وهي قول الله عز وجل :
 
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
قصة سيدنا صالح عليه السلام :
هذه الآيات تتكرر في كل قصة بالضبط
 
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ
فهو من قومهم ، من أبناء جنسهم ، من بني جلدتهم ، منهم ، من بلدتهم :
 
وتحدثنا بالتفصيل في درس ماض عن التقوى :
 
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسولٌ أَمِينٌ ﴾
قال عليه الصلاة والسلام :
((العلماء سُرُجُ الدنيا ومصابيح الآخرة ، والعلماء أمناء الله على خلقه)) .
( الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال )
هناك أمانة التبليغ ألقاها الله على كاهل الأنبياء ، وهناك أمانة التبيين ألقاها الله على العلماء :
 
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
من صفات المؤمن تقديم الخدمات الدعوية من غير أجر :
من صفات المؤمن أنه يعطي ، ويقدم خدماته للناس من دون أن ينتظر منهم أجراً ، قال تعالى :
 
﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ*اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
( سورة يس : 20 ـ 21 ) .
القضية أنا أشبهها بمثل رجل ميسور الحال قال لك : عَلِّم ابني درساً ، وخذ على كل درس مليون ليرة ، فَرَضاً ، أما إذا تقاضيت أي أجرٍ فلن أعطيك شيئاً ، فهل يعقل أن تقبل بمائة ليرة تأخذها من الابن على هذا الدرس ، وتضيع مليون ليرة ؟! فهذا الذي يفعل شيئاً من أَجْل الله عز وجل فإن له عند الله ثواباً كبيراً ، أما إذا تقاضى على عمله أجراً ، أو طمع في الأجرة ، أو طلب مكافأة ، فقد أسقط ثوابه ، وأحبط عمله .
 
﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ ﴾
واللهِ هذه آية دقيقة جداً ، يا قوم :
 
﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ ﴾
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَهُنَا آمِنِينَ
الأيامَ تمضي ، اليوم استيقظت بحالة طيبة ، وصحة جيدة ، يا تُرى أَكلَّ يوم هكذا ؟ إلى ما شاء الله ، أما أن هناك حداً تنتهي هذه الحياة عنده . الآن أهل الدنيا ، يحسبون لكل شيء حساباً إلا الموت ، يعدون لكل شيء عدة إلا الموت ، قال تعالى :
 
﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ ﴾
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا وَبَادِرُوا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا)) .
[ أخرجه ابن ماجة ] .
فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ، ماذا ينتظر ؟ تمضي سنة ، وثانية وثالثة ، وربيع ، وخريف ، وصيف ، وشتاء ، بالصيفِ نلبس الخفيف  ونذهب إلى المتنزهات ، وبالشتاء نُرَكِّب المدافئ ، ونأكل الحلويات ، ونلبس الملابس الشتوية ، يعني هناك صيف ، شتاء ، ربيع ، خريف ، كذلك من صف لصف ، من معهد لمعهد ، من جامعة لجامعة ، من صفقة لصفقة ، من وظيفة لوظيفة ، وإلى متى ؟ يا تُرى إلى ما شاء الله ؟ لا ! هناك حَدّ ونهاية ، بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ، يعني إن لم يكن له وجهة إلى الله عز وجل ، إن ألقى بهذا الدين جانباً ، إن جعل القرآن وراء ظهره ، إن قال : إن هذا الدين خرافة ، إنه مجموعة غَيْبِيَّات ، إنه تعبير عن حالة الضعف التي يعانيها الإنسان القديم . هذا الذي يستَخِفّ بالدين ويقول لك الدين كذا وكذا ، ماذا ينتظر من الدنيا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا ، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ، أَوِ الدَّجَّالَ ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)) .
[ أخرجه الترمذي ] .
قد يأتي الفقر فجأة ، الذي أعطاك هذا المال قادر على أن يأخذ منك في لمح البصر ،
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا)) .
هناك نوع من الغنى يحمل صاحبه على الفجور والعياذ بالله ، فهذا الغنى بلاء من الله عز وجل .
لي عليكم فريضة ولكم عليّ رزق ، لي عليك فريضة ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك ، فَلأَسلطنّ عليك الدنيا ، تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ، ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد ، أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد .
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا)) .
هناك أمراض وبيلة تفسد على الإنسان حياته ، تجعل حياته جحيماً لا يطاق .
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ،  أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ، أَوِ الدَّجَّالَ ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)) .
هناك أمراض وبيلة تفسد على الإنسان حياته ، تجعل حياته جحيماً لا يطاق ، هذا الذي لا يريد الدين ، يحب الدنيا فقط ، ينطلق إليها بكل طاقته ، لا يرى إلا الدنيا ، هي مبلغ علمه ، منتهى أمله ، منتهى علمه ؛ الكلام تملّقاً لهؤلاء ، ماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا)) .
ما مات ، تقدّم في السن حتى ضعف عقله ، وانحنى ظهره ، وضاق أفقه ، وأصبح على هامش الحياة ، وأصبح عِبْئاً على أهله ، يتمنى أقرب الناس إليه الموت ، أصبحت حياته لا تطاق ، أما المؤمن الصادق عاش ستة وتسعين سنة سمعه مرهف ، وبصره حاد ، وأسنانه في فمه ، وقامته منتصبة ، قال له أحدهم : يا سيدي ما هذه الصحة ؟ قال يا بني حفظناها في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً ، من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت .
 
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
( سورة الجاثية : 21 ) .
مستحيل هذا الكلام :
 
﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
هذا المؤمن الذي استقام على أمر الله ، الذي غض بصره عن محارم الله ، الذي ضبط لسانه ، الذي ضبط حواسه ، هذا الذي أنفق ماله ، هذا الذي جلس في المساجد ليتعلم كتاب الله ، فهل يعاملُ كما يعامل الفاسق   الفاجر ، المنحرف ، الذي يأكل المال من حلال أو من حرام ، هكذا ظنكم برب العالمين ؟
 
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾
حياته ، زواجه ، عمله ، وظيفته ، تجارته ، هذا كهذا ؟ سواء ؟ أليس للمؤمن ميزات أبداً ؟ هذا ظن الذين كفروا .
 
﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ
( سورة الفتح : 6 ) .
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا)) .
يَخْرِف ، لكن من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ، هذه ضمانة يا أيها الإخوة ، واللهِ التقيت مع أُناس بالتسعين ، أو بالسابعة والتسعين ، ولهم ذاكرة طيبة ، ولهم شخصية قوية ، بفضل القرآن الكريم ، لذلك اقرؤوا القرآن ، تعلموا القرآن ، طبقوا القرآن ، فهو ضمانة لمستقبلكم ، ضمانة لخريف العمر ،
((أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)) .
هنا قال سيدنا صالح :
 
﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ ﴾
وبعده فهذه البيوت الفخمة في المدينة ، أو في المصايف ، هل أصحابها هُم هم من مائة عام ؟ لا ! اختلفت الأمور ، إما أن الورثة أخذوا هذه البيوت ، أو أن البيوت بيعت إلى أشخاص آخرين وكذلك ، المحلات التجارية الضخمة في الأسواق المهمة  أصحابها قبل مائة عام هٌم هم ؟ لا ! اختلفوا :
 
﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ ﴾
يعني في كل فترة يحدث تبدل ، أصحاب البيوت ، أصحاب الحوانيت في المدينة ، أصحاب البيوت الجميلة في المصايف ، أصحاب المركبات الفخمة   يتبدل الحال من إنسان إلى إنسان :
 
﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ ﴾
 
﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ﴾
زخرفة الدنيا وغرورها كسراب بقيعةٍ :
يعني طَلعُها طيِّب ..
 
﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾  
﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ ﴾
أي لطيف ، أو تعني الرطب اللين ، أو الرطب النحيل ، أو الذي ليس فيه نوى ، أو الناضج ، أو المكتنز ، هذا كله من معاني "
 
﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ ﴾
 
 
بمعنى نشِطين ، أو بمعنى حاذقين بنحتها ، أو بمعنى متجبرين أو بمعنى أشرين بطرين ، أو بمعنى معجبين ، أو بمعنى أقوياء ، أو بمعنى فرحين ، هذه معاني كلمة :
 
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ *الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾ الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعصية ، وقال بعض العلماء : هم الذين عقروا الناقة ، فاستحق قومهم الهلاك بعقرها :
 
﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾
قال تعالى :
 
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ﴾
اتهام المنحرفين للمستقيمين بالسحر والجنون :
يعني أنت لأنك خرجت عن دين قومك فقد ضاع عقلك ، فأنت مسحور ، أو في معنى آخر ، المسحرين ، أي الذين يأكلون ، يعني أنت تأكل مثلنا الطعام ، ما الذي جعلك تفضلنا به ، إما أنه اختلّ عقلك ، وإما أنك بشر مثلنا ، هذا معنى المسحرين .
 
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾
مرحلة تحدي ثمود لنبيهم صالح عليه السلام :
الآن بدأ التحدي ، إن كنت نبيا صادقا فأتِ بآية ، طبعاً من صفات المعجزة أنها تأتي بعد التحدي ، وهؤلاء قوم سيدنا صالح تحدوه ، وجعلوا بينهم وبينه حداً فاصلاً ، إما أن تأتي بآية ، وإما إنك كاذب .
 
﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾
 
معجزة ناقة صالح :
قالوا : إن كنت نبياً صادقاً فأخرج لنا من هذا الجبل ناقة تشرب من هذا الماء ، فقال النبي الكريم سيدنا صالح ، طبعاً بأمر الله عز وجل وبقدرته ، هذه ناقة الله :
 
﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾
هي تشرب الماء يوماً ، وأنتم تشربون يوماً .
 
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ﴾
﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾
الواو واو الجمع ، الذي عقرها واحد ، ولأنهم أقروا عقرها ، وأقروا فعلته ، فقد شاركوه في الإثم ، فربنا عز وجل قال :
﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾
مع أن الذي عقرها واحد إشارة إلى أن الذي يرضى عن فعل مجرم فهو مثله في الإثم ، والذنب شؤم على غير صاحبه ، من رضي به شاركه في الإِثم ، ومَن شمت به فقد وقع فيه ، ومن ذكره فقد اغتابه :
 
﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ﴾
العبرة في القصة الموعظة : إياك أعني واسمعي يا جارة :
حينما بدت ملامح العذاب .
 
﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾
هذه كلها قصص تحمل الموعظة للآخرين ، وهذه القصص تقع في كل يوم ، يعني هذا الذي يقع في الأرض من زلازل ، ومن كوارث عامة ، هناك من يفسرها تفسيرات علمية له ولا يعتبر ، وهناك تفسيرات إلهيه له توحي بالموعظة والعبرة ، فربنا عز وجل :
 
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
( سورة هود : 117 ) .
والحمد لله رب العالمين
 
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب