سورة النّور 024 - الدرس (8): تفسير الآيات (027 – 029)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة النّور 024 - الدرس (8): تفسير الآيات (027 – 029)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 15 - العطوة العشائرية - د. سعيد دويكات           برنامج كن فضولياً: كن فضوليا - 68 - دور الاعلام في التحريض على القتل - 25 - 01 - 2021           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - ادفع بالتي هي احسن           برنامج الدم الحرام: الدم الحرام - ح05 - دور القضاء والمحاكم في مواجهة جرائم القتل - 24 - 01 - -2021           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0912 - سورة المؤمنون 079 - 080           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 14 - عوامل ضبط النفس - د. أنس المصري         

الشيخ/

New Page 1

     سورة النّور

New Page 1

تفسـير القرآن الكريم ـ سـورة النّور- (الآيات: 027 - 029)

24/07/2011 15:59:00

تفسير سورة النور (024 )
الدرس (8)
تفسير الآيات (27 – 29)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
             الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق  الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
          أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن من سورة النور ، انتهى بفضل الله وعونه في الدرس الماضي تفسير حديث الإفك ، والآن ننتقل إلى ما بعد هذه الآيات التي تتحدث عن حديث الإفك.
                                                                                   
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ¯فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ¯لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾
(سورة النور)
علاقة هذه الآيات بما سبق : التدابير الاحترازية من الزنى :
          هذه آيات هذا الدرس ، الحقيقة بعد أن بين لنا سبحانه وتعالى موضوع الزنى ، وكيف أنه شيء يقبح بالإنسان فعله ، وكيف أن الزاني لا ينكح إلا زانية ، وكيف أن الزاني عليه حد يقام تطهيرا للمجتمع من هذه الجريمة ، وكيف أن الذي يقذف محصنة عليه جلد ، وعليه إقامة حد ؛ هو حد القذف ، وكيف أن حديث الإفك الذي تورط فيه بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كيف كان عند الله عظيماً ، وكيف أنَّ الله جل وعلا برّأ السيدة عائشة من هذه التهمة التي ألصقت بها ، هذه الآيات التي سبقت قوله تعالى :
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ[ .
          قد يسأل سائل : ما علاقة هذا التوجيه بالآيات السابقة ؟ الإجابة عن هذا السؤال واضحة ، وهي أن الله سبحانه وتعالى في الآيات التالية يبين لنا التدابير الاحترازية من الزنى ، كيف تكلم المتكلمون ، وكيف أرجف المنافقون ، كيف استطاع بعض الناس أن ينالوا من عفة هذه السيدة الطاهرة ؛ السيدة عائشة ؟ فلو لم تكن هذه الخلوة التي كانت بين صفوان وبين عائشة ما كان لأحد أن ينطق بكلمة سوء في حق السيدة الطاهرة ، لذلك من المنزلقات إلى الزنى ، أو إلى أن يتهم الإنسان بالزنى ، من المنزلقات الخطيرة الخلوة ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا ، وَخَرَجَتْ امْرَأَتِي حَاجَّةً ، قَالَ : اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ )) .
[البخاري ، مسلم ، ابن ماجه ، أحمد]     
مخاطبة الله للمؤمنين على سبيل التخصيص والتشريف :
الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات التي هي موضوع هذا الدرس يبين التدابير الاحترازية التي تمنع من الزنى ، أو تمنع من تهمة الزنى ، من هذه التدابير أن الله سبحانه وتعالى يقول : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا[، فإذا كنت مؤمنا حقا تشعر في أعماقك أنك معني بهذا الخطاب : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا[، وكأن الله سبحانه وتعالى لعلمه بأن هؤلاء الذين آمنوا يحرصون على تنفيذ أمر الله ، ويستجيبون له ، ويتأدبون بآداب الإسلام ، لذلك وجه الله سبحانه وتعالى لأولئك المؤمنين في كل زمان ومكان هذا التوجيه ، وهذا التوجيه ينضوي تحت باب الآداب العامة ، هناك عبادات ؛ من صوم ، وصلاة ، وحج ، وزكاة ، وهناك معاملات ؛ بيع ، وإرث ، وزواج ، وطلاق ، وشركة ، وقرض ، وإيجار ، وما شاكل ذلك ، وهناك الأخلاق ؛ ومن الأخلاق الآداب ، وهذه الآيات تتحدث عن آداب الاستئذان ، لذلك مما يميز المسلم عن سواه أنه متأدب بآداب القرآن ، وسوف تأتي تفصيلات هذه الآيات ، والقصد منها أن نتأدب جميعا بآداب الاستئذان ، لأن هذه الآداب من صفات المؤمنين الذين ينصاعون لأمر الله ، ولتوجيهه .
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ
 
شيء آخر ... هو أن الله سبحانه وتعالى يقول : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا[، وكما قلت لكم من قبل هذه الكلمة ]بُيُوتًا[نكرة ، وكيف عرفنا أنها نكرة ؟ من التنوين ، والتنوين علامة التنكير ، تقول مثلا : البيت ، فهي معرفة ، أما بيت فنكرة ، نهر بردى معرفة ، أما نهر فنكرة ، فكلمة ]بُيُوتًا[جاءت نكرة ، وشيء آخر .. جاءت في سياق النهي ، وإذا جاءت النكرة في سياق النهي أصبحت شاملة ، فهذه الآية تشمل أيَّ بيت ، فأيّ بيت لابد أن تدخله بعد استئذان .
          ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا[، أيَّ بيت ، ]لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا[ ، قد يقول قائل : هذا بيت أخي ، هذا بيت أختي ، هذا بيت بنتي ، هذا بيت عمي ، هذا بيت والدي ، ]لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا[، لأن الكلمة جاءت نكرة ، وجاءت في معرض النهي فالكلمة تفيد الشمول .
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا[ .
معنى الاستئناس :
 
المعنى الأول : العلم :
 
معنى الاستئناس هنا العلم ، كقوله تعالى :
 
 ]فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا[ .
(سورة النساء: الآية6)
أيْ فإن علمتم منهم رشدا ، حتى تستأنسوا أيْ حتى تعلموا أن أصحاب هذا البيت راغبون فيكم أو غير راغبين ، لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تعلموا أن أصحاب هذا البيت راغبون في دخولكم هذا البيت ، أو أنتم أناس غير مرغوب فيكم ، هذا معنى حتى تستأنسوا ، فيجب أن تأخذوا موافقة بالدخول ، أو يجب أن تتلقوا رفضا وتوجيها بعدم الدخول ، وهذا هو الاستئذان .
المعنى الثاني : الاستئذان :
        ]حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا[أيضا بمعنى حتى تستأذنوا ، السلام عليكم أنا فلان ، أأدخل ؟ هذا هو الاستئذان ، ولماذا عبر ربنا سبحانه وتعالى وهو الحكيم العليم عن الاستئذان بالاستئناس ؟ لأن الاستئذان من ثمراته الاستئناس ، فإذا طرقت الباب فقيل لك : من الطارق ؟ قلت : فلان ، قيل لك : أهلا وسهلا ، تفضل ، ترتاح نفسك ، أنت تستأنس إن سمح لك بالدخول ، لذلك جاءت كلمة استئناس مكان استئذان ليفيد معنيين في الوقت نفسه ، يفيد معنى طلب الدخول ، أعلمتهم من أنت ، وانتظرت أن تأخذ موافقتهم ، فإذا أخذت موافقتهم على الدخول تشعر بالأنس ، ترى أنك إنسان مرغوب فيه ، هذا المعنى الأول ، والثاني معنى الإعلام ، وطلب الإذن ، ومعنى الاستئناس .
المعنى الثالث : ذكر اسم المستأذِن  :
حينما تزمع أن تدخل بيتا فلابد أن تعلم الناس من أنت ، فلو أنك فاجأتهم لأخذتهم ، أو لأشعرتهم بالوحشة ، لذلك المعنى الثالث للاستئذان أن تعلن عن اسمك ، من آداب الاستئذان أن تقول : أنا فلان ، من الطارق ؟ فلان ، إذا أول معنى تعلمهم ، تطلب أن يعلموك ، ما إذا كانوا موافقين على دخولك ، أو غير موافقين ، هذا أول معنى ، فإذا وافقوا على دخولك فهذا يمنحك الأنس والطمأنينة ، هذا المعنى الثاني ، والمعنى الثالث يجب أن تعلمهم من أنت ، أنا فلان ، فإذا طرق الباب ليلا ، وفي وقت متأخر ، وفي ساعة متأخرة ، وفي مكان موحش ، أو في بيت متطرف ، أو في ظرف عصيب ، أو في وقت شديد ، أوفي حالات خاصة ،في مكان وزمان معينين يجب أن تقول من أنت ، أنا فلان .
          قد يقول قائل : أنا ، من الطارق ؟ أنا ، من أنت ؟ قد يخشون أن يفتحوا لك الباب فلابد أن يستمعوا إلى صوتك ، وإلى هويتك ، وإلى قرابتك ، هذا هو المعنى الثالث .
المعنى الرابع : استئناس أهل البيت :
فإذا أعلمتهم من أنت أدخلت الأنس على قلوبهم ، أعلمتهم من أنت فاستأنسوا ، ووافقوا لك على الدخول فاستأنست .
هذه أربعة معان جمعتها كلمة :
 
 ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا[،
 أعلمتهم من أنت فرحبوا بك ، فاستأنست ، وأعلموك بالموافقة ، فرحبوا بك فاستأنست ، أعلمتهم ، وأعلموك  ، وآنستهم ، وآنسوك ، أربعة معان مستفادة من كلمة :
 
 ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا[
 المؤمن ظله خفيف ، المؤمن لا يفزع الناس ، لا يخيفهم ، لا يخجلهم ، لا يربكهم ، لا يوقعهم في شك ، في حيرة ، لذلك قيل : البيان يطرد الشيطان .
        أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا طرق بابا حمد الله ، وسبحه ، وكبره ، إذاً هذا معنى خامس ، إنك إذا حمدت الله ، وسبحته ، وكبرته ، قلت : سبحان الله ، الله أكبر ، الحمد لله ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، فهذه الكلمات الطيبة التي فيها ذكر لله عز وجل ربما تبث الأنس في نفوس الناس ، إذاً تعلمهم فيستأنسون ، ويأذنون ، لك فتستأنس ، وحري بك أن تُذَكِّرهم بالله عز وجل ، فإن ذكر الله عز وجل يطمئن القلوب ، فإذا التقيت بإنسان لا تعرفه ، فقام فصلى أمامك تطمئن له ، إذا قال : سبحان الله تطمئن له ، إذا قال : الحمد لله تطمئن له ، إذا قال : الله أكبر تطمئن له ، إذا شعرت أن هذا الذي أمامك ، أو أن هذا الذي يدخل عليك يعرف الله عز وجل عندئذ لا تخاف ، لذلك روي : " ابن آدم خف ثلاثا ؛ خفني ، وخف نفسك ، وخف من لا يخافني " .
هذا الذي لا يخافك يجب أن تخاف منه ، والمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام : (( المُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ )) .
[القضاعي في مسند الشهاب عن أنس]
وسيدنا عمر كان يقول : << لست بالخب ، ولا الخب يخدعني >> .
[ نسبه في لسان العرب إلى ابن سيرين ، انظر مادة خبب]
الحكمة من الاستئذان :
من الحكمة التي رآها بعض العلماء حول موضوع الاستئذان أن الذي يدخل البيت من غير استئذان ربما وقعت عينه على عورات البيت ، على عورات أهله ، أو على نقاط ضعفه ، فإذا دخلت من دون استئذان قد يكون هذا الذي تدخل عليه جالسا مع زوجته ، قد تكون الزوجة متبذلة في ثيابها ، فكيف ترضى أن تدخل على بيت ليسوا مستعدين لاستقبالك ، لذلك عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ :
(( اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ ، فَقَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ )) .
[البخاري ، الترمذي ، وأحمد]
لئلا تقع عينك على قبيح ، لئلا ترى عورات النساء ، لئلا ترى ما لا يحل لك ، لئلا ترى منظرا مزعجا جُعِلَ الاستئذان.
أحيانا تقول : أخي هذا البيت فيه شباب ، وليس فيه نساء ، لعل هؤلاء الشباب غرفهم غير منظمة ، لعلهم يقومون بأعمال في البيت ، أحدهم يطلي هذا البيت ، وآخر يقوم بأعمال لا يحب أن تراه يفعلها ، قد يأكل طعاما خشنا ، قد يأكل طعاما لا يحب أن ترى ماذا يأكل ، لا يحب أن ترى ماذا يلبس في البيت ، ربما لا يملك ثيابا في البيت لائقة ، لا يريد أن يستقبلك بها فإذا دخلت عليه من دون استئذان أحرجته ، وأوقعته في الخجل .
موضوع الاستئذان من أجل ألا تنظر إلى عورات النساء في البيت ، ومن أجل ألا تنظر إلى عورات البيت ، البيت له عورات ، الإنسان أحيانا ينظم غرفة الاستقبال ، ولكنه لا ينظم غرفة الجلوس بشكل دائم لاستقبال الضيوف ، المطبخ أحيانا غير منظم ، وغير جاهز لاستقبال الضيوف ، لذلك إنما جعل الاستئذان من أجل النظر .
الآية الكريمة :
 
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا[ .
الفرق بين حكم الاستئناس والاستئذان :
فرّق العلماء بين حكم الاستئناس أي الاستئذان ، وبين حكم التسليم ، فالاستئذان واجب ، بينما إلقاء السلام مندوب ، لكن رد السلام واجب ، قال تعالى :
 
 
]وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا[
(سورة النساء: الآية86)
فإن قال لك أحد : السلام عليكم فيجب عليك أن ترد عليه السلام ، ولكن إلقاء السلام مندوب ، بينما طلب الإذن واجب ، فلا توجد قضية اختيارية ، لا يحق لك أن تدخل البيت قبل أن تستأذن ، وبعضهم قال : الاستئذان قبل السلام ، لأن حكمة الاستئذان وردت في الترتيب الذكري قبل إلقاء السلام ، وبعضهم قال : لا ... تسلم ، ثم تستأذن لحديثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ )) .
[ الترمذي]
تسلم ، وتسأل ، تسلم ، وتساوم ، تسلم ، وتستفهم .
وبعضهم قال كحلٍّ وسط : إن وقعت عينك على أحد في البيت فسلّم ، واستأذن ، وإن لم تقع فاستأذن وسلم ، على كل لابد من الاستئذان ، فهو واجب ، ولابد من إلقاء السلام ، فهو مندوب ، وقال بعضهم ، الاستئذان ليس مقيدًا بعدد ، فما دام ورد الاستئذان في القرآن غير مقيد فهو مطلق ، يعني السلام عليكم مرة واحدة .
السُّنّةُ الاستئذان ثلاثا :
وبعضهم قال : الاستئذان ثلاث مرات ، مرة تسمع أهل البيت ، ومرة يتهيؤون لاستقبالك ، ومرة يأذنون لك ، المرة الأولى كأنه الآن قرع الجرس ، أو قرع هذه التي يقرع بها الباب ، كأنها نوع من الاستئذان ، الأولى الإنسان يقرع ثلاث مرات ، وبين المرة والمرة كما ورد عند الفقهاء مقدار صلاة أربع ركعات ، لماذا ؟ لأن هذا الذي تطرق بابه ربما وقف يصلي الظهر فلن يقطع الصلاة من أجلك ، فإذا طرقت كثيرا ، وألححت في طرق الباب فقد شوشت عليه صلاته ، لذلك من كمال الأدب أن تطرق الباب مرة ، وأن تنتظر مقدار صلاة أربع ركعات ، فقد يكون ، الإنسان في الحمام ، قد يكون في قضاء حاجة ، قد يكون في مشكلة ، قد يكون مكانه صعبًا ، قد يكون على سقيفة البيت ، يحتاج إلى من يضع له السلم ، هذا الذي يطرق بعنف ، وبتتابع هذا إنسان ليس متأدبا بآداب الإسلام ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ :
(( كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ ، إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ ، فَقَالَ : اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ ؟ قُلْتُ : اسْتَأْذَنْتُ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاثاً فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ ، أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : وَاللَّهِ لا يَقُومُ مَعَكَ إِلا أَصْغَرُ الْقَوْمِ ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ )) .
[البخاري ، مسلم ، أبو داود ، أحمد ]
ثلاث مرات فقط ، أما أربع ، خمس ، عشر ، عشرون ، هذا صار إقلاق راحة وإزعاجًا .... ثلاث مرات ، ما دام أحد لم يجب فليس هناك إذن بالدخول ، سواء كانوا في البيت أو خارج البيت ، لكن قال العلماء : إن واجب الاستئذان مرة واحدة ، لكن من حق الداخل أن يطرق الباب ثلاث مرات ، الواجب مرة ، فلو لم يؤذن له أن يذهب ، لكن إن كان ملحا في الدخول ، وإن كان يعلق آمالا على الدخول فله الحق أن يستأذن ثلاث مرات : أول مرة ، والثانية ، والثالثة ، ومن أحكام الاستئذان ألا يقف طارق الباب أمام الباب ، فلو أنهم فتحوا الباب ربما وقعت عينه على امرأة داخل البيت ، من آداب الاستئذان أن تعطي ظهرك للباب ، تطرق الباب ، وتعطي ظهرك للباب ، فلو فتح الباب ، وأنت في جهة أخرى ، وباتجاه مكان غير الباب فهذا من آداب الاستئذان ، فَتُعْرَفُ أنت المسلم المتأدب بآداب القرآن من غير المسلم المتأدب من طريقة طرق الباب ... يطرق الباب ، وعينه على مصراعي الباب ، وكأنه ينتظر لينظر... هذا ليس متأدبا بآداب الإسلام ، ولا تعنيه آداب القرآن ، لكن المؤمن يدير ظهره للباب ، ويطرق ، والعلماء قالوا : الاستئذان واجب ، ولو للأعمى ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ )) .
هذا لا ينظر ، قال النبي عليه الصلاة والسلام :(( إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ )) .
لأن من أكبر المسوغات للاستئذان النظر ، وليس معنى هذا أن النظر هو المسوغ الوحيد ، هناك عورات سمعية ... فإذا كان هناك شجار في البيت ، ودخلت فجأة ، وجدتهم يسبون بعضهم ، وهم لا يريدون لإنسان أن يطلع على المشكلة ، فأنت حين دخلت على البيت فجأة رأيت صياحا ، وبكاء ، وعويلا أضفت إلى مصيبتهم مصيبة ، مصيبة المشكلة والصراع ، ومصيبة الفضيحة ، لذلك هناك عورات ترى بالعين ، وهناك عورات تسمع بالأذن ، ومن علا صياحه في البيت فسمعه من في الطريق فهذا مما يخدش عدالته .
حكم الاستئذان عام في الرجال والنساء :
شيء آخر ؛ هو أن حكم الاستئذان ليس خاصا بالرجال ، الأحكام الشرعية في القرآن الكريم أكثرها موجه إلى الرجال ، أما النساء فينطبق عليهن الحكم الشرعي بشكل طبيعي ، لأن هذا اسمه في علم الأصول التغليب ، فإذا قال ربنا عز وجل :
 
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا[ .
فكأنه يقول : يا أيتها المؤمنات لا تدخلن بيوتا غير بيوتكن ، وربما كان دخول المرأة إلى بيت لا تعلم من فيه من دون استئذان أكثر خطرا عليها من دخول الرجل ، فربما وقعت الواقعة من هذا الدخول المتعجل ، لذلك الحكم الشرعي المتعلق بالاستئذان ينطبق على النساء والرجال معا ، بل ربما كان انطباقه على النساء أشد من انطباقه على الرجال خشية أن يقع لهذه المرأة مكروه .
 
الاستئذان ضمان وسلامة :
 
         ]ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[.
وكما قلت اليوم في الخطبة : العلاقة بين الطاعة ونتائجها علاقة علمية ، بمعنى أنها علاقة سبب بنتيجة ، والعلاقة بين المعصية وتبعاتها علاقة علمية ، بمعنى أنها علاقة سبب بنتيجة ، فإذا فعلت هذا كنت في حرز حريز ، وفي حصن حصين ، لا يتمكن أحد أن ينال منك ما دمت تأدبت بآداب القرآن ، لا يتمكن أحد أن ينال من هذه المرأة ما دامت لم تدخل هذا البيت إلا بعد أن استأنست ، وعرفت من فيه ، إذا هذه الآيات ليست تقييدا لحريتنا ، بل هي ضمان لسلامتنا .
ما حكم دخول الإنسان إلى بيته ؟
أما كلمة : ]لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ[ ، فما حكم البيت ؟
          الآن سؤال ثانٍ ما حكم الدخول إلى بيتك ، هذا البيت الذي تسكنه ، هناك ثلاثة احتمالات ؛ إما أن تسكنه مع أجانب ، هناك بيوت مؤجرة غرفا غرفًا ، فيوجد أجانب في هذا البيت ، ربما كانت امرأة صاحب هذه الغرفة في المطبخ ، ربما كانت أخت صاحب هذه الغرفة في الحمام ، فالبيت الذي تسكنه إذا كان فيه أجانب حكمه حكم البيت الذي لا تسكنه ، فيحتاج إلى استئذان ، أما إذا كان في البيت محارم ، هناك الأم ، أو الأخت ، أو بيت الأخ ، أو بيت الأخت ، أو الأقارب هذا حكم آخر ، فَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ :
((  يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي خَادِمُهَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا )) .
[مالك في الموطأ ، والبيهقي في السنن الكبرى]
          الحكم غريب ، أمه ، قال عليه الصلاة والسلام : (( نعم ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي خَادِمُهَا ، فقال عليه الصلاة والسلام : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ـ أيْ كلما دخلت ، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام دهشة هذا السائل قال : أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ وإن تكن أمك ـ أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟  قال : لا ، قال فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ، حتى بيتك فيه والدتك ، مثلا أختك في البيت ، بيت أختك ، بنت أخيك يجب أن تدخل مستأذنا لئلا تقع عينك على شيء لا يحل لك أن تنظر إليه ، بعض الناس يتوهمون ، وهذا سوف يأتي معنا بالتفصيل أن لك أن  تنظر إلى المرأة التي حرمت عليك ، حرم عليك زواجها ؛ كالأخت والأم ، حتى هذه المحارم لابد من حدود في النظر إليهن ، العلماء سموا ثياب الحشمة ؛ صدر مستور ، والعضد مستور ، والفخذ مستور ، فيبدو الساق ، والساعد ، والرقبة فقط ، أما هذا الذي ينظر إلى محارمه ، وهن في أبهى زينة هذا مخالف لآداب الإسلام ، وهذا يأتي معنا بالتفصيل في آيات أخرى ، فصار في البيت ثلاثة احتمالات ؛ أن يكون فيه أجنبيات ، وحرمة الدخول إلى هذا البيت وفيه أجنبيات أشد من حرمة الدخول على بيت فيه محارم ، لماذا ؟ لأن الأجنبية ليس لك أن ترى منها شيئا ، فهي كلها عورة ، لكنك إذا دخلت بيتًا فيه بعض محارمك ، ونظرت إلى وجهها ، وجهها مباح بالأصل أن تراه ، والحرمة أخف ، لكنك إذا دخلت إلى بيت ليس فيه إلا زوجتك فهل أنت بحاجة إلى استئذان ؟ الجواب : نعم ، ربما كانت عندها ضيفة ، ربما كانت أختها عندها ، وأختها لا يحل لك أن تنظر إليها ، ربما كان عندها جارتها ، فالاستئذان حتى في البيت ضروري .
          حالة أخرى : أنت خرجت من البيت ، ودخل في ساحة نفسها أن البيت فارغ ، فإذا فتحت الباب من دون أن تشعر ، وفاجأتها في المطبخ ربما صعقت ، وظنت أن هناك رجلا أجنبيا دخل عليها ، فأيضا الآداب الإسلامية تقتضي لو أنك تملك مفتاحا للبيت ، وأردت أن تدخله أن تعلم أهلك أنني رجعت .
استثناءات الاستئذان :
          هناك استثناءات .
من هذه الاستثناءات : لو أن حريقا شب في بيت المسلم فله أن يدخل هذا البيت لإطفاء الحريق من دون استئذان .
لو أن صراخا في البيت يستجير صاحبه من لصوص فلك أن تقتحم البيت من دون استئذان لتنقذ أهله من اللصوص .
هناك حالات استثنائية قاهرة يعطل فيها هذا الحكم الشرعي .
هناك شيء أخطر من دخول البيت من دون استئذان ، لو أن إنساناً دخل بيتا من دون أن يعلم أحداً ، ومن دون أن يستأذن ، ومن دون أن يطرق الباب ، وفاجأ أهل البيت ، وهم في ساحته ماذا يفعلون ؟ يأخذون حذرهم ، يدخلون إلى غرف ، يضعون على رؤوسهم شيئا أما هذا الذي ينظر من ثقب الباب إلى أهل البيت فالأمر خطير فَعَنْ  أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
((مَنِ اطَّلَعَ فِي دَارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَقَدْ هَدَرَتْ عَيْنُهُ)) .
[أبو داود]
حُكمُ مَن يختلس النظر في عورات البيوت :
          واختلف العلماء ، بل اختلف الفقهاء في هذا الحكم ، فهذا الذي ينظر إليك من دون أن تشعر يتلصص عليك في النظر ، يسترق النظر إليك ، وأنت غافل ، فلو انتبهت ، وفقأت عينه هل عليك شيء ، أم لا شيء عليك ؟ الأرجح أنه عليك شيء لقوله تعالى :
]العَيْنُ بِالْعَيْنِ [ .
(سورة المائدة: الآية 45)
ولكن هذا الحديث الشريف حمل على المبالغة في الزجر .
 
]يَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[.
حُكمُ البيوت غير المسكونة
الحكم الأول : عدم الدخول إلا بالإذن :
 
الآن : ]فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا[ ، طُرِق بيت بابه مفتوح ، لم يجب أحد ، فليس لك أن تدخل ، فلو دخلت إليه أوقعت نفسك في ورطة ، أو أوقعت نفسك في شبهة ، فلو ادعى عليك صاحب البيت أنه فقد مائة ألف لألصقت هذه التهمة بك ، لذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى من تتميم تأديبه لنا يحظر علينا دخول البيت حتى لو لم يكن فيه أحد ، لكن دقة القرآن الكريم ليس لها حدود ، وكلما فهمنا شيئا من إعجازه نتأكد أن هذا الكلام ليس كلام بشر ، إنما كلام خالق البشر ، لم يقل : فإن لم يكن بها أحد ، بل قال : ]فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا[، فإذا سبق لظنك أن هذه البيت خالٍ من أهله فلا يحق لك أن تدخل ، فلو دخلته ففوجئت أن فيه أشخاصا ، وقلت لهم : معذرة ، كنت أظن أن هذه الدار خالية ، هذا عذر أقبح من ذنب ، لأن الله سبحانه وتعالى نهاك أن تدخلها مسكونة أو غير مسكونة .
       قال ربنا عز وجل : ]فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا[، أيْ إذا غلب على ظنكم أن ليس بها أحد ، مع العلم أنه قد يكون بها أحد فالعبرة أن يغلب على ظنك أنه ليس بها أحد ، فلا ينبغي أن تدخلها حتى يؤذن لكم ، فكيف يؤذن لكم ؟ ليس بها أحد... يكون صاحبها قد أعطاك الإذن ، أعطاك المفتاح ، أعطاك تفويضاً ، فإذا انتبه الجار ، وقال لك : أين تدخل ؟ قلت : هذا المفتاح ، وهذا تفويض بتوقيع صاحب البيت ، فإذا أنت أردت أن تدخل فهذا يحدث ، أعارك إنسان بيتًا في مصيف ، وقال : خذ المفتاح ، يقول : أريد ورقة ، لا يكفي المفتاح ، بل يجب أن يكون هناك إذن خطي ، حتى إذا سألك الجيران إن كان معك إذن خطي أريتَه لهم ، هذه  آداب القرآن : ]فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ[، أي هل معك إذن مسبق ؟
الحكم الثاني : وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا
إنْ وجدت في البيت أحدًا ، فالآية عجيبة ، إذا دخلت البيت ، وفيه إنسان غير مالكه ، ومنعك من الدخول فمعه حق ، ]وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا[ .
قد يكون البيت في مصيف ، وصاحب البيت أعطاه لصديق له ، وسمح لك أن تذهب إليه ، ذهبت إليه ، فإذا هو مشغول ، حصل هناك خطأ في المواعيد ، يقول لك الذي في البيت : لا تدخل ، أنا هنا ، فارجع أنت ، ]وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا[، هذا حكم ثان للبيت غير المسكون ، إن أردت دخوله فلابد من إذن واضح ، وإن كان به إنسان لا يملكه ، ومنعك من الدخول فله الحق في ذلك ، وإذا غلب على ظنك أن هذا البيت ليس فيه أحد فليس لك أن تدخله ، مع أنه خالٍ من السكان ، هذه بعض الأحكام التي تؤخذ من قوله تعالى : ]فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ[،
 
هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
أطهر ، أزكى لسمعتكم ، أزكى لكرامتكم ، أزكى لمكانتكم ، أزكى لشخصيتكم ، ]هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ[.
          هذا تهديد ، فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول : أنا أعلم بما تعملون ، أعلم الدوافع الخفية التي وراء أعمالكم ، أعلم ما إذا كنتم توهمتم أن أحدا في البيت ليس موجودا ، أو موجودا فهذا يعلمه الله عز وجل ، أعلم نواياكم في دخول البيت ، أعلم كل شيء ، كل أعمالكم مكشوفة عند الله عز وجل ، قال بعض العلماء : هذا تهديد من الله عز وجل ، أي أيها العباد أنا عليم خبير بطوايا نفوسكم ، بنواياكم ، بما يعتلج في صدوركم ، ومن قوله تعالى: ]وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا[، ماذا يفهم من هذا الحكم ؟ يفهم من هذه الآية أن عليك ألا تلح في الدخول ، لأنّ الإلحاح ليس من صفات المؤمن ، وفي الحديث :
((اِبْتَغُوا الْحَوَائِجَ بِعِزَّةِ الأَنْفُسِ فَإِنَّ الأُمُورَ تَجْرِي بِالْمَقَادِيرِ)) .
[المقدسي في الأحاديث المختارة عن عبد الله بن بسر]
          لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، ]وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُم [ ، أيْ أزكى لعملكم ، لشخصيتكم ، لمكانتكم ، لكرامتكم ، لشأنكم .
 
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ
ثم يقول الله سبحانه وتعالى : ]لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ[، المحلات التجارية لك أن تدخل من دون استئذان ، لأن هذا المحل التجاري بالأساس مهمته استقبال الناس ، فليس معقولاً ...اسمح لي ...أأدخل... صاحب المحل يريد أن يبيع ويشتري ، والفندق مكان عام ، الحمام في الماضي ، المرافق العامة ، الحوانيت التجارية ، أحيانا مكان مثلا النادي الرياضي مفتوح الأبواب لكل الداخلين ، فهذه النوادي ، البيوت المعدة مثلا لاستقبال الأجانب للتأجير فرضا ، الفنادق ، الأماكن العامة ، الحوانيت التجارية هذه كلها لك أن تدخلها من دون إذن ، فطبيعة المحل يقتضي أن تدخله بلا إذن ، لكن يقول الله عز وجل : ]لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ[، لكم في هذا البيت حاجة .
 
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
لكن : ]وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ[، في هذا المحل نساء متبذلات ، فربنا عز وجل ... دخول فندق ، دخول مكان عام ، دخول النادي ...فالإنسان مضطر ، لكن هناك حالات وراء الدخول ، الاستمتاع بما حرم الله في مكان فدخوله محرماً ، ربنا عز وجل يقول : ]وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ[، هناك أسواق تجارية ، إذا كان الإنسان يمشي في هذه الأسواق بغية النظر للنساء فهذا إثم كبير ، والله سبحانه وتعالى يتهدده في هذه الآية ، أحيانا في هذا السوق محلل ، يحتاج هذا الإنسان لتحليل دم ، فمر في هذا السوق ، ودخل إلى مكتب المحلل ، هذا له حاجة ، والله سبحانه وتعالى يعلم نيته ، فكل إنسان يذهب إلى أماكن عامة فيها نساء كاسيات عاريات له هدف آخر غير الانتفاع بهذه الحوانيت فهو آثم .
]لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ[، غير معدة للسكن ، هذه معدة للتجارة ، للبيع ، للشراء هذا مرفق عام ، فيها متاع لكم ، ]وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ[ ، فالله سبحانه وتعالى يعلم علم اليقين ما تنطوي عليه أنفسكم من نوايا شريرة أو خيرة .
          هذه الآيات الثلاث نوع من التدابير الاحترازية التي تمنع الخلوة ، والخلوة باب الزنى ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((... لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا )) .
[أحمد]
          وفي درس قادم نتحدث عن غض البصر الذي هو التدبير الثاني الذي يمنع الزنى... نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء ...هذه السورة مهمة جدا ، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تنتقل من عقولنا إلى سلوكنا ، أن تصبح هذه الآداب آدابا نعيشها لا آدابا نستمع إليها .
 
والحمد لله رب العالمين
 
 
 
 
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب