سورة النّور 024 - الدرس (7): تفسير الآيات (023 – 026)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة النّور 024 - الدرس (7): تفسير الآيات (023 – 026)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 15 - العطوة العشائرية - د. سعيد دويكات           برنامج كن فضولياً: كن فضوليا - 68 - دور الاعلام في التحريض على القتل - 25 - 01 - 2021           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - ادفع بالتي هي احسن           برنامج الدم الحرام: الدم الحرام - ح05 - دور القضاء والمحاكم في مواجهة جرائم القتل - 24 - 01 - -2021           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0912 - سورة المؤمنون 079 - 080           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 14 - عوامل ضبط النفس - د. أنس المصري         

الشيخ/

New Page 1

     سورة النّور

New Page 1

تفسـير القرآن الكريم ـ سـورة النّور- (الآيات: 023 - 026)

24/07/2011 15:31:00

تفسير سورة النور(24)
الدرس (7)
تفسير الآيات: (23 – 26)
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين
. وقفات تحليلية متأنية لحديث الإفك :
الوقفة الأولى : العبرة في القصة عبرها ودروسها لا أحداثها وتفاصيلها :
 
أيها الإخوة المؤمنون ، لازلنا في سورة النور ، ومع الدرس السابع من هذه السورة ، ولابد من وقفة أخرى عند " حديث الإفك " ، ففي هذا الحديث كما وصفه الله سبحانه وتعالى خير كثير ، لأن أية قصة في القرآن الكريم كما قلت لكم في الدرس الماضي ليست مقصودة لذاتها ، إنما المقصود أن يستنبط منها قواعد في الآداب العامة ، وفي المعاملات ، وهذا حديث الإفك خير ، كما قال الله سبحانه وتعالى :
 
]لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ[ .
(سورة النور : الآية 11)
 
الوقفة الثانية : كان من الممكن أن لا يقع الإفك ولكن … :
لو وقفنا وقفة عند هذا الحديث نجد أنه كان بأمر الله ، فكان من الممكن ألا تكون القرعة من نصيب السيدة عائشة مع رسول الله في هذه الغزوة ، وكان من الممكن ألا يكون لها حاجة إلى قضاء الحاجة ، لو لم تذهب لقضاء الحاجة لما كانت كل هذه القصة ، وكان من الممكن ألا ينقطع عقدها ، وهي تقضي حاجتها ، وكان من الممكن أن ينقطع عقدها ، ولا تنتبه إليه ، وكان من الممكن أن ينقطع عقدها ، وتنتبه إليه ، ولا تعود من أجله ، وكان من الممكن إذا عادت أن ينتظرها النبي عليه الصلاة والسلام ، وكان من الممكن إذا حُمِلَ الهودج أن يشعر من حَمَلَهُ أنه فارغ ، لو ذهبت في هذا الطريق إلى الممكنات لوجدت أن هذا الحديث وقع بأمر الله ، و نستنبط من هذا التحليل أن كل شيء وقع أراده الله ، لذلك فلا تأسَ على ما فات ، ولا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله ، وما شاء فعل ، فكلمة لو تفتح عمل الشيطان ، وقد أشار ربنا عز وجل في قصص كثيرة ، وفي آيات كثيرة إلى ذلك :
 
]وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ[ .
(سورة يوسف : الآية 21)
الوقفة الثالثة : إظهار كل إنسان على حقيقته :
 
فهذا الحديث وقع بهذا الشكل ، لو تابعنا هذا التحليل ، كان من الممكن ألا يأتي صفوان ، وكان من الممكن أن يتفقدها النبي عليه الصلاة والسلام ، فيأمر أصحابه أن يعودوا إلى الموقع ليأخذوها ، إذاً هذا ترتيب إلهي ، فيه حكمة ما بعدها حكمة ، من أجل أن يظهر كل إنسان على حقيقته .
الوقفة الرابعة : بشرية النبي عليه الصلاة والسلام :
ربنا سبحانه وتعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ، ويأمره أن يبلغنا أنه بشر ، فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ :
(( كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ ، وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَتِيمَةَ فَقَالَ : آنْتِ هِيَهْ ، لَقَدْ كَبِرْتِ ، لا كَبِرَ سِنُّكِ ، فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي ، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ ؟ قَالَتِ الْجَارِيَةُ : دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لا يَكْبَرَ سِنِّي ، فَالآنَ لا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا ، أَوْ قَالَتْ : قَرْنِي ، فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ؟ فَقَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي ؟ قَالَ : وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، قَالَتْ : زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لا يَكْبَرَ سِنُّهَا ، وَلا يَكْبَرَ قَرْنُهَا ، قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .
[أخرجه مسلم]
لئلا يعبده الناس من دون الله ، لئلا يقال : إنه ابن الله ، هو رسول الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، فربنا سبحانه وتعالى في هذا الحديث أراد أن يعلمنا أنه بشر ، كما أراد أن نرى بأعيننا أنه بشر ، نبي كريم عنده زوجة طاهرة عفيفة مؤمنة قانتة لله عز وجل ، والناس يتحدثون أنها زنت ، ماذا يفعل ؟ كيف له أن ينفي هذا ؟ ليس في إمكانه أن يثبته ، ولا في إمكانه أن ينفيه ، ولقد تأخر الوحي ، لو أن الوحي جاء بعد يوم أو يومين لما كانت ثمة مشكلة ، لكن الوحي تأخر شهرا بكامله ، من أجل أن يظهر كل إنسان على حقيقته ، فمن كان في قلبه مرض ، من كان يبطن العداوة ، من كان يتمنى أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ظهر على حقيقته جليا ، ومن كان مؤمنا يحسن الظن بنبيه ، وبأهل بيته قاس الأمور على نفسه ، فقال : يا أم أيوب لو أنك مكان عائشة أتفعلين ما يقال عنها ؟ قالت : لا ، والله لا أخون رسول الله ، وقال : أما أنا فوالله لا أخون النبي في أهله ، وصفوان أفضل مني ، وعائشة أفضل منك ، هؤلاء المؤمنون الصادقون ، هؤلاء الذين يحبون نبيهم ، ويحسنون الظن به ، هؤلاء الذين ينزهون نبيهم ، وأهل بيته عن كل دنس ، هؤلاء قاسوا الأمور على أنفسهم ، وأحسنوا الظن ، فكأن هذا الحديث أبرز المخلصين الصادقين ، وأبرز المنافقين والفاجرين ، لذلك قال الله سبحانه وتعالى :
]مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[ .
(سورة آل عمران : الآية 179)
لله أساليب كثيرة ، فعل هذا يوم الخندق ؛ يوم أحدق الكفار والمشركون بالمدينة ، ويوم خان اليهود عهدهم مع النبي على عادتهم ، ويوم انكشف ظهر النبي عليه الصلاة والسلام ، وأصبح الإسلام قاب قوسين أو أدنى من الانهيار ، قال تعالى :
 
]هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا[ .
(سورة الأحزاب:الآيات 11-12)
أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ، وأما المؤمنون الصادقون فقد وصفهم الله عز وجل بقوله :
 
]مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً[ .
(سورة الأحزاب : الآية 23)
الوقفة الخامسة : في زمان ومكان امتحان للمسلم : إِنَّا كُنَّا مُبْتَلِينَ :
 
إن موضوع الخندق كان امتحاناً دقيقاً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحديث الإفك امتحان آخر دقيق لهم ، ونحن في كل زمان ، وفي كل مكان لابد من امتحانات ، سيسقط فيها من يسقط ، وينجح فيها من ينجح ، قد يكون هذا الامتحان كاشفا ، وقد يكون دافعا ، فهذه الامتحانات تتكرر ، والتاريخ يعيد نفسه ، وفي كل بيت هناك امتحان ، قد يؤمن الرجل بالله عز وجل ، ويتوب إليه ، ويفعل الصالحات ... يضيق رزقه ، ويضيق ، ويضيق ، ماذا يفعل ؟ يعصي الله ؟ أيأكل مالا حراما ؟ إن هذا التضييق في الرزق امتحان من الله عز وجل ، قد يعرض للإنسان موقف يخلو فيه بامرأة لا تحل له ، ماذا يفعل ؟ أيغادر المكان ؟ أم يبقى ؟ امتحان ، والله الذي لا إله إلا هو ما من مؤمن يقول : إني مؤمن إلا وهو معرض للامتحان عشرات ، بل مئات المرات في اليوم ، أو في الأسبوع ، فقد يمتحن الإنسان بالمال ؛ بوفرته ، وبفقده ، يمتحن بالنساء بالحالتين ، يمتحن بالقوة ، يقوى فيطغى ، أم ينصف ؟ يضعف فيزل ، أم يصبر ؟ فربنا سبحانه وتعالى يقول :
 
 
]إِنَّا كُنَّا مُبْتَلِينَ[.
(سورة المؤمنون : الآية30)
ويقول :
 
 
]َ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً[ .
(سورة الملك: الآية 2)
فهذا الحديث :
]لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ[.
لأن المؤمنين ظهروا على حقيقتهم ، برزوا كالنجوم المتألقة في السماء ، والمنافقون ظهروا كالوحول تحت الأقدام ، ظهرت نيتهم ، وظهر خبثهم ، وظهر انحرافهم ، وظهر سوء ظنهم ، وظهر فرحهم بأن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، فهذا الحديث كما قلنا حديث فيه خير كثير.
الوقفة السادسة : لسان حال النبي عليه الصلاة والسلام : قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا
 
أشار العلماء إشارة دقيقة جدا ، السيدة عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو رسول الله ، وسيد الخلق ، وحبيب الحق حينما تحدث الناس عنها ما كان بإمكان النبي أن يبرئها ، كأن الله عز وجل أراد أن يمتحنها ، فلما نزلت براءتها بادرت إلى السجود لله عز وجل ، وحمده ، وحده ، إذا كان الإنسان أحيانا يتعلق ببشرٍ مثله ، وهذا الإنسان عبد ، ربنا عز وجل يخاطبنا ، يبلغنا ، أو يبلغ النبي أن يبلغنا :
 
]قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا[ .
(سورة الأعراف : الآية 188)
 
 
]قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ[ .
(سورة الأعراف : من الآية 188)
إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك لنا نفعا ولا ضرا ، فَلأَنْ لا يملك لنفسه من باب أولى ، وإذا كان الله سبحانه وتعالى يظهر أن النبي عليه الصلاة والسلام عبد لله ، فحتى في حديث الإفك لم يملك النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الزوجة المخلصة العفيفة الطاهرة أن يبرئها حتى برأها الله عز وجل في قرآنه الكريم ، وكانت السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها تقول : كنت أظن أن يرى النبي عليه الصلاة والسلام رؤيا تبرئني ، فكنت أحقرَ من أن ينزّل فيّ قرآنًا ، ولكن قرآنا يتلى إلى قوم القيامة نزل في تبرئة عائشة ، فلماذا ؟ .
الوقفة السابعة : أهداف المنافقين تتعدى الأشخاص :
 
قال بعض العلماء : إن المنافقين ما أرادوا في حديث الإفك أن ينالوا من السيدة عائشة بقدر ما أرادوا أن ينالوا من النبي عليه الصلاة والسلام ، بل إنهم ما أرادوا أن ينالوا من النبي عليه الصلاة والسلام بقدر ما أرادوا أن ينالوا من هذه الدعوة الجديدة .
أحيانا حينما يتحدث الناس عن إنسان طاهر ، عفيف ، مخلص ، صادق ، حينما يلغطون بحديث يتعلق بحياته الشخصية ، إنهم لم يتمكنوا أن يردوا دعوته ، ولم يتمكنوا أن يقارعوه الحجة بالحجة ، فعمدوا إلى ترويج قصص ملفقة عن حياته الخاصة ، فلذلك لم يُرِدْ المنافقون ، والذين أرجفوا في المدينة شخصَ السيدة عائشة ، بل أرادوا شخص النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم يريدوا شخص النبي بل أرادوا هذه الدعوة التي جاءت نوراً للناس ، لذلك تولى الله سبحانه وتعالى بقرآنه الكريم تبرئة هذه السيدة العفيفة الطاهرة ، فَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : عَائِشَةُ ، فَقُلْتُ : مِنْ الرِّجَالِ ؟ فَقَالَ : أَبُوهَا ، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَعَدَّ رِجَالًا )) .
[أخرجه البخاري ، ومسلم ، الترمذي]
الوقفة الثامنة : الحكمة من انقطاع الوحي في فترة الإفك :
 
حكمة أخرى من هذا الحديث كما نوهت بها قبل قليل هو أن انقطاع الوحي شهرا كاملا جعل هذه القضية تنضج ، فهذا تكلم ، والذي سمع تكلم ، والذين سمع تكلم ، هذا وقف موقفا محايدا ، هذا وقف موقفا فيه حسن ظن ، هذا وقف موقفا فيه إساءة ظن ، هذا سمع وسكت ، هذا سمع وأشاع ، هذا سمع وروج ، هذا سمع وفرح ، هذا سمع وحزن ، هذا الذي حزن له مقام ، وهذا الذي فرح له درك في النار ، وهذا الذي روج يحاسب على ترويجه ، وهذا الذي سكت يشكر على سكوته ، وهذا الذي تمنى كُتب عليه تمنيه ، وكل إنسان من المؤمنين وقف موقفا دقيقا جدا سجل عليه :
 
]سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا[.
(سورة آل عمران : من الآية181)
أنت ماذا قلت ؟ كتب عليك ، لماذا يخلع قلب الإنسان حينما يقال له : اكتب هذه الإفادة ، وفيها أمر خطير ، ثم وقِّعْ ، لماذا ؟ لأن هذه الإفادة أصبحت وثيقة يدان بها .
لذلك يقول ربنا عز وجل :
 
]لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبَ مَا قَالُوا[ .
هذا القول سجِّل عليهم ، وسوف يعرض عليهم يوم القيامة ، وسوف يحاسبون عليه حسابا عسيرا ، فالإنسان عليه أن يضبط لسانه :
احفظ لسانك أيها الإنســـان    لا يلدغنك إنه ثعبـــان
كم في المقابر من قتيل لسانـه       كانت تهاب لقاءه الشجعان
***
إذا كنت أيها الإنسان تحفظ لسانك خوفا من بطش إنسان فما قولك إذا كان الواحد الديان سيحاسبك ، أتَتَّهم الناس بالباطل ؟
 
]وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا[ .
(سورة الإسراء : الآية 36)
وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(( إِنَّ قَذْفَ الْمُحْصَنَةِ لَيَهْدِمُ عَمَلَ مِئَةِ سَنَةٍ )) .
[الحاكم في المستدرك ، والبزار في مسنده ]
الوقفة التاسعة : انضباط المؤمن :
 
فأيها الإخوة الأكارم ، أتمنى ، وأتمنى من كل قلبي أن ينضبط المؤمن ، ألاّ يخوض في أعراض الناس ، ألاّ يخوض فيما ليس له به علم ، ألا يهرف بما لا يعرف ، ألا يتهم من دون دليل قطعي ، هذا اللسان يحاسب الإنسان عليه ، وفي الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ )) .
[أحمد في مسنده(13071)]
الوقفة العاشرة : نصرة الله للبريء :
شيء آخر ، إذا كنت مع الله ، وإذا كنت بريئا فأبشر ، فإن الله سبحانه وتعالى لابد أن ينصرك ، ولابد أن يظهر حقيقتك ، ولو لغا الناس ، ولو لاك الناس بعض الأحاديث بألسنتهم ، ولم يبالوا بالحقيقة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وهذه زوجته الطاهرة المطهرة ، ومع ذلك أرجف المنافقون في المدينة أقوالا لا أساس لها من الصحة ، أرجفوا بهذه الأقوال ، وشككوا الناس بها ، ولغطوا بها ، وعاش النبي عليه الصلاة والسلام ، وعاشت زوجته ، وعاش أبوها الصديق رضي الله عنه ، وعاشت أمها شهرا من الحزن والألم ، من البكاء المستمر ، إلى أن تولى الله سبحانه وتعالى بقرآنه تبرئتها ، إذا أنت أيها المؤمن تستنبط من هذا الحديث أنك إذا كنت على حق فلا تخش إلا الله ، وإذا كنت على حق فاطمئن إلى أن الله لابد أن يظهر الحق ، لأنه هو الحق ، الحق من أسمائه ، فإذا كنت بريئا ومظلوما فأبشر ، فلابد أن تظهر قضيتك على حقيقتها ، ولابد أن تظهر براءتك ، ويظهر طيبك ، والله سبحانه وتعالى يتولى ذلك .
قال بعضهم: لِمَ لَمْ يعلن النبي للناس أن هذه الزوجة السيدة عائشة بريئة من هذه التهمة ؟ لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام حكيما ، كان حكيما إلى أقصى درجة ، لأنه لو أعلن براءة زوجته فإنه طرف في القضية ، إنها زوجته ، إذاً لأُخِذَ كلامه من قبل أعداء الإسلام ، من قبل المنافقين على أنه تغطية ، وعلى أنه محاباة ، وعلى أنه دفاع بغير حق ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أظهر حكمته في أعلى مستوياتها ، حينما امتنع هو على أن يدلي برأي في هذا الموضوع ، وحينما أخذ موقفا معتدلا .
الوقفة الحادية عشرة : الصبر والموقف المعتدل في أثناء الفتن والمحن :
كان إذا دخل على عائشة من قبل رضي الله عنها يقول : كيف عويش ؟ وكان اسما محببا لها ، كان النبي عليه الصلاة والسلام زوجا مثاليا ، وكان مما أثر عنه أنه إذا دخل بيته كان بساما ضحاكا ، وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لا تُكْرِهُوا الْبَنَاتِ فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ )) .
[أحمد عن عقبة بن عامر]
وكان يقول :
(( أَكْرِمُوهُنَّ فَوَاللَّهِ مَا أَكْرَمَهُنَّ إِلاَّ كَرِيمٌ ، وَلاَ أَهَانَهُنَّ إِلاَّ لَئِيمٌ ، يَغْلِبْنَ كُلَّ كَرِيمٍ ، وَيَغْلِبُهُنَّ لَئِيمٌ )) .
[فيض القدير (3/496)]
وعن عائشة قالت قلت : يا رسول الله :
(( كَيْفَ حُبُّكَ لِي ؟ قَالَ : كَعُقْدَةِ الْحَبْلِ ، فَكُنْتُ أَقُولُ : كَيْفَ الْعُقْدَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ : هِيَ عَلَى حَالِهَا )) .
[أبو نعيم في الحلية(2/44)]
أي لا تنفك فكانت من حين لآخر تسأله مطمئنة عن نفسها فتقول :
((كَيْفَ الْعُقْدَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ : هِيَ عَلَى حَالِهَا )).
كان النبي عليه الصلاة السلام إذا دخل بيته فكأنه واحد في هذا البيت ، هذا المقام العظيم الذي كرمه الله به لم يكن يستخدمه في البيت ، كان يركب الحسن والحسين على ظهره الشريف ، فَعَنْ جَاِبٍر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
(( دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَعَلَى ظَهْرِهِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيِنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ يَقُولُ : نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلُكُمَا ، وَنِعْمَ الْعِدْلاَنِ أَنْتُمَا )) .
[الطبراني في المعجم الكبير]
وكان يتسابق مع السيدة عائشة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
(( أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ قَالَتْ : فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي ، فَقَالَ : هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ )).
[أبو داود ، النسائي ، أحمد]
عودها الأنس ، عودها اللطف ، عودها التبسم ، عودها الإيناس ، لكنه حينما راج هذا الحديث أخذ موقفا آخر ، دخل عليها فقال : كيف تيكم ؟ كيف تيكم ؟ هذا موقف آخر ، فالذي أريد أن أقوله : إن النبي عليه الصلاة السلام ظهرت حكمته في أعلى مستوياتها ، وظهر صبره ، أحيانا يأتيك خبر فيهز كيانك ، يأتيك خبر فتفقد توازنك ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كالجبل الراسخ ، كالطود الأشم ، لم يتزلزل ، ترك الأمر لله عز وجل ، ووقف موقفا حليما.
الوقفة الثانية عشرة : حرمة سوء الظن بالمسلم :
شيء آخر ، علمتنا هذه القصة أنه يحرم على المؤمنين سوء الظن بإخوانهم ، لذلك جاء في بعض الأثر أنه من أساء الظن بأخيه فقد أساء الظن بربه ، وشيء آخر في هذا الحديث حديث الإفك الذي قال الله عنه :
 
 
]لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ[.
وهو أن من عُرِف بالصلاح لا يُعْدَل بهذه المعرفة عنها إلى ظن السوء لخبر يلقيه إنسان ، فمثله كمثل بناء شامخ ، هذا البناء لا ينهار بكلمة ، لا ينهار إلا بقنابل ، بناء من الإسمنت المسلح متين ، له أساس ، بناء راسخ ، سمعة المؤمن غالية على الله سبحانه وتعالى ، بناؤه الراسخ لا يهتز بكلمة يقولها إنسان ، لذلك فالله سبحانه وتعالى أدبنا في كتابه الكريم فقال :
 
] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [.
(سورة الحجرات : الآية 6)
الوقفة الثالثة عشرة : الأصل القاذف التكذيب الشرعي :
 
وحكم آخر يستنبط من هذا الحديث ، أن القاذف الذي يلغط بأعراض المؤمنات أو بأعراض المؤمنين مكذبٌ شرعا ما لم يأت بالشهداء الأربعة ، فأيّ قاذف يقذف امرأة أو رجلا فهو مكذب شرعا ما لم يأت بالشهود ، وعلى أولي الأمر أن يقيموا عليه حد القذف ، وهو ثمانون جلدة.
الوقفة الرابعة عشرة : الأصل ستر المؤمن وعدم هتك الأعراض :
شيء آخر يستنبط من هذه القصة وهو الحث على ستر المؤمن ، وعدم هتك سره ، فمن آداب الإيمان أنك لو رأيت شيئا لا يروق لك فلا ينبغي أن تشيع هذا الخبر ، لأن إشاعة هذا الخبر تزلزل بعض الناس ، وتضعف الثقة بالمؤمن ، فكان من لوازم الإيمان أن تكتم هذا الخبر ، وكنت قد حدثتكم بقصة : أن رجلا تزوج امرأة ، وبعد أن مضى على دخوله بها خمسة أشهر كبر بطنها ، وكانت على وشك الوضع ، فما شك أبدا من أنها قد زلت قدمُها قبل أن يقترن بها ، فجاءها بمولدّة وولدت ، وأخذ هذا الوليد ، ودخل إلى أحد المساجد القريبة من بيته بعد أن نوى الإمام صلاة الفجر ، ووضع هذا الوليد في زاوية المسجد ، وأتم مع الإمام ، فلما سمع المصلون صراخ هذا الوليد تحلقوا حوله ، فتقدم وكأنه لا علم له بالقصة ، فقال: ما هذا ، قالوا : تعال انظر ، وليد صغير ! فقال : أعطوني إياه ، أنا أكفله ، فأخذه ، ودفعه إلى أمه بعد أن تابت على يديه ، وحفظ سرها ، هذا الرجل يسكن إلى جوار المسجد ، رأى خطيب المسجد في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا له: يا فلان بلغ جارك فلانًا أنه رفيقي في الجنة ، فهذا عمل عظيم ، إذا كان بالإمكان أن تستر ، إذا كان بالإمكان أن يتوب هذا الإنسان على يديك ، فليس القصد أن تفضحه ، القصد أن تأخذ بيده ، القصد أن تعينه على الشيطان ، لا أن تعين الشيطان عليه، هذا هو القصد ، وقد مر بنا في درس الأحد كيف أن سيدنا عمر حينما جاءه رجل وقال : يا أمير المؤمنين رأيت فلانا وفلانة خلف النخل يتعانقان ، فخفقه بالدرة ، وقال ما معناه : ماذا فعلت أنت بهذا الخبر ، الإسلام لا يحب أن تشيع الفاحشة ، لا يحب خبر السوء ، لا يحب الفضيحة ، أما إذا بلغ الإمام أن فلانا فعل كذا وكذا مما يوجب عليه الحد فلا عفا الله عنه إن عفا .
إذا بلغ الإمام الموكل بإقامة الحد حادثة زنى فلا عفا الله عنه إن عفا ، ولكن إذا كان بإمكانك أن تدرأ الحدود بالشبهات ، أن تستر ، أن تصلح ، أن تعين أخاك على الشيطان فافعل .
قال بعض أصحاب رسول الله : من حدث بما أبصرت عيناه ، أو بما سمعت أذناه فهو ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وهؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا توعدهم الله بعذاب أليم في الدنيا والآخرة.
الوقفة الرابعة عشرة : حرمة سوء الظن بالمسلم : من أشاع فاحشة فعليه النكال :
وهناك حكم آخر استنبط من هذه القصة ، هو من أشاع فاحشة فعليه النكال ، وإن كان صادقا ، وقد سئل أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيدنا الحسن : ما معنى إشاعة الفاحشة ؟ ما حدها ؟ فقال: هو الرجل يتكلم عنده في حق رجل فيشتهي ذلك ، ولا ينكره ، يشتهي أن يشيع هذا الخير ، وما أعرف معصية يعاقب عليها بالرغبة فقط مثل هذه المعصية ،
 
]إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ[.
لم يقل الله عز وجل : إن الذين يشيعون الفاحشة ، بل قال : ]إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ[ ، فالعقاب على محبتك على أن تشيع الفاحشة .
أيها الإخوة الأكارم ، هذه بعض الاستنباطات التي وردت في كتاب الله تحت قوله تعالى : ]لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ[، وقد يمتحننا الله سبحانه وتعالى بامتحان يمحص الله به المؤمنين من الفساق ، والمؤمنين من المنافقين ، والآية التي تلي هذه الآية هي قوله تعالى :
 
 
﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
(سورة النور)
معاني الآية :
هذه الآيات لها معان متعددة :
المعنى الأول : الخبيث لا يألف إلا خبيثة
 
من أبرز معانيها : أن الإنسان الطيب الطاهر العفيف المستقيم على أمر الله ، الذي عرف ربه ، وسمت نفسه ، هذا الإنسان لا يمكن أن يأتلف مع امرأة زانية ، لا يمكن أن يتعايش معها ، لا يمكن أن يحتملها ، لا يمكن أن تكون امرأته ، لأن الطيبين للطيبات ، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أطيب الطيبين فالسيدة عائشة أطيب الطيبات ، ]الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ[، فلو أن الله عز وجل قال : ]الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ[، فلمَ قال بعدها : ]وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ[؟ هذا من البلاغة ، وهو حصر من جهتين ، من باب التأكد أن الخبيث يشتهي خبيثة ، وأن المتفلت من قواعد الأخلاق يشتهي المتفلتة ، وأن المنحرف يشتهي المنحرفة ، وأن الزاني يعجب بالزانية ، وأن الطيب يحب الطيبة ، وأن الورع يحب الورعة ، وأن العفيف يحب العفيفة ، ]الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ[، فإن أتيح لها أن تختار فلا تختار الخبيثة إلا خبيثا ، وإن أتيح للخبيثين أن يختاروا فلا يختارون إلا خبيثة مثلهم ، وإن الطيور على أشكالها تقع ، وكل إناء ينضح بما فيه ، فالخبيثون للخبيثات ، والخبيثات للخبيثين ، والطيبات للطيبين ، الشاب المؤمن الطاهر لا يرضى ، ولا يطمح إلا إلى زوجة طاهرة مستقيمة ، تحب الله ورسوله ، وتتقي الله في كل أمورها ، تصلي ، هذا الذي يغريه جمال الفتاة ، وينسى أن في دينها رقة ، هذا سوف يدفع الثمن باهظا ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام :
(( مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ ذُلاًّ ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ فَقْرًا ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ دَنَاءَةً ، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يُرِدْ بِهَا إِلاَّ أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ ، وَيُحَصِّنَ فَرْجَهُ ، أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا ، وَبَارَك لَهَا فِيهِ )).
[الطبراني في الأوسط ، والترهيب والترغيب عن أنس]
والله الذي لا إله إلا هو ما سمعت من شاب تزوج امرأة ، وآثر دينها على أي شيء آخر إلا سعد بها ، وما سمعت رجلا تزوج امرأة ضحى بالدين من أجل شيء آخر إلا شقي بها ، فعليك بذات الدين تربت يداك ، لذلك هذه الآية تفيد كيف أن يحب النبي عليه الصلاة والسلام السيدة عائشة ، وهو أطيب الطيبين ؟ فلابد أن تكون أطيب الطيبات ، أيعقل أن تأتلف نفس النبي مع امرأة غير مستقيمة ؟.
أيعقل أن تتعلق نفس النبي بامرأة ليست محبة لله عز وجل ؟ هذه الآية الأخيرة في هذا الحديث ؛ حديث الإفك هي الحقيقة المطلقة ،
 
]الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ[ .
عندنا حكم شرعي آخر ، هذه الآية لا تمنع أن تستمع إلى قصة مفادها أن هناك امرأة صالحة صائمة مصلية لها زوج سكير عربيد ، هذه الآية ساقها الله على شكل خبر ، لكن يفيد بها النهي ، أيْ : يا عبادي ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات ، فإذا كانت عندك ابنة شريفة طاهرة عفيفة فلا تفرط فيها ، لا تسلمها إلى إنسان لست متأكدا من دينه ، ولا من خلقه ، الزواج رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته ، هذا توجيه .
إن كانت ابنتك طيبة فلا تفرط فيها ، وكم في المجتمع من مآس سببها أن الأب استعجل زواج ابنته ، فوقع في ندم شديد ،
 
]الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ[، هذا حكم شرعي ، بمعنى أنه يجب ، فأولياء الأمور ، أولياء الطيبات ، أو أولياء الشباب لا ينبغي لعارض من الدنيا إذا جاءنا خاطب عنده بيت ، والبيت الآن صعب توافره ، أو عنده سيارة ، أو عنده معمل ، أو عنده محل تجاري ، أو دخله كبير ، أو أبوه غني ، وهو لا يصلي ، وهو ليس مستقيما ، لا ينبغي أن تفرط بهذه الابنة ،
 
]وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ[ .
[سورة البقرة : الآية 221]
المعنى الثاني : الكلمات الخبيثات لا ينطق بها إلا الخبيثون :
وثمة معنى آخر لهذه الآية ؛ الكلمات الخبيثات لا ينطق بها إلا الخبيثون ، الكلمة الخبيثة ، الكذب ، المزاح الرخيص ، الفحش ، البذاءة ، الغيبة ، النميمة ، الخبيثات أي الكلمات الخبيثات لا ينطق بها إلا الخبيثون ، هناك انسجام نفس ، كلها مياه آسنة ، فإذا أخرجت منها الماء ماذا ترى ؟ إذا انحنيت على الحاوية لتأخذ ما فيها ماذا ترى فيها ؟ أترى الذهب والفضة ؟ أترى قطع الماس ؟ أترى فيها باقات الزهور ؟ ماذا ترى فيها ؟ ليس فيها إلا القمامة ، والعلب الثمينة لا تنطوي إلا على الحلي الغالية ، فالمعنى الثاني الذي جاء في بعض التفاسير بل في معظمها - والمعنى الأول هو أقوى المعاني إن النفوس الخبيثة لا تلتئم إلا مع مثيلاتها ، وأن النفوس الطيبة لا تتوافق إلا مع مثيلاتها - لكن المعنى الثاني أن الكلمات الخبيثة ؛ هذا الذي ينطق بطرفة ماجنة أعتقد اعتقادا جازما أن له نفسا ماجنة ، وأنه ينطوي على نفس خبيثة ، المؤمن الحق لا يطرب لهذا المزاح ، لا يضحك له ، ينزعج منه ، نفسه طاهرة ، لذلك الكلمات الخبيثة لا ينطق بها إلا الخبيثون ، فالكلمات الخبيثة مثل هذا الافتراء ، مثل هذا الترويج ، مثل هذه الأكاذيب ، مثل هذه الضلالات ، مثل كلمة الفحش ، مثل الكذب ، هذا كله كلمات خبيثة .
المعنى الثالث : الأعمال الخبيثة لا تصدر إلا نفوس خبيثة :
هناك تفسير آخر ، الأفعال الخبيثة لا تصدر إلا عن نفوس خبيثة ، أن تنظر إلى ما لا يحل لك فهذا فعل خبيث ، أن تفعل شيئا فيه مقت لله عز وجل ، هذا فعل خبيث لا يصدر إلا عن نفس خبيثة ، فأصبحت هذه الآية تعني ثلاثة أشياء ؛ الشيء الأول : أن المرأة الخبيثة لا تتوافق إلا مع خبيث مثلها ، شيطان وشيطانة ، والثاني : أن الكلمة الخبيثة لا ينطق بها إلا الخبيث ، والثالث : أن الأفعال الخبيثة لا تصدر إلا عن الخبيث ، وبالمقابل الكلمات الطيبة ؛ كلمات الطهر والعفاف ربنا عز وجل علمنا في كتابه كيف نكني عن بعض المعاني التي تخدش حياء الإنسان فقال :
 
]وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ[ .
[سورة المؤمنون: الآيات 5-7]
]فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ[، هذه كناية لطيفة جدا ،
 
]أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً[ .
[سورة النساء: الآية43]
كيف يفهم هذه الكلمة طفل : ]أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً[، ربنا عز وجل علمنا الأدب ، والدين كله أدب ، هذا الذي يقول : لا حياء في الدين ، هذه كلمة حق أريد بها باطل ، يعني لا حياء أن تتعلم أمور دينك ، أما أن تسمي الأشياء بأسمائها ، وقد تخدش بها حياء الأطفال فهذا ليس من الدين في شيء ، النبي عليه الصلاة والسلام كان أشد حياء من العذراء في خدرها ، سألته مرة امرأة عن قضية نسائية فوجهها ، فلما أرادت أن تستزيد ، وكان في هذه الاستزادة إحراج له يروي أصحابه أن لونه تغير ، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ :
(( خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا ، قَالَتْ : كَيْفَ أَتَطَهَّرُ ؟ قَالَ : تَطَهَّرِي بِهَا ، قَالَتْ : كَيْفَ ؟ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! تَطَهَّرِي ، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ : تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ )) .
[البخاري ، مسلم ، النسائي ]
وفي رواية أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ذُكِرَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ فَأَثْنَتْ عَلَيْهِنَّ ، وَقَالَتْ لَهُنَّ مَعْرُوفًا ، وَقَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ النُّورِ عَمَدْنَ إِلَى حُجَزِ أَوْ حُجُوزِ مَنَاطِقِهِنَّ فَشَقَقْنَهُ ، ثُمَّ اتَّخَذْنَ مِنْهُ خُمُرًا ، وَأَنَّهَا دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَنْ الطُّهُورِ مِنْ الْمَحِيضِ فَقَالَ :
(( نَعَمْ ، لِتَأْخُذْ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَلْتَطَّهَّرْ ، ثُمَّ لِتُحْسِنْ الطُّهُورَ ، ثُمَّ تَصُبَّ عَلَى رَأْسِهَا ، ثُمَّ لِتُلْزِقْ بِشُؤُونِ رَأْسِهَا ، ثُمَّ تَدْلُكْهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ طُهُورٌ ، ثُمَّ تَصُبَّ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ ، ثُمَّ تَأْخُذْ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَلْتَطَّهَّرْ بِهَا ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا ؟ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْنِي عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : تَتْبَعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ ، قَالَ عَفَّانُ : ثُمَّ لِتَصُبَّ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ الْمَاءِ ، وَلْتُلْصِقْ شُؤُونَ رَأْسِهَا فَلْتَدْلُكْهُ ، قَالَ عَفَّانُ : إِلَى حُجَزٍ أَوْ حُجُوزٍ )) .
[أحمد]
فمن علامات المؤمن أنه حيي ، كثير الحياء .
 
]الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ[ .
فالكلمات الطيبات تشف عن نفوس طيبة ، الاعتذار ، الأدب ، الصدق ، الكلمات التي تعبر عن المودة هذه تدل على نفس طيبة كريمة موصولة بالله عز وجل ، والكلمات الطيبات لا تصدر إلا عن نفوس طيبة ، ولكن الذي يرجح المعنى الأول من أن النفوس الخبيثة لا تلتئم إلا بمثيلاتها .
نهاية هذه الآية :
 
]الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ[ .
 
أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
 
مما يقول المنافقون ، مما يقول أهل الكفر ، مما يرجفون به في المدينة ،
 
 
]أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[
يغفر الله لهم ، ويرزقهم رزقا كريما .
 
هذه الآية ينتهي بها حديث الإفك ، وهذا الحديث كما قال الله عز وجل فيه خير كثير ، وهذا الحديث يجب أن نستنبط منه استنباطات تعلمنا كيف نتعامل مع إخواننا المؤمنين الطاهرين الصادقين ، وفي درس قادم إن شاء الله نبدأ بقوله تعالى :
 
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
(سورة النور)
هنا الموانع الاحترازية ، أو التدابير الاحترازية التي تقي من الزنى كعدم الخلوة وغير ذلك .
والحمد لله رب العالمين
 
 
 
 
 
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب