سورة المؤمنون 023 - الدرس (7): تفسير الآيات (073 – 091)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة المؤمنون 023 - الدرس (7): تفسير الآيات (073 – 091)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج بذور - برنامج زراعي: برنامج بذور -الحلقة - 121           برنامج بيّـنات:  بينات - 03 - العادات والتقاليد1           برنامج كيف تتلذذ بالصلاة: كيف تتلذذ بالصلاة - 36- قيام الليل           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 242- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- فورة الدم           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0679 - سورة الكهف 013 - 013           برنامج أحباب الله - المرحلة الثالثة: أحباب الله = ح097= النكسة والخندق = 05= 06= 2020         

الشيخ/

New Page 1

     سورة المؤمنون

New Page 1

تفسـير القرآن الكريم ـ سـورة المؤمنون- (الآيات: 073 - 091)

04/07/2011 15:42:00

تفسير سورة المؤمنون (023)
الدرس (7)
تفسير الآيات (73 – 91)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السـابع من سورة المؤمنون ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
 
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة المؤمنون )
استقامة دعوة الأنبياء :
النبي عليه الصلاة والسلام فحوى دعوته أنَّه يدعو أمَّتَه ، ويدعو الناس جميعاً إلى صراطٍ ، والصراط هو الطريق ، وهذا الصراط مستقيم، ومعنى مستقيم أي لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً ، ليس فيه خلل ، ليس فيه تناقض ، ليس فيه غموض .
(( تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها )) .
( أحمد عن جابر )
هذا الصراط هو الطريق ، وهذا الصراط مستقيم ، وأقصر طريقٍ بين نقطتين هو الطريق المستقيم ، مستقيمٌ إلى ماذا ؟ أو طريقٌ إلى ماذا ؟ الطريق ينتهي بغاية ..
 
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ﴾
أي إلى طريقٍ ، هذا الطريق أين ينتهي ؟ العلماء قالوا : ينتهي إلى الجنة ، إنَّك يا محمد تدعو قومك إلى سلوك طريقٍ ينتهي بهم إلى الجنة حيث السعادة الأبدية ..
 
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
 
( سورة المؤمنون )
إذاً الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾
( سورة هود : آية " 112 " )
الاستقامة أن تسير في طريق الله عزَّ وجل ، الطريقُ التي تفضي إلى الجنة هي الصراط المستقيم ، ولا تنسى أيها الأخُ الكريم ، أنَّك تقرأ الفاتحة في اليوم أكثر من خمسين مرة ، وفي الفاتحة تقول :
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
( سورة الفاتحة )
فكأن الله سبحانه وتعالى يَعْجَبُ من هؤلاء المعرضين كيف يكذبون النبي ، وهو يدعوهم إلى صراطٍ مستقيم ؟ كيف يقفون في سبيل هذه الدعوة سداً منيعاً ، وهو يدعوهم إلى صراطٍ مستقيم ؟ كيف يكيدون له ، وهو يدعوهم إلى صراطٍ مستقيم ؟ .
 
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
لذلك لا ينبغي للواحد منا الآن أن يُسَلِّم نفسه هكذا :
(( ابن عمر ، دينك دِينك ؛ إنه لحمك ودمك ، خُذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا )) .
( سلسلة الأحاديث الضعيفة )
خُذ عن الذين استقاموا لأن الذين استقاموا هم في الطريق الموصلة إلى الله عزَّ وجل ، ولأنها طريقٌ مستقيمة إذاً هي أقصر طريق .
يوجد طريق طويل ، قد يفعل الإنسان المعاصي فيأتي العلاج الربانِيّ قاسياً بعدها يتوب ، يُخطئ ويتوب ، ينحرف ، ويأتي العلاج ، ثم يتوب ، هذا طريق طويل ، طريق المعالجة ، وطريق المصائب ، وطريق الدَفْع ، طريقٌ طويل وشاق ، لكن الله سبحانه وتعالى يدعونا إلى صراطٍ مستقيم .
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾
         ( سورة هود : آية " 112 " )
يجب أن تستقيم ، إما أن نقول : يجب أن تسلك طريق الإيمان المستقيمة التي توصل إلى الله عزَّ وجل ، أو أن تستقيم على أمر الله ، إذا استقمت على أمر الله فأنت على صراطٍ مستقيم ، على كلٍ الإنسان في أحواله الشخصية في علاقته مع ربه ، يجب أن يستقيم على أمره ، وفي علاقته بأسرته يجب أن يستقيم على أمر ربه ، وفي علاقته بزبائنه، وفي علاقته بجيرانه ، وفي علاقته بأقربائه ، وفي علاقته فيمن حوله يجب أن يستقيم على أمر الله ، فإذا استقام على أمر الله ، أوصَله هذا الطريق إلى سعادة الدنيا والآخرة ، هذا معنى الصراط ، والصراط الطريق ، والمستقيم هو أقصر طريقٍ يحقِق الهدف ، الطريق يُفْضي إلى الجنة ، فيا محمد إنَّك تدعوهم إلى الجنة ، تدعوهم إلى تحقيق الهدف من خَلْقِهم ، لماذا خلقهم الله عزَّ وجل ؟ خلقهم ليسعدهم سعادةً أبدية ، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى صراطٍ مستقيم .
 
 
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
إنّ الدين مجموعة تكليفات ؛ تكليفات اعتقاديَّة ، وتكليفات تَعَبُّدِيَّة ، وتكليفات في المُعاملات ، والتكليف لا بدَّ أن ينتهي إلى الحساب ، ويوم القيامة هو يوم الحساب ، فإذا رفض الإنسان الآخرة فهو في حلٍ من كل هذه التكليفات ، لذلك :
 
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 75 " )
الإيمان باليوم الآخر من أهم أركان الإيمان :
طبعاً أركان الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى ، لكن ربما كان أبرز شيءٍ في الإيمان بعد الإيمان بالله أن تؤمن بالآخرة ، فالذي يُسْقِطُ من حسابه اليوم الآخر فهو ليس مؤمناً إطلاقاً ، لأنه إذا أسقط من حسابه المسؤولية والجزاء فهو سيتصرَّف على هواه ، وَفْقَ هوى نفسه ، وفق شهواته ، وفق نزواته ، لذلك حجر الزاوية ومركز الثقل في الإيمان أن تؤمن باليوم الآخر ، إذا آمنت باليوم الآخر معنى ذلك أنك سوف تحاسب ، إذاً هذه تجوز وهذه لا تجوز ، هذه يمكن أن تفعلها ، وهذا الشيءُ لا يمكن أن تفعله ، ما دام في حياتنا مباح وحرام وواجب ، وفرض ومكروه ، كراهة تنزيهية ، وكراهة تحريمية ، ومستحب ، وسنة مؤكَّدة ، وسنة غير مؤكدة ، معنى ذلك إنك ترجو ثواب الله عزَّ وجل ، ترجو رضاه وتخشى عذابه ، فعندما الإنسان يلغي من حياته الإيمان بالآخرة انتهى إيمانه كلياً ، فربنا عزَّ وجل في إيجازٍ بليغ قال :
 
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾
لم يحدثنا عن عدم إيمانهم بالملائكة ، ولا عن عدم إيمانهم بالرُسُل ، لما يلغي الإنسان الآخرة من حياته يلغي إيمانه ، لا بدَّ للمؤمن أن يقف بين يدي الله عزَّ وجل ليحاسبه على كل شيء ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ : عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ وَضَعَهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ؟ )) .
 ( من سنن الدارمي عن معاذ بن جبل )
الفرق الدقيق بين المؤمن وبين غير المؤمن ، أن المؤمن في كل حركةٍ وسكنةٍ يَضَعُ في حسابه أنه سوف يقف بين يدي الله عزَّ وجل ليسأله عن هذا التصرف : لمَ فعلت كذا ؟ لمَ طلقتها ؟ هل كنت محقاً في هذا التطليق أم كنت ظالماً ؟ لِمَ غششت زيداً ؟ لمَ خدعت عُبَيداً ؟ لم احتلت على فلان ؟ لم أخذت هذا المال وهو ليس لك ؟ لم اعتديت على أعراض الناس ؟ هذه هي الآخرة ، سؤال دقيق ، لذلك الإنسان البطل هو الذي يُعِدُّ جواباً لكلِّ سؤالٍ ، قبل أن تقول هذه الكلمة هل تذكرُّ أنه سوف تُسْأل عنها يوم القيامة ؟ قبل أن تُلقي هذه النظرة ، قبل أن تبتسم هذه الابتسامة الساخرة ، قبل أن تتكلم بهذا اللسان عن زيدٍ أو عبيد ، قبل أن تنقل هذا الخبر لفلان ، قبل أن تأخذ هذا المال ، قبل أن تُنْفِق هذا المال ، قبل أن تُعَنِّف فلاناً ، قبل أن تلوم فلاناً هل أعددت جواباً لكل هذه التصرفات لله عزَّ وجل ؟ الإنسان أحياناً يهيِّئ جواباً لإنسان القضية سهلة ، الإنسان علمه محدود ، فربما هيَّأت له جواباً مع وثيقتك ، معك حسن سلوك من المختار؟ وقد تكون سيِّئَ السلوك ، أما البطولة فأنّ تهيِّئ الجواب لله عزَّ وجل ، لله الـواحد الديَّان ، الذي يعلَم السرَّ وأخفى ، لذلك :
 
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
عن الصراط لناكبون
تَنَكَّب الصراط أي انحرف عنه ، ومال عنه ، وخرج منه ، فدائماً قبل أن تناقش الإنسان انظر إلى استقامته ، هل هو مستقيم ؟ هو أهلٌ أن تناقشه ، فإذا كان منحرفاً ؛ ماله حرام ، مأكله حرام ، مشرَبه حرام ، غُذِّي بالحرام ، هذا إنسان تَنَكَّب الصراط المستقيم ، لم يرض أن يكون على الصراط المستقيم ، لأنه قطع أمله من الدار الآخرة ، لأن الدار الآخرة أسقطها من حسابه .
 
 
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
أي منحرفون ، طبعاً هذا الكلام في كسب المال ، في إنفاق المال ، في علاقته بالنساء ، فهناك علاقات منضبطة لا يرى إلا المحارم اللواتي سمح الله أن ينظر إليّهن ، هناك إنسان مرن جداً ، عنده بحبوحة في حياته ، فهذا مُتَنَكِّب للصراط ، لماذا تنكب الصراط ؟ لأن إيمانه بالآخرة غير صحيح .
هؤلاء الذين تنكبوا الصراط ولم يستقيموا على أمره في كل علاقاتهم لا بدَّ أن يعالجهم ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :
 
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
 
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾
الإصابة بالضر نوعٌ من المعالجة :
معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى أصابهم بضُرٍ ، لماذا أصابهم بالضُر ؟ معالجةً لهم ، ولكن هذا الضُر لم يؤثِّر فيهم ، لم يستنبطوا منه حقيقةً أساسية ، لذلك قالوا : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر ، فربنا عزَّ وجل يقول :
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
( سورة النساء )
فالله عزَّ وجل ليس له أن يُعَذِّب إنساناً إلا بسببٍ وجيه ، بحكمةٍ بالغة ، فأنت إذا أصابك ما تكره اسأل هذا السؤال : ما يفعل الله بهذا العذاب إن كنت مؤمناً وشاكراً ؟ لا بدَّ أن هناك تقصيراً في الإيمان ، أو تقصيراً في شكر الواحد الدَيَّان ، فربنا عزَّ وجل يُصيب بعض الخلق بالضُر ، ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( ما من عثرةٍ ، ولا اختلاج عرقٍ ، ولا خدش عودٍ إلا بما قدَّمت أيديكم ، وما يعفو الله أكثر)) .
( الجامع الصغير عن البراء بسند فيه مقال )
إذاً هذا الضُر ساقه الله لحكمة بالغةٍ بالغة ..
 
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾
لو أن الله عزَّ وجل أزال عنهم هذا الضُر ، رفع عنهم هذا البلاء ، وجاءهم الرخاء ، وجاءتهم البحبوحة ، وشعروا بالأمن ، ماذا يفعلون ؟ يزدادون طغياناً ، هم طاغون في الشدة والرخاء ، في المَنع والعطاء ، في البحبوحة والضيق ، في إقبال الدنيا وفي إدبارها ، إذاً هم بعيدون عن أن يفهموا عن الله عزَّ وجل تصرفاته ، بعيدون عن أن يفقهوا حكمته ، هم يظنون أن هذا هو الدهر ، فيقولون : قلَب له الدهر ظهر المِجَنّ .. فما هو الدهر ؟ يقول أخي : القدر سخر منه .. ما هو القدر ؟ يعزو هذه المصائب ، وهذه المحن ، وهذه البلايا ساعةً إلى الدهر ، وقد يَسُبّ الدهر ، وساعةً إلى الحظ ، ويقول : لا حَظَّ لي ، أما أن يعزوها إلى أن الله سبحانه وتعالى ، على أنه هو الذي خلق هذه المصيبة لحكمةٍ بالغةٍ بالغة ، وكأن الله عزَّ وجل يُريدنا أن نعرف تلك الحكمة من هذه المصيبة ..
 
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
هذا الذي يَبغي ويطغى في الرخاء والشدة هذا لا جدوى منه ، ولا رجاء منه ، ومَيؤوسٌ من صلاحه ، لهذا قال ربنا عزَّ وجل :
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
( سورة الأنعام : آية " 44 " )
متى .. متى تأتيهم الدنيا على أوسع مصارع أبوابها .. متى ؟
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
( سورة الأنعام : آية " 44 " )
فأنت بين خيارين ؛ إما أن تكون مؤمناً فتفهم على الله عزَّ وجل أن كل شيءٍ يسوقه لك مما يزعجك إنما هناك حكمةٌ بالغةٌ وراءه يجب أن تعرفها ، يجب أن تعرف السبب كي تتلافى هذا التقصير ، وإما أن تكون كالرعاع والدهماء وسوقة الناس ، يُفَسِّر المصيبة تفسيراتٍ مضحكة ، ساعةً يقول : أخي لا أحدَ مرتاح ، وساعةً يقول : لا يوجد لي حظ، وساعةً يقول : الدهر ضِدِّي ، هذا كلامٌ لا معنى له ، والبطولة أن تعرف أن الله عزَّ وجل حينما ساق هذه المصيبة إنما ساقها لحكمةٍ بالغةٍ لو عرفت هذه الحكمة لابتعدت عن السبب فزالت المصيبة .
مثل بسيط : حينما ينحرف إنسان عن طريق الحق ، حينما يَتَنَكَّب الصراط المستقيم يُقَيِّضُ الله له مصيبة ، هذه المصيبة مهما حاول ردها لا يستطيع ، لأنها من فعل الواحد القهَّار ، مهما بذل محاولاتٍ كي يزيحها لا يستطيع ، يُزيحها في حالةٍ واحدة ، إذا عاد إلى الله ، ورجع إليه ، واصطلح معه ، كان منحرفاً ، فجاءت هذه المصيبة ، فإذا استقام على أمر الله أُزيحت هذه المصيبة . لذلك ..
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾
( سورة الرعد : آية " 11 " )
القضية واضحة كالشمس ، غَيِّرْ حتى يغير الله عزَّ وجل .
﴿ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾
( سورة الرعد : آية " 11 " )
﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
( سورة الجن )
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
( سورة المائدة : آية " 66 " )
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف : آية " 96 " )
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
( سورة النحل : آية " 97 " )
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾
( سورة النور : آية " 55 " )
آيات واضحة كالشمس ، اقرأها ، تدبَّرها ، سعادتك بيدك ، وشقاؤك بيدك ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :
(( لا يخافَنَّ العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه )) .
( ورد في الأثر )
هذه حالة مرَضية مستعصية ، ربنا عزَّ وجل يصف هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة ، هؤلاء الذين أسقطوا من حسابهم اليوم الآخر بأنهم  تنكَّبوا الصراط ، خرجوا منه ، اعتدى على أعراض الناس ، أكل أموالهم بغير الحق ، فعل ما لا يجوز ، ربنا عزَّ وجل رحمةً به يسوق له من الشدائد ، ساق له الشدة فبقي منحرفاً ، رفعها عنه فبقي منحرفاً ، معناها لا يوجد إحساسً إطلاقاً .
أحياناً يضع الطبيب السماعة على الصدر فلا يسمع صوتاً إطلاقاً ، يضع يده على النبض لا يوجد حركة ، يضع المصباح في قُزحية العين فلا تضيق ، يضع المرآة على فم الإنسان لعل بخار الماء ينطلق ، فيقول لك : مات عظَّم الله أجره ، ربنا عزَّ وجل يبعث للإنسان مصيبة لعله يبكي ، يتأثر ، يفكر ، يقول : ربنا رحيم ، ربنا عادل ، لا يزال في البغي والطغيان ، والانحراف ، والانغماس في الشهوات ، يبعث له الرخاء فيقول لك : إنما أوتيته على علمٍ عندي ، كقارون ، إن بعث له الرخاء والبحبوحة والمال ، والأولاد ، والزوجة ، يقول لك : أنا خططت لحياتي ، من أنت ؟ خطط لحياته ، وهذا جهده الآن قطف ثماره ، وإن بعث له مصيبة يقول : يا أخي الحياة صعبة ، حظي سيِّئ ، يفسِّر المصيبة بالـحظ ، والرخاء بالجُهد ، هذا ميت ، لا يفهم على الله عزَّ وجل ..
 
 
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
حكمة العذاب من أجل استكانة الناس :
هذه الآية دقيقة جداً ، كل أنواع العذاب الذي يسوقه الله للناس في الدنيا من أجل أن يستكينوا لربِّهم ، أن يخضعوا له ، ومن أجل أن يتضرَّعوا ، وأنا أقول لكم هذا الكلام : ما منا واحدٌ إلا وقد تأتيه الأشياء على غير ما يريد ، فإذا جاءته الأمور على غير ما يريد في صحته ، في زواجه ، في أولاده ، في بيته ، في علاقاته ، في دخله ، في من حوله ، إذا جاءته الأمور على غير ما يريد فليراجع نفسه ، إيَّاك أن تراجع الله عزَّ وجل إنه عادلٌ ، إنه رحيمٌ ، إنه غنيٌ عن تعذيبك ، راجع نفسك ، انظر ..
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
( سورة الشورى )
هل هناك آيةٌ أوضح من هذه الآية ؟ هذا كلام الله يا إخوان ..
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
 ( سورة الشورى )
﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾
( سورة الكهف )
أحياناً يقول لك : ثلاثون مليونًا تشرَّدوا بالفيضانات ، وقد ذكر ربنا عزّ وجل هذه الحالات في القرآن الكريم :
 
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا﴾
( سورة المؤمنون : آية " 76 " )
استكان أي خضع ، لم يستكين :
 
﴿لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾
( سورة المؤمنون )
والتضرُّع أن تدعو الله عزّ وجل ، أن تستغفره ، أن تسبِّحَهُ ، أن توحِّده ، أن تكبِّره ، أن تعترف بذنبك ، أن تمرِّغ جبهتك في أعتابه ، أن تعاهده على التوبة ، أن تراجع نفسك ..
 
﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾
فالإنسان المُعْرِض الغافل الذي أسقط الدار الآخرة من حسابه ، من هنا إلى يوم الله ، أسقطها من حسابه نهائياً ، باني كل حياته على الدنيا ، هذا المال حرام حلال ، مال فيه شبهة يقول لك : لا بأس به ، لا تدقق ، هذه المرأة لك حق أن تنظر إليها ؟ أو تصافحها ؟ أو تقعد معها ؟ يقول لك : أنا عقلي مفتوح ومرن . عندما يتساهل الإنسان في أمور كسب المال ، وإنفاقه ، وعلاقته بالمحرمات ، عندئذٍ يتركه ربنا عزَّ وجل ، ولكن إلى حين ، أحياناً تكون السنبلة تميل مع الرياح ، أما الشجرة الكبيرة تأتيها عاصفةٌ فتقتلعها من جذورها ..
 
﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 77 " )
باب الموت :
هذا عذاب الموت ، هنا القَصْم حينما يُنهي الله سبحانه وتعالى حياة هذا الإنسان :
 
﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾
نعوذ بالله من هذه الحالة ، الإنسان يأكل ، ويشرب ، وينام، ويستمتع ، ويذهب ، ويسهر ، ويتنزَّه ، ويعود ، ويمزح ، ويُزعج زيداً ، ويتكلَّم على عمرو ، ويكسب المال الحرام ، ويحسب لكل شيء حسابه إلا ساعة الموت :
 
﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾
لم تكن في حسبانه ، أن تنتهي دنياه ، أن تنتهي حياته ويساق إلى القبر ، هذه حالة خطيرة جداً ، لذلك المؤمن أحد أسباب سعادته أن هذه الساعة التي لابدَّ من أن تأتي قد أعدَّ لها ، وأدخلها في حسابه اليومي ، لذلك كان أحد الصالحين قد اشترى قبراً في حياته ، يضطجع فيه بالأسبوع مرة يوم الخميس ، ويتلو قوله تعالى :
 
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 100 " )
فيقول لنفسه : قومي لقد أرجعناكِ ، فالإنسان عندما يستيقظ صباحاً يجب أن يعرف أن الله عزَّ وجل سمح له أن يعيش يوماً جديداً : " ما من يومٍ ينشقُّ فجره إلا وينادي أن أيها الإنسان أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد فتزوَّد مني فإني لا أعود " .
 
﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾
إذاً ربنا عزَّ وجل في مجموعة هذه الآيات يبيِّن لنا أن طريق الإيمان هو طريقٌ إلى الواحد الديَّان ، طريقٌ إلى الجنة ، وهو طريقٌ مستقيم ، فإذا طبَّقت أحكام الشرع فأنت على هذا الطريق المستقيم ، إذا طبَّقت أحكام الشرع في زواجك ، في بيعك وشرائك ، في كل حركاتك وسكناتك ، في عباداتك ، في معاملاتك ، فأنت على الصراط المستقيم ، وهذا الصراط المستقيم لابدَّ أن يُفْضي بك إلى الله عزّ وجل ، وإلى الجنة..
الآن : الآيات تأتي ولها علاقةٌ وشيجة بالآيات السابقة :
 
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
من عجيب خَلق الله : السمع والبصر والأفئدة :
لماذا شَقَّ الله لك السمع ؟ أمن أجل أن تسمع الغناء ؟ لا والله ، بل من أجل أن تسمع الحق ، فالإنسان ممكن أن يجلس في مجلس علم ويسمع الحق ..
 
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾
وشَقَّ لك البصر من أجل أن ترى آيات الله ، انظر إلى الشمس والقمر ، انظر إلى السحاب والجبال ، انظر إلى البحار والسهول ، انظر إلى الأشجار والثمار ، انظر إلى الأطيار والأسماك ، انظر إلى ابنك كيف خلقهُ الله عزَّ وجل ، وأحسن تكوينه ، انظر إلى أسرتك وحاجياتك من حولك ؟ من خلقها ؟ فربنا عزَّ وجل يقول: لقد شققت لكم السمع والأبصار فاسمعوا الحق ، أو انظروا في آياتي :
 
﴿وَالْأَفْئِدَةَ
والأفئدة هنا بمعنى العقول ، ندرك بها المدركات ، يوجد عندنا محسوسات ، ويوجد عندنا مدركات ، بالحواس ندرك المحسوسات ، وبالعقل ندرك المفاهيم :
 
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾
لماذا خُلِقَت ؟ خلقت من أجل أن تعرفه ، والمعرفة أصل العلم ، قال: وما أصل العلم ؟ قال : هل عرفت الرب؟ أصل الدين معرفته كما قال الإمام عليٌّ كرم الله وجهه : " أصل الدين معرفته .
 
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾
خلق لكم السمع والأبصار والأفئدة من أجل أن تعرفوه ، إذاً لابدَّ أن يأتي بكم إلى الدنيا ، وأن يُسَخِّرَ لكم ما في السماوات والأرض تسخير تكريمٍ وتعريف ، وأن يودع فيكم الشهوات لترقوا بها إلى رب الأرض والسماوات ، وأن يَهَبَكُم العقل كقوةٍ إدراكيةٍ تميِّزون به الخير من الشر ، إذاً :
 
﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 79 " )
رحلة من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة :
شق لكم السمع والأبصار ، وأودع فيكم العقول ، وذرأكم في الأرض أي خلقكم فيها :
 
﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
جئنا إلى الدنيا بالحياة ، ونذهب منها بالموت ، قال تعالى :
 
﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 80 " )
وكيف يكون الحياة والموت ؟
 
﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 80 " )
معنى اختلاف الليل والنهار :
الزمن ، هذا اليوم يأتي بعد هذا الليل ، والليل بعد النهار ، مضى أسبوع وأسبوعان ، شهر وشهران ، سنة وسنتان ، عقد وعقدان ، أربعون ، خمسون ، ستون ، سبعون ، عظَّم الله أجركم ، لابدَّ من الموت مهما طالت الأيام :
 
﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾
الأمور تسير .. ، والإنسان بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه .
﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾
معنى اختلاف : أن يأتي النهار بعد الليل ، وأن يأتي الليل بعد النهار :
 
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾
( سورة هود : آية " 88 " )
خالفه إلى كذا أي ذهب إلى هذا المكان ، فالليل جاء ، والنهار جاء بعده وهكذا ، دورة الأرض حول نفسها ، دورتها حول الشمس ينشأ عنها الزمن ، مع مُضِيِّ الزمن تنتهي الحياة ، ويأتي الموت ، إذاً يوجد عندنا علاقة في هذه الآيات ، ربنا عزَّ وجل خلقنا لنعرفه ، شق لنا السمع والأبصار ، أودع فينا العقول ، جاء بنا إلى الدنيا ، جعل الأيام يتلو بَعْضُها بعضاً ، امتدَّ بنا الزمن ، انتهى العمر ، جاء الموت ثم جاء الحساب ، هذه حقائق كبرى في الدين :
 
 
 
 
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ* وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
إنكار البعث طريق إلى فساد السلوك :
هؤلاء الذين أسقطوا من حسابهم اليوم الآخر ، وتنكَّبوا عن الصراط ، ولم تؤثِّر بهم المصائب ، ولم تؤثِّر بهم العطاءات ، هؤلاء ماذا قالوا ؟
 
﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
هذا كلام فارغ ، هذا الذي يقوله الأنبياء : أساطير الأولين ، هذه غيبيَّات ونحن واقعيّون ، نحن نعيش هذه الحياة ، الواقع ملموس ، وعلينا أن نعيش واقعنا ، علينا أن نتفاعل مع الواقع ، نحن نريد الواقع ، الواقع ما بعد الموت غير معروف ، العلم متعلِّق بالواقع ، هذه غيبيَّات ، هذه ما وراء الطبيعة ، هكذا يقول المعرضون :
 
 
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾
هذه تقاليد قديمة ، وبعض الأفكار الشائعة عند الضِعاف ، الإنسان من ضعفه توهَّم إلهاً خلقه ، ركن إليه ، هذا شـعور طبيعي عند الضعيف ، أما الإنسان إذا سيطر على الطبيعة هو في غنى عن هذه الأفكار ، وعن هذه المشاعر ، وعن تلك المعتقدات ، هكذا يقول أعداء الدين ، ربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
الكون لله خلقا وتصرفا ومصيرًا :
لمن ؟ أي من يملكها مُلكاً حقيقياً ؟ الملك الحقيقي ألاّ يكون للمملوك وجودٌ بعيدٌ عن مالِكِهِ ، ألاّ يستقل المملوك بوجودٍ عن مالكه ،  الإنسان وجوده مستمد من وجود الله عزَّ وجل ، كـن فيكون ، زُل فيزول ، فلو قطع عنه الإمداد لحظةً لانتهى وجوده ، ما هي الروح ؟
 
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
يكون الإنسان ملء السمع والبصر ، شخصية مهمة جداً ، يفقد حياته صار جثة هامدة ، ملقى على الأرض ، ما الذي فقده ؟ فالإنسان وجوده مستمدٌ من وجود الله ، فالإنسان مملوك وليس مالكاً ، المالك هو الله عزَّ وجل ..
 
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾
( سورة آل عمران : آية " 26 " )
ومعنى مالك : يعني مَلَك مُلْك تصرف ، ومُلك مصير ، ومُلك خلق، أي إنه خلق ويملك التصرُّف الكامل ويملك المصير :
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾
( سورة المؤمنون : آية " 84 " )
الأرض من يديرها ؟ الآية الكريمة :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
( سورة فاطر : آية " 41 " )
لو أنها خرجت عن مدارها لهُدِّم ما عليها ، من يجعلها في مدارها الصحيح وعلى خطها المستقيم ؟
 
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾
( سورة المؤمنون )
 هذا الجواب البديهي ، جواب الفطرة ، لا يوجد إلا الله عزَّ وجل هو المالك ، هو الخالق :
 
﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
 ما دام الله عزَّ وجل هو الخالق ، وهو المالك ، بيده الملك ، والتصرُّف ، والمصير ، فكيف تعصيه ؟
 
﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾
 
﴿  قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة المؤمنون )
المالك هو الرَّب ، لأن الرب هو المدبِّر ، المدبِّر والمالك هذان المفهومان يلتقيان ، والدليل :
 
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
( سورة المؤمنون )
لم يقل : الله ، بل قال : لله قياساً على :
 
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا
إذاً الله سبحانه وتعالى هو :
 
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة المؤمنون )
والعرش العظيم هو الذي منه تصدر الأوامر في تصرفات الله عزّ وجل ، وله بحثٌ طويل ، يعني العرش العظيم كما قال الإمام مالك : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول "  .
 
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ *قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
( سورة المؤمنون )
كل شيء ملكوته بيد الله عزَّ وجل ، الملكوت غير المُلك ، الملك مع السيطرة هو الملكوت ، كل شيء من يسيطر عليه سيطرةً تامةً تامة ؟ الله سبحانه وتعالى ، الأرض والشمس بيده ، السحاب والأمطار بيده ، الرياح بيده ، تأتي رياح مدمرة ، أعاصير سرعتها أربعمئة أو خمسمئة كيلو متر تدمر كل شيء ، الإعصار والفيضان بيد من ؟ ثلاثين مليون مشرَّد ، ساعة فيضان ، ساعة إعصار ، ساعة زلازل ، ساعة براكين ..
 
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 88 " )
القلب ، الرئتان ، الشرايين ،  الأوردة ، الدّسامات ، الكليتين ، الكبد ، البنكرياس ، النخامية ، الدرقية ، الكظر ، بيد من ؟ خلل بسيط في بعض الغدد تنتهي حياةُ الإنسان ، فربنا مالك الملك :
 
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ
لا منجي ولا مجير إلا الله :
يخلِّصك من أي مخلوق ، ولا يستطيع مخلوق أن يخلصك من الله .
 لذلك سأل مرة أحد الولاة أحد التابعين قال له : جاءني كتاب من يزيد بن معاوية وفيه توجيه لا يرضي الله عزَّ وجل ، قال له التابعي الجليل كلمة : إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيداً لا يمنعك من الله .
 
﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ
إذا كنت معه نجَّاك من كل أعدائك ، فإذا لم تكن معه فليس في الأرض من ينجيك منه ، لذلك قالوا : " لا ملجأ منه إلا إليه".. " كن مع الله ترى الله معك " .. " إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك ؟ " أما إذا كان عليك فمن معك ؟ ليس معك أحد :
 
﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ
هو ينقذك ، معنى يجير ، الجار في الجاهلية له حق كبير جداً ، فكان إذا إنسان استجار بإنسان حماه وحفظه مما يحفظ به نفسه ، فإذا الإنسان استجار بالله عزَّ وجل ، قطعاً الله سبحانه وتعالى يجيره ، أما إذا ابتعد عن الله عزَّ وجل ، وانحرف لا يجيره من الله أحد :
 
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
ما الذي يسحر الإنسان ؟ ما الذي يغريه ؟ ما الذي يصرفه عن الدين ؟ ما الذي يخلب لبه ؟ الدنيا .. و " الدنيا جيفة طلابها كلابها ".. و " الدنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له "
 
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
 
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾
نفي الشريك والولد عن الله سبحانه :
حينما خلق السماوات والأرض ، لم يكن معه إله أعانه ، أو شاركه ، ولا اتخذ ولداً بعد أن خلق السماوات والأرض ، ولو كان هذا كذلك :
﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ
يصبح هناك تنازع ، وشقاق ، ومخاصمة :
﴿  وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
 
 
والحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب