سورة المؤمنون 023 - الدرس (5): تفسير الآيات (027 – 061)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة المؤمنون 023 - الدرس (5): تفسير الآيات (027 – 061)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج بذور - برنامج زراعي: برنامج بذور -الحلقة - 121           برنامج بيّـنات:  بينات - 03 - العادات والتقاليد1           برنامج كيف تتلذذ بالصلاة: كيف تتلذذ بالصلاة - 36- قيام الليل           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 242- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- فورة الدم           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0679 - سورة الكهف 013 - 013           برنامج أحباب الله - المرحلة الثالثة: أحباب الله = ح097= النكسة والخندق = 05= 06= 2020         

الشيخ/

New Page 1

     سورة المؤمنون

New Page 1

تفسـير القرآن الكريم ـ سـورة المؤمنون- (الآيات: 027 - 061)

29/06/2011 18:32:00

تفسير سورة المؤمنون (023)
الدرس (5)
تفسير الآيات (27 – 61)
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الخامس من سورة المؤمنون، من الآيات التي وردت في الدرس الماضي قوله تعالى :
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
نصيحة للمؤمنين :
قلت وقتها : لا ينبغي للرجل أن يوصل علاقته مع الله عزَّ وجل إلى هذه الآية ..
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾
قد يصيب أحد الأعضاء مواتٌ ، وعندها لا بدَّ من بتر العضو ، فمهما كان الرجاء شديداً ، ومهما كان التوسُّل حميماً ، ومهما كان الاستعطاف بليغاً لا بدَّ من بتر العضو ، ليس هذا من قبيل القسوة ولكن من قبيل الحكمة ، وانظر إلى وليِّ طفلٍ يرجو الطبيب ألا يبتر الساقين معاً ، يقول له : لا بُدَّ من بترهما ، فإذا تأخرت فلا بدَّ من أن تُبترا من مكانٍ أعلى ..
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾
المؤمن مذنبٌ توَّاب ، ما دام الإنسان سريع التوبة فهو في بحبوحة ، فإذا أصرَّ على ذنبه ، واستحكمت به شهوته ، وأصرَّ على المعصية وصل مع الله عزَّ وجل إلى هذه الآية ..
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾
ربنا سبحانه وتعالى يُمهل ، ولا يُهمل ، يُرخي الحبل ، يعطي فسحة ، يعطي فرصة ، أما أن يظن هذا العبد أن يترك سدى .
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
( سورة القيامة )
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 115 " )
فهذا من باب المستحيل ، لذلك الآية التي تقول :
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾
قد يكون العلاج حتميًّا :
هذه الآية تَدُلُّ على أن العلاج أحياناً يكون حتمياً ، وعندئذٍ لا ينفع التوسُّل ، ولا الرجاء ، ولا الدعاء ، ولا الاستعطاف ، لأن هذا الذي حصل لا بدَّ أن يحصل ، ولو لم يحصل لكان نقصاً في حكمة الله سبحانه وتعالى .
ورودُ القصة للعبرة لا لمجرد الحدَثِ :
وبالطبع ليست العبرة أن نقرأ هذه القصة ، ولكن العبرة أن نستخلص منها دروساً تفيدنا في تعاملنا مع الله سبحانه وتعالى ، ربنا سبحانه وتعالى عفوٌ غفور :
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
( سورة الحجر )
﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
( سورة الزمر )
العبرة أن نستنبط درساً بليغاً من خلال هذه القصة ، أما إذا أصرَّ الإنسان على المعصية وركب رأسه ، واستحكمت به شهوته ، ولم يبالِ بأوامر الله ، ولا بوعده ، ولا بوعيده عندئذٍ تنطبق عليه هذه الآية :
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾
وبعد قصة نوحٍ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يقول الله سبحانه وتعالى :
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ
أي جاءت من بعده أمةٌ أخرى ..
﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً﴾
( سورة المؤمنون : آية " 32 " )
ربنا سبحانه وتعالى لحرصه ورحمته ..
﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾
( سورة فاطر )
أي لا بدَّ من الرسول ، لا بدَّ من النبي ، لا بدَّ من العالِم ، لا بدَّ من الداعية ، لا بدَّ ممن يحذِّر ، لا بدَّ ممن ينذر ..
﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 32 " )
ومعنى منهم أي من أنفسهم ، أولاً من جنس البشر كي يألفوه ، في نفسه ما في نفوسهم ، أودع الله فيه الشهوات التي أودعها فيهم ، ورغَّبَهُ فيما رغَّبهم فيه ، أي من بُنيتهم ، من طبيعتهم ، من طريقتهم ، من قومهم، من قبيلتهم ، من شيعتهم ..
 
﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 32 " )
الدعوة إلى التوحيد :
هذا هو الدين ، يُضْغَطُ الدين كله في هذه الكلمات :
 
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
لا إله إلا الله كلمة التوحيد ، لا مسيّر لهذا الكون إلا الله ، إذاً لا معبود بحقٍ إلا الله .
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
( سورة البقرة )
فكانت دعوة هذا الرسول الذي أُرسل إلى هؤلاء الذين جاؤوا بعد سيدنا نوح ..
 
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
( سورة المؤمنون )
فما دام الله لا إله إلا هو ، والأمر كله له ، وما دام المصير إليه ، والحياة مؤقتة ، والإنسان سينقلب إلى الله عزَّ وجل ، ويتَّقي العذاب والمسؤولية والشقاء الأبدي ؟ .
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
( سورة المؤمنون )
بيَّنت لكم في الدرس الماضي أن الترف ورد في القرآن الكريم في ثمانية مواضع حصراً ، وأن المترفين دائماً همُ الكفار ، وقَرَنَ ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية ، وفي سبع آيات أخرى قرَن الترف بالكفر ، وهذا دليل ..
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
لذلك أن تأكل ، وتشرب بشكلٍ معقول ، هذا شيءٌ مقبول ، أما أن يكون الهدف هو الترف والإسراف والتبذير ، والاستعلاء والتفاخر والعلو في الأرض ، فهذا كله من صفات الكافرين ، هم كفروا بالله ، وكفروا باليوم الآخر ، ومن لوازم الإيمان بالله أن تؤمن باليوم الآخر ، ومن لوازم الكفر بالله أن تُنكر اليوم الآخر ، وهذا هو الدليل :
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
النبي عليه الصلاة والسلام كان يَدْعو ويقول :
(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً )) .
( ورد في الأثر )
أي يكفيه ، هذا الرزق الذي تمناه النبي عليه الصلاة والسلام لأحبابه ..
(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً )) .
عنده ما يكفيه ، وليس عنده ما يطغيه ، والنبي عليه الصلاة والسلام يبين أحياناً أن من الغنى ما يُطغي ، فقال عليه الصلاة والسلام :
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ ؟ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ؟ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ )) .
( سنن الترمذي عن أبي هريرة )
 
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
الرسل بشر تجري عليهم خصائص البشر :
يؤكِّد ربنا سبحانه وتعالى أن هذا الرسول بشر ، ومن خصائص البشر أنه يأكل الطعام ، فالإنسان مفتقرٌ إلى الطعام ، ووجوده متوقفٌ على الطعام ، إذاً ليس الإنسان ذا وجودٍ ذاتي ، وجوده مفتقرٌ إلى شيءٍ آخر ، لكن الله سبحانه وتعالى أحدٌ صمد ، ومعنى صمد أي ذاتي الوجود ، لا يفتقر وجوده إلى شيءٍ آخر ، أنت مفتقرٌ إلى تنفُّس الهواء ، مفتقرٌ إلى شرب الماء ، مفتقرٌ إلى تناول الطعام ، ومن حكم الصيام أن الإنسان يعرف حجمه ، ويعرف عبوديته لله عزَّ وجل ، فكل إمكاناته، وكل ذكائه ، وكل حيويَّته ، وكل نشاطه ، وكل طاقاته إنما تَذْبُلُ في أول أيام الصيام ، ويرى أنه يتوقَّف نشاطه على كأس ماء أو على لقمةٍ من طعام ، فلذلك من علامات الإنسان أنه يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق ، مفتقرٌ إلى الطعام، ومفتقرٌ إلى كسب الطعام ، الطعام يحتاج إلى عمل ، أنت مفتقرٌ مرتين ؛ مرةً إلى أن تأكل ، ومرةً إلى أن تعمل من أجل أن تشتري هذا الطعام ، وهل بعد هذه العبودية من عبودية ؟ وهل بعد هذا الافتقار من افتقار ؟ لذلك عندما وصف ربنا عزَّ وجل سيدنا عيسى ونفى عنه أن يكون إلهاً قال : يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق :
﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾
( سورة الفرقان )
ما دام الإنسان يأكل الطعام فهو عبدٌ لله ، ويمشي في الأسواق فهو عبدٌ أيضاً لرزقه ، فهو عبدٌ مرتين ، مفتقرٌ إلى الطعام ومفتقرٌ إلى كسب ثمن الطعام ، فحينما رأى هؤلاء الكفار أن هذا النبي الكريم يدعوهم إلى الله عزَّ وجل رأوه يأكل كما يأكلون ، ورأوه يشرب كما يشربون ، فظنّوا أن تناوله للطعام وشربه للماء مما يقلل من شأنه ، قال : لا ..
(( اللهم إني بشر ، أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر )) .
( الجامع الصغير عن أنس بسند صحيح )
سيدنا سعد قال : << ثلاثةٌ أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس قال: ما صلَّيت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها ، وما سرت في جنازة فحدَّثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس >> .
﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
طاعة الرسول طاعةٌ لله :
الحقيقة أنَّك إذا أطعت النبي عليه الصلاة والسلام ، فإن هذه الطاعة هي عين طاعة الله ، طاعة رسول الله هي عين طاعة الله ، لذلك قال الله عزَّ وجل :
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾
( سورة التوبة : آية " 62 " )
إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله ، وإرضاء الله هو عين إرضاء رسول الله ، ولا فرقَ بينهما لأن هذا باب الله .
سيدنا الصديق رضي الله عنه ألقى خطبة الولاية فقال : << لقد ولِّيتُ عليكم ولست بخيركم إن أحسنتُ فأعينوني ، وإن أسأتُ فقوِّموني ، الصدق أمانة والكذب خيانة ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >> .
فالطاعة إذاً إنما هي طاعةٌ لله عزَّ وجل ..
﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
والدعاة إلى الله لا يُطاعون ، بل يُطاع الله في كلامهم ، إذا جاءك بأمر من الله عزَّ وجل ، قال لك : يا أخي هذه آية ، وقد أجمع العلماء على هذا المعنى بتفسيرها ، فعليك أن تأخذ بها ، فأنت من تطيع إذاً ؟ تطيع الله عزَّ وجل ، هذا مبلغ ، ولا يقبل من إنسان أن تطيعه إلا إذا نقل لك آيةً كريمة ، أو حديثاً شريفاً صحيحاً ، لأن أَصْلَيّ التشريع القرآن والسنة..
﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾
( سورة المؤمنون )
استهزاء الكفار بالبعث :
يستهزئون بهذا الوعد العظيم من أن الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا دار عمل وجعل الآخرة دار جزاء ، جعل الدنيا دار تكليف وجعل الآخرة دار تشريف ، كأنهم يستهزئون ..
﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴾
فهل يستقيم الفكر ، أو هل تستقيم العقيدة على أن الدنيا هي كل شيء ؟ إن الدنيا قصيرة فيها الغني ، وفيها الفقير ، فما ذنب الفقير ؟ فيها القوي ، وفيها الضعيف ، فما ذنب الضعيف ؟ ولد ضعيفاً ، فيها الصحيح ، وفيها المريض ، فيها الوسيم ، وفيها الدميم ، فيها الحظوظ متفاوتة ، والأمد قصير ، فلولا الإيمان باليوم الآخر لما كان لهذه الحياة من معنى ، تُصبح الدنيا سخيفة المعنى ، أما أن يكون هناك حياةٌ أبدية يتحدد فيها مصير الإنسان بحسب طاعته لله في الدنيا عندئذٍ تستقيم الأمور ، وتأتي العقيدة متوافقةً مع العقل والمنطق ..
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
هَيْهَاتَ هيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
هيهات اسم فعل بمعنى بَعُدَ ، هذا الذي توعدون لن يقع ، ما أبعد من أن يقع ، ما أبعده من المنطق ، هكذا يدعون ..
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾
وهيهات الثانية توكيد للأولى ..
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
عقيدة الكفار : لا حياة إلا في الدنيا :
وهذه عقيدة الكُفَّار .
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾
لا يوجد إلا هذه الدنيا ، الدنيا هي كل شـيء ، والمال هو كل شيء ، هكذا الكافر ، سواءٌ عليه أَصَرَّح بهذا ، أم لم يُصَرِّح ، من هنا ينطلق ، ينطلق من أن الدنيا هي كل شيء ، ولا شيء في الآخرة ، لذلك يَصُبُّ كل جهده على الدنيا وهو بهذا يغامر ويقامر ، لأن شيئاً إذا حدث ضيَّع عليه كل أهدافه ، وكل طموحاته ، وكل ما يتمنَّاه ، لذلك قالوا : " الدنيا تغرُّ وتضرُّ وتمر ،وإن أسعد الناس بها أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها ".
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾
يا أيها الإخوة الأكارم ... إذا اعتقدَ أحدُنا أن الدنيا هي كل شيء ، لو لم يقل هذا بلسانه ، إذا انطلق من تصوُّرات مُفادها أن الدنيا هي كل شيء ولا شيء في الآخرة ، وأنَّ الحياة الدنيا تنتهي بالموت ، والموت نهاية كل حي ، فهذه العقيدةٌ فاسدةٌ وهي عقيدةٌ تدعو إلى الهلاك ؛ الدنيا دار تكليف وأما التشريف في الآخرة ، إذا اعتقدت أن هناك حياةً أبديةً لا تنقضي ، وأن مكانك في هذه الحياة الأبدية متوقفٌ على طريقة طاعتك لله عزَّ وجل عندئذٍ تُصْبِحُ إنساناً آخر ..
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾
رميُ الكفار أنبياءَ الله بالكذبِ :
أما هذا النبي الكريم الذي يدعوهم إلى الصراط المستقيم ..
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾
( سورة المؤمنون : آية " 38 " )
هذا كذَّاب ..
﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 38 " )
فالكفَّار دائماً يكذِّبون الحق ، ويبغونها عوجا ، يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا ..
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴾
( سورة المؤمنون )
دعاء بالنصر على الأعداء :
يا رب ، لقد كذَّبوني فانصرني أنت ، بيِّن لهم الحق ، بين لهم كذِب دعواهم ، فقال الله عزَّ وجل :
﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
الحقيقة أن البطولة هو الذي يضحك في الآخر ، الكُفَّار يَهزؤون من أهل الدين ..
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ *
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
البطولة من يضحك في آخر المطاف :
إذاً هناك من الكفار من يستهزِئ بالمؤمنين ، والبطولة من يضحك آخر الشوط ، لأنّ ربنا عزَّ وجل وصف المؤمنين فقال :
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾
( سورة المطففين )
رفض طالب مجتهد أن يذهب إلى نزهة حفاظاً على مستوى اجتهاده ، ورفاقه الكُسالى يهزؤون منه ، ويسخرون حينما ينجح بتفوق ، وحينما يرسب هؤلاء ، ويبكون الدمع دماً ، عندئذٍ هذا المتفوِّق يضحك من زملائه الكُسالى ، فالبطولة من يضحك آخر ، لا من يضحك أولاً ..
﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ﴾
بينَ الوعد والوعيد :
وربنا قال عزَّ وجل في آيات كثيرة :
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
( سورة القصص )
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
( سورة الزخرف )
﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾
( سورة غافر : آية " 77 " )
 
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
ليست العبرة بالأسماء :
هذه القصة من خصائصها أن الله سبحانه وتعالى لم يُسَمِّ هؤلاء القوم ، و لم يُسَمِّ من هو هذا النبي الكريم الذي بعثه الله إليهم ، وقد استنبط بعض العلماء أنهم قوم عاد الذين جاؤوا بعد قوم نوح ، على كلٍ ليست العبرة بالأسماء ، ولكن العبرة بالحقائق ، وعدم التسمية فيه إشارةٌ إلى أن الاسم ليس مهماً في هذا الموضوع ، المهم هذه القصة المهم أن تستنبط منها عبرةً تعتبر منها ..
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آَخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾
( سورة المؤمنون )
لكل أمةٍ أجل ولكلٍ منا أجل ، لذلك يُروى أن الإمام مالك إمام دار الهجرة رأى في المنام ملك الموت ، فقال : " يا مَلَك الموت كم بقي لي من حياتي ؟ فما كان من ملك الموت إلا أن أشار له بهذا أي خمسة ، فلما استيقظ هذا الإمام الجليل احتار ، أهي خمسة أعوام يا رب ؟ أم هي خمسة أشهر ؟ أم هي خمسة أسابيع ؟ أم هي خمسة أيام ؟ أم هي خمس ساعات ؟ توجَّه إمام دار الهجرة إلى العلاَّمة ابن سيرين وكان من المُخْتَصِّين بتأويل الأحلام فقال : يا إمام رأيت البارحة كذا وكذا فما تفسير هذه الرؤيا ؟ فقال: إن ملك الموت يقول لك : إن هذا السؤال من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله .
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ* ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾
( سورة المؤمنون )
أي متتابعة واحداً بعد واحد ..
﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾
( سورة المؤمنون : آيه " 44 " )
يا الله هذه من أبلغ الصور ، ربنا سبحانه وتعالى هو القاهر، هو القاهر فوق عباده ، فالعباد إذا كفروا ، وجحدوا ، وفسقوا ، وفجروا ، وتحدوا ، واستطالوا ، قال ربنا سبحانه وتعالى :
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 41 " )
عذاب الله كُن فيكون :
وهناك آيات أخرى :
﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾
( سورة يس )
صيحة واحدة ، ومعنى واحدة ، إذا شاهدت حشرةً لا تزيد على نملة.. حشرة صغيرة ، فكم ضربة تحتاج منك حتى تميتها ؟ هل تقول : لقد قاتلتها ؟ لا .. لا .. تقول : لقد قتلتها ، إن هي إلا دوسةٌ واحدة ، فربنا عزَّ وجل يقول :
﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾
فهؤلاء الذين تكبَّروا ، وعلوا ، وتمادوا ، واستعلوا ..
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾
( سورة يس : آية " 29 " )
فربنا عزَّ وجل عبَّر عن قهره لهؤلاء الفُجَّار الكفار بصورةٍ رائعة قال :
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾
( سورة المؤمنون )
وَجَعَلْنَاهم أَحَادِيثَ
يكون الإنسان أحياناً له شأن له مكانة ، صاحب متجر كبير ، ماليته كبيرة ، سـيارته فارهة ، بيته واسع ، نزهته دائمة ، مصيفه جميل ، مقر إقامته رفيع ، مكتبه أنيق ، فجأةً يتوقَّف قلبه ، ويصبح نعيًا على الجدران ، أين هو ؟ إنه تحت التراب ..
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾
كل إنسان الآن موجود له كيانه ، له شخصيته ، له مهابته ، له تصرفاته ، له أملاكه ، له أمره ، له نهيه ، وفي ثانية واحدة يصبح حديثاً ، لو بقي في فمه سن من الذهب لأخذوه متذرعين أن الحي أولى به ، ساعته تُؤخذ ، مفاتيحه ، قلمه ، قداحته ، خزانته الخاصة ، سيارته على الباب ، كلها ملك الآخرين ..
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾
صار أحاديث ، فربنا عزَّ وجل عبَّر عن قهره للعباد العتاة الظالمين بقوله :
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
المؤمن بعد أن يموت يُصبح حديثاً ، حديثاً عطراً ، يتحَدَّث الناس عن ورعه ، وعن حبه للناس ، وعن استقامته ، وعن فعله للخيرات ، وعن عواطفه الجيَّاشة ، وعن رقَّة قلبه ، يصبح حديثاً عطراً ألا تتعطر كل مجالسنا عندما يذكر فيها أصحاب رسول الله ؟ لقد ماتوا ، وصاروا أحاديث ، وشتان بين أن يكونوا أحاديث تشمَئِزُّ منها القلوب ، وأحاديث تطرب لها الروح والنفس ..
أحد الصالحين كان يدعو ويقول : " يا رب لا تجعلني عبرةً لأحدٍ من الناس في خلقك " .. لا تجعلني قصة يتعظ الناس بها ..
" يا ربِّ لا تجعلني عبرة لأحد من الناس في خلقك ، يا رب لا تجعلني أتزيَّن للناس بشيءٍ يشينني عندك ، يا ربِّ أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني ، يا ربِّ أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك" .
هذا الإخلاص ، من ذاق طعم الإخلاص ذاب شوقاً لله وحباً له ..
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾
( سورة المؤمنون )
موسى مع فرعون المستكبر :
السُلطان المبين الآيات المعجزات التي أَيَّد الله بها سيدنا موسى وأخاه هارون ، ليؤكِّد لفرعون أنه رسولٌ من رب العالمين .
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 46 " )
لم يذكر قوم فرعون ، الملأ هم الأشخاص المقربون منه لماذا ؟ هؤلاء المقربون متبُعون دائماً ، وكل إنسان له مكانة في المجتمع له اسمٌ إذا أخطأ فعليه إثمان ، وإذا أحسن فله أجران ، هذا حساب القُدوة ، الأب مثلاً إذا أخطأ فإنه يحاسب مرتين على خطئه ، وعلى خطأ ابنه الذي اقتدى به ، فإذا أحسن فله أجران ، على إحسانه وعلى إحسان ابنه الذي اقتدى به ، والمعلم كذلك ، وكل إنسان له مكانة اجتماعية يحاسب مرتين ..
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا*وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا*يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾
( سورة الأحزاب )
فالذي له مكانة كالأب في البيت ، وكل إنسان له مكانة على مجموعة أشخاص : " إن أحسن فله أجران ، وإن أساء فعليه وزران ، وزره ووزر من عمل بعمله " .
سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمرٍ جمع أهله وخاصته وقال : " إني قد أمرت الناس بكذا ونهيتهم عن كذا ، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا ، وَيْمُ الله لا أُوتين بواحدٍ وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني" ، فصارت القرابة من عمر مصيبة .
القدوة يحاسب مرتين ، يُكافأ مرتين ، يعاقب مرتين :
((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)) .
( مسند أحمد عن المنذر بن جرير عن أبيه)
قال تعالى :
﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾
( النساء : الآية 85 )
( كِفْلٌ ) نَصِيبٌ .
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
لماذا يقول عليه الصلاة والسلام :
((... وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ...)) .
( مسند أحمد عن ابن مسعود )
لماذا ؟ أيعقل أن يحرم الإنسان الجنة لأن في قلبه مثقال حبةٍ من كبر ؟! نعم ، لأن مثقال حبةٍ من كبر يتناقض مع العبودية لله ، فمن كان في قلبه كبر فهو ليس عبداً لله ، لذلك هؤلاء :
﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ ﴾
عالون في الأرض ، لذلك قال فرعون :
﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص : آية " 38 " )
كلام فيه بعض التحفظ .
ثم قال :
﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى﴾
( سورة النازعات )
فربنا عزّ وجل قال :
﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾
( سورة النازعات )
ولكن لماذا ربنا عزّ وجل بدأ بالآخرة ؟ لمَ لمْ يقل : فأخذه الله نكال الأولى والآخرة ؟ بل قال :
﴿ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾
لأن قوله الثاني أشد إثماً .
﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى﴾
( سورة النازعات )
أما قبل هذا قال :
﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص : آية " 38 " )
كلمة فيها تحفُّظ بعض الشيء ، فربنا عزّ وجل قال :
﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾
( سورة النازعات )
بدأ بالأهم ، وثَنَّى بالأقل أهمية :
﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾
( سورة المؤمنون : آية " 47 " )
سيدنا موسى وهارون ..
﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾
إنكار على نغَم واحدٍ : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ
أيعقل هذا ؟ نحن مالكي الأمر ، بيدنا زمام الأمر ، هؤلاء القوم الذين هم قوم موسى وهارون لنا عابدون ، أيعقل أن نؤمن لهما ؟ لبشرين مثلهما ؟
﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
كما تعلمون كيف تبع فرعون سيدنا موسى :
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
ثم تبعهم فرعون في اليم فأغرقه الله عزّ وجل :
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾
( سورة المؤمنون )
عودة عيسى عليه السلام إلى الأرض :
يؤكِّد العلماء أن سيدنا عيسى لابُدَّ له من عودةٍ في آخر الزمان ، وأن عودته من أشراط الساعة لقول الله عزّ وجل :
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾
( سورة المؤمنون )
﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ*رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً(2)فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ*وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ﴾
( سورة البينة )
أي الرسول ، فهذه الآية ، وآياتٌ أخرى كثيرة تؤكِّد أن سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام له عودةٌ :
﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾
( سورة النساء )
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً﴾
( سورة المؤمنون : آية " 50 " )
ولادة عيسى عليه السلام آية من آيات الله :
الإنسان يولَد من أبٍ وأم ، هذا هو الوضع الطبيعي ، عندنا أربع حالات تُعد إعجازاً ، كأن يأتي الإنسان من دون أبٍ ولا أم ، كما خلق سيدنا آدم ، لا أم ولا أب ، أو أن يأتي من دون أم كما جاءت سيدتنا حواء ، أو أن يخلق من دون أب كما جاء سيدنا عيسى ، أو أن يكون أبٌ وأم وهما عقيمان ، فهذه الآية تشير إلى أن السبب وحده غير كافٍ لإحداث النتيجة ، في علم التوحيد السبب حالةٌ ترافق النتيجة ، وليست هي أصلاً في حدوثها ، لأن الذي يخلق النتيجة هو الله سبحانه وتعالى ، هو الله الخالق ، فلذلك أحياناً تُعَطَّل الأسباب ، وأحياناً تلغى ، إذا كان هناك أبٌ وأم لا ينجبان فالأسباب مُعَطَّلة ، وإذا جاء إنسان من دون أبٍ وأم فالسبب مُلغى ، إما أن تعطل ، وإما أن تُلغى ، فربنا عزّ وجل قال :
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 50 " )
ربو ذات قرار ومعين
الربوة مكان مرتفع ، ذات قرار مرتفعة وفي الأعلى منبسطة ، وهناك نبع ماءٍ عذب ..
﴿قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾
والمفسِّرون في تعيين هذه الربوة على مذاهب شتَّى ، بعضهم قالوا: في دمشق .. وبعضهم قالوا : على جبل الجودي ذلك الجبل الذي هبطت عليه سفينة نوحٍ بعد الطوفان .
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 51 " )
﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾
لذلك يقول العبد : ((يا ربِ ، يا رب ، ومأكله حرام ، ومشربه حرام ، وغُذِّي بالحرام ، فأنّى يُستجاب له ؟)) .
( الترمذي عن أبي هريرة )
((يا سعد ، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) .
( الترغيب والترهيب عن ابن عباس )
إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المُرسلين :
شيءٌ آخر ؛ عندنا قاعدة ، أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فإذا كان هناك خطابٌ إلى هؤلاء الرُسل الكرام في أن يأكلوا من الطيبات وليعملوا صالحاً ، فإن هذا الخطاب موجَّهٌ أيضاً بالتبعية إلى كل المؤمنين ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :
((إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المُرسلين)) .
( الترمذي عن أبي هريرة )
تماماً بتمام.
إنّ الطبيب حينما يأمر ممرضاً أن يُعَقِّم إبرة لابدّ من أن يعقمها كما يعقمها أعلى طبيب ، لأن الشروط واحدة :
((إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)) .
( الترمذي عن أبي هريرة )
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾
( سورة المؤمنون )
هذه أمتكم أمة واحدة :
هنا الأمة بمعنى المِلَّة ، كلمة أمة في القرآن الكريم لها معانٍ عديدة ، أما معنى هذه الكلمة في هذه الآية فهو المِلة والمَذْهَب :
﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾
هذه الشريعة :
﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
يعني كل الشرائع ، وكل الكُتب السماوية مُفادها واحد ، وفحواها واحدة ..
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
( سورة الأنبياء )
﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾
( سورة الأنبياء )
الشرع واحد ، والإله واحد ، وهذا التعامل رائع جداً ؛ أن تعلم أن لك رباً واحداً بيده كل شيء ، عندئذِ ينتهي الشِرْك والنفاق ، ينتهي الخوف والتملق ، ينتهي الكذب والخوف ، ينتهي الوجل والقَلَق ، هذه أمراض وبيلة، أمراض مدَمِّرة ، القلق والنفاق والكذب والوجل أمراض أسبابها الشِرْك .
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ﴾
( سورة الشعراء )
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ*إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
( سورة هود )
 
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
تفرّقُ الناس أحزابا شتى :
هذه الشرائع كانت واحدة ، أصولها واحدة ، مبادئها واحدة ، جاء أقوام الأنبياء فتفرَّقوا ، واختلفوا ، وناصب بعضهم بعضاً العِداء ، فأصبحوا فرقاً ، وأحزاباً ، ومِللاً ، ونِحلاً متباغضين ، متباعدين ، متنافسين ، متبارزين ، ومن هنا تضعف الأمة ، ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾
( سورة آل عمران : آية " 103 " )
فإذا كان المؤمنون جميعاً متفقين على أصول الإسلام ، واختلفوا في الفروع فإن هذا الخلاف لا يقدِّم ولا يؤَخِّر ، يجب أن تتفق مع أخيك في الأصول ، ولو اختلف معك في الفروع ، وهذه الفروع اختلافها رحمةٌ واسعة ، واتفاقها حجةٌ قاطعة.
بعض الأئمة يرى أن الزكاة يجب أن تدفع نقداً ، وبعضهم يرى أن الزكاة يجب أن تدفع عيناً ، فالإمام الذي عاش في الريف ، ورأى حاجة الريفيّ إلى القمح أجاز أن تدفع الزكاة عيناً ، أما الذي عاش في المدينة ورأى قيمة المال المتداول ، رأى أن تدفع نقداً ، فهذا ليس خلاف، هذا خلاف غنى ، خلاف تنوّع ، خلاف وسْعَة ، خلاف يُسر ، خلاف رحمة : " اختلاف أمتي رحمة " .
هذا لا يُسَمَّى خلافا ، بل إنه يسمى اختلافًا ، الخلاف غير الاختلاف : " اتفاق الأئمة حجةٌ قاطعة " .
سبحان الله ! الأصول واحدة ، أما عندما تمتدُّ الأيام والشهور يصبح هذا الدين فرقاً ، وأحزاباً ، ومللاً ، ونِحلاً ، وكل حزبٍ لما لديهم فرحون..
كلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا
 
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ﴾
( سورة المؤمنون )
خطورة الاختلاف الخصومة :
ذرهم غارقين في شهواتهم ، وجهلهم ، وعصيانهم ، وخصوماتهم ، وأفقهم الضيق ..
 
 
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
إنه الاستدراج ليس غير :
فأكبر خطأ أن يتوهَّم الإنسان أن الله سبحانه وتعالى إذا أمدَّهُ بالمال فهو عنده مقرَّب ، لا .. هذا المال ليس من الخيرات ، يكون خيراً إذا أنفقته في طاعة الله ، إذا زوَّجك الله امرأةً تروق لك أهي خير ؟ لا.. إذا حملتها على طاعة الله فهي خير ، إذا كنت عالياً في الأرض هل هو خير ؟ لا.. إذا استخدمت هذا العلو في نصرة الضعيف فهذا هو الخير ..
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
هذه ليست هي الخيرات ، ليس الخير أن تكون غنياً ، ولا أن تكون قوياً ، ولا أن تكون ذكياً ، ولا أن تكون جميلاً ، ولا أن تكون غارقاً في الملذَّات ، الخير أن تعرف ربَّ الأرضِ والسماوات ..
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾
رأس الحكمة مخافة الله :
من خشيتهم ربهم خائفون من الله .. و " رأس الحكمة مـخافة الله ".. والذي لا يخاف إنسانٌ في تفكيره نقص ، في تفكيره ضعف ، كالطفل الصغير الرضيع إن وضعته في الحقول ، ومرَّ إلى جانبه ثعبانٌ كبير طوله بضعة أمتار ، فإن هذا الطفل الرضيع لا يخاف منه أبداً ، بل ربما وضع يده عليه يداعبه ، لأنه لا إدراك له ، أما الكبير إذا رآه ينتفض منه خوفاً ، وترتعد فرائصه ، يتناسب الخوف مع الإدراك ، قد يدخل إنسان مهندس إلى بناءٍ فيرى فيه شقاً في جسرٍ أساسي ، فيعلم أن لابدّ من أن يقع هذا البناء لأن الأساسات تتحرَّك ، وأن هذا الخط في الجسر الأساسي مؤشرٌ على تحركها ، قد يأتي إنسان يعمل في طلاء الجدران يقول لك : هذا الشق أنا أُلغيه بالمعجون ، فالخوف يتناسب مع العلم ، كلما ازداد علمك ازداد خوفك ، قد يأتي إنسان جاهل يأكل الفاكهة دون غسيل ويقول لك : سمِّ بالله، يقول لك الطبيب : لا هذه كلها جراثيم وفيروسات لابدّ من غسيلها ، الخوف يتناسب مع العلم ، فالذي لا يخاف هو الجاهل .
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر : آية " 28 " )
" رأس الحكمة مخافة الله " .. والأنبياء العظام ، وأصحاب النبي الكرام كانوا أشد خوفاً من ألا تقبل حسناتهم من خوفنا من أن نعاقب على سيِّئاتنا ، ما قولكم ؟ كلما ارتفعت مرتبتك زاد خوفك .
هذه الآية فيها مفارقة رائعة جداً :
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ ﴾
هذا استدراج وليس مسارعة في الخيرات ..
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
من صفات المؤمنين المفلحين : خشية الله في السر والعلن :
هؤلاء يخافون الله لأنهم عرفوه ، ومتى عرفوه خافوه ، فإن لم يخافوه فهذا دليلٌ قطعيُّ على أنهم لم يعرفوه ..
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
من صفات المؤمنين المفلحين : الإيمان بالآيات الكونية والقرآنية :
آيات الله الكونية الدالة على عظمته ، وآيات القرآن الدالة على تشريعه :
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾
من صفات المؤمنين المفلحين : عدمُ الإشراك بالله :
هذه الصفة الثالثة ، لا يشركون لا شركًا خفيًا ، ولا شركًا ظاهرًا ، لا يقولُ : إن هناك مع الله إلهاً ، ولا يعتقدُ بغير الله ، لا يرجو غير الله ، ولا يخافُ من غير الله ..
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 60 " )
من صفات المؤمنين المفلحين : الإنفاق مع الخوف :
ينفق المال وهو خائف ، يعاون وهو خائف ، يفعل الخير وهو خائف ، لماذا هم وجلون ؟
﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
يخافون ألا يكونوا بهذا العمل مخلصين ، يخافون أن تكون في نيَّتهم بعض الشوائب ، يخافون من قلة الإخلاص ، يخافون من زيغ العمل ، وهم يعملون الصالحات يخافون ..
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
هناك رجعةٌ إلى الله عزَّ وجل :
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
( سورة الغاشية )
يخافون هذا الموقف الفظيع ، والموقف العظيم ..
﴿أُولَئِكَ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 61 " )
من هم ؟
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
من صفات المؤمنين المفلحين : المسارعة في الخيرات :
ما هو الخير إذاً ؟ أن تكون ذا مالٍ وبنين ؟ أن تكون عالياً في الأرض؟ لا والله ؛ أن تكون مشفقاً من عذاب الله ، وأن تكون مؤمناً بآيات الله ، وأن تكون غير مشرك ، وأن تؤتي وأنت تؤتي خائف ألا يقبل عملك عندئذٍ تكون مسارعاً في الخيرات ..
﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
هذه الآية تحتاج إلى تفصيلٍ في الدرس القادم .
والحمد لله رب العالمين



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب