سورة المؤمنون 023 - الدرس (3): تفسير الآيات (012 – 022)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة المؤمنون 023 - الدرس (3): تفسير الآيات (012 – 022)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة المؤمنون

New Page 1

تفسـير القرآن الكريم ـ سـورة المؤمنون- (الآيات: 012 - 022)

26/06/2011 15:25:00

تفسير سورة المؤمنون (023)
الدرس (3)
تفسير الآيات (12 – 22)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
أيها الإخوة الأكارم ... مع الدرس الثالث من سورة المؤمنون ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
 
 
 
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
وتأتي الآيات بعد هذه الآية متلاحقةً تبيِّن بعض ما في الكون من دلائل ، ومن عِبَر .
سؤال : ما علاقة ذكر الآيات الكونية بعد آيات وصف المؤمنين المفلحين ؟
الجواب : التفكّر في الكون طريق من طرق الإيمان :
 
السؤال الآن : ما العلاقة بين هذه الآيات الكونية ، وبين قوله تعالى :
 
 
 
 
 
 
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ *
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾
 
 
 
 ( سورة المؤمنون )
أي أنَّ أيها الإنسان إذا أردت أن تكون مؤمناً متحلياً بصفات المؤمنين ، وارثاً لفردوس رب العالمين ، فتعرَّف إلى الله من هذا الطريق طريق الكون ، كأن الله سبحانه وتعالى بيَّن الهدف ، ورسم الطريق ، الهدف أن تكون مؤمناً خاشعاً في صلاتك ، معرضاً عن اللغو، فاعلاً للزكاة ، حافظاً لفرجك ، راعٍ لأمانتك ، إذا كنت كذلك ورثت جنة الفردوس ، أما الطريق فانظر إلى آيات الله ..
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾
( سورة الذاريات )
وقال عز وجل :
﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة يونس : آية "  101 " )
وقال سبحانه :
﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾
( سورة عبس )
وقال :
﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾
( سورة الطارق )
وقال :
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
( سورة المرسلات )
إنّ الله سبحانه وتعالى يبيِّن لنا أن طريق الإيمان بالله عزَّ وجل أن تتأمل في هذه الأقوال ، وأن تقف عند كل آية مستجلياً وجه العظمة فيها ، فكلما ارتقت معرفتك خشع قلبك :
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر : آية "  28 " )
 وهذه ( إنما ) أداة قصر ، بمعنى أن العلماء وحدهم ، وليس أحد سواهم يخشون الله عزَّ وجل ، فإذا أردت أن تكون في صلاتك خاشعاً فتأمَّل في ملكوت السماوات والأرض ، الإنسان أحياناً يمرُّ على آيات الله مروراً سطحياً ، ربنا عزَّ وجل وصف الكفار فقال :
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾
( سورة محمد )
الإنسان يشرب كأساً من الماء ، هل أعمل فكره في هذا الماء ؟ ما مصدر هذا الماء ؟ كيف كان مِلحاً أجاجاً فصار عذباً فراتاً ؟ هل عرف أن الشمس ، والقمر ، والسماء ، والأرض ، والبحار ، والهواء ، والسحب ، والغيوم ، وطبقات الأرض كلها ساهمت في هذا الكأس من الماء ؟ قد يأكل طعاماً ، قد يأكل فاكهةً ، قد ينظر إلى ابنه الصغير ، قد ينظر إلى جبل شامخ ، قد يمتِّع عينيه ببحر صاخب ، قد يرى جبلاً أخضر ، قد يرى وادياً جميلاً ، قد يشمُّ رائحةً عطرة ، قد يرى زهرةً فوَّاحة ، هذا الذي يمرُّ على آيات الله مرور المتمتع ، مرور المستغل ، مرور التاجر ، من دون أن يقف عند خالق هذه الآية ، وعند عظمته ، وعند أمره ، هذا إنسان شأنه كشأن البهائم ، لذلك نعى ربنا عزَّ وجل على هؤلاء الذين يمرُّون على الآيات في السماوات والأرض وهم عنها غافلون ، فربنا عزَّ وجل أيقظنا بهذه الآيات ، أي أنَّك أيها الإنسان لا تُفلح إلا إذا كنت مؤمناً خاشعاً في صلاتك ، معرضاً عن اللغو ، فاعلاً للزكاة ، حافظاً لفرجك ، راعٍ لأمانتك ، حافظاً لصلواتك ، من أجل أن تكون مؤمناً هل فكَّرت في هذه الآيات ؟ ..
 
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾
( سورة المؤمنون )
آية من آيات الله الكونية : خَلْقُ الإنسانِ :
الإنسان أيْ مطلق الإنسان ، وبعض العلماء يقولون : إنه الإنسان الأوَّل سيدنا آدم ، لأن الله سبحانه وتعالى خلقه من طين .
معنى السلالة :
المعنى الأول :
 والسلالة هي الخليط ، سلالةٍ من طين ، أي أخلاطٍ من أنواع الطين جمَّعها الله سبحانه وتعالى ، ونفخ فيها من روحه فكانت سيدنا آدم ، هذا تفسير .
المعنى الثاني :
تفسير آخر ، السلالة بمعنى السلسلة ، من طين ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، مراحل مر بها خلق الإنسان ، فإما أن تكون السلالة الأخلاط ، وإما أن تكون السلالة السلاسل ، على كلٍ الإنسان الأول خُلِقَ من طين ، ولكن مشيئة الله سبحانه وتعالى شاءت أن تجعل تكاثر ذُرِيَّته عن طريق التوالد ، عن طريق النطفة ، وعن طريق البويضة ، وعن طريق الرحم ، وعن طريق الجنين كما تعلمون من تفصيلاتٍ مررت عليها في درسٍ سابق ..
 
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾
لهذا في آياتٍ أخرى يقول الله سبحانه وتعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ
( سورة البقرة : آية "  21 " )
أي لا يستحقُّ العبادة إلا الخالق ، غير الخالق لا يستحق العبادة .
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾
( سورة الإسراء : آية "  23 " )
الخالق وحده هو الذي يستحق أن تعبده ، والعبادة أن تطيعه طاعةً طوعيِّة مبنية على معرفةٍ يقينية ، منتهية بسعادة أبدية ..
 
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾
بعض الشعراء قال :
نسي الطين ساعةً أنه طينٌ        حقيـر فصـال فيها وعَرْبَد
وكسا الخَزَّ جسمه فتباهـى        وحوى المال كيسه فتمرَّد
إنّ الإنسان أحياناً يعلو ، وينسى أنه من طينٍ من صلصال ، ينسى أنه من ماءٍ مهين خرج من عورةٍ ، ودخل إلى عورةٍ ، ثم خرج من عورة ، وسمي الماء مهيناً لأن الإنسان يستحيي به ..
 
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾
 
 
( سورة المؤمنون )
ربنا عزَّ وجل لم يقل : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم خلقناه نطفةً .. لا ؟؟ أي ثم جعلناه ، شاءت مشيئتنا أن يكون توالده وتكاثره في ذريته عن طريق التوالد وعن طريق النطفة .
 
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ ﴾
نظام التوالد أساسه النطفة :
جعلنا نظام التوالد ، ونظام التكاثر على أساس النطفة ، وهذه النُطَفْ المعلومات حولها كثيرةٌ جداً ، فهذه النطف تُصَنَّع في الخصيتين ، والخصيتان تحتاجان إلى حرارةٍ دون حـرارة الجسم لذا هما خارج الجسم، والذي خصيتاه داخل جسمه هذا لا ينجب ، لأن حرارة الجسم لا تساعد على تخليق النُطَفْ ، وقال لي بعض الأطباء : إن النُطَفْ يجري تخليقها وتصنيعها في ثماني عشر مرحلة ، وقد تستغرق أياماً كثيرةً تزيد عن العشرين يوماً حتى تصبح جاهزة ، وفي اللقاء الواحد يُفْرِزُ الإنسان أكثر من ثلاثمئة مليون حوين منوي ، وهذه الحوينات تنتقل من عُنِق الرحم إلى القنوات إلى أن تلتقي بالبويضة ، والذي حيَّر الأطباء هذا الحوين الضعيف الذي خلقه الله من رأسٍ مدبب ، وعنقٍ مُحَلزن ، وذيلٍ مُتَعَرِّج ، الذيل من أجل أن يتحرك ، والرأس المدبب من أن أجل أن يخترق ، ولكن كيف يخترق البويضة ؟
اكتشف العلماء مؤخراً أنَّ في رأس كلِّ حوين منوي مادةً نبيلةً هذه المادة النبيلة تشبه خلط العين الزجاجي المائي ، هذه المادة النبيلة تذيب جدار البويضة ، فإذا ارتطم هذا الحيوان .. الحوين المنوي .. بجدار البويضة ذاب جدارها فإذا دخل إليها أُغْلِقَ الباب وانتهى الأمر ، فحوين منوي واحد من ثلاثمئة مليون حوين يلَقِّح البويضة ، أما كيف تختار البويضة أقوى هذه الحوينات فهذا لا يعلمه إلا الله ، تختار البويضة أقوى هذه الحوينات من بين ثلاثمئة مليون حوين ، على كلٍ ..
 
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾
( سورة المؤمنون )
الرحم قرار مكين :
الرحم قرار مكين ، معنى قرار مكين أنَّك إذا أخذت خطاً متوسطاً للمرأة طولاً وخطاً متوسطاً عرضاً يتعامدان عند الرحم ، فالرحم يشكِّل الوسط الهندسي تماماً للمرأة ، شيءٌ آخر الرحم في بدايات الحمل يحافظ على النطفة ، لذلك جعله الله في قرارٍ مكين .
انظر إلى حكمة الله عزَّ وجل كيف أن الله سبحانه وتعالى جعل الدماغ محفوظاً في الجمجمة ، والجمجمة عُلْبَةٌ عظميِّة فيها مفاصل ثابتة ، هذه المفاصل تمتصُّ الصدمات ، لو نظرت إلى جمجمة ترى أن هناك خطوطاً منكسرة تفصل بين أجزائها ، هذه الخطوط هي المفاصل الثابتة، لكن فيها بعض الفراغات البينية ، فإذا ارتطم الطفل بالأرض ، وسمعت دويَّ رأسه إلى مكانٍ بعيد فاطمئن إنه في سلامة ، لأن هذه الفراغات البينية تراصَّت فامتصَّت الصدمة ، إذاً الدماغ شيء خطير جداً في الجمجمة ، ولا يقل عنه خطراً النخاع الشوكي في سلسلة ، والعين مهمة جداً في محجر ، والقلب هو المضخة الأساسية في القفص الصدري ، ومعامل الدم ، وهي أخطر ما عند الإنسان داخل العِظام ، والجنين داخل عظم الحوض .
 
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾
قرار مكين ، الرحم محاطٌ بجدرانٍ عظميةٍ من كل الجهات في مراحله الأولى ، عظام الحوض في المرأة تحيط بالرحم من كل جانب ، فهو في قرارٍ مكين ، الشيء الآخر النطفة تعلق على جدار الرحم بعد أن تلقِّح البويضة بشكلٍ مكين ، فالبويضة الملقحة مستقرةٌ على جدار الرحم بشكلٍ مكين ، والرحم في مكانٍ مكين ومحاطٍ بِجُدُرٍ من العظام ، وهناك أربطةٌ تربط الرحم من كل الجهات بحيث لا يتأثَّر بحركة الأم ، هذا معنى قوله تعالى :
 
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾
مراحل تطور الجنين :
1 - تحوّل النطفة إلى علقة :
هذه النطفة ينشأ لها في الجدار الخارجي استطالات تُعِينُ على أن تلتصق بجدار الرحم ، وجدار الرحم يغذِّي هذه الاستطالات ، ويرحِّب بها كي تعلق هذه البويضة الملقَّحة،  فعندئذٍ تسمى علقة ، لا لأنها قطعة دم جامدة ، بل لأنها تعلق على جدار الرحم بمجموعة وسائل بعضها من الرحم ، وبعضها من العلقة نفسها ..
 
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ﴾
( سورة المؤمنون : آية "  14 " )
2 - تحوّل العلقة إلى مضغة :
عندئذٍ تكبر هذه العلقة ، ويتوضَّح بعض معالم الجنين ، يبدو رأسه وجذعه فقط ، يبدو في رأسه عينان ، يبدو في جذعه القلب ، هذه المضغة قطعةٌ من اللحم فيها ملامح أولية لتخليق هذا الجنين ، على كلٍ ذكرت هذا مفصلاً في دروسٍ سابقة ، واليوم أذكره موجزاً كي يُتاح لنا التفصيل في آيات أخرى .
 
﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾
( سورة المؤمنون : آية "  14 " )
3 - نشأة العظام :
ثم تنشأ العظام ، وبعدها تُكسى هذه العظام باللحم ، تنشأ العضلات، على كلٍ نقطة الحوين المنوي مع البويضة لا تُرى بالعين المجردة ، لا تُرى إلا تحت المجهر ، وفي بعض الكتب صور لهذه الحوينات والبويضات ، الذي لا تراه بعينك بعد تسعة أشهر ترى طفلاً كامل الخلق ، فيه رأسٌ ، وجذعٌ ، وأطراف ، فيه أعصابٌ وشرايين ، فيه عضلاتٌ وعظام ، فيه سمعٌ وبصر ، فيه فمٌ وأنف ، فيه شعر ، فيه جِلد ، فيه مريء ورغامى ، ولسان المزمار ، ومعدة ، وأمعاء ، وكبد ، وبنكرياس ، وطحال ، وصفراء، وكظر ، وكليتان ، وحـالب ، ومثانة ، وجهاز إفراز ، تكوين يأخذ بالألباب ، بعدئذٍ هذا الطفل يبتسم ، بعدئذٍ يضحك ، بعدئذٍ يأكل ، يبحث عن الطعام ، يلتقم ثدي أمه ، الطريق سالك ، ثم يستجيب للضوء ، يستجيب للصوت ، بعدئذٍ يتكلَّم ، يحاول أن يمشي ، بعدئذٍ إذا جاءت أمُّه يُقْبِلُ عليها ، وما زال الإنسان يرقى في مدارج المعرفة إلى أن يصبح إنساناً سوياً ، من طوَّره من حالٍ إلى حال ؟ الله سبحانه وتعالى ..
 
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾
( سورة المؤمنون : آية "  14 " )
4 - نشأة الجنين خَلقا متميزا كاملا :
هذه الآية دقيقة جداً ، ربما كان أي جنين لأي حيوان مشابهاً لجنين الإنسان ، فكل حيوان يتكاثر عن طريق الولادة ؛ له نطفة ، وله بويضة ، وهناك تلقيح ، وتصبح هذه البويضة المُلَقَّحة علقة ، فمضغة ، فعظام ، فعضلات كالإنسان ، ولكن هذا الإنسان ، تبارك الخلاق ..
 
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾
هذا الإنسان مُكَرَّم ، كرَّمه الله سبحانه وتعالى ، أعطاه عقلاً ، أعطاه نطقاً ، أعطاه شهوةً ، أعطاه أمانةً ، أعطاه كوناً ، أعطاه اختياراً ، الإنسان خَلْق آخر ، لا مجال أن تقيم موازنة بين جنين حيوان ، وبين جنين إنسان ، هذا الإنسان قد يُصبح عبقرياً ، قد يصبح في مستقبل أيامه مصلحاً اجتماعياً ، عالماً جليلاً ، مخترعاً ، قائداً مُحَنَّكاً ، ضابطاً كبيراً ، قد يكون صانعاً ماهراً ، قد يكون طبيباً حاذقاً ، هذا إنسان آخر ، هذا مكرم .
﴿الرَّحْمَانُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْإِنسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾
( سورة الرحمن )
هذا الإنسان خلق لمهمة عالية جداً ..
((خلقت السماوات والأرض من أجلك ، وخلقتك من أجلي ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عمَّا افترضته عليك ..)) .
( ورد في الأثر )
 
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾
معاني الآية :
المعنى الأول :
هذا مخلوق آخر ، هذا حُمِّل الأمانة ، هذا مكلَّف لمعرفة الله عزَّ وجل ، هذا مكلف أن يزكِّي نفسه ، هذا الإنسان مخيَّر ، هذا الإنسان خُلِقَ ليكون أول المخلوقات ، هذا الكون كله مسخرٌ من أجله ، هذا خلق آخر .
 
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾
جنين الدابة يكبر ويكبر ، وبعد ذلك تحدث الولادة لكن يبقى دابة ، أما هنا إنسان مكرَّم مُبَجَّل ، إنسان يتكلم ، يفكِّر ، فهناك فرقٌ نوعي بين الإنسان وبين الحيوان ، فرقٌ نوعي ، فحياة الحيوان لمْ ترتقِ ، حياة القرود مثلاً ، فهل القرود  أنشأت مساكن فخمة ؟ عملت تدفئة مركزية ؟  أو قادت طائرة ؟ أو اخترعتها ؟ اخترعت سيارة مثلاً ، أو أجهزة نقل ؟ أجهزة إعلام ؟ تعلمت درساً ؟ دَرَّست ؟ ألَّفت ؟ الحيوان هو الحيوان لا يتغير ، أما الإنسان يرقى ، فالذي يقول : إن الإنسان مَرَّ بمرحلة القرود هذا إنسان يُحَقِّرُ بني جنسه ، الإنسان إنسان والحيوان حيوان .
 
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾
هذا معنى من معاني هذه الآية .
المعنى الثاني :
 هناك صفات أُخرى ، تجد الطفل الصغير إذا أراد أن يلعب يمتطي عصاه ، وكأنه فارسُها ، الطفلة الصغيرة إذا أرادت أن تلعب تأخذ وسادةً ، فتجعلها بنتها ، وتربط عليها ، وتسكتها ، وتلقمها صدرها ، معنى ذلك أن ثمة فروقًا نوعية بين الذكور والإناث ، هذه تُعنى بهندامها ، بشكلها ، هذه مطواعة ، هذا الطفل الصغير يحاول إثبات شخصيته بوسائل عديدة ، فكأن هناك فرقاً نوعياً بين الذكور والإناث ، ربما لا ترى فرقاً ظاهراً في بُنية الطفل أو الطفلة ، ولكن في البُنى النفسية والنواحي الاجتماعية فرقٌ شاسعٌ بينهما ، هذا معنى آخر .
المعنى الثالث : لو توقَّعت أن يكون الجنين ذكرًا أو أنثى ، أي أن بالعُرَى الملوَّنة ، بالمورثات ، يوجد ثلاثة وعشرون زوجًا ، الزوج الأخير إما على شكل : ( X) إكس ، أو على شكل واي ( y )   ، فإذا كان على شكل ( y ) فهو ذكر ، أو على شكل ( X) فهو أنثى ، فهناك بعض الحالات التي ترى تحت المجهر ، وعن طريق أجهزة بالغة التعقيد ، يتحدد بها نوع الجنين ، ثم يتغير هذا النوع بعد فترة من الزمن ..
 
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾
حدثني أخ فقال : إن طبيباً من أكبر أطباء الأمراض النسائية في بلاد متقدمة مادياً - يجب أن نقول متقدمة مادياً ، أما من حيث الأخلاق والنواحي الأخرى فهي متخلفة جداً - فهذا الطبيب أراد أن يجري تجربة فشقَّ بطن زوجته ، وعرف نـوع الجنين ، وحين الولادة كان الجنين خلقاً آخر .
 
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾
فإما أن الإنسان له مكانة عند الرحمن ، فهو خلقٌ آخر من بنية أُخرى ، وإما أن هناك صفات نفسية اجتماعية ، هذه لا تُرى بالعين يوجد خلق آخر ، وإما أنه لو توصَّلت إلى معرفة نوع الجنين ، وربما كانت الولادة خلقاً آخر  ..
 
 
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
معنى : فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ
بعضهم يقف عند هذه الآية وقفة ، كم مِن خالق في الأرض حتى يقول الله عزَّ وجل :
 
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
القضية بسيطة جداً ، الخلق بمعناه الدقيق ليس أن تصنع شيئاً من لا شيء ، بل أن تصنع شيئاً من شيء ، والدليل :
﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾
( سورة المائدة : آية "  110 " )
ربنا خاطب سيدنا عيسى :
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ﴾
( سورة المائدة : آية "  110 " )
الخَلْق بمعناه اللغوي :
إذاً الخَلْق بمعناه اللغوي : أن تأخذ نسبًا معينة من بعض المواد تصنع منها شيئاً ، هذا الخلق بهذا المعنى الدقيق ، الإنسان أيضاً يساهم فيه ، كأن يقول لك : الإبداع مثلاً ، فأي آلة صنعها الإنسان لو وازنتها مع خلق الله عزَّ وجل ، فهل يوجد إنسان موديل سبعة وثمانين ، موديل ستين ، موديل سبعة وخمسين ؟ لم أسمع بهذه أبداً ، وهل طرأ عليه  تعديلات أو تحسينات ، أو هذا درجة رفيعة مثلاً ، أو هذا درجة أولى ؟
 
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
ما من مخلوقٍ إلا حينما خُلِقْ كان قمةً في الإتقان .
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة النمل : آية "  88 " )
يمتطي مركبة تكون أحدث مركبة ، وأحدث شكل ، توقف فجأةً لسبب تافه جداً .. بسبب قشة وقفت .. هل يوجد إنسان وقف ، وجمد بأرضه ؟ وصار به عطل ؟ يظل الإنسان ماشياً ، حتى ولو كان جائعاً في المركبة ساعة لم تنتبه لها يحترق المحرك ، ساعة الحرارة ، يدير حديثاً ممتعاً مع صديقيك ، حصل في المحرك خطأ ، فارتفعت الحرارة فاحترق المحرق ، فلو كانت هناك ساعةٌ صوتية لنبهتك ، أما إذا كان السائق ضعيف السمع يحترق المحرق ، أما الجوع يا ترى ما هذا الجوع ؟ ساعة مرئية ، أم ساعة صوتية ؟ جهاز دقيق جداً ، يقول لك : أنا جائع سأموت من جوعي .
 
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
لا موازنة بين خلق الله وصنع الإنسان :
 لو أردت أن تجري موازنة ، فلابدَّ من طرح سؤال : مَن منا اشترى سيارة ، ثم وجد سيارة أخرى ذات قياس صغير قد ولدتها ؟ باع الصغيرة ، وأبقى على الكبيرة ، أو أعطى الثانية لابنه ، هذه لم نسمعها في حياتنا ، بينما حصانك أو بقرتك تتوالد .
 
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
فالمجال واسع جداً لو أردت أن تعمل موازنة بين خلق الله عزَّ وجل الكامل وبين بعض المصنوعات البشرية تجد مسافات كبيرة جداً .
وبعضهم يقول : سمي الإنسان خالقاً من باب المُشاكلة ، وبعضهم يقول : الخلق بمعنى صنع شيءٍ من شيء ، أما ربنا عزَّ وجل خالق وبارئ ، الخالق البارئ المصور ، على كلٍ الآية لا تزيد عن أن تلفت النظر إلى صنع الإنسان ، صنع الإنسان يتكامل لأن الإنسان بالأساس ضعيف خبرته تأتي من التجربة ، والدليل : إذا اطلعت على صورة سيارة عام 1912 مثلاً ، انظر ، وأجْرِ موازنة ، تجد فيها حركة واحدة أول فقط ، الإضاءة فوانيس ، يشعل عود الثقاب يملأ الزيت ، ثم يشعل الضوء ، هكذا كانت السيارة سابقاً ، لها صوت يملأ الدنيا ضجيجاً ، سرعتها قليلة جداً ، حَدَّثني رجل أن القطار الأول صنع ببريطانيا عينوا له موظَّفاً يمشي أمامه لينبِّه الناس لكي لا يدهسهم ، الآن سرعته ثلاثمئة وستين كيلو مترًا في الساعة الواحدة ..
 
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
هذا خَلْقُ اللهِ :
اسأل من يرعى الغنم ، ربما تجاوز عدد أغنامه المئات ، وقد توالدت ، فكيف تعرف ( السخلة ) أمها ؟ والله شيء صعب ، كل سخلة تتجه نحو أمها أو بالعكس :
 
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
فالغنم اجتماعي بطبعه ، والكلاب دائماً متفرقة ، فهل يمكنك أن ترعى كلاباً ، وتسوقها معاً ؟ لا تقدر أن ترعاها ، لأن كل واحد في جهة ، لكن الغنم مذلل ، لو كان الغنم بأخلاق الضباع ، أو بأخلاق الذئاب لما استفدنا منها ، الإنسان يقفز من أفعى أو من عقرب ، أما الجمل وزنه ثمانمئة كيلو ، وتجد طفلاً يقوده ، من الذي ذلله ؟
 
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
 تمضي كل حياتك ، كل الحياة تمضي ، ولا تمضي الموازنة بين خلق الله ، وبين صنع الإنسان :
 
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
ومعنى تبارك الخير الكثير ، فروث الغنمة أحسن أنواع السماد .. أغلى أنواع السماد روث الغنم والبقر .. تفلح فداناً من الأرض بقرة ، روثها كافٍ ليكون سماداً لهذا الفدان ، فالصوف نستفيد منه ، والجلد نستفيد منه ، والأمعاء نستفيد منها ، والعضلات لحم ، والدهن مواد دسمة ، والعظام لها فوائد ، والحليب سبحان الله :
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
الإنسان يخلق هدفاً ، يصنع شيئاً له لهدف واحد ، أما ربنا عزَّ وجل كل شيء ينتجه الحيوان فيه خير ، فالآن مشكلة التلوث في العالم هي أكبر مشكلة ، فهذه المعامل لها فضلات كيميائية ، ولها دخان ، ولكن خلق الله عزَّ وجل فضلاته مفيدة ، روث البقر ، وروث الدجاج كله مواد مهمة جداً في حياتنا ، فالناتج هو أنه لا يوجد شيء يلوث البيئة ، أو يزعج الحياة .
عندنا سؤال دقيق : هذا الخلق العظيم ، خلق مذهل ، وبعد هذا يموت الإنسان ؟!! فمثلاً : إذا عمَّر إنسان بناء خلال عشرين سنة ؛ وضع الأساسات ، وحفر ، وبعد هذا طلع إلى أول طابق والثاني ، وبَلَّط ، ودهن ، ووضع الحمَّامات والمطابخ ، وعمل مدخلاً فخماً ، وبعدما انتهت سكنها خمس سنوات ، وبعد هذا أحضر آلات وهدمها ، فإنك تقول : إن هذا الإنسان جن ، لماذا هدمها ؟ فالموت هدم للإنسان ، فالإنسان خُلِقْ بأبدع صورة فلماذا الموت ؟ حتى الإنسان لا يتساءل لماذا الموت ؟ قال تعالى :
 
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ*ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
 
الموت مصير كلّ المخلوق :
هذا موت موقَّت ، وبعد هذا هناك حياة أبدية ، فالإنسان خُلق لكي يحيا حياةً أبدية ، أما الحياة دون آخرة صعب تفسيرها ، الحياة الدنيا وحدها دون موت دون آخرة فيها خلل ، لأن خلق عظيم والعمر قصير ، الآن ترى الإنسان حتى يتمكَّن أن يكسب يصل إلى الثلاثينات ،  والأعمار بين الخمسين والستين ، فيقدر ما يعيش حياة معقولة بقدر ما يُعِدُّ لها ، فلا يوجد تناسب ، فربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
هذه مشيئة الله :" كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت " .
الليل مهما طـال فلا      بدَّ من طـلوع الفجر
و العمر مهما طـال     فلابدّ من نزول القبر
*   *   *
الأنبياء يموتون ، والأغنياء يموتون ، والفقراء يموتون ، والذين يعتنون بصحتهم العناية الفائقة يموتون ، والذين لا يعتنون يموتون ، والذين يغامرون يموتون ، والذين لا يغامرون يموتون ، الموت حق ، فلما كشف سيدنا الصديق رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن وافاه الأجل قال : " طبت حياً وميتاً يا رسول الله ، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها ".
لا يوجد غيرها ، فإذا المؤمن اجتهد في الحياة الدنيا حتى استحق مرضاة الله عزَّ وجل يوجد له موتة واحدة فقط ، وبعدها في جنَّات الفردوس إلى أبدِ الآبدين :
 
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾
( سورة المؤمنون )
ثم بعد الموت البعثُ والحساب :
لولا البعثُ بعد الموت لما كان للحياة من معنى ، لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وابتلاهم ، فوزَّع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسيوزِّع الحظوظ في الآخرة توزيع جزاء ، لذلك من لوازم الإيمان بالله أن تؤمن بأسمائه كلِّها ، ومن أسمائه الحق ، وهذا الاسم لا يتحقق إلا يوم القيامة ، لأنه ليجزي كل نفسٍ بما كسبت :
 
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾
( سورة المؤمنون )
معنى : سَبْعَ طَرَائِقَ
طبقات الجوّ سبع :
بينت لكم في درسٍ سابق كيف أن السماوات التي فوق الأرض سبع سماوات ، إما سبع بالعد الصحيح ، وإما سبع كثرة ، والعرب تذكر سبعة ، وأضعاف السبعة للكثرة ، سبع سماوات أي سماوات كثيرة ، سبعون التكثير بالمئات ، والسبعة للعشرات ، فعلى كلٍ فهناك مجموعة طبقات فوق الأرض ، من طبقة الهواء الأولى ، إلى طبقة المواد الكبريتية ، إلى طبقة الأوزون ، إلى طبقة التأيُّن ، طبقات ذكرتها في درسٍ سابق أو في خطبةٍ سابقة ، وكيف أن الطبقة الأولى يزيد سمكها على ثمانية عشر كيلو مترًا ، فيها الرياح ، والسحب ، والأمطار ، والثلوج ، والبَرَد .
والطبقة الثانية فيها مواد كبريتية تلقِّح الأمطار ، وعن طريقها يصبح الغيم مطراً ، وبعدها توجد طبقة الأوزون ، وبعدها توجد طبقة بحيث أن كل جسم من السماء إذا وقع على الأرض يتشهَّب في هذه الطبقة ، وبعدها توجد طبقة السحب القطبية ، إلى ما هنالك من معلوماتٍ دقيقة يختصُّ بها بعض علماء الفلك ، على كلٍ ربنا عزَّ وجل جعل السماء فوقنا طبقاتٍ ، وكل طبقةٍ لها وظيفة ، وهذه الوظائف جمعت في قوله تعالى :
 
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾
( سورة الأنبياء : آية "  32 " )
السماء سقف حافظ محفوظ :
أي حافظاً للأرض من كل جسمٍ خارجيٍ عنها ومن كل أشعةٍ قاتلة ، فالأشعة القاتلة تمتصُّها طبقة الأوزون ، والأجسام الكوكبية في السماء إذا وقعت على الأرض فإن الطبقة التي تزيد حرارتها عن ألف وخمسمئة درجة كفيلةٌ أن تجعلها متشهِّبة ، وأن تجعلها رماداً لا يُرى ولو تحت عدسة الميكروسكوب :
 
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴾
أي أن الله سبحانه وتعالى في السماء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ ، إذا كان قد خلق السماوات فهو إلهٌ في الأرض ، إذا كان هو الذي خلق المجرَّات والسُحب ، والنجوم ، والشموس ، والأقمار ، هو نفسه في الأرض إله :
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾
( سورة الزخرف )
كل هذه السماوات العُلا :
 
﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
معنى : وَمَا كُنَّا عَنِ الخَلْقِ غَافِلِينَ
المعنى الأول :
بعضهم يقول : إن الملائكة تعبر هذه السماوات السبع لترفع إلى الله سبحانه وتعالى أعمال الإنسان :
 
﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴾
المعنى الثاني :
وبعضهم يقول : إن الله سبحانه وتعالى ما كان غافلاً عن السماوات ، خلقها فأبدعها وجعلها محكمةً ، وربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾
( سورة فاطر )
 
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
معنى : بِقَدَرٍ :
المعنى الأول :
قال العلماء : بقدر أي بنسب ثابتة ؛ تركيب الماء أي الهدرجين ، والأوكسجين ، ذرتين لذرة ، فإن هذا التركيب مُعْجِز ، هذا التركيب مؤلَّف من عنصر مشتعل وعنصر يساعد على الاشتعال ، وبه تُطفئ النار ، لذلك تعديل طفيف في بنية الماء تصبح المياه كُلُّها لهيباً ، لذلك :
﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾
( سورة الطور )
من بعض تفسيراتها أن البحار تصبح نيراناً يوم القيامة ، فهذا الماء ذرتين من الهيدروجين ، وذرة من الأوكسجين ، عنصر مشتعل ، وعنصر يعين على الاشتعال ، ويوجد معه مواد أخرى ، وهي مواد منحلة من الصخور تناسب طبيعة الإنسان ، والماء المُقَطَّر لا ينفع الإنسان وحده ما لم يخلط بمياه الآبار ، لذلك وحدات التقطير التي على سواحل البحار يُضاف إلى مائها ماء بعض الآبار كي يكون صالحاً للشرب .
بِقَدَر أي نسب المواد ، يقول لك : بالعشرة آلاف ذرة من الفلور بالماء من أجل وقاية الأسنان ، يوجد فلور ، يوجد كالسيوم ، يوجد مغنزيوم ، هناك مجموعة معادن في الماء ، فهذا الماء بقدر أي إنه بنسب مقدَّرة .
المعنى الثاني :
أي بحجم مناسب ، الآن في السودان يوجد فيضانات هذا حجم أكبر مما يجب ، فأطاح بآلاف المساكن ، ومليون إنسان بلا مأوى ، وقتلى بالألوف ، لأن الماء بحكمة بالغة لا يعلمها إلا الله ، فالماء له حد مفيد جداً ، يوجد حد آخر يصبح الماء مدمِّراً :
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾
( سورة المؤمنون : آية "  18 " )
يقول علماء الجيولوجيا : إن في عصور مطيرة بقيت حبال من السماء تهطل عشرة آلاف سنة بشكلٍ مستمر حتى تشكَّلت البحار .
قال ربنا عزَّ وجل :
 
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾
( سورة الحجر: آية "  21 " )
 يهطل في هذه البلد مئتا ميليمتر ، وفي هذه مئة وخمسون ، وفي تلك خمسون ، هذه خط المطر خارج الجفاف ، هذه المنطقة ألف ميليمتر ، هذه خمسمئة ، هنا جبال خضراء ، وهنا ساحل ، كل منطقة لها كمية أمطار مناسبة :
 
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾
بُنْيَةُ الماء ، وعناصره ، وبعض المعادن المنحلة فيه بقدر ، وحجمه بقدر ، ووقته بقدر ، لو نزل الماء في غير أوانه لكان مؤذياً ، ولم نستفد منه ، وكان نزوله عبثاً ، فأصبح معنى كلمة بقدر لها ثلاثة معانٍ : بنسبه ، وكميته ، ووقته :
 
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة المؤمنون )
تيسير اللهِ تعالى لخَلْقه الانتفاعَ بالماء :
من الذي جعل في الأرض طبقةً كتيمة ، وبعدها طبقةً نفوذة ، وبعدها طبقةً كتيمة ، وبعدها تربة الأرض ؟ من الذي جعل هذا ؟ لو لم تكن تلك الطبقة الكتيمة في الأسفل لغار الماء :
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾
( سورة الملك )
إنه الله سبحانه وتعالى .
لو اطلع رجلٌ على ما يدرسه الإخوة الجيولوجيون لوجد أن بنية الأرض شيءٌ يأخذ بالألباب ، فجزيرة فيها نبع ماء كأرواد مثلاً ، هذا يقتضي أن يكون هناك تمديدات تحت سطح البحر إلى جبال طرطوس ، لا يمكن إلا أن تكون هكذا بحسب مبدأ الأواني المستطرقة ، نبع في جزيرة منبسطة تحتاج إلى خزَّان في مكان مرتفع في الطرف الثاني من اليابسة ، ولابدّ من تمديدات تحت سطح البحر ، في بعض البلاد توجد أربعة آلاف جزيرة ، أو خمسة آلاف ، أو عشرين ألف جزيرة ، كل جزيرة لها نبعها الذي يكفي أهلها .
هناك شيء آخر : بعض الجبال فيها حيوانات مثل الوعول تعيش في رؤوس الجبال ، ربنا عزّ وجل جعل لها ينابيع ، هناك ينابيع في قمم الجبال ، وليس هناك من تفسيرٍ لهذه الينابيع إلا أن تكون خزَّاناتها في جبالٍ أخرى أكثر ارتفاعاً ، إذا وُجِدَ نبع في قمة جبل معنى هذا أن خزانه في جبل آخر أعلى منه ، هذه كلها آيات دالَّة على عظمة الله عزّ وجل :
 
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة المؤمنون : آية "  18 " )
فهذا نبع الفيجة ربنا عزَّ وجل جعله لهذا البلد الطيب ، لا يوجد بلد في العالم فيها ماء كهذا الماء ، على مدار السنة ستة عشر مترًا مكعبًا في الثانية الواحدة ، ترتفع إلى عشرين ، وتنزل إلى خمسة في أيام الجفاف ، على كلٍ يوجد عطاء مستمر ، فأين هذا المستودع ؟ أين هذا الخزان ؟ ربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾
( سورة الحجر )
وَمَا َأَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ
فمن الذي خزنه ؟ أنت عليك أن تفتح الصنبور ، وتملأ كأس الماء ، لكن هل تعلم من الذي خزَّنه لك طوال العام ؟ كيف كان بخاراً ، فأصبح سحاباً ، فساقه الله إلى بلادنا ، فجعله مطراً أو ثلجاً ، ثم غار في أعماق الأرض ، فتجمَّع في هذا الحوض ؟ الحوض بالمعلومات الأولية مساحته إلى حمص ، ومن نصف لبنان إلى سيف البادية ، هذه المعلومات الأولية ، هناك معلومات أوسع بكثير ، من جعل هذا الخزان من الماء ؟
 
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
قدرة الله في الذهاب بالماء :
فإذا كان للإنسان نبع ماء ، أو عنده محرك يخرج الماء ، فإن هذا من فضل الله عزَّ وجل ، لذلك ممنوع أن يحفر آبارًا ارتوازية إلا الخبراء ، فلو ثقبوا أرض مجمعٍ للماء يغور الماء كله في طبقات عميقة في الأرض ، وينتهي الماء كُلِّياً ، ربنا عزَّ وجل مصمم هذا الحوض المائي تحته طبقةٌ كتيمة ، ثم طبقة مجوَّفة ، بعده طبقة كتيمة ، وبعدها طبقة نفوذة، وبعدها التربة ، هذا تصميم إلهي ، أي غلط بهذا الينبوع يغور الماء :
 
 
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ *فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾
( سورة المؤمنون )
لولا هذا الماء لما كانت الجنَّات ، ترى أرض صحراوية في داخلها مزرعة كلها أشجار ، وكلها أثمار ، وكلها أزهار ، السبب هناك محرك ماء ، هذا الماء هو الذي جعل من هذه الأرض القاحلة جنةً على وجه الأرض ، كذلك الماء من السماء ، لا يوجد مكان فيه خَضَار إلا وفيه ماء نبع ، أو نهر ، أو أمطار :
 
﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 19 " )
إخراج النبات بالماء :
هذه لكم أي خصيصى لكم ، من أجلكم ، إكراماً لكم ، فالإنسان عندما يأكل فواكه ، أو ثمار، أو خضراوات ، أو محاصيل ، عندما يشرب كأساً من الماء فإن هذا مخلوق لنا خصيصى ، لهذا النبي الكريم كان أحمدَ الخلق ، إذا أكل قال : (( بسم الله )) ، وإذا انتهى قال : (( الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني وسقاني فأرواني )) .
( سلسلة الأحاديث الضعيفة )
هكذا كان يدعو عليه الصلاة والسلام .
 
﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾
يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ
كل هذه الفواكه تُسْقَى بماءٍ واحد ..
﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾
( سورة الرعد : آية " 4 " )
هذا خوخ دُب ، هذا أبو ريحة ، هناك فرق كبير جداً بينهما ، ونفضل بعضها على بعضٍ في الأُكل ، هذا كرز هنا فجل ، هنا فستق حلبي وهنا فستق عبيد ، هنا خس ، أي أن كل شيء بسعر ، وكل شيء بطعم ، وكل شيء بلون ، وكل شيء له وظيفة ، فهناك أنواع منوَّعة من النبات ، وكلها تسقى بماءٍ واحد :
 
﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ﴾
هذا النخل .. ستة آلاف عام تعيش النخلة .. هناك نخلٌ من قبل ميلاد سيدنا المسيح ، من عهد الفراعنة ، زارني شخص وقال لي : إن هذا التمر من المدينة ، وهناك تمرات كانت على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، فقلت له : يوجد تمر من قبل ستة آلاف سنة ، هذا النخيل يُعَمِّر ، والزيتون يعمر ، هناك زيتون من عهد سيدنا عمر:
 
﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾
( سورة المؤمنون : آية " 19 " ) 
كل أنواع الفواكه :
 
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾
( سورة المؤمنون )
زيت الزيتون :
هذه الزيتون :
 
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
( سورة المؤمنون : آية "  20 " )
فإن أرقى المواد الدسمة هو الزيت البلدي :
 
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾
وَصِبْغٍ للآكِلِينَ
الصبغ هو الإدام ، إما أن تأكل الزيتون ، فهو إدامٌ من أعلى درجة لك مع الخبز ، وإما أن تعصر الزيتون فتستخدمه زيتاً ، وهو مادةٌ دسمة من أرقى أنواع المواد الدسمة ، فربنا عزَّ وجل جعل من الزيتون آيةً دالةً على عظمته ، لباب الدراق هو ماء سكري ، أما الزيتون يوجد فيه زيت ، مواد دسمة ، الزيت دهن نباتي :
 
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾
الصِبغ كما قال بعض العلماء : هو الإدام المائع .
قال عليه الصلاة والسلام :
(( نِعمَ الإدام الخل )) .
( أبو داود عن جابر )
فالإدام المائع يقال له : صبغ ..
 
﴿وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾
الزيتون غذاء من الدرجة الأولى ، وحينما كنا طلاباً في المرحلة الثانوية علَّمونا أن في قطرنا - والحمد لله - ثلاثة عشر مليون شجرة زيتون ، هذا الرقم في الستينات ، أما الآن أعتقد أكثر بكثير ، سورية تُعَد الدولة الثالثة في العالم في إنتاج زيت الزيتون ، فهذه الآية دالة على عظمة الله عزَّ وجل :
 
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
كأن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن هذه الشجرة قد وجُدت في طور سيناء أي في الجبل الذي كلَّم الله به موسى في فلسطين ، وسيناء صفةٌ محببةٌ في الجبل أن يكون مكسواً بالأشجار :
 
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾
( سورة المؤمنون : آية "  21 " )
في الأنعام عبرة :
هذا الحليب ، تأكل بوظة في الصيف من الحليب ، تأكل في الشتاء من الحليب ، وتأكل الجبن صباحاً من الحليب ، تأكل لبناً من الحليب ، لبناً رائباً ومصفى ، سمن بلدي من أجود أنواع السمون ، قشطة ، شمندوراً ، زبدة كلها من الحليب ، ربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾
من أعاجيب الغدة الثديية عند البقرة :
والغدة الثديية يدور فيها أربعمئة لتر دم من أجل تصنيع لتر واحد من الحليب ، وحتى هذه الساعة لا يعلم العلماء ماذا يجري في خلية البقرة، فالخلايا الثديية في البقرة كالقُبة يجري حول شرياناتٌ دقيقةٌ جداً فيها دماء ، فهذه الخلية تأخذ من الدم حاجتها ، وتصنِّعها ، وتلقي بقطرةٍ من الحليب في جوف هذه القُبة ، هذه الخلية أعلم من علماء الأرض كلها، يمر الدم من فوق فتأخذ من الدم حاجتها ؛ البروتين ، والسكر ، والفيتامينات ، والمواد المعدنية ، تأخذه من الدم وتصنعه حليباً سائغاً :
] مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصًا سَائغاً للِشَّارِبِينَ [ .
تقطر قطرة من داخل القبة تتجمع في ثدي البقرة ، لذلك قال ربنا عزَّ وجل :
 
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا﴾
هذه الغنمة نفسها ، والبقرة نفسها :
 
﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ
( سورة المؤمنون : آية "  21 " )
آخر أيامها تذبح فتباع لحماً ، وجلدها يصير أحذية ، وأشياء كثيرة من أحشائها نستفيد منها ، والغنمة كذلك ، والماعز ، والإبل :
 
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾
هذه :
 
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
 
﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
( سورة المؤمنون )
الناقة سفينة الصحراء :
تمتطيها في البر ، وتركب السفن في البحر ، فربنا عزَّ وجل حمل الإنسان في البر وحمله في البحر ، حتى لا يقول أحد : يا أخي نحن لا يوجد عندنا طائرات نفَّاثة حديثة جداً ، قال له :
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة النحل )
القرآن مُعْجِز يُغَطِّي كل الأزمان والأمكنة :
 
﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
والآية التي بعدها تحدثنا عن سيدنا نوح ، وهذه إن شاء الله نأخذها في الدرس القادم .
 
 
والحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب