سورة المؤمنون 023 - الدرس (2): تفسير الآيات (001 – 011)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة المؤمنون 023 - الدرس (2): تفسير الآيات (001 – 011)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج بذور - برنامج زراعي: برنامج بذور -الحلقة - 121           برنامج بيّـنات:  بينات - 03 - العادات والتقاليد1           برنامج كيف تتلذذ بالصلاة: كيف تتلذذ بالصلاة - 36- قيام الليل           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 242- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- فورة الدم           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0679 - سورة الكهف 013 - 013           برنامج أحباب الله - المرحلة الثالثة: أحباب الله = ح097= النكسة والخندق = 05= 06= 2020         

الشيخ/

New Page 1

     سورة المؤمنون

New Page 1

تفسـير القرآن الكريم ـ سـورة المؤمنون- (الآيات: 001 - 011)

26/06/2011 14:28:00

الدرس (2)

تفسير الآيات (1 – 11)

لفضيلة الدكتور

محمد راتب النابلسي

 
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الثاني من سورة المؤمنون.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)

إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

( سورة المؤمنون )

إعادة وتذكير:

في الدرس الماضي أيها الإخوة تحدثنا كيف أن الفلاح في أن تكون مؤمناً، وكيف أن هذا الفلاح محقق، بينما كل فلاحٍ في الدنيا، بل كل نجاحٍ فيها قد يكون محققاً في الدنيا أو لا يكون، والذي يؤكِّد هذا التحقق كلمة قد في مطلع هذه السورة:
 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

وبينت لكم في الدرس الماضي كيف أن هناك موانع للفلاح، فالظلْم مناقضٌ للفلاح، لقوله تعالى: 
 

﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾

( سورة الأنعام )

إذا رأيت إنساناً استطاع أن يأخذ ما ليس له بذكاءٍ، أو بحيلةٍ، أو بقوةٍ، أو بطريقةٍ من الطرق، وهو يظن نفسه بهذا ناجحاً، أو ذكياً، أو فالحاً، فالله سبحانه وتعالى يردُّ عليه:
 

﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

بينت لكم في الدرس الماضي موانع الفلاح، وبينت لكم فيه أيضاً عوامل الفلاح:
 

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

( سورة البقرة )

﴿ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

( سورة الأعراف )

﴿ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

( سورة المائدة )

ثم بينت لكم كيف أن الفلاح هو ما قاله الله عزَّ وجل في هذه الآية، وفي آيتين أخريين:
 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾

( سورة الأعلى )

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾

( سورة الشمس )

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

( سورة المؤمنون )

وحينما تنطبق مقاييس الفلاح عند الإنسان مع مقاييس الفلاح عند الله ينجح الإنسان في تحقيق مهمته، فكل إنسان له مقاييس للفلاح ؛ أهل المال يظنون الفلاح بجمع المال، وأهل القوة يظنون الفلاح بتسلُّم مراكز القوة، وأهل العلم الظاهري يظنون الفلاح بنيل أعلى الدرجات العلمية في الدنيا، فإذا انطبقت مقاييس الفلاح عندك مع مقاييس الفلاح في كتاب الله فأنت مؤمنٌ مهتدٍ ورب الكعبة، أما إذا اختلفت المقاييس فهذا هو الضلال بعينه.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
 

(( قد أفلح من رزق لباً ))

( الجامع الصغير عن قرة بن هبيرة بسند ضعيف )

(( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ ))

( مسند أحمد عن أبي ذر )

(( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ ))

( من مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص )

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

هذه بعض الأحاديث النبوية التي تتحدث عن الفلاح، وهؤلاء المؤمنون، فقد بينت لكم في الدرس الماضي كيف أن الصفة قيد، وكيف أن الفلاح لا ينطبق على المؤمنين فقط، ينطبق على المؤمنين وهذه صفاتهم صفةً صفة، فكلما أضفت صفةً ضاقت الدائرة، وقد ضربت لكم المثل، أنك إذا قلت: إنسان هذه الكلمة تشمل خمسة آلاف مليون، إذا قلت: إنسان مسلم تضيق الدائرة حتى تشمل ألف مليون، فإذا قلت إنسان مسلم عربي ضاقت الدائرة حتى شملت مئة مليون، فإذا قلت: إنسان عربي مسلم مثقف ضاقت الدائرة حتى شملت المليون مثلاً، فإذا قلت: إنسان مسلم عربي مثقف طبيب قد تشمل الدائرة مئتي ألف، فإذا قلت: طبيب قلب.. كلما أضفت صفةً ضاقت الدائرة.. فمن أجل أن تحقق الفلاح يجب أن تكون مؤمناً، وأن تنطبق عليك كل هذه الصفات التي وردت في هذه السورة:من هم المؤمنون ؟

منزلة الصلاة وأهميتها في الإسلام:

 

(( لا خير في دينٍ لا صلاة فيه ))

 

((لا خير في دينٍ لا صلاة فيه ))

قال عليه الصلاة والسلام:
 
لأن أساس السمو الاتصال بالله عزَّ وجل، فأي دينٍ لا اتصال فيه إلى الله عزَّ وجل فهذا الدين لا خير فيه، والذي يعتنق ديناً، ولا يصلي كأنه لم يعتنق ديناً، لذلك رأيُ علماء الفقه في تارك الصلاة أنه إذا تركها إنكاراً لحقها فقد كفر، ومن تركها تهاوناً فقد فسق.. 
 

( الجامع الصغير بلفظ: لا خير في دين ليس فيه ركوع، وإسناده ضعيف )

1 – الصلاة عماد الدين:

 

(( الصلاة عماد الدين ))

و:

( الجامع الصغير عن عمر، وإسناده ضعيف )

والعماد يشبه العمود الكبير وسط الخيمة، فإذا أزيح عن مكانه تداعت الخيمة.. 
 

(( من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين ))

 

2 – الصلاة مناجاة:

(( لو يعلم المصلي من يناجي ما التفت ))

فهؤلاء المؤمنون أفلحوا لأنهم في صلاتهم خاشعون، والصلاة كما بينت في الدرس الماضي الصلاة مناجاة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
 

( ورد في الأثر )

3 – الصلاة قربٌ:

 

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾

( سورة العلق )

والصلاة قرب، لقول الله عزَّ وجل:
 

4 – الصلاة ذِكرٌ:

 

﴿ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

( سورة طه )

والصلاة ذكر لقول الله عزَّ وجل:
 

5 – الصلاة عقلٌ:

 

(( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ))

6 – الصلاة وعيٌ:

والصلاة عقلٌ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: 
 

والصلاة وعيٌ، لقول الله عزَّ وجل:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾

( سورة النساء: آية " 43 " )

7 – الصلاة خشوع:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾

( سورة المؤمنون )

والصلاة خشوعٌ، لقول الله عزَّ وجل:

8 – الصلاة عروج:

 

(( الصلاة معراج المؤمن ))

والصلاة عروجٌ إلى الله عزَّ وجل، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
 

( ورد في الأثر )

و:

(( الصلاة عماد الدين وعصام اليقين ))

( ورد في الأثر )

(( ولا خير في دين لا صلاة فيه ))

( الجامع الصغير بلفظ: لا خير في دين ليس فيه ركوع، وإسناده ضعيف )

(( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ))

( الترمذي، ابن ماجه عن بريدة )

وأساس الدين اتصالٌ بالخالق وإحسانٌ إلى المخلوق، 
 

﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾

( سورة مريم )

9 - الصلاة نور:

 

((... وَالصَّلاةُ نُورٌ...))

الصلاة كما قال عليه الصلاة والسلام:
 

( سنن النسائي عن أبي مالك الأشعري )

هذا هو الدين وجوهره، اتصالٌ بالخالق، وإحسانٌ إلى المخلوق، والعلماء قالوا: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها، ولكن من فرائضها، من فرائض الصلاة أن تكون خاشعاً، ومكان الخشوع هو القلب، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
 

(( لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه))

( ورد في الأثر )

من صفات المؤمنين: الخشوع في الصلاة:

ومظهر الخشوع الأعضاء، فمن وقف في الصلاة، وأكثرَ التلفُّت يمنةً ويسرة، وعبث بثوبه، أو بأصابعه، أو بأدواته، فهذا لم يخشع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يعبث بشعر لحيته في أثناء الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام:
 

(( لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ))

( ورد في الأثر )

والخشوع حينما تقف بين يدي عظيم تعرف ما الخشوع، إنك إذا دخلت على إنسانٍ ذي شأنٍ عند الناس ؛ وربما لا يكون ذا شأنٍ عند الله، إذا دخلت عليه ترى نفسك تقف أمامه بأدبٍ، وخشوعٍ، وسكينةٍ، ووقارٍ، ولا تلتفت إلى شيءٍ آخر، فكيف إذا وقفت بين يدي ملك الملوك، جاء في بعض الأحاديث القدسية:
 

((أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حوَّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد عصوني حوَّلت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبِّ الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم))

( ورد في الأثر )

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾

( سورة المؤمنون )

إذا كنت مؤمناً فقد نلت كل شيء، فيا رب ماذا فَقَدَ من وجدك، وماذا وجد من فقدك، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك ؟.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

الفلاح بمقياس الناس:

بمقياس الناس، إذا اشترى الإنسان أرضاً، ثم شق أمامها الشارع، فارتفع سعرها أربعين ضعفاً، هذا في نظر الناس قد أفلح، وإذا كانت للإنسان تجارةٌ رائجةٌ جداً، هذا في نظر الناس قد أفلح، وإذا تسلَّم منصباً رفيعاً فهو في نظر الناس قد أفلح، وإذا رزق زوجةً ممتازةً في نظر الناس قد أفلح، وأما في نظر الواحد الديَّان:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

الفلاح بمقياس الشرع:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

( سورة الشمس )

أردت أن أعيد على أسماعكم، ما ذكرته في الدرس الماضي كي تأتي الآيات في انسجامٍ تام، لأن هذا الآيات كالعِقد الثمين، كالسلسلة الثمينة آخذٌ بعضها برقاب بعض، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

( سورة المؤمنون )

فهل أنت مؤمن ؟ وليس في مقياس السماء فلاحٌ إلا أن تكون مؤمناً، وأن تصلي خاشعاً، وأن تزكي نفسك لأنه:
 

من صفات المؤمنين: الإعراض عن اللغو:

 

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ ﴾

( سورة البقرة: آية " 173 " )

﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

( سورة المائدة: آية " 90 " )

المحرمات لها موضوع آخر.
 

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة الأنعام: آية " 151 " )

هنا اللغو، المباحات التي لا تتصل بالآخرة، لا يستمر أثرها إلى الآخرة، هذه لغو، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
 

((أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ))

قال بعض العلماء: اللغو هو الشيء المباح الذي لا جدوى منه في الآخرة، فهذا مقياس دقيق جداً، فاللغو ليس من الحرام، لأن الحرام له آيات خاصة أخرى تحرمه:
 

( صحيح البخاري عن أبي هريرة)

فربما ضاق أحدكم ذرعاً بهذا التفسير، ساعة لك وساعة لربك، كما يقول عامة الناس، الحقيقة كل شيءٍ ما خلا الله باطل، لكن هذا الشيء الذي يرضي الله منوَّع جداً، فإذا جلست مع زوجتك تبتغي أن تؤنسها، وأن تدلها على الله، فهذا العمل متصل بالآخرة، وإذا انطلقت إلى عملك لتكسب قوت يومك لتطعم صغارك، فهذا العمل له علاقة بالآخر، 
 

((وفي بُضْعِ أحدكُم صدقة ))

( مسلم عن أبي ذر )

فهناك أعمال كثيرة، إذا ذهبت لتشتري طعامًا يعينك على طاعة الله فهو ليس من اللغو.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

( سورة المؤمنون )

الأعمال المباحة التي لا جدوى منها، يعني لو قصة مترجمة عن ( الإلياذة لهيموروس )

إذا قرأتها، وقرأت تاريخ الإغريق قبل آلاف السنين، ربما أضيف إلى معلوماتك شيءٌ لم تكن تعرفه من قبل، ولكن ما أثر هذه القصة في علاقتك بالله، أو في علاقتك بالناس، أو في مكانتك عند الله ؟ هناك أعمال مباحة ليست ذات شأن، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
 

((إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها ))

( الجامع الصغير عن الحسين بن علي )

قد تجلس مع أسرتك، ويطرقون بحثاً لا جدوى منه، من تزوج ؟ ولمَ تزوج ؟ لماذا طلق ؟ ولماذا لم يطلق ؟ ماذا قدم لها من مهر ؟ ولماذا نشب خلافٌ بينهما ؟ وأين أسكنها ؟ وكيف أثث البيت ؟ هذا كلامٌ لا جدوى منه، لو أنك تطرقت إلى بعض الصفات المذمومة لكـان هذا غيبة، فحتى لو لم تنطق بالغيبة، وأمضيت السهرة في قيل وقال، وفي معلومات سخيفةٍ لا تقدم ولا تؤخِّر فهذا لغو، والمؤمن يترفع عن اللغو، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))

( سنن الترمذي عن أبي هريرة )

فاللغو الأعمال المباحة، فلو أن هناك غيبة أو نميمة أو فحش أو استخفاف بالآخرين، أو سباب أو إيذاء أو تعريض أو سخرية، وقعت في الحرام، قالت له: قصيرة، إن صفية قصيرةٌ يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام:
 

((لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ))

( سنن أبي داود عن عائشة )

ما قلت: قصيرة، ولا طويلة، ولا أي شيء من هذا القبيل، إنما قلت زيد تزوج فلانة، وكان قد خطبها عمرو قبله، كلامٌ لا طائل منه، ولا جدوى منه، هذا في موضوع الزواج والطلاق، وفي موضوع الأعمال، عمر اشترى، وعلي باع، وطلحة ربح، وهمام خسر، وفلان هو وأخوه في حربٍ، وفي خصومةٍ شديدة، وعمير سافر، وخالد قدم من السفر.
هذا لغو القول، وهناك لغو الفعل، أفعال لا جدوى منها، فالإنسان أحياناً يبالغ بالعناية بحاجاته الخاصَّة مبالغة ليس لها رصيد في الآخرة إطلاقاً، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)﴾

( سورة المؤمنون )

من تفسيرات اللغو: كل ما سوى الله:

بعض المفسرين يقول: اللغو كل ما سوى الله، وبعضهم يقول: المباحات التي لها علاقةٌ بالآخرة ليست من اللغو، فكل واحد منا له عمل، هذا العمل أساسي، لأن منه يكسب قوت يومه، وكسب الرزق ضروريٌ لاستمرار الحياة، وقد قال سيدنا أبو ذر رضي الله عنه: " حبَّذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي ".
يقرأ المهندس كتباً هندسية ليكون متفوقاً في عمله، لأنه مؤمن، والمؤمن الأضواء عليه مسلَّطة، فإذا كان في عمله خلل أو تقصير، ومعلوماته ناقصة، تطاول الناس على دينه، فإذا تفوَّق عليهم باطلاعه على أحدث المقالات في إنشاء العمارات، فهذا ليس من اللغو، والطبيب إذا طالع كتباً جديدة، ومقالاتٍ حديثة في اختصاصه ليبدو مؤمناً متفوقاً على أقرانه، نظر الناس إلى دينه نظرةً سامية، ونظرة إكبارٍ وإعجاب، فمطالعته لهذه الكتب لها مساسٌ بالآخرة بطريقةٍ مركبة لا بطريقةٍ بسيطة، وإذا اشترى الإنسان ثياباً، واعتنى بهندامه، لئلا ينظر الناس إليه شزراً، فالوقت الذي تمضيه في شراء الثياب، وفي العناية بمظهرك الخارجي، من دون إسرافٍ، من دون كبر، من دون تبذير، هذا الوقت أيضاً ليس من اللغو، فالإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام:
 

((اعمل لآخرتك، وأصلح دنياك))

( ورد في الأثر )

كان عليه الصلاة والسلام كأنه شامةٌ بين الناس، قال:
 

((فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ))

( من مسند أحمد عن أبي الدرداء )

إذا أصلح بيته، وجعل غرفة للفتيات، وغرفة للشباب، فهذا من السنة، النبي الكريم قال: 
 

((فرقوا بينهما في المضاجع))

( أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده)

هذا ليس من اللغو، إذا اعتنى أحـدنا في ببيته، وجعله مريحاً لأهله، هذا ليس من اللغو، وليس من العمل العابث، فالمؤمن لا يعيش على هامـش الحياة، كما يتصور الناس، ولا هو ساذج يرضيه كل شيء، المؤمن ذواق، وذوقه رفيع، وأموره منضبطة، وبيته مرتب، ومحله التجاري مرتب، أما هذا الذي يصلي، وعند الناس مؤمن، ومحله فوضوي، والغبار، والحاجات متداخلة، والفئران ترعى في الدكان، هذا ليس من الدين في شيء، يجب أن تكون نظيفاً، مرتباً منضبطاً، ربنا عزَّ وجل وصف أهل الدنيا قال: 
 

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾

( سورة الكهف )

فإذا اعتنى الإنسان بحياته عناية طبَّق فيها الشرع ليس هذا من اللغو، لكن اللغو هو العمل الذي لا يمتُّ إلى دنيا، ولا يمتُّ إلى دين، هناك شيءٌ من الدنيا يتصل بالدين، فمن أجل أن تكسب ودَّ زوجتك وودَّ أولادك لا بدَّ أن تنفق عليهم، والإنفاق يحتاج إلى كسب للمال، ولا بدَّ من وقتٍ تصرفه في كسب المال، هذا الوقت بهذه النية العالية كأنه عبادة، حينما تكسب المال من أجل أن تكفي زوجتك وأولادك، وأن تجعلهم يعتزُّون بك، وأن يرونك إنساناً تكرمهم، هذا الكسب للمال ليس من اللغو، فكما يقول عليه الصلاة وسلام:
 

((ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه إلا أن يتزود منهما معاً، فإن الأولى مطيةٌ للثانية))

( ورد في الأثر )

حتى هذا الذي يعتني بجسمه من أجل أن يبقى نشيطاً قوياً هذا الوقت الذي يبذله ليس من اللغو، أي أن كل شيء يتصل بدنيا مشروعة، هذه الدنيا تهيَّئ للآخرة ليس من اللغو، أما العمل المباح الذي لا طائل منه، والذي لا يتصل بالآخرة بطريقةٍ من الطرق هذا لغوٌ يجب الإعراض عنه.
فأحياناً لقاؤك مع الناس فيه لغو، يوجد أشخاص لا يستمعون إليك، ولا يعبؤون لتوجيهاتك، ولا يقيمون لك وزناً، وإذا زرتهم لا بدّ أن يغلقوا الحديث بكلامٍ سخيفٍ تافه، ولا يسمحون لأحدٍ أن يتكلَّم معهم، فما الجدوى من زيارتهم ؟ لا جدوى منها، أعرض عن هذه الزيارة، أما إذا زرت إنساناً يُصْغي إليك، ويستمعُ إليك، ويقدِّر دينك وعلمك، هذا إذا زرته، وعدته مريضاً، و زرته مهدئاً بعد أن جاء من السفر، أو إذا أقدم على عمل، هذه الزيارة ربما تركت فيه أثراً كبيراً، وهذا ليس من اللغو، المؤمن دائماً له هدفٌ كبير، وهدفه الكبير أن يقرب الناس إلى الله عزَّ وجل، لو أن لك جاراً في عملك أصابه مرضٌ فزرته في المستشفى، أو في بيته، وأخذت له هدية، ثمن هذه الهدية ليس من اللغو، لأنك بهذه الهدية قرَّبت قلبه إليك، ومهَّدت له أن يلقي لك أُذناً مصغية يستمع بها إلى الحق، فالمؤمن له أهداف بعيدة جداً، قد يذهب مع صديق له يمضي معه ساعات طويلة في السوق يشتري له بعض الحاجات، وهو في غنى عن هذه الحاجات، ولا وقت عنده ليضيعه، لكنه إذا فعل هذا ألف قلب صديقه فجعله يميل إليه، هذا ليس من اللغو، ولكن اللغوَ العمل الذي لا يتصل بالآخرة، أو لا يتصل بدنيا تكون عوناً على الآخرة، هذا هو التعريف الدقيق للغو: فكل عملٍ لا يتصل بالآخرة، ولا يتصل بدنيا ليس لها علاقةٌ بالآخرة.. أو لو أنه اتصل بدنيا لها علاقةٌ بالآخرة لا يعد هذا العمل لغواً، هذا له عند الله عزّ وجل أجرٌ على قدر صلته بالآخرة، أو على قدر صلته بدنيا لهـا صلةٌ بالآخرة.
فالإنسان قد يجلس مع أولاده، أو مع زوجته، أو مع جيرانه، يبحث شأن العمارة مع جيرانه، وبعد أن يبحثوا الموضوعات المطروحة في جدول الأعمال فإنه يذكرهم بآيةٍ قرآنية أو بحديثٍ شريف، فكأن هذه الجلسة المباركة لفَتَتْهم إلى الله عزَّ وجل، فإن جُلوسه معهم ليس لغواً، المؤمن إيجابي، ليس سلبياً، ليس انطوائياً، ليس انعزالياً، ليس منعزلاً عن الناس، طبيعة المؤمن طبيعة إيجابية، طبيعة منفتحة، طبيعة ودودة.

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

عندنا لغو في الأقوال، وعندنا لغو في الأفعال، وعندنا لغو في الأعمال، فالمؤمن له هدف واضح، فأي شيءٍ من قولٍ أو فعلٍ يتصل بهدفه البعيد فهو يفعله بنيةٍ عالية، بنية أن يرضي الله عزّ وجل:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

من صفات المؤمنين: الإنفاق:

قد يقول بعضكم: لمَ لم يقل الله عزَّ وجل: والذين هم للزكاة منفقون ؟ بل قال: فاعلون، أجاب بعض العلماء: لأنك إذا طلبت من إنسان أن يشرب الدواء فقال لك: إني سأشربه، أو قال: إني فاعلٌ ذلك، كلمة فاعلٌ ذلك أشدُّ توكيداً من قوله: إني سأشربه، فالزكاة هنا إنفاق بعض المال الذي أوجبه الله عزَّ وجل، وفي آياتٍ أخرى:
 

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) ﴾

( سورة المعارج )

هذا نصاب الزكاة، وفي آية ثانية:
 

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

( سورة الذاريات )

استنبط النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الآية قوله: 
 

(( إِنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ ))

( من سنن الترمذي عن فاطمة بنت قيس )

أي أن الزكاة أن تدفع جزءاً من مالك تعبيراً عن صدق إيمانك، لأن الزكاة تسمى في آيات أخرى الصدقات:
 

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾

( سورة التوبة: آية " 60 " )

وسميت الصدقةُ صدقةً لأنها تعبر عن صدق صاحبها، فالزكاة إنفاق، والإنفاق يؤكِّد الإيمان، الإيمان تصديق وإقبال، وهذا شيء خفي، لكن العمل الصالح يؤكد هذا الشيء الخفي، وهو الإيمان، فكأن الزكاة والإنفاق هما المظهر العملي للإيمان، الإيمان له مظهر قلبي هو التصديق، ومظهر شعوري هو الإقبال، وله مظهر عملي هو العمل الصالح، والالتزام بشرع الله عزّ وجل، لذلك هؤلاء المؤمنون هم للزكاة فاعلون.. والله سبحانه وتعالى يقول:
 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة التوبة )

عندما يدفع الإنسان من ماله الحلال الذي كسبه بعرق جبينه، وكدِّ يمينه، ينفق هذه الألف ليرة، هذه الخمسمئة ليرة، وكان بالإمكان أن ينفقها على نفسه، وعلى أولاده، وعلى طعامه وشرابه، حينما ينفق هذا المال يبتغي بها إرضاء الله عزَّ وجل فإن الله يتجلَّى عليه، لذلك لا يوجد مؤمن يدفع زكاة ماله إلا ويشعر برحمة الله تنصبُّ على قلبه، هذا الشعور صعب أن ينقل للآخرين، وكل من دفع زكاة ماله يشعر بالسكينة، يشعر بالرحمة، وكأن الله سبحانه وتعالى تجلى على قلبه وغمره برحمةٍ لم يذق أحلى من طعمها:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

لا يسمى المؤمن فالحاً إلا إذا كان في الصلاة خاشعاً، وإلا إذا كان عن اللغو معرضاً، سبحان الله اللغو يذهب وقار المؤمن، الموضوعات السخيفة، الموضوعات التي لا طائل منها، الاهتمامات الفرعية الجزئية، الانغماس في ضلالات، ومتاهات، وترُّهات الحياة، هذا من شأنه أن يضعف مكانة المؤمن عند الله عزَّ وجل، 
 

(( فالمؤمن يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ))

( الجامع الصغير عن الحسين بن علي )

يقول: يا أخي، الشطرنج لا بأس به، لا هذا يتنافى مع مكانة المؤمن، تتابع عملاً فنياً في مواقف غير صحيحة، في مواقف غير مشرفة، وأنت مؤمن، ثم تقوم إلى الصلاة بعد ذلك، تشعر أنك مقطوع عن الله عزّ وجل، تجلس مع النساء، كل الحديث عن اللباس، وعن الأناقة، وأنت جالس معهن مستأنس، ولو كنَّ من محارمك، هذا لغو، قم فاقرأ قرآناً أو حدثهن عن الله عزَّ وجل، أو اتركهن يخوضن في هذه الأحاديث السخيفة التي فيها ذكر للدنيا وشهواتها وانحرافاته وحدهن..

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) ﴾

( سورة المؤمنون )

من صفات المؤمنين: حفظ الفروج:

قلت لكم من قبل: إن ربنا سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعل بعض الأحكام الشرعية متوافقاً مع بعض النظم الوضعية، فأي تشريع أرضي يحرم السرقة، والسارق يعاقب، في بلاد تقطع يده، في بلاد يسجن، لكن السارق في أي مكان في العالم يحاسب إذا ضبط، هناك أشياء لا يوجد شرع أرضي يحاسب عليها، موضوع إطلاق البصر، فأن تنظر إلى امرأةٍ في الطريق متبرجة، ليس في قوانين الأرض كلها قانونٌ واحدٌ يحرِّم عليك ذلك، أي أن هذه مما انفرد بها الدين، يقول عليه الصلاة والسلام:
 

(( من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله ))

( ورد في الأثر )

(( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلط ))

( ورد في الأثر )

الطبيب أحياناً تأتيه امرأةٌ مريضة، الطبيب المؤمن يغض بصره إلا عن المكان الذي يعالجه، لأنه موقن بأن الله..
 

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾

( سورة غافر )

أحياناً العين تخون صاحبها، وتختلس نظرةً من مكانٍ لا يحقُّ للطبيب أن يراه، هناك أطباء ورعون يضعون قماشاً أبيض فوق المريضة لئلا يقع بصرهم على شيءٍ لا يحل لهم، إنسان بمحله التجاري قد تأتيه امرأةٌ لتشتري، فهناك من يغضُّ بصره عنها، وهناك من يتأمل محاسنها، بالمركبة العامة أحياناً تركب إلى جانبه امرأة، فإما أن يختلس النظر إليها، وإما أن يعرض عنها، فهذه أشياء مما ينفرد بها الدين، هذا يؤكِّد محبتك لله عزَّ وجل وإخلاصك له.

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

توجد آيات أخرى، ربنا عزَّ وجل قال فيها:
 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

( سورة النور: آية " 30 " )

وكأن الله سبحانه وتعالى رسم لنا طريق حفظ الفرج، إنه غض البصر، قال عليه الصلاة والسلام:
 

(( من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم ))

( ورد في الأثر )

وفي الحديث: 
 

(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، فمن تركها في سبيلي أذقته حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاني ))

( الترغيب والترهيب عن ابن مسعود)

من ترك هذه النظرة في سبيل الله أذاقه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لك:
 

(( اصرف بصرك ))

( مسلم عن جرير )

و:

((يا علي، لا تتبع النظرةَ النظْرةَ، فإنّ لك الأولى، وليست لك الآخرة))

( أبو داود والترمذي عن بريدة )

على الدرج انتظر حتى تصعده المرأة إلى الدرج، على المصعد تريث، ودعها وحدها، ولا تخلو بامرأة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا ))

(من مسند أحمد عن ابن عمر )

وكل الأحداث الخطيرة التي تؤدِّي إلى الطلاق وإلى خراب البيوت أساسها النظرة، فربنا سبحانه وتعالى يقول:
 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

( سورة النور: آية " 30 " )

فحفظ الفرج إذاً طريقه غض البصر، هنا:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

كيف يحفظ فرجه ؟ بغض بصره، إذا غض بصره الله عزَّ وجل يحفظه، لكن إذا الإنسان أطلق بصره في الحرام ربما قاده هذا البصر إلى الزنى، ربما انتهى به إلى الزنى، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى لا﴾

( سورة الإسراء: آية " 32 " )

لم يقل: ولا تزنوا، بل قال:
 

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾

( سورة الإسراء: آية " 32 " )

فهذه الشهوة كأنها صخرةٌ متمكنة في قمة جبل بإمكانك أن تدفعها نحو الوادي أو لا تدفعها، ولكنك إذا دفعتها فلا بدَّ أن تستقر في أعماق الوادي، فالشهوة إذا أطلقت من عقالها، إذا تفلَّتت من صاحبها قادته إلى الهلاك، وقد تقوده إلى الجريمة، وقـد تقوده إلى تطليق زوجته، وله منها سبعة أولاد من أجل هذه النظرة.
 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

والحقيقة أن الرجل عنده نقطتا ضعف، موضوع النساء وموضوع المال، والمؤمن محصَّن ضد هاتين النقطتين، يكون شخصية علمية كبيرة يؤتى من النساء، يشترى بالمرأة فيبيع دينه، وعرضه، ووطنه وأمته بامرأةٍ، وقد يبيع دينه، ووطنه، وأمته بدرهمٍ ودينار ؛ ولكن المؤمن محصنٌ من جهة النساء بغض البصر، ومن جهة المال بالعفَّة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( الإيمان عفيفٌ عن المطامع، عفيفٌ عن المحارم ))

( ورد في الأثر )

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ ﴾

( سورة المؤمنون )

لأن الله عزَّ وجل لم يَدَعْ شهوة أودعها فينا إلا جعل لها قناةً مشروعةً نظيفة، شهوة النساء لها طريق الزواج، شهوة المال لها طريق الكسب، شهوة العلو في الأرض لها طريق العلم:
 

﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

( سورة المجادلة )

أتحب أن تكون متفوِّقاً ؟ أتحب أن تبلغ درجاتٍ عليةً في المجتمع ؟ تعلَّم:
 

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر: آية " 9 " )

وقال سبحانه: 
 

﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾

( سورة طه )

فشهوة النساء قناتها الزواج، وشهوة المال قناتها الكسب المشروع، وشهوة العلو في الأرض قناتها العلم الشرعي، لذلك سُئل الإمام الشافعي من قِبَلِ شاعر قال:
 

يدٌ بخمس مئين عسجدٍ وديت           ما بالها قطعت في ربع دينارٍ
***

بخمس مئين أي بخمس مئات من الدنانير، وُدِيَتْ أي كانت ديتها، ما بالها قطعت في ربع دينار، لو أن يداً سرقت ربع دينار لقطعت، ولو أن يداً قطعت بحادث ديتها خمسمئةٍ دينار ذهبي، والدينار الذهبي يبلغ ستة آلاف ليرة، فهو مبلغ ضخم جداً، ما بالها قطعت في ربع دينار، فقال الإمام الشافعي:
 

عزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها         ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***

لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت.
إذاً:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ ﴾

المباح للرجل من النساء: الزوجة ومِلك اليمين:

مباح له أن ينظر إلى امرأته بأيَّة نية، ولو بشهوة، لأن هذا مباح له.

﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾

وهذه مضى وقتها، ففي أثناء حروب الفتوحات الإسلامية كان ثمة أحكام دقيقة جداً لملك اليمين، فيما بعد أُسيء فهمها، وأسيء تطبيقها، وأصبحت مأخذاً على المسلمين، وليس على الإسلام، فيما بعد في عصور التخلُّف، عصور الانحطاط أصبح ملك اليمين منحرفاً عن القصد الذي أراده الله عزَّ وجل، وعن الطريقة التي أقرَّها الشرع، فصارت مأخذاً على المسلمين، لكن الآن ليس هناك ملك اليمين إطلاقاً:

﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

الإنسان غير مُلام، فالزواج مشروع، والزواج فيه افتخار، والدليل هو: عندما يتزوج الإنسان يوم العرس، من السنة المطهرة أن يكون هناك إعلان وإشهار لهذا النكاح، الآن يشهرونه بهذه الأبواق التي يطلقونها في أثناء سيرهم، وكانوا قديماً يشهرونه بالطبول، والنبي علَّم بعض الأنصار كيف يهزجون:
 

أتيناكم أَتيناكم فحيونا نحييكم         ولولا الحبة الخضراء لمـا جئنا بواديكم
***

ومن السنة إخفاء الخِطبة وإشهار النكاح:

﴿ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾

الإنسان يجلس مع أهله في بيته مطمئناً ناعم البال، لكن لو لمحت شاباً يكلم فتاة في الطريق، وإنسان أصدر صوتاً خفيفاً لاضطربا، لأن عملهما غير مشروع، ولأنه خارج النظام الاجتماعي، خارج الشرع الشريف، خارج الطريق المشروع، خارج القواعد الصحيحة:

﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾

( سورة المؤمنون )

شهوة خارج المشروع اعتداء على حدود الله:

 

((أكرموا النساء، فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً))

هذا الذي ينظر إلى امرأةٍ لا تحل له يعتدي عليها، ويعتدي على نفسه، معتدٍ مطلق الاعتداء، يعتدي على نفسه، فهو يحرمها من الإقبال على الله عزّ وجل، ويعتدي على هذه المرأة ربما أغواها، وربما منَّاها، وربما جعلها تعيش في أحلام وهو لا ينوي الزواج منها، هذا عدوان، أكثر الناس في أحوالهم، في أعمالهم، إذا كان هناك امرأة فيبالغون في التلطف لها، ويسمعونها كلمات معسولة، هذا ليس من الإيمان في شيء، هذه ليست امرأتك، لطفك الزائد، ونعومتك، ومزاحك اللطيف اجعله لزوجتك، وليـس لامرأة جالسة بجانبك في الدائرة، كل ما عندك من ذكاء ومن لطف هذا ادخره لزوجتك، هنا القناة مسموحة، إنسان يمزح، ويتلاطف زيادة مع امرأةٍ لا تحل له، هذا نوع من الإغواء صار هذا عدواناً، تعتدي على عواطفها، تعتدي على مشاعرها، تجعلها تتمنى أن تكون زوجاً لها، وأنت متزوج تجعلها تبالغ في زينتها، هذا كله عدوان، تعتدي على نفسك، وتعتدي عليها في الوقت نفسه، لذلك المؤمن لا يعتدي، فهو يحل له أن يكون مع امرأته لطيفاً، قال عليه الصلاة والسلام:
 

( ورد في الأثر )

فمن الملاحظ أن الإنسان المنحرف المقصر لطيف جداً مع أي امرأة لا تحل له، أما مع زوجته فهو فظ، ليس هذا من الدين في شيء، قال عليه الصلاة والسلام: 
 

((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي))

( من سنن الترمذي: عن عائشة )

((وكان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً))

 

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾

( سورة الأحزاب )

أشياء دقيقة جداً قد تنتهي بخراب البيوت، قد تنتهي بالطلاق، قد تنتهي بتشريد الأولاد من أجل كلمةٍ لطيفةٍ قالـها الرجل لامرأةٍ لا تحل له، إذا كنت مأموراً بغض البصر فأنت بالامتناع عن كل كلامٍ لطيف مع امرأةٍ لا تحل لك من باب أولى، إذا كنت مأموراً أن تغض بصرك عن محارم الله، لذلك المزاح اللطيف مع النساء في أماكن عامة، في دوائر مثلاً، في مناسبة، في زيارات، هذا ليس من أخلاق المؤمن، يفعل هذا حتى لا يُقال عنه صلب، أرضِ الله عزّ وجل، أرضِ الله، ولا تعبأ بكلام الناس، هكذا الشرع.
تحضر امرأة إلى البيت، وتكون زوجته خارج البيت، يقول لها: تفضلي يا أختي، استحياء منها، هذا عمل غير إسلامي، حتى ولو جاءت من مكان بعيد، ما دام لا يوجد امرأة في البيت فلا يحق لك أن تقول لها: تفضلي، لأنه: 
 

(( لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا ))

ولا يحل لامرأةٍ أيضاً أن تلين القول لرجلٍ لا يحل لها:
 

(من مسند أحمد عن ابن عمر )

هذه قضايا دقيقة جداً، فالإنسان من أين يؤتى ؟ فمعظم المسلمين لا يشربون الخمر، ولا يلعبون القِمار، ولا يزنون، ولا يسرقون، ولكن المأخذ الذي يأخذهم منه الشيطان النساء، لذلك:
 

(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ))

(صحيح البخاري عن أسامة بن زيد)

النساء كما قال عليه الصلاة والسلام:
 

((حبائل الشيطان))

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾

فليس للإنسان حق أن يتساهل في سلام، أو بنظرة، أو بابتسامة، بكلام، بتعليق، بكلمة، هذا كله قد يأتي إلى ما هو أكبر منه، وقد ينتهي بالزنى، وقد ينتهي بالطلاق، وقد ينتهي بقطيعةٍ مع الله عزَّ وجل، الآية دقيقة جداً:

( سورة المؤمنون )

 

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾

يدخل وراء ذلك كل أنواع الانحرافات، الزنى وغير الزنى، والزنى المثلي، كل أنواع الانحرافات التي تسمعون عنها وتقرؤون عنها، كل هذا دخل في هذه الآية:

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾

هذه القناة مشروعة، هذا الطريق مشروع، وما سوى هذا الطريق كله ممنوع:

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

هذا معتدٍ، يعتدي على نفسه بحرمانها من الاتصال بالله عزَّ وجل، ويعتدي على هذه الفتاة التي هي أخته في الإنسانية بإغوائها:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

أترون معي كيف أن الدين كلَّه حياء ؟ هل من كلامٍ أرق من هذا الكلام ؟ هذا الكلام هل يخدش حياء إنسان ؟ هل يخدش حياء طفل ؟

من صفات المؤمنين: حفظ الأمانة:

 

﴿ عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

( سورة الأحزاب )

هذه الأمانة كما يسميها علماء التوحيد أمانة التكليف، أنت على هذه الدنيا إنسان لك هويَّة معينة، أودع الله فيك الشهوة، ومنحك حرية الاختيار، وفوق هذا وذاك سخَّر لك ما في السماوات والأرض، ومنحك العقل، وأنزل على أنبيائه الشرع، فالشرع، والعقل، والكون، وحرية الاختيار، والشهوة هذه كلُّها مقومات التكليف، أودع نفسك أمانةً بين يديك كي تزكيها:
 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

( سورة الشمس )

هذه أرقى أنواع الأمانات، وهي التي عناها الله بقوله:
 

﴿ عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

( سورة الأحزاب)

وهناك أمانة التبليغ، هذه الأمانة حملها الرسل والأنبياء، فبَلَّغوا رسالات الله:
 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾

( سورة الأحزاب )

حينما تنقل للناس الحق دون تزييفٍ، ولا تعديلٍ، ولا تطويرٍ، ولا تغييرٍ، ولا إضافةٍ، ولا حذفٍ فأنت قد بلَّغت الأمانة، وأنت عندما تقف على باب النبي عليه الصلاة والسلام تقول: أشهد أنك بلغت الأمانة وأدَّيت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغُمة، وجاهدت في الله حق الجهاد.. هذه أمانة التبليغ.
هناك أمانة الأداء، أيْ الأمانة التي أوكلت للعلماء، وقد أخذ الله عليهم العهد ليبيِّنونَّه للناس ولا يكتمونه، أن تبيِّن الحق للناس دون أن تكتمه هذه أيضاً أمانة الأداء.
وهناك أمانة الواجب، كلٌ منا له عمل يقوم به ؛ فالنجار، والخيَّاط، والمدرس، والطبيب، والصيدلي، كل هؤلاء لهم أعمال، فإما أن يؤدي هذا العمل أداءً صحيحاً ليس فيه تقصيرٌ ولا خلل ولا غش، وإما أن يقصِّر، أو يخل أو يغش، عندئذٍ يكون قد خان الأمانة.
فأمانة التكليف، وأمانة التبليغ، وأمانة الأداء، وأمانة الواجب، وهناك أمانة المجالس، قال عليه الصلاة والسلام:
 

((الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ))

الأمانة موضوع دقيق جداً، يقول الله عزّ وجل:
 

( من سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله )

فحتى إذا حدَّثك أخوك حديثاً، ثم سمع وقع خطواتٍ فالتفت فهذا الحديث بالأمانة، لو لم يقل لك: احفظ هذا الحديث، ولا تنقله عني، مادام قد التفت لوقع خطواتٍ فالحديث بالأمانة، هذا أمانة المجلس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
 

((فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))

( من صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر )

فالزوجة راعية في بيت زوجها، والخادم راعٍ في مال سيده، والرجل راعٍ في أولاده، والموظف، والطبيب، والمدرس، والمعلم، وأصحاب الصناعات، وأصحاب الأعمال، كلهم عليهم أن يرعوا الأمانة:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

فهؤلاء المؤمنون يصفهم الله عزّ وجل بأنهم:

﴿ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾

فيجب أن ترعى أمانة التكليف، ويجب أن ترعى أمانة الأداء، ويجب أن ترعى أمانة العمل، العمل أمانة، أصحاب المصالح، كما قال عليه الصلاة والسلام:
 

((إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ))

( من مسند أحمد عن تميم الداري )

فالكذب، والتدليس، والغُش، وتبديل النوعية، والكذب في اسم البضاعة، وفي منشئها ومصدرها، وفي نوعها، والتلاعب بثمنها، وبعددها، ونوعها، هذا كله خيانة لأمانة العمل، والطبيب إذا أراد أن يبتز المريض، والصيدلي إذا محا تاريخ انتهاء الدواء، فإنه خان الأمانة، والمحامي إذا كان مقتنعاً بأن الدعوى خاسرة كلياً، ثم يقبل أن يتوكل بها ليبتز من أموال الموكل، وكل مصلحة من المهن الراقية أو غير الراقية ممكن أن يكـون فيها أداء للأمانة، أو خيانة للأمانة، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

وأمانة المجالس، والأمانة أي الوديعة التي تودع عندك، هذه أداؤها من الأمانة، فالأمانة واسعة جداً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: 
 

((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ))

( من مسند أحمد عن أنس )

كل إنسان يخون أمانة التكليف، أو أمانة التبليغ، أو أمانة الأداء، أو أمانة الواجب، أو أمانة المجلس، أو أمانة الأسرة.. 
 

((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتَّر على عياله))

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

خان الأمانة، هذه ربطت نفسها معه فأكل، ولم يطعمها، ولبس، ولم يلبسها، خان الأمانة، كل من خان هذه الأمانة فلا إيمان له، بنص قول رسول الله صلى الله عليه وسلم..

((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ))

( من مسند أحمد عن أنس )

فلو عاهدت، من علامات النفاق نقض العهد، كما قال عليه الصلاة والسلام:
 

((الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ))

( من صحيح البخاري )

اتفقت معه على أمرٍ فلابدَّ من إنفاذه، فلتحفظوا الحديث: 
 

((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ))

( من مسند أحمد عن أنس )

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) ﴾

( سورة المؤمنون )

لعظم شأن الصلاة بدأ الآيات بالصلاة:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) ﴾

وأنهاها بالصلاة، لكن هنا الحفاظ على نوعية الصلاة، على الاتصال بالله، على الخشوع لله، أما هنا الحفاظ على أوقات الصلاة، وعلى ركعاتها، وسُننها، وفرائضها، هنا:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

من صفات المؤمنين: الحفاظ على الصلاة:

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

يحافظون على فرائضها، وسُننها، وعلى خشوعها، وعلى أدائها في أوقاتها، ولكن يضيف بعض العلماء إلى هذه المُحافظة انهم باستقامتهم على أمر الله يحافظون على الاتصال بالله عزَّ وجل، من خرق استقامته مع الله عزَّ وجل أخلَّ بصلاته، تصبح صلاته جوفاء شكلية لا جدوى منها:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

( سورة المؤمنون )

أما هنا:

جزاء من اتصف بصفات المؤمنين: وراثة الجنة:

 

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

( سورة المؤمنون )

ونرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع تفسير هذه الآيات في الدرس القادم.

والحمد لله رب العالمين

من انطبقت عليه هذه الآيات استحق دخول الجنة بنص هذه الآية..
في صلاتهم خاشعون، عن اللغو معرضون، للزكاة فاعلون، لفروجهم حافظون، لأماناتهم وعهدهم راعون، على صلواتهم يحافظون:

تفسير سورة المؤمنون (023) 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب