سورة البقرة 002 - الدرس (7): تفسير الآيات (11 - 16) أعظم أنواع الفساد إفساد العقيدة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (7): تفسير الآيات (11 - 16) أعظم أنواع الفساد إفساد العقيدة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج عمـــار يا بلد: عمار يا بلد - 138 - التجاوزات في المولد النبوي           برنامج نـداء الشـريـعـة: نداء الشريعة - 31- من وصايا الرسول           برنامج قصة التمكين: قصة التمكين - 9-سابع شروط للتمكين - العلم - 2           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - تربية النشأ مفتاح النهضة           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1526 - سورة الحشر 020 - 021           برنامج منارات مقدسية: منارات مقدسية - 119 - حمام العين والشفا         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - (الآيات: (11 - 16) - أعظم أنواع الفساد إفساد العقيدة

20/03/2011 17:40:00

تفسير سورة البقرة (002)
الدرس (7)
تفسير الآيات (11-16)
أعظم أنواع الفساد إفساد العقيدة
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
  

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس السابع من دروس سورة البقرة .
 
 المنافق يَجْهَدُ في الإفساد بأوسع معاني هذه الكلمة :
 
 
مع الآية الحادية عشرة وهي قوله تعالى :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾ .
ذكرت في الدرس الماضي أن الفساد إخراج الشيء عن أصل تركيبه ، عن أصل طبيعته ، عن أصل جِبِلَّته ، فالمنافق يَجْهَدُ في الإفساد بأوسع معاني هذه الكلمة ، إفساد البيئة ، إفساد العلاقات ، إفسـاد النفوس ، إفساد الأسرة ، إفساد التجارة ، إفساد الصناعة ، إفساد الزراعة ، إفساد العلاقات ، إفسـاد الفتاة ، إفساد الشاب ، إفساد الجيل ، إفساد الماء ، إفساد الهواء ، إفساد ما يُطْبَع ، إفساد ما يُنْشَر ، إفساد ما يُبَثّ . الفساد جزءٌ أساسي من سلوك المنافق ، لأن شهوته تُروى مع الفساد ، ومصلحته تتحقق مع الفساد ، والفساد يحقق له نهمه الشديد إلى النزوات التي أودعت في جسمه والتي يُصَرِّفُها بخلاف ما أمر الله عزَّ وجل .
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾ .
في الحياة الخاصَّة هذا المنافق لو أن عنده آلةً غاليةالثمن ، عظيمة النفع ، كثيرة الربح وتعطلت ، إلى من يلجأ ؟ هذا المنافق ، هذا المُتَفَلِّت ، هذا الذي يَرُدُّ منهج الله ، هذا الذي يبحث عن منهجٍ أرضي ، هذا الذي يرفض طاعة الله عزَّ وجل ، لو أن عطباً أصاب آلةً يملكها عظيمة النفع ، غالية الثمن ، شديدة التعقيد ، إلى أينيلجأ ؟ يلجأ إلى الخبير ، يلجأ إلى الشركة ، أو إلى وكلائها ، أو إلى تعليمات الصانع ـ النشرة التي ترفق مع الآلة ـ هو يعتمد في مصالحه الدنيوية على الخبير ، يلجأ إلى الخبير ، مُرَكَّبٌ في أعماقه أنه لا يجوز أن نتصرف بهذه الآلة إلا وفْق تعليمات الصانع ، فلماذا تلجأ أيها المنافق في حل مشكلاتك إلى منهجٍ غير منهج الله ، إلى منهجٍ لا يتعلَّق بالخالق يتعلَّق بالمخلوق ، لماذا تستشِر من ليس خبيراً في حقيقة الإنسان ؟
 
الكلمة الجامعة المانعة للمنحرفين الشاردين العصاة كلمة فساد:
قال تعالى :
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾ .
(سورة الكهف)
وقال :
﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15) ﴾ .
(سورة لقمان )
فالمنافق متناقِض ، يلجأ في أموره الدنيوية إلى الخبير أما في أمور الآخرة فهو يلجأ إلى منهجٍ غير منهج الله ، لذلك كان الفساد ، صمم الله  المرأة لكي تكون أماً أو زوجةً أو أختاً أو بنتاً ، أرادها المنافق بصفةٍ أخرى ، أراد أن يستمتع بها من دون أن يتحمَّل تبعات هذا اللقاء ، لأن الزواج تَبِعة ومسؤولية ، هو أراد المتعة ولم يرد أن يتحمَّل التبعة فزنى ، لما زنى أفسد هذه الفتاة هي بلا زوج ، بلا أولاد ، بلا أقارب ، ما دام فيها رمق تأكل بثدييها ـ إن صح التعبير ـ فإذا زوت محاسنها أصبحت ملقاةً في الطريق ، ألم يفسدها ؟ انظر إلى امرأةٍ ساقطة عندما ترى بعينها امرأةً مؤمنة مع زوجها وأولادها تذوب كالشمعة تمنّياً أن تكون كهذه المرأة الشريفة ، من الذي أفسدها ؟ المنافق ، أفسد فتاةً ، أفسد شاباً دلَّه على الانحراف ، أفسد عقلاً حين أودَعَ فيه الشُبُهات، أفسد علاقةً حين باعد بين الزوجين ، أفسد علاقةً وباعد بين الشريكين ، فالكلمة الجامعة المانعة للمنحرفين الشاردين العصاة كلمة فساد ، العلاقة فاسدة ، الأمور فاسدة .
إذا أخرجنا الشيء عن قواعده ، عن أصل بنائه ، عن خصائصهِ ، عن وصفه الطبيعي أفسدناه ، والشيء الفاسد لا يصلحه إلا الخبير ، إلا العليم ، إلا الحكيم ، يعمل المنافقون ليلاً نهاراً لإفساد كُلِّ شيء ، أحياناً يصنع مادةً فاسدة يبيعها ولا يعبأ ، لولا المراقبة الشديدة لأكل الناس سموماً ، لكن هناك مراقبة شديدة ، هو طواعيةً لا يصلح بل بالقهر ، ولولا المراقبة المادية لباع بضاعةً فاسدة ، لباع دواءً فاسداً ، لابْتَزَّ أموال الناس لأنه فاسد ، هدفه المال والمال بأي شكل وبأي طريق .
 
 أعظم أنواع الفساد أن تُفْسِد العقيدة :
 
 
قال تعالى :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)﴾ .
كم حرفة مَبْنية على معصية ؟ مبنية على مخالفة منهج الله كم حرفة ؟ مئات الحرف ، هذه المقاصف وما فيها من موبقات ومن خمور ومن تَبَذُّل ، مبنية على معصية ، فلذلك موضوع الفساد موضوع طويل جداً ، فأنت حينما تُفسد الماء فهذا من صفات المنافق ، فهو لا يعبأ ، تفسد الهواء ، تفسد البيئة ، تفسد المزروعات .
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (11) ﴾ .
الحقيقة أعظم أنواع الفساد أن تُفْسِد العقيدة ، أن تفسد دين الإنسان ، أن تُعَلِّقَهُ بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان ، أن تعلقه بشفاعةٍ ساذجة .
(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً ، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم )).
[مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]
أن تُعَلِّقَهُ بحديثٍ موضوع ، أن تعلقه بحديثٍ ضعيف ، أن تعلقه بتأويلٍ غير صحيحٍ لآيات الله ، أن تأتيه بقصص لا أصل لها في الدين ، أن تأتيه بِقِيَم رفضها الإسلام ، لذلك لو استمعت إلى منافق تجد أن كل كلامه غلط ، كلامه ، منطلقاته ، أهدافه ، أدلته كلها غلط ، ليست إسلامية ، ليست دينية ، ليست مشروعة ، يأخذ من هذا كلمة ، ومن هذا كلمة ، ومن هذا تعليق ، ومن هذا حكمة ، ومن هذا مقياس ، بلا ضوابط ، المؤمن واضح ، واضح وضوح الشمس .
 
وصف الله عزَّ وجل الكُفَّار بوصفٍ معجز :
 
قال تعالى :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (11) ﴾ .
يركب رأسه ، ويُصم أذنيه عن سماع التوجيه الصحيح .
﴿ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾ .
مصلِح بنظره ، فكسب المال هو الصلاح عنده ، كسب المال عنده أساسه إفساد العلاقات ، دخله قليل ، يؤجِّر بيته تأجيراً لا يُرضي الله ، يقول لك : يؤجر بالليلة عشرة آلاف ، بالليلة عشرون ألفاً ، علما أن أجرة النوم في أفخر فندق خمسة آلاف ، معنى ذلك أنه يوجد مشكلة بالبيت وليست قضية نوم ، أنت تعرف من السعر ، يجيبك أنا ليس لي علاقة ، أريد أن أربح ، لذلك قضية الفساد قضية واسعة جداً ، فحركاته ، سكناته ، حتى لو زار شقيقته يفسد علاقة أخته بزوجها بكلمة شيطانية لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ، يفسد علاقة أخته بزوجها بتعليقات غير صحيحة ، بنظرة ، بنقدٍ مُرٍّ حادّ .
أيها الأخوة ، حركة المنافق حركة فساد ، حركة إيقاع بين الناس ، حركة تقطيع علاقات ، حركة قطع ما أمر الله به أن يوصل ، حركة تغيير معالم الشيء ، وصف الله عزَّ وجل الكُفَّار بوصفٍ معجز ، قال :
﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً (45) ﴾ .
(سورة الأعراف )
الأمور كلها مُعْوَجَّة ، غير صحيحة .
﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً (45) ﴾ .
 
  الأساسية الإصلاح ، وصفة المنافق الأساسية الفساد :
 
أحد أكبر صفات المؤمن الإصلاح ، يصلحون إذا فسد الناس ، أحباب النبي عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان يصلحون إذا فسد الناس ، فإذا سألتني عن صفة أساسية للمؤمن قلت : الإصلاح ، التوفيق ، التقريب ، الجَمع ، النصيحة ، الرحمة ، الإنصاف ، العدل ، إن سألتني عن صفة أساسية في حياة المنافق قلت : الإفساد ، طبعاً تحت غطاء ، نحن فرضاً في بعض البلاد المجاورة ننشئ نادياً للقمار بكلفة خمسين أو ستين مليوناً ، يقول لك : يدر علينا دخلاً كبيراً ، الإله هو المال ، فأي شيء يجلب المال صار بجهله إصلاحاً ، يمارس مصلحة مبنية على المعصية ، يقول لك : هذه مصلحة رائجة الآن يا أخي ، يبدِّل مصلحته فوراً إلى مصلحة أو إلى حرفة أساسها إفساد الشباب ، يقول لك : هذه أربح ، يقول لك : أليس العمل عبادة ؟ تكون حرفته غلط كلها ، فساد كلها ، يعُدّ العمل عبادةً !! فقضية الفساد صفةٌ جامعةٌ مانعةٌ للمنافق ، حتى في بيته ، حتى في تَبَذُّله في البيت ، حتى في إلقاء نظراته ، نظراته خبيثة ، ثيابه بعيدة عن الحشمة ، امرأةً كانت أو رجلاً .
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾ .
يرى الصلاح بكسب المال ، يرى الصلاح بتحقيق المتعة ، يقول لك : أنا أستخدم في العمل فتيات لأنهن أكثر إيناساً ، وأقل مَؤونَةً ، وأكثر طواعيةً ، وأحفظ سراً ، يرى ميزات عمله فقط ، والناحية الثانية يُغْفِلُها ، وهي هذا الشاب الذي ينتظر عملاً ليتزوج ، لقد أصبح الطريق مسدوداً أمامه .
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)  ﴾ .
طبعاً لا يشعر ، هو في أعماقه يشعر أنه فاسد ، ولكن لا يشعر أن هذا العمل له آثار قد لا تَخْطُر في باله .
 
الهدف عند المنحرفين أن تفسد من أجل أن تربح :
 
قال تعالى :
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ (12) ﴾ .
(سورة يس)
فرضاً من باب الجدل ، لو أن إنساناً أفسد فتاة ، يشعر أنه أفسدها ، وأخرجها عن طبيعتها ، وعن قوامها الذي أراده الله لها ، خلقها الله لتكون زوجة طاهرة تنجب أولاداً ، فَلِذة أكبادها ، فلما أفسدها أخرجها عن طبيعتها ، وجعلها تمتهن الانحراف ، هو لا يشعر أنه بعد مئة عام قد يأتي من نسلها مئة ألف ، مئة ألف فتاةٍ فاسدة ، كلهن في صحيفة هذا الذي أفسد الأولى ، هذا معنى قوله تعالى :
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ (12) ﴾ .
(سورة يس)
لو اطلع الإنسان على الآثار الوبيلة التي يتركها عمله لارتعدت فرائصه ، كل هذا محاسبٌ عليه ، يسُنُّ الإنسان أحيان سنةً سيئةً فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ، الذي اخترع البارود ، شعر بجريمته بعد أن اخترع البارود ، فرصَدَ كل أمواله كجائزة سنوية لمن يُقَدِّم أعظم بحثٍ يعود على الإنسانية بالخير .
لذلك أيها الأخوة ، الحديث عن الفساد حديث طويل ، فالهدف عند المنحرفين أن تفسد من أجل أن تربح ، الإفساد من أجل أن تربح المال ، أو أن تنغمس في الشهوة ، الهدف إما ربح مال ، والمال مادة الشهوات ، أو تحقيق لذَّة دنيا سافلة ، فإما أن يتمتَّع ، وإما أن يكسب المال ، من أجل هذين الهدفين يفعل كل شيء ، ويفسد كل شيء ، ويحرِف كل شيء ، ويزوِّر كل شيء .
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾ .
يركبون رؤوسهم ، يتعنَّتون .
 
قصص من العالم عن انتشار الفساد بما كسبت أيدي الناس :
 
لكن الله سبحانه وتعالى قوله الحق :
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)  ﴾ .
قصة مشهورة بأوروبا وأمريكا : أن شاباً رأى فتاةً فأعجبته ، فاستشار أباه ، قال له : لا يا بني إنها أختك ، وأمك لا تدري ، ثم رأى فتاةً أخرى فاستشار والده ، قال : لا يا بني إنها أختك ، وأمك لا تدري ، ثم أعجبته فتاةٌ ثالثة ، فاستشار أباه ، فقال له : القول السابق ، فضَجِر وحدَّث أمه فقالت : يا بني خذ أياً شئت ، فأنت لستَ ابنه ، وهو لا يدري ، هذه هي الحياة البعيدة عن منهج الله ، أحياناً يأتي خبير يقيم سنتين بعيداً عن وطنه وزوجته ، ثم يدعو أصدقاءه لحفل بمناسبة أنه رُزِق مولوداً ، أنت مقيم هنا منذ سنتين !! لا يهم ، ولكن جاء له مولود من زوجته ، هكذا حياتهم ، حياة فوضى ، أطول زواج يستمر سنتين في عالم الفساد .
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (41) ﴾ .
(سورة الروم)
 ذكرت لكم سابقاً أن أحد أخواننا الكرام كان مسافراً إلى بلد بعيد في أمريكا فرجع ، حدثنا عن شركة كمبيوتر من أرقى الشركات في أمريكا زَفَّت بشرى إلى عُمَّالها وموظفيها أن من كان له شريكٌ مِثْلي ، شريكٌ جنسي ، أو موظفةٌ لها شريكةٌ جنسية يُعَدُّ هذان الكيانان كيان أسرة ، ويستحقُّ الشريكان الأولان والأخريان التعويضات والإجازات والمكافآت ، كما لو أنشأ أسرةً ، تعد الكيانات الشابة المنحرفة الآن كيانات صحيحة ، هذا هو الفساد .
أجري برنامج في بعض الولايات عن الزنى ، فجاءت هواتف كثيرة ؛ ملخَّص هذه الهواتف أن ثُلث حالات الزنى حالات زنى محارم ، وهذه ظاهرة خطيرة جداً ، هذا هو الفساد ، علاقات إباحية ، اختلاط أنساب ، فقد يأخذ الطبيب غير المنضبط حوينات من رجل ، ويعطيها لامرأة أخرى ، فتنجب طفلاً ، وتسعد بهذا الابن ، وهو ليس من زوجها ، هو من زوجٍ آخر ، اختلاط أنساب ، علاقات إباحية ، هذا هو العالم الغربي اليوم ، يقولون : أُلْغِيَ الرقيق ، هناك الآن رقيق أبيض ، هناك بحوث لا تصدق من شركات عملاقة في العالم تشتري الفتيات والصغار من شرق آسيا ، وتبيعهم لأشنع الأعمال وأَخَسِّها في بلاد الغرب الغنية ، هذا هو الفساد في البر والبحر ، بما كسبت أيدي الناس .
 
الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع فكل ما يَدْعَمها ويقوِّيها هو إيمان :
 
الحديث عن الفساد طويل جداً ، قال الله عزَّ وجل :
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾ .
(سورة الروم )
هناك فساد في كل مكان ، تركب طائرة تجد الفساد ، كلما قدمت الشركات خدمات أكثر تفلُّتاً كانت أكثر رواجاً ، تقدم المشروبات في الجو ، وفي البر ، وفي البحر ، وفي الفنادق ، ما معنى الفندق الآن بالمفهوم العصري ؟ هناك مصطلح جديد اسمه السياحة الجنسية ، يسافر من أجل الجنس أليس هذا فساداً ؟ بارت سوق الزواج ، وراجت سوق الفساد ، وهذا مما يُرضي المنافقين .
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾ .
(سورة الروم )
لذلك دعم الأسرة إيمان ، وتحطيم الأسرة نِفاق ، أي إجراءٍ يَدْعَم الأسرة ويقوِّيها فهو إيمان ، لأنها اللبنة الأولى في المجتمع ، وأي إجراءٍ يضعفها ، يزلزلها ، يفككها ، فهذا عمل من أعمال المنافقين ، وهذا هو الفساد ، فكم من بيتٍ تَهَدَّم من فعل الفساد ، كم من علاقةٍ تحطمت بفعل الفساد ، كم من مالٍ أُهْدِر بفعل الفساد ، كم من ضياعٍ مخَرِّبٍ بفعل الفساد ، والفهم كفاية ، فالإنسان يتعلَّم حرفاً والتكرار ألف .
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (12) ﴾ .
 
 أروع ما في المؤمن عدم التناقض الذي نجده عند المنافق :
 
ربنا عزَّ وجل يقرر ، وكلامه هو الحق .
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾ .
تترتب على فسادهم نتائج خطيرة لا يشعرون بها :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13)
أروع ما في المؤمن عدم التناقض الذي نجده عند المنافق ، كيف التناقض ؟ هُم يخادعون الله والذين آمنوا ، يخادعون الذين آمنوا بقولهم إنهم مؤمنون ، إذاً :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (3)
إذا كنتم تعدون الإيمان سفاهةً فلماذا تخادعون المؤمنين بأنكم مؤمنون ؟ مركبٌ في أعماق الإنسان أن الإيمان هو الحقيقة الصَّحيحة ، وأن الكفر هو الخطأ الكبير .
 
 الوقت هو وعاء كل شيء فإذا أُلْغي هذا الوعاء انتهى كل شيء :
 
قال تعالى :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13
بالمناسبة من هو السفيه ؟ هو الذي يُضَيِّع النفيس ويأخذ الخسيس ، فإذا أتلف إنسان ماله فرضاً ، أو أنفق ماله إنفاقاً غير معقول نسميه سفيهاً ، والسفيه يُحْجَرُ عليه ، فأيهما أثمن ؟ والآن كلام دقيق ، من هو السفيه الحقيقي ؟ إذا رأيت إنساناً يمسك مئة ألف ليرة عدَّها أمامك ، ثم جاء بعود ثقاب فأحرقها أمامك ، ثم ألقى الرماد في سلة المهملات ، ألا تعتقد أنه مجنون ، أو أنه سفيه ؟ مئة بالمئة ، مثل هذا الإنسان الذي يُحْرِق مئة ألف يُحْجَر على تصرفاته لأنه سفيه ، قد يكون الإنسان مصاباً بمرض ، وهو بحاجة لعمليةٌ جراحية معقدةٌ جداً ، باهظة التكاليف ، تُجْرى له في بلدٍ بعيد ، كُلفة هذه العملية بقدر ثمن بيته ، لا يتردّد أبداً فيبيع بيته ليجري عمليةً يتوهَّم أنها تُمد له بضعة سنوات في عمره ، لماذا فعل هذا ؟ لأنه مركبٌ في أعماقه أن الوقت أثمن من المال فضَحَّى بالمال من أجل الوقت .
إذا أتلف الإنسان أمامك مئة ألف تعده سفيهاً ، فإذا ضيَّع الوقت أمامك ألا تعده أشد سفاهةً ؟ بالتأكيد ، أخطر شيء أن تُمضي سهرة إلى الساعة الواحدة ؟ لمتابعة مسلسل ، شيء سخيف ، بمتابعة قصة فارغة ، بمتابعة حديث فارغ ، بلعب النرد ، هذا الذي يقتل وقته ، أنت وقت ، أنت بضعة أيام فقط ، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منك ، أثمن شيء تملكه هو الوقت ، طبعاً أثمن من المال بما لا يُقَدَّر ، ماذا يفعل الإنسان بالمال عندما تنتهي حياته ؟ فلو ترك ألف مليون ، انتهت حياته ، الوقت هو وعاء كل شيء فإذا أُلْغي هذا الوعاء انتهى كل شيء ، مركبٌ في أعماق كل منا أن الوقت أثمن من المال ، فالذي يتلف ماله يُعَدُّ سفيهاً ، والذي يُضَيِّع وقته يعد أشد سفاهةً .
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13)
 
 قيمة الإنسان في آخر الزمان بقيمة متاعه فقط لا بإيمانه ولا بأخلاقه :
 
لعلهم يتوهمون أن الفقراء هم السُفهاء ، فالسفهاء في رأيهم تعني الفقراء لأن مقاييسهم ماديَّة محضة ، يُقَدِّرون الإنسان بحجم ماله ، بنوع بيته ، بمساحة بيته ، بموقع بيته ، بنوع مركبته ، بالرقم الذي على خلف المركبة ، فحجم الإنسان عند هؤلاء السفهاء بحجم متاعه ، وقيمة الإنسان في آخر الزمان بقيمة متاعه فقط ، لا بإيمانه ، ولا بأخلاقه .
كان الأحنف بن قيس إذا غضب غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيما غضب ، مع أنه كان قصير القامة ، أسمر اللون ، غائر العينين ، ناتئ الوجنتين ، أحنف الرجل ، ضَيِّق المَنْكِبَين ، ومع ذلك كان إذا غَضِب غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيما غَضِبْ ، فقيمة الإنسان بإيمانه ، وأخلاقه ، وعمله .
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾ .
غاص إنسان في البحر ، وتَجَشَّم المشاق ، ورأى اللآلئ أمامه فتركها وأخذ الأصداف ألا يُعَدُّ سفيهاً ؟ فهذا الذي يأتي إلى الدنيا ، ويخرج منها ، وما فعل شيئاً ، إلا أنه أكل ، وشرب ، ونام ، واستمتع فقط كالبهائم .
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾ .
(سورة الفرقان)
 
صفات المنافقين كما وردت في القرآن الكريم :
 
قال تعالى :
﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (4) ﴾ .
(سورة المنافقون)
وقال :
﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾ .
 (سورة المدثر)
وقال :
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً (5) ﴾ .
(سورة الجمعة)
وقال :
﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (176) ﴾ .
(سورة الأعراف)
وقال :
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾ .
(سورة الفرقان)
هذه صفات المنافقين في القرآن الكريم .
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾ .
 
كل إنسان يعصي الله مدموغٌ بالجهل والكفر :
 
 لو ذهب إنسان إلى بلد غربي لكي يحصل على الدُكتوراه ، على أن يعود إلى بلده ليتقَلِّد أعلى منصب ، ويأخذ أجمل بيت بكل الميِّزات ، فنسي مهمته الأساسية ، وتَسَكَّعفي الطُرقات ، وانْدَسَّ هناك في الملاهي وعُلَب الليل حتى أصبح متسولاً ، ألا يُّعد هذا سفيهاً ؟ مُهَيَّأ له أن يكون في أعلى منصب ، وفي أعلى درجة ، وفي أعلى ميزة ، ترك كل هؤلاء وانصرف إلى سفاسف الأمور ، قال تعالى  :
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾ .
كان النبي عليه الصلاة والسلام يمشي مرةً مع أصحابه فرأى مجنوناً فقال : من هذا ؟ ـ سؤال العارف ـ قالوا : هو مجنون ، قال : لا هذا مُبْتَلى ، المجنون من عصى الله .
هذا الذي يعصي الله ، ولا يعبأ بالموت ، ولا يعبأ بما بعد الموت ، ولا بالحساب ، لا بالبرزخ ، ولا بالجنة ، ولا بالنار ، يعيش لحظته ، يعيش لذَّته ، يقتنص المال بأي طريق وبأي أسلوب هذا سفيه ، هذا أحمق ، لذلك يعد المنحرف أحمقَ ، قال الإمام الغزالي  : " يا نفس لو أن طبيباً حذَّرك من أكلةٍ تحبِّينها لا شَكَّ أنَّك تمتنعين ، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرَك ، أيكون وعيدُ الطبيب أشدَّ عندك من وعيد الله إذاً ما أجهلك ". كل إنسان يعصي الله مدموغٌ بالجهل وبالكفر .
 
حياة المؤمنين واضحة جداً لا يوجد عندهم شيء يستحيون به :
 
قال تعالى :
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ (14) ﴾ .
لقوا : في الطريق ، في مكان عام ، في مسجد ، تحت ضوء الشمس .
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا (14) ﴾ .
 قال عليه الصلاة والسلام  :
(( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))
[ أحمد وابن ماجة عن العرباض بن سارية]
يكون الإنسان جالساً أحياناً في بيته مع زوجته ، يُطرق الباب فيفتحه بهدوء وبراحة وبشكل طبيعي وعفوي ، فإذا شقيق زوجته ، أهلاً وسهلاً تفضل ، جلسا يتحدثان ، تُقَدَّم له ضيافة شيء طبيعي جداً ، فهو شيء مشروع لأن هذه زوجته ، كان عليه الصلاة والسلام معتكفاً جاءته امرأته بطعام ، فلما أرادت أن تعود رافقها عليه الصلاة والسلام ، مرَّ صحابيان فاستحيا من رسول الله فأسرعا ، قال :
(( عَلَى رِسْلِكُمَا ، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ، قَالا : سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ ، فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئاً ، أَوْ قَالَ : شَرّاً )) .
[سنن أبي داود عن صفية]
((على البيضاء ليلها كنهارها )) ،  تجد عرساً ، فترى السيارات ، وتسمع أبواقها ، شيء علني ومكشوف ، يتزوج الإنسان فتحمل زوجته ، يفرحون ويهيئون ، تنجب هذه الزوجة ، فتُقام الأفراح ، تُقدَّم الهدايا ، شيء مكشوف واضح ! أما لو أن إنساناً يجلس مع زوجة صديقه دون علم صديقه في خلوةٍ في بيته ، طُرِق الباب فذهب ليفتح فإذا هو صَديقه ، تراه يضطرب ماذا يفعل ؟ يطفئ الأنوار ، فقال له : من ؟ هناك صوت !! فهل هناك باب آخر ليخرجها منه ؟ لا يوجد باب آخر ، أين يخبِّئها ؟ ماذا يقول لزوجها ؟ كل هذا الاضطراب ، كل هذا الخوف ، كل هذا الارتباك لأنه شيء محرَّم .
 
الباطل يحتاج إلى خَلوة :
 
قال تعالى :
﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ (14) ﴾ .
وقال :
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا (14) ﴾ .
لقاء في مكان عام ، في مسجد ، في الطريق ، في مجتمع ، في مدرسة ، في مشفى ، حياة المؤمنين واضحة جداً لا يوجد عندهم شيء يستحيون به ، لا يوجد عندهم جلوة وخلوة ، علانيَّتهم كسريرتهم ، جلوتهم كخلوتهم ، خلوتهم كجلوتهم ، الأمور واضحة :
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا (14)
أما الباطل فيحتاج إلى خَلوة ، فهل من الممكن لإنسان أن يغش الحليب أمام الشاري ؟ مستحيل ، يتم الغش في خلوة ، في غرفة ثانية ، في مكان مظلم ، كل شيء منحرف يحتاج إلى خلوة ، أما كل شيء صحيح لا يحتاج إلى خلوة ، تفعله على مرأى الناس جميعاً ، تفعله وأنت مطمئن ، الإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يَطَّلع عليه الناس ، كل شيء تستحي به فهو باطل وكل شيء لا تستحي به فهو حق ، لذلك :
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ (14) ﴾ .
توجد خلوة مع الشياطين ، يوجد سر ، أبواب موصدة ، كلام بصوت منخفض ، شيء غير معقول . حياة المؤمن واضحة ، حياة المؤمن معروضةٌ على الملأ ، حياته في رابعةِ النَهار، تحت ضوء الشمس ، الحق لا يخشى البحث ، لا يُستحيا به ، لا يحتاج أن تكذب له ولا أن تكذب عليه ، ولا أن تبالغ فيه ، ولا أن تُضَخِّمَهُ ، ولا أن تقلل من خصومه :
(( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))
[ أحمد وابن ماجة عن العرباض بن سارية]
 
العمل المشروع لا يُستحيا به ولا تضطرب معه أبداً أما العمل غير المشروع فعلى العكس :
 
أما الأعمال المنحرفة ، الخيانات ، المؤامرات ، هذا كلُّه يحتاج إلى خلوة ، وإلى همس ، وإلى غمز ، وإلى لمز ، وإلى مراقبة الطريق ، كهذا الزوج الذي يجلس مع زوجة صديقه في خلوةٍ محرمةٍ ، يُفاجئهُ زوجها ، أين يضعها ؟ أين يُخبِئها ؟ من أيِّ بابٍ يدفعها ؟ فإذا أراد أن يدفعها يراقب هل هناك أحد في الطريق ؟ لم هذا الاضْطراب ؟ لمَ هذا الخوف ؟ لم هذا الوَجَل ؟ لم هذه الاحتياطات ؟ لأن العمل غير صحيح ، غير مشروع .
يمشي الإنسان أحياناً مع زوجته هادئ البال ، أما لو أن شاباً يمشي مع فتاةٍ ، وسَمِعَتْ همساً ترتعد فرائصها ، لعله أبوها ، لعله أخوها ، فالعمل المشروع لا يُستحيا به ، لا تضطرب معه أبداً ، لا تخاف أبداً ، أما العمل غير المشروع ، مرة كنت في فندق فجاء شخص مع فتاة ، فقال له الموظف : من هذه ؟ قال له : معي ، قال له : من هذه ؟ أين دفتر العائلة ؟ فلم أر إنساناً بحالة ذُل كهذا الذُل ، قال له : من هذه ؟ هل هي زوجتك ؟ فقال له : معي ، كيف معك ؟ أين دفتر العائلة ؟ طرده طبعاً ، أما الذي اصطحب زوجته يُقال له : تفضل، لا توجد هناك مشكلة ، طبعاً هذه أمثلة .
﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ﴾ .
هذا المنافق ، شخصية مزدوجة ، كأن معه انفصام شخصية ، مؤمن مع المؤمنين ، معنى هذا أنه ممثل ، من هو الممثل ؟ قد يكون أفسق إنسان يمثل أحياناً دور صحابيّ ، طُهر ، وهدوء ، ووقار ، وحوقلة ، وبسملة ، ولا إله إلا الله ، هذا كلُّه تمثيل :
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ﴾ .
 
 
وصف دقيق للشقي كما ورد في القرآن الكريم :
 
دقق ، أول آية :
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (12) ﴾ .
ثاني آية :
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾ .
ثالث آية :
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾ .
كلام خالق الكون ، كلام قطعي :
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36)
(سورة الأحزاب)
القضية منتهية ، من هو الشقيّ ؟ الذي وصمه الله بأنه فاسق ، وصمه الله بأنه سفيه ، وصمه الله بأنه مُفْسِد .
 
 يرفع الله عزّ وجل قدر الإنسان وأحياناً يَفْضَحُهُ فالعبرة بالعاقبة :
 
لذلك أيها الأخوة ، عَلَّم أحد علماء الحديث تلميذاً له الأحاديث الموضوعة أولاً كي يَحْذَرها ، وهذا الوصف الدقيق هؤلاء هم المنافقون ، أولاً : مفسدون ، ثانياً : سفهاء ، ثالثاً : عندهم ازدواج شخصية :
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾ .
يرفع الله عزّ وجل قدر الإنسان ، وأحياناً يَفْضَحُهُ :
﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ (18) ﴾ .
(سورة الحج)
مما ورد في الأثر الحديث :
((ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم ..))
[ابن سعد والبيهقي والديلمي عن أبى البجير]
العبرة بالنهاية ، العبرة بالعاقبة ، العبرة لمن يضحك أخيراً :
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾ .
 
 حينما ترى الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره :
 
دقق :
﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) ﴾ .
هذه سُنَّة الله في خلقه ، أنت إنسان مخيَّر ، ولا بدَّ أن تأخذ أبعادك كلَّها ، ولا بدَّ أن يسمح لك أن تصل إلى نهاية الطريق ، إلى هنا حدود الفساد ، إلى هنا حدود الانحراف ، لا بدَّ من أن يُرْخ لك الحبل ، لذلك حينما ترى الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره ، هناك قصد ، إذا وجدت النعم ، ووجدت القوة ، ووجد المال ، ووجدت الوسامة ، وهناك انحراف ، وكفر ، فهذا الإنسان يحتاج إلى ضربةٍ واحدة :
﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) ﴾ .
 (سورة يس)
عندما يُعَالج ربنا عزّ وجل الإنسان بالتدريج هذه نعمةٌ عظمى ، عندما يتابعه ويُحاسبه على ذنوبه ذنباً ذَنباً , وخطيئةً خطيئةً ، هذه نعمةٌ كبرى ، عندما يغلط المؤمن فيأتي العقاب فوراً هذه نعمةٌ ما بعدها نعمة ، أي أن الله سبحانه وتعالى يتابعك ، ويربِّيك ، أما حينما يتابع الإنسان كل المعاصي ، والانحرافات ، والله عزّ وجل لا يعالجُهُ ، فإن هذه علامة خطيرة جداً ، أنه سوف يقْصم قَصْماً .
 
كل إنسان تحت ألطاف الله عزّ وجل :
 
قال تعالى :
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) ﴾ .
يُمَدُّ له ، يُرْخى له الحبل ، لكن دقق الإنسان في قبضة الله ، في أية لحظة تنقلب حياته إلى جحيم ، بأي لحظة ينقلب أمنه إلى خوف ، خوف مدمِّر ، ينقلب غناه إلى فقرٍ شديد في أية لحظة ، وفي أية لحظة تنقلب قوته إلى ضعفٍ شديد ، الله هو القوي يقوي الإنسان وفي أية لحظةٍ يضعفه ، الله هو الغني يغني إنساناً وفي أية لحظةٍ يفقره ، الله عزّ وجل يُمِدُّ إنساناً وفي أية لحظة يأخذ منه ، الإنسان تحت ألطاف الله عزّ وجل ، فأولئك :
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾ .
معنى ﴿ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ يحتقر عملهم ، يحتقر سخافتهم ، أحياناً الإنسان بسذاجةٍ ، بضيق أفقٍ ، بجهلٍ فاضح يظُنُّ أنه إذا خدع الناس فهو ذكي ، أنه إذا خدعهم ، وأقنعهم بشيء ، وهو على خلاف ذلك فهذه حِنْكة ما بعدها حنكة ، هذا حَمقٌ ما بعده حمق ، علاقتك بالله وحده ، وأنت عند الله مكشوف ، وهؤلاء الذين تَخْدَعُهم وتوهمهم لا يملكون لك ضراً ولا نفعاً ، ولا حياةً ولا نشوراً ، تخدع إنساناً ضعيفاً ، تصوروا إنساناً عمره أربعون سنة ، وأمامه طفل عمره خمس سنوات مثلاً وهو يحاول أن يقنعه أنه غني ، فإذا أقنعتَه أو لم تُقنعه ماذا يفعل هذا الطفل أمامك ؟ شيء لا يُصدَّق ، فكل إنسان ينسى الله ، ينسى أن الله يكشفه ، ينسى أن الله مُطَّلعٌ على سرائره ويخدع الناس ، إذا توهَّم أنه حاذقٌ ومُحَنَّك فهو أحمق ، لأن هذا الذي تخدعه لا يملك لك نفعاً ، ولا ضراً ، ولا حياةً ، ولا نشوراً ، ولا رزقاً ، ولا أمناً .
 
سيد الخلق لا يعلم الغيب ولا يملك لكم نفعاً ولا ضراً :
 
يأمر الله عزّ وجل النبي أن يقول لقومه : ﴿ قُلْ ﴾ ، وهو ليس شخصاً عادياً بل سيد الأنبياء والمرسلين :
﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) ﴾ .
(سورة المائدة)
والأبلغ من ذلك :
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (49) ﴾ .
(سورة يونس)
وقال :
﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ (50) ﴾ .
(سورة الأنعام)
سيد الخلق لا يعلم الغيب ، وسيد الخلق لا يملك لكم نفعاً ولا ضراً :
(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً ، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه )) .
[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]
 
 
 الله تعالى بيده كل شيء :
 
دقق في هذه الفكرة : أنت من تخدع ؟ هذا الذي تخدعُه عبدٌ مثلك هل يملك لك شيئاً ؟ والذي تتجاهله هو الله بيده كل شيء ، بيده مقاليد أمرك :
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾ .
يَحْتقر عملهم ، لأن عملهم سيحجبهم عن مصدر السعادة ، سيحجبهم عن الجنة ، سيمنعهم من التمتُّع بالقرب من الله عزّ وجل :
﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)﴾ .
العملية في النهاية عملية تجارية ، يعيش الإنسان في الدنيا سنواتٍ معدودة فيطيع الله عزَّ وجل ويلتزم بما أمر ، وينتهي عما عنه نهى وزجر ، فيستحق دخول الجنة إلى أبد الآبدين ، تماماً كإنسان اشترى شيئاً بدراهم معدودات فباعه بملايين طائلة ، تاجر :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) ﴾ .
(سورة الصف)
 
 الخاسر الحقيقي هو الذي خسر الآخرة :
 
التجارة رأس مال ومبيع وربح بينهما ، أما مع الله عزّ وجل الشراء بدرهم والمبيع بمئة مليون ، خلقنا الله عزّ وجل لنربح عليه ، هؤلاء المنافقون الذين خَدعوا المؤمنين ، وفسدوا ، واستهزؤوا ، وقالوا عنهم : هم سفهاء ، هؤلاء المنافقون خسروا في تجارتهم ، عاشوا سنوات معدودة ، لعلهم كانوا في بحبوحة ، لعل المال الكثير جاء إليهم بسبب نفاقهم ، ولكنهم خسروا الآخرة ، ما ربحت تجارتهم ، فهم تنعّموا لسنواتٍ معدودة وضيَّعوا الأبد كلَّه ، قال :
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) ﴾ .
المعنى المخالف : أن المؤمن ربحت تجارته ، أحد الصحابة كان في طريقه إلى المدينة يبدو أن الكفار كَمَنوا لهم ، أرادوا أن يصرفوه عن الهجرة ، قال لهم : خذوا كلَّ مالي في مكة ودَلَّهم عليه فأطلقوا سراحه ، خذوا كل مالي ، خَبَّأ ماله في مكان معين في البيت ، قال لهم : مالي في المكان الفلاني خذوه ودعوني ، فتركوه ، فلما وصل المدينة أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ، ماذا قال النبي ؟ قال : ربحت التجارة أبا يحيى ، ربحت تجارتك ، ضَحَّى بماله كلّه من أجل أن يصل إلى النبي ، ربحت تجارتك .
 وازن بين الدنيا والآخرة بعقلية تجارية ، إنسان كسب الدنيا وقد يكسب مالاً وفيراً ، ومكانةً عليةً ، وبيتاً واسعاً ، ومركبةً فارهةً ، ويخسر الآخرة ، ربح أم خسر ؟ أكبر خسارة :
﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ (45) ﴾ .
( سورة الشورى )
من هو الخاسر الحقيقي ؟ الذي خسر الآخرة ، أما هذه الدنيا مهما تكن مُتْعِبة ، مهما تكن شاقة ، مهما تكن المعيشة فيها خَشِنةً ، لكنها تمضي ويبقى المؤمن إلى الأبد في جنةٍ عرضها السماوات والأرض .
 
الموت عرس المؤمن وهو نقلة نوعية من دار متعبة إلى دار النعيم :
 
وازن بعقلية تجارية بين الدنيا والآخرة ، ألم تدخل إلى بيوت ثمنها ملايين ، وأصحابها تحت أطباق الثرى ؟ ألا يرى الإنسان الجنائز ؟ صلينا اليوم على امرأةٍ ، فهل يوجد إنسان من الحاضرين ـ وأنا معكم ـ يمكن أن ينجو من ألا يُصلَّى عليه في المسجد ؟ أبداً ، لا بدَّ من يوم تدخل فيه المسجد أفقياً ليُصلَّى عليك ، وأنا معكم ، لا ينجو أحد ، شاهدت مرة في بلد عربي كلمة كتبت على محل تجاري : " صَلِِّ قبل أن يُصلَّى عليك " ، إذا استعمل الإنسان عقله ، وفكَّر في الدنيا الزائلة ، لا يوجد ضمانة ، الآن توجد أخبار يومية عن حدوث جلطة في عمر خمسة وعشرين ‍! هذه الأزمات التي كانت تجيء بالخمسينات ، بالسبعينات ، أصبحت تحدث بسن الخامسة والعشرين ، بالخامسة والثلاثين ، شاب في مقتبل العمر مات ، منذ أسبوع أجرى طبيب في ريعان الشباب عملية لطفل ، ثم نزل إلى غرفته فمات فيها ! فأنت لا تملك من ضمانة إلا طاعة الله عزّ وجل ، يجب أن يصطلح المؤمن مع الله ، ويطيعه ، ويُسَلِّم أمره إليه ، ومتى يأتي الموت فهو تحفته ، والموت عرس المؤمن ، والموت نقلة نوعية من دار متعبة إلى دار النعيم ، من دار المرض ، والقلق ، والهم ، والحزن ، والمشكلات إلى دار لا شيء يُنَغِّصُ الحياة فيها .
﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ (16) ﴾ .
(سورة الفرقان )
 
  تجارة المؤمن رابحة أما تجارة الكافر فخاسرة :
 
لذلك تجارة المؤمن رابحة  ، ربحت التجارة أبا يحيى ، وغير المؤمن :
﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ (16) ﴾ .
عملية تجارية ،  حياتك سنوات محدودة ، إذا قلنا لشخص : تمتع بمئة مليون خلال سنة ، وسوف تدخل إلى السجن لتمضي عشر سنوات مع التعذيب ، هل يقبل هذا ؟ لا أحد يقبل ، فلو تمتع سنة ، وعشر سنوات تعذيب ، فإنه لا يقبل ، كيف إذا كانت الدنيا من الآخرة ليست بشيء ؟ لا أحد ينتبه أبداً إذا كان رقم واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس ، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر وكل ميلي متر صفر ، ما هذا الرقم ؟ هذا الرقم إذا قيس باللانهاية قيمته صفر ، تصور الرقم واحد بالأرض ، وأمامه مئة وستة خمسون مليون أصفار ، كل ميليمتر صفر ، فكيف إلى المشتري ؟ كل ميلي متر صفر ، هذا الرقم إذا قيس باللانهاية الآخرة قيمته صفر ، فهؤلاء الناس من أجل عشر سنوات معدودات ؛ فسق ، وفجور ، وانحراف ، وأكل مال حرام ، ويدع ساعة الموت خارج كل حساباته ، يأتي الموت فجأةً فإذا الإنسان في قبضة الله عزّ وجل .
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) ﴾ .
 
و الحمد لله رب العالمين
 
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب