سـورة الحـج 022 - الدرس (4): تفسير الآيات (25– 38)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سـورة الحـج 022 - الدرس (4): تفسير الآيات (25– 38)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 39 - الحب علاقة جميلة خالدة           برنامج درب الصـــاحات:  درب الصالحات - 12 - انقلاب المشاعر           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 384- اسم الله الرقيب 1           برنامج الكلمة الطيبة: حملة مكارم - الكلمة الطيبة - 32- الجوال اداب وتنبيهات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0203 - سورة الانعام 061 - 068           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 38 - ما الحب الا للحبيب الاول         

New Page 1

     سورة الحج

New Page 1

تفســير القـرآن الكريم ـ سـورة الحج (الآيات: 25- 38)

12/06/2011 18:22:00

تفسير سورة الحج (022)
الدرس (4)
تفسير الآيات (25- 38)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع من سورة الحج ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
  
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
 
   
      فالذين كفروا بالله ، وقد بيَّنت في دروسٍ سابقة أن الكفر تكذيبٌ وإعراض ، تكذيبٌ بآيات الله ، تكذيبٌ بآياته الكونية ، وتكذيبٌ بآياته القرآنية ، وتكذيبٌ بوعده ، وتكذيبٌ بوعيده ، وتكذيبٌ بأسمائه ، وتكذيبٌ بمنهجه ، تكذيبٌ وإعراض ، الذين كفروا أعرضوا عن الله عزَّ وجل ، والتفتوا إلى الدنيا ، التفتوا إلى الشركاء ، التفتوا إلى المال ، التفتوا إلى كل ما يقرِّبهم من الدنيا ..
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
من لوازم الكفرِ الصدُّ عن سبيل الله    
       من لوازم الذين كفروا أنهم يصدّون عن سبيل الله ، فكفروا فعل ماض ، أما يصدون عن سبيل الله فهو فعلٌ مضارع ، والفعل المضارع يفيد الاستمرار ، هم دائماً يصدون عن سبيل الله ، أيُّ شيءٍ يؤدِّي إلى مرضاة الله فهم يصدون الناس عنه ، أيُّ شيءٍ يقرِّب الناس من الله فهم يصدونهم عنه ، أيُّ شيءٍ يوصلهم فهم يقطعونهم عنه ، من لوازم الكفار أنهم يصدون عن سبيل الله ، هم ضالون مُضلون ، فاسدون مُفسدون ، هؤلاء الكفار يصدون عن سبيل الله ، أي شيءٍ يوصل إلى الله فهم في هذا الطريق عقبةٌ كَؤود ، ربما كان دفع المال طريقاً إلى الله عزَّ وجل ، فهم يمنعون الناس أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله ، ربما كانت الأعمال الصالحة التي يُبتَغى بها وجه الله طريقاً إلى الله عزَّ وجل ، فهم يمنعون هذه الأعمال الصالحة ، ربما كان تعليم العِلم أو تلقِّي العِلم طريقاً إلى الله عزَّ وجل ، فهم يمنعون تعليم العلم وتلقينه ، وهكذا ..
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
     فنعوذ بالله أن نَصُدَّ الناس عن سبيل الله ، بل اللهم ارزقنا أن نكون هادين مهديين ، أن نهتدي ، ويُهتدى بنا ، أن نكون واصلين ، أن نكون مقرِّبين ..
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
    قال الله سبحانه وتعالى ..
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ﴾
( سورة آل عمران : من آية " 96 " )
البيت الحرام مكان للعبادة والتقرب   
   أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذا البيت مكاناً للتقرُّب إليه ، جعل هذا البيت مكاناً لعبادته ، جعل هذا البيت مكاناً للتفرُّغِ لعبادته ، فلذلك من حكمة الحج أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين أن يأتوا إليه مخلِّفين وراء ظهورهم بيوتهم ، وزوجاتهم ، وأولادهم ، وأموالهم ، وحوانيتهم ، ووظائفهم ، ومكانتهم ، ومتعهم ، ومباهجهم ، كل دنياهم مركزةٌ في بلادهم ، مِن أجل ألا تكون الدنيا عائقاً بين العبد وبين ربه ، من أجل ألا تكون الدنيا حجاباً بين العبد وبين ربه ، فالله سبحانه وتعالى أمر الناس أن يأتوا إليه ، وهم في طريقهم إليه يقولون : لبيك اللهم لبيك.
       أمرهم أن يبتعدوا عن الدنيا ، الشيء الذي أباحه لهم في بلادهم حرَّمه عليهم وهم قاصدون إليه ، حرم عليهم لبس الثياب المَخيطة ، جعلهم يذكرون ساعة النشر ، ساعة الحشر ، أراد أن يصرفهم عن الدنيا ، وربما كان اللباس من الدنيا ، أمرهم أن يرتدوا ثوبين رداءً وإزاراً ليس غير ، لئلا تلتفت النفس إلى الثوب ، وإلى مظهره ، وإلى أناقته ، وإلى ألوانه المُنسجمة ، ولئلا يختال الإنسان بثيابه ، والله سبحانه وتعالى جعل البيت الحرام مكاناً للإقبال عليه ، جعل البيت الحرام مكاناً للتوجُّه إليه ، جعل البيت الحرام تفرُّغاً لعبادته .
        الناس يُصلّون في بلادهم ، ولكنَّهم يُصلّون ، وقد ينشغلون في صلاتهم عن الاتصال بربهم ، قد ينشغلون بدنياهم عن الالتجاء إلى الله عزَّ وجل ، ولكنهم بالحج أمرهم أن يأتوا إليه ، ولْيدَعوا كل شيءٍ وراء ظهورهم ، أراد أن يعلِّمهم كيف أن هناك فِراقاً للدنيا لا رجعة بعده ، هذا الحج تدريبٌ على الفراق النهائي ، كيف أن الحاج يَنْخَلِعُ وينسلخ من كل ميزات الدنيا التي توفرها له مكانته ودخله في بلده ، فربنا سبحانه وتعالى جعل المسجد الحرام معطوفاً على سبيل الله ..
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
     فكأن المسجد الحرام مكافئٌ لكلمة سبيل الله ، كما أن الأعمال الصالحة كلَّها ؛ طلب العلم ، تعليم العلم ، إنفاق المال ، أداء العبادات ، أداء الزكاة ، الصيام ، هذه كلها سُبَلٌ إلى الله عزَّ وجل ، كذلك المسجد الحرام سبيلٌ إلى الله عزَّ وجل ..
 
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾
مشاعر الناس في المسجد الحرام سواء ، القريب والبعيد    
     أيُّ مكانٍ تذهب إليه لا تفارقك مشاعُر بأنك في البلد الفلاني ، إذا ذهبت إلى بلد شرقي ، أو غربي ، أو عربي ، أو إسلامي ، دائماً هناك شعور مستمر أنك في هذا البلد ، لكنك إذا دخلت البيت الحرام لا تشعر أنك في السعودية ، تشعر أنك في بيت الله ، هذا المعنى مستفاد من قوله تعالى :
 
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾
    أيْ حقُ الغريبِ عنه كحقِّ المقيم فيه ، هو للناس جميعاً ، ليس لأهل مكة ، وليس لأهل المدينة ، وليس لمن يقيم في المملكة ، إنه للناس جميعاً..
 
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾
معنى : ] العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ [    
       العاكف المُقيم ، والباد الذي جاء من البادية أو الذي جاء من مكانٍ بعيد ، يعبَّر عنه في كتب الفقه : بالآفاقي ، أيْ حقُ المسلم أينما كان ، من أي بلدٍ كان ، من أي مجتمعٍ كان ، في البيت الحرام كحقِّ ساكني مكة المكرَّمة سواءً بسواء ، يعني أنَّ هذا البيت للناس ، وليس لأهل بلدٍ بالذات ، ولا لأهل إقليمٍ معين ، ولا لأهل مصرٍ ما ، إنما هو للمسلمين جميعاً .
 
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾
حرمة البيت الحرام
     وربنا سبحانه وتعالى جلَّت مشيئته أراد أن يجعل هذا البيت الحرام ، وسماه حراماً لأنه يحرم فيه كل إيذاءٍ يقع على أي مخلوق ، هناك أشهُرٌ حُرُم ، وهناك أمكنةٌ حرم ، فالمسجد الحرام مكانٌ حرام لا يجوز فيه القتال، ولا يجوز فيه الأخذ بالثأر ، ولا يجوز فيه العدوان ، ولا يجوز فيه قتل الصيد الذي هو مباحٌ في مكانٍ آخر ، وفي وقتٍ آخر، أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذه الأشهر الحرام وجعل البيت الحرام حَداً للخصومات ، كل من دخل هذا البيت فهو آمن ولو كان مهدور الدم ، إذا دخل البيت فهو آمن ، مكانٌ حرام وأشهرٌ حرام ، فربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾
     هذا مكان عبادة ، مكان إقبال ، مكان تعبُّد ، مكان صفاء ، مكان بعد عن الدنيا ، عن أخبار الدنيا ، عن صراعات الدنيا ، عن مشكلات الدنيا ، عن أزمات الدنيا ، مكان عبادةٍ خالصة ، مكانٌ يُذَكِّر الناس باليوم الآخر ، يُذكّرهم بمنقلبهم إلى ربهم ، لذلك لا ينبغي أن تقوم فيه فتنة ، ولا ينبغي أن يجري فيه عدوان ، ولا ينبغي أن يقع فيه اقتتال ، إنه شهرٌ حرام وبيتٌ حرام ، والله سبحانه وتعالى يتوعَّد مَن تسوّل له نفسه في هذا البيت الحرام وفي الشهر الحرام أن يعتدي على أيّ مخلوق ، يقول الله سبحانه وتعالى :
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾
جزاء من أراد في البيت الحرام بالإلحاد والظلم
في للظرفية المكانية ..
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾
أي مَن ينوي ..
 
﴿فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾
     الإلحاد الانحراف عن جادة الصواب ، استقامت وجهته أو أَلْحَد ..
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾
    هذه الباء للملابسة ، أيْ إرادته منحرفة ، مَن يرد إرادةً متلبِّسَةً بالانحراف بسبب أنه ظلم نفسه أو ظلم مخلوقاً آخر ،
 
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
      حتى إن بعض المفسرين فهموا من هذه الآية ، أن الخطيئة في البيت الحرام يعظمُ إثمها ، ويضاعف عقابها ، حيث لو أن الإنسان أراد سيئةً ، ولم يفعلها حوسب عليها ، وهو في البيت الحرام لقوله تعالى :
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾
وليس مَن يقترب ، ليس مَن يظلم ..
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾
     في هذا البيت ، وفي للظرفية المكانية والزمانية ، أيْ في البيت الحرام وفي الأشهر الحرام .
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾
 
     أيْ متلبِّساً بانحرافٍ عن طريق الإيمان الصحيح ، والعمل الصالح..
 
﴿بِظُلْمٍ﴾
بدافع من ظُلمه لنفسه أو ظلمه للآخرين ، هذا الذي يفعل إثماً ، أو يقتل حيواناً ، أو يؤذي إنساناً ، أو يقلع نبتةً ، أو يشتم مخلوقاً ، أو يفسُق ، أو يفجر ، في هذا البيت الحرام ؛ مَن أراد هذه المعاصي ..
 
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
    في الدنيا والآخرة ، لأن ربنا عزَّ وجل جعل هذا البيت مكاناً للعبادة والنُسك ، فأيّ عملٍ مُخِلٍّ بهذه العبادة وبالطمأنينة التي يجب أن تتوافر للحاج في هذا المكان فهذا إفسادٌ في الأرض .
 
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
     لذلك فإنَّ في زمن العرب لو أن حرباً ضَروساً نشبت بين فئتين ، وجاءت الأشهر الحرم انتهى كل شيء ، لو أن أحد الخَصْمَين دخل الحرم فهو آمن ، الله سبحانه وتعالى جعل البيت الحرام ، وجعل الأشهر الحرام رحمةً للناس ، حَدَّاً لنزاعاتهم ، وإيقافاً لخصوماتهم ، وإنهاءً لمشكلاتهم .
 
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾
بيت الله الحرام أول بيت وضع للناس
يقول ربنا عزَّ وجل في آيةٍ أخرى :
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران : من آية " 96 " )
       هذه الآية دليلٌ قطعي على أن أول بيتٍ أنشئ على وجه الأرض لعبادة الله سبحانه وتعالى هو البيت الحرام في مكة المكرَّمة ، لكن ربما كُلِّفَ هذا النبي العظيم سيدنا إبراهيم بإعادة إنشاء البيت ، أَّما هذا البيت فلابدَّ من أنه وُضع منذ عهد آدم .
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ﴾
( سورة آل عمران : من آية " 96 " )
       وبعض علماء الجغرافية يرون أن الكعبة المشرفة تقع في الوسط الهندسي تماماً للقارَّات الخمس ، إذا أخذنا أطراف القارات الخمس ، ووصلنا بين أطرافها بأقطار تأتي الكعبة المشرَّفة في مركز تقاطع هذه الأقطار ، بيتٌ متوسِّط ، وربنا سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعله في وادٍ غير ذي زرع لئلا يأتيه إلا الحاج ، فلو كان في وادٍ ذي زرعٍ ، وجوٍ لطيف ، وبحيراتٍ رائعة ، وجبالٍ خضراء لجاءه الحاج والسائح ، لكنه بهذه الطريقة لا يقصده إلا الحاج ، الحاج وحده ، ومع أن هناك حراً شديداً ومع أن هناك ازدحاماً بالغاً ، فإن الذي ذهب إليه بإخلاصٍ شديد ، يقول لك : لم أذق في حياتي نعيماً وسعادةً أبلغ من هذا الحج ، وهذه حكمة الله سبحانه وتعالى ، كأنه هناك تجلّيًا من الله مكثفًا لهؤلاء الحجاج الأطهار ، الحجاج والعمار وفد الله ، فإذا ذهب الإنسان إلى بيت من بيوت الله في بلده الذي يقيم فيه فلن يجد مثل هذا الشعور والسعادة ..
(( إن بيوتي في الأرض المساجد وإنَّ زوَّارها هم عُمَّارها ، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني ، وحُقَّ على المزور أن يكرم الزائر)) .
( ورد في الأثر)
       إذا كان إكرامك من قبل الله عزَّ وجل حقٌ عليه إذا أتيته لبيته الذي في بلدك ، فكيف إذا أتيته في البيت الحرام ؟ شتَّان ، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :
((وَلا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)) .
( من صحيح البخاري عن أبي سعيد )
       هذه المساجد الثلاثة لها مكانة خاصة ، ويبدو أن الله سبحانه وتعالى جعلها موطناً للتجلِّي الذي يَنْعُمُ به الحجَّاج والعُمَّار .
 
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾
أي حددنا مكان هذا البيت ، وجعلناه مرجعاً إلي ..
 
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾
أيْ أنَّ هذا البيت أقيم على التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد .
 
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾
] وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [
     بعضهم قال : الطائفين الذين يطوفون حول البيت .
     وأما :
   
﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾  
] وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [
    المصلون ، وهناك من يستنبط من هذه الآية أن الطواف يسبق القِيام ، والقيام يسبق الركوع ، والركوع يسبق السجود ، وكأنها مراتب ، طاف ، فأقام ، فركع ، فسجد ، يعني أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، الركوع خضوع ، والسجود طلب العون ، والقيام الالتزام ، والطواف هو البحث ، طاف باحثاً ، ثم عكف واقفاً ، ثم ركع ثم سجد ، طهِّرا بيتي من الشرك ومن القَذَر ومن كل شيء ، وهؤلاء الذين شرَّفهم الله عزَّ وجل بخدمة مساجده وبيوته هؤلاء تنطبق عليهم هذه الآية ، ليست خدمة بيوت الله وظيفة ، وظيفةٌ يتقاضى الإنسان راتبها ، إنها شرفٌ تشرِّف الإنسان ، لذلك َمن هُم تواقوَّن لخدمة بيوت الله عزَّ وجل فهؤلاء لابدَّ من أن تشملهم هذه الآية :
    
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾
 
] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [
أيْ ادعُهم إلى الحج ، إذا انتهيت من بناء البيت وتجديده ، أذِّن في الناس بالحج .
 
﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾
الأجر على قدر المشقة : ] يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ [
      والذين قالوا : الثواب على قدر المشقَّة لم يخطئوا ، كلَّما قلَّت المشقَّة وصار السفر متعةً ، والطائرة مكيفةً ، والصالات كلها مكيَّفة ، والخيام مكيفة في عرفات ، والطعام لذيذ ، والتنقُّل ممتع ، قَلَّ الأجر ، وأصبح الحج متعةً ، لذلك السلف الصالح يأتون راجلين ، وبعضهم يأتون راكبين ، ولكن لا ينبغي للحاج اليوم أن يذهب ماشياً ولا راكباً ناقةً ، لأن الجهد ليس مطلوباً لذاته ، أما إذا كان الجهد عاماً ، المشقة إن كانت عامةً فالله سبحانه وتعالى يثيب عليها ، على قدر المشقة ، ولكن الآن أصبح الانتقال لا خيار فيه ، لابدَّ من ركوب الطائرة ، ولابدَّ من التنقُّل بين مكة وعرفات ، وبين مكة والمدينة بوسائل الركوب المعروفة .
 
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾
يأتوك رجالاً وراكبين ، رجالاً مترجِّلين ، ويأتوك راكبين ..
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾
 
أيْ أنَّ هذه الناقة أصبحت ضامرة لشدة المشقَّة وبعد المسافة ..
 
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
     طبعاً نحن حينما نذهب إلى الحج فالمسافة بيننا وبين الحرم تُعَدُّ قريبةً نسبياً ، أما الذين يأتون من باكستان ، من الهند ، من الصين ، من أمريكا، من أوروبا فهذه مسافاتٌ طويلة ، وركوب الطائرة يستغرق عشرات الساعات ، كما يكلِّف إنفاق مئات الألوف ..
 
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
     لذلك النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله ، تماماً بتمام .
 
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾
منــافع الحـج : روحية ومعنوية     
    فلا يُعقل أن يدعوك الله سبحانه وتعالى وأنت في بلدك ، يدعوك لترك أهلك ، وعملك ، ودكَّانك ، ووظيفتك ، وأولادك ، وتأتي إليه ، ولا تجد شيئاً هذا مستحيل ، مستحيل في حق الله عزَّ وجل ، مستحيل في حقِّ الضيافة أن تأتيه من مكانٍ بعيد ولا يكرمك ، لذلك :
 
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾
     وعلامة الحاج الصادق أنه يتمنَّى أن يحج كل عام ، علامة الحاج الذي أقبل على الله وتجلى الله على قلبه ، أنه يتمنى أن تكون أيامه كلها حجاً ، فلذلك يقول الله سبحانه وتعالى :
 
﴿  لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ
    والمفسرون قالوا في تفسير هذه الآية : " منافع روحية ، ومنافع دنيوية " ، فإضافةً إلى أن الحج عبادة راقية ، والإنسان في الحج يقبل على الله عز‍َّ وجل ، ويعاهده على الطاعة ، يتوب إليه ، ويتعرف إليه ، ويتشرف قلبه بالإقبال عليه ، إضافةً إلى كل هذا فإن في الحج منافع ، ربما يلتقي المسلمون من شتىَّ أقطارهم ، ربما يتعرَّف بعضهم على بعض ، ربما يبحثون قضيةً عامة ، ربما يتشجَّع الإنسان ليكون مثل هؤلاء ، ربما يكون التنافُس بينهم ، هناك منافع روحية ، ومنافع دنيوية تكون في الحج .
 
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾
﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾
( سورة البقرة : من آية " 197 " )
       فالحاج يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المعلومات ، كلما صعد شَرَفاً أو هبط وادياً ، أو استيقظ ، أو نام ، أو التقى بركبان ، يقول : "لبيك اللهم لبيك ، لبيك استجابةً لدعوة الله سبحانه وتعالى :
 
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾
       فإذا رمى جمرة العقبة قطع التلبية وقال : " الله أكبر والله أكبر " ، بدأ يكبِّر ويهلل ويسبح ، الحج كله ذكر ، الحج كله دعاء ، الحج كله صلاة ، الحج كله إقبال ، الحج كله اتصال ، الحج مناسبةٌ كي يتصل هذا العبد بخالقه اتصالاً محكماً مكثفاً مجدياً صحيحاً .
 
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾
نعمة بهيمة الأنعام
     هذه الأنعام من آيات الله عزَّ وجل ، الأنعام تعني الإبل والبقر والغنم بما فيه الماعز ، هذه الحيوانات التي جعلها الله آيةً على كرمه .
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلّلْنَاهَا لَهُمْ
( سورة يس )
       لو أن الله سبحانه وتعالى رَكَّبَ في هذه الأنعام أخلاق الضباع ، أو أخلاق الذئاب ، أو أخلاق الوحوش الكاسرة ، أو أخلاق السباع ، كيف نستفيد منها ؟ كيف نربِّيها ؟ كيف نكثِّرها ؟ كيف نذبحها ؟ كيف نتِّقي شرها؟ إنها وديعة ، الغنم والماعز والبقر والجمل ، ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
( سورة الغاشية )
       فهناك بحوث عن الجمل يكاد العقل لا يصدقها ، فالله سبحانه وتعالى خلق الجمل خِصِّيصاً للصحراء ، له عينان تُريانه الصغير كبيراً .. أي كالمجهر .. والبعيد قريباً .. مثل التلسكوب .. ولعينيه رموش بإمكانه أن يُغمض عينيه ، وأن يرى طريقه لئلا يؤذيه غبار الصحراء ، له أجفان يرى من خلالها ، ولا تتأثر بغُبار الصحراء ، بإمكان الجمل أن يَسُدَّ أذنيه ، الجمل له ثفينات ، يجلس جلسةً نظامية كي يسهل تحميله ، لو جلس كالحمار على جنبه كيف نُحَمِّل الجمل ؟ إنه يجلس بشكلٍ نظامي ، يحمله صاحبه ، وهو قاعد ، ثم يقف ، مَن هَيَّأ له هذا السنام الذي يجزئُهُ عن تناول الغذاء أشهراً ؟ الجمل بإمكانه أن يعيش بلا ماء ما يزيد عن عدة أشهر ،  بإمكان الجمل أن يمتَّص الماءَ من خلاياه ، الجمل يصبر ، له هذه الأخفاف التي تعينه على السير في الرمال ، فلو حدثتكم عن الجمل لطال الحديث ، وهناك بحوثٌ طريفةٌ جداً وعميقة وغزيرة لا يتسع الوقت لذكرها جميعاً ، فهذه سُمِّيَتْ أنعاماً لأنها نعمةٌ كبرى من الله عزَّ وجل .
        والغنم كذلك نأكل لحومها ودهنها وشحمها ، ونستفيد من عَظمها ، ونستفيد من أصوافها ، ومن جلودها ، ومن ألبانها ، ومن أمعائها ، كل شيءٍ في الغَنَمِ خير ، هذه نعم الله سبحانه وتعالى ، الألبان ، مشتقات الألبان تعرفونها جميعاً ، لا تجد بيتًا في الأرض إلا وفيه مشتقَّات الألبان ، هذه آيةٌ عظمى على نِعَمِ الله عزَ وجل .
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ
       من جعلها مذللةٌ ؟ فبإمكان الطفل الصغير أن يقود الجمل الكبير ، لأنه مذلل ، لو لم يكن مذللاً لخاف منه الرجل فكيف بالطفل ؟ .
 
 
 
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾
الهدي في الحج : الأكل منها والتصدق على الفقراء
      كلوا من هذا الهَدْي ، لذلك أجاز العلماء أن يأكل الحاج من هَدْيِهِ ، وكلكم يعلم أن هناك حاجاً مفرداً ، وحاجاً متمتِّعاً ، وحاجاً قارناً ، فالحاج المفرد لا دم عليه ، لا هدي عليه ، أما المتمتِّع والقارن فعليهما الهدي ، هدي المتمتع هدي جَبرٍ ، وهدي القارن هدي شكرٍ ، لأن الله أعانه ووصل العمرة بالحج فعليه هديُ شكرٍ ، أما المتمتع فعليه هدي جبرٍ ، لأنه اعتمر ، ثم تحلل ، ثم أحرم من مكة قُبَيْلَ الحج ، فعليه دم جبرٍ ، فأجاز العلماء أن يأكل الحاج نَدْبَاً أو وجوباً أو إباحةً من لحم الهدي ، وأن يطعم منه القانع والمُعْتَر ، لكنهم حرَّموا الأكل على من قدَّم الهدي نذراً أو جزاءَ إثمٍ ارتكبه في الحج ، هذا الهدي الذي يقدَّم جزاءً وكفارةً لإثمٍ ارتكبه الحاج ، أو وفاءً بنذرٍ لا ينبغي أن يأكل الحاج منه شيئاً .
 
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾
هذا أمر ندب أو أمر إباحة هناك أمر يقتضي الوجوب ، وهناك أمر إباحة ، ثم ..
﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ ﴾
( سورة البقرة : من آية " 187 " )
       هذا أمر إباحة ، ليس معناه أنه إذا لم يأكل الرجلُ يكون قد عصى ، عندنا في الشرع أمر إباحة ، كما أنه عندنا أمر ندب ، وكذلك عندنا أمر وجوب .
 
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾
وبعد أن رمى الحاج جمرة العقبة وذبح الهدي ..
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
     التَفَثْ ، الإنسان حينما يقصُّ أظافره يقضي تفثه ، وحينما يحلق شعر رأسه يقضي تفثه ، وحينما يغتسل فيُذهب عن جلده الأوساخ يقضي تفثه ، بعد أن أحرموا يوم الثامن من ذي الحجة ، أو بعد أن أحرموا من العمرة إلى الحج للقارن ، واستمروا على إحرامهم أياماً ولياليَ لا يمسَّون طيباً ، ولا يحلقون رأساً ، ولا يلبسون مخيطاً ، ولا يستعملون طيباً ، بعد أن أحرموا ، وتحمَّلوا مشاقَّ الإحرام ، فالآن جاء وقت قضاء التَفَث ، قال تعالى :
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
       حَمَّلَ بعض العلماء هذه الآية على أن الحاج وهو في عرفات ، أو وهو يطوف البيت ، أو وهو يقبِّل الحجر ، أو وهو يسعى بين الصفا والمروة ، يعاهدُ الله على أعمالٍ صالحة ، على خدمة الخَلق ، على هداية الخلق ، على الاستقامة على أمر الله ، هذا العهد الذي عاهدت الله به ، بعد أن تحللت من الإحرام جاء وقت الوفاء به ..
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ     
      الحاج كأنه عاهد الله سبحانه وتعالى ، وهو في عرفات عاهد الله ، وهو يقبِّل الحجر الأسود عاهد الله ، وهو يلتزم المُلتزم عاهد الله ، وهو يسعى بين الصفا والمروة عاهد الله ، وهو يطوف حول البيت يعاهد الله سبحانه وتعالى ، فإذا حَلَّ من إحرامه ، وقضى تفثه عليه أن يفي بنذره ، أحد الصالحين اشترى قبراً في حياته ، كان كل يوم خميس يضَّطجع فيه حياً ، ويتلو قوله تعالى :
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ
( سورة المؤمنون )
       فيقول لنفسه : قومي لقد أرجعناكِ ، قومي إلى العمل الصالح قد أرجعناكِ ، وكأن لسان حال الحاج .
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾
      بعد أن يرموا جمرة العقبة ، وبعد أن يذبحوا الهدي ، ويحلقوا شعورهم ، ويغتسلوا يتحللون التحلُّل الأول ، أي بإمكانهم أن يفعلوا كل شيء كان محظوراً عليهم إلا النساء ، هذا التحلُّل الأول ، فإذا طافوا طواف الرُكن ، طواف الركن : يعني طواف الإفاضة ، حلَّ لهم كل شيء كان محظوراً عليهم بما فيه النساء .
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
الطواف بالبيت العتيق
     فإذا قلت : كَسَّر غير كَسَرَ ، وغَلَقَ غير غلَّق ، وقَطَعَ غير قَطَّع ، قطَّع فيه مبالغة ، قطعتُ اللحم قطعتين ، أما قطَّعتها قطعاً صغيرة ، فوزن فَعَّلَ يفيد التكسير ، فربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾
     أي وليطوفوا كثيراً ، فهم النبي عليه الصلاة والسلام من قوله تعالى:
 
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾
      الطواف سبعة أشواط ، الحد الأدنى سبعة أشواط ، لكن الطواف الواجب دائماً أربعة أشواط ، والسُنَّةُ سبعة أشواط ، فمن طاف أربعة أشواطٍ وأصابه إغماءٌ فرضاً فقد أدَّى الفريضة ، طواف الزيارة .
 
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
     وسمي البيت العتيق عتيقاً لأنه أقدم بيت ، وسمي البيت العتيق عتيقاً لأن الله كرَّمه أن يخضع لجبَّار ، لذلك : كل أنواع الغزو التي شهدها العالم الإسلامي لم تصل إلى الكعبة ، جعله الله عتيقاً .
       والمعنى الآخر أن كل من دخل هذا البيت مخلصاً أعتقه الله من النار ، إما لأنه عَتِيقٌ زماناً ، أو لأنه في مَنْجَاةٍ من سيطرة الجبابرة ، أو لأن كل من دخله أعتقه الله من النار ، لأن : مَن حج ، كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )) .
( من صحيح البخاري عن أبي هريرة)
       لذلك قال العلماء : من أفاض من عرفات ، ولم يغلِب على ظنِّه أن الله قد غفر له فلا حج له ، تفعل ماذا ؟ جئت من بلدك مِن بُعْدٍ يزيد عن عشرات الآلاف مِن الكيلو مترات ، دفعت الرسوم ، دفعت النفقات ، أغلقت محلَّك التجاري ، تركت أهلك ، لماذا جئت ؟ أليس جئت للمغفرة ؟ تفعل ماذا هناك ؟ مَن أفاض مِن عرفات ولم يغلب على ظنِّه أن الله قد غفر له فلا حج له .
 
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
تعظيم حرمات الله تعالى دليل على التقوى      
     أي أن هذه المناسك الذي يعظمها ، هناك حاج يتساهل ، يقول لك : لا تدقق ، هذا لا يعظِّم شعائر الله ، لديك أشياء مباحة في بلدك ، الطيب مباح ، بالعكس مندوب ، قال عليه الصلاة والسلام :(( حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء ...)) .
( رواه أحمد عن أنس)
       فالطيب مباح في بلدك ، ولكن الله سبحانه وتعالى هناك أراد أن يتعبَّدك ، أن يمتحن مدى طاعتك له ، والطاعة دائماً تُمْتَحَن لا في المعاصي والآثام بل في المُباحات ، حينما تَنهى ابنك عن أن يسرق فلابدَّ أن يلتزم ، أما حينما تنهاه أن يأكل طعامه الذي جُعِلَ له ، ويستجيب لك فهذه منتهى الطاعة ، فربنا عزَّ وجل نهانا عن أشياء مباحة لنا ونحن في بلدنا ، مباح أن تلبس ثوباً مخيطاً ، مباح أن تغتسل بصابون مُعطَّر ، مباح أن تأخذ من الطيب ، مباح أن تحلق رأسك ، فربنا عزَّ وجل أراد أن يمتحن عبوديَّتك امتحاناً صارماً ، فالمعاصي ، والآثام شيء بديهي ، وتركها من باب أولى ، لما فربنا يأمرك عزَّ وجل أن تترك المباح فترك المعصية من باب أَوْلَى ، فإذا كان لبس المخيط حرام ، النظر للنساء أشد حُرْمَةً ، إذا كان استعمال الطيب حرام فالكذب أشد حرمةً ، ربنا عزَّ وجل جعل المباحات محرمة هناك ليكون ترك المحرَّمات من باب أوْلى ، شيء بديهي جداً أن تكون بعيداً عن كل إثمٍ أو معصية .
 
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾
    الحُرْمَة الشيء الذي لا يجوز أن تناله ، شيءٌ محرم .
 
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾
الأنعام كلها حلال إلا ما استثني
     طبعاً الميتة والدم ولحم الخنزير ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، هذه كلها ذكرها الله عزَّ وجل في أماكن أخرى من كتاب الله ، لكن بعض المفسرين يقولون : إلا ما يتلى عليكم هنا السياق والسباق واللحاق يقتضي أن ذبح الأنعام في البيت الحرام كما كان شائعاً في الجاهلية ، كان ذبحاً على الأصنام ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول بعدها :
 
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾
الأمر باجتناب الأوثان     
      أيْ اجتنبوا الرجس الذي يصيبكم من عبادة الأوثان ، لأنكم إذا عبدتم الأوثان فهو رجسٌ أيْ نجسٌ ، والنجس مستقْبَح ، ربنا عزَّ وجل في آية أخرى يقول :
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾
( سورة التوبة : من آية " 82 " )
       لم يقل الله عزَّ وجل : نجسون ، بل قال :
]نَجَسٌ [.
       لأن النَجِس يطْهُر ، نَجِس على وزنَ ِفعل ، أما النَجَس هو عين النجاسة ، فلذلك الوثن الصنم إذا عبدته فهو نجس ، نجاسة بمعنى أنك إذا عبدته انقطعت عن الله عزَّ وجل ، هذا الصنم أصم وأبكم ، لا ينطق ولا يسمع ولا يستجيب ، وليس معك ، وليس في إمكانه أن يتجلَّى على قلبك ، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى في سياق هذه الآيات ويبيَّن أنه لا يجوز للإنسان أن يذبح هدياً إلا ابتغاء مرضاة الله ، وهذه الآية فيها نهيٌ عن فعل الجاهلية .
 
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾
الأمر باجتناب قول الزور     
     هذه الآية يستنبط منها أن الباطل لا يجوز أن تمارسه ، ولا يجوز أن تتحدَّث عنه ، لأن الحديث عن الوثن وعن الصنم هو حديثٌ كاذب ، وهو يقول زور ، فلا ينبغي أن تعبد الوثَنْ ، ولا أن تشيد به ، ولا أن تتحدث عنه ، وعندنا قاعدة أصولية .. ما حَرُم فعله حَرُم استماعه ، وحرم النظر إليه ، وحرم الحديث عنه .. فهذه الأوثان التي كانت تُعْبَدُ من دون الله في الجاهلية لا يجوز أن تعبد ، عبادتها نجاسةٌ قطعية ، والحديث عنها كذلك ، لذلك :
 
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾
      لأن قول الزور قولٌ كاذب ، والحديث عن الأوثان حديثٌ كاذب غير صحيح ، لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، ويجب أن يكون الحُجَّاجُ حنفاء لله ، الأحنف هو المائل ، الأحنف بن قيس سمي " أحنف " لأنه كان به مَيْل ، إذا سار يميل على إحدى رجليه ، أما الأحنف هنا فهو ، المؤمن الأحنف أي المائل لله عزَّ وجل ، أيْ كله متجه إلى الله عزَّ وجل ، إمكاناته ، تفكيره ، مشاعره ، عقله ، ذِكْرُهُ ، حديثه ، طاقاته ، نشاطه ، كله في سبيل الله .
 
﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾
حُنَفَاءَ للّهِ غيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ
 حنيف أيْ مائل .
 
     أحياناً يقول لك بعض الناس : ساعة لك ، وساعة لربك ، هذه المقولة شرك ، فالوقت كله لله ، لكن ربنا عزَّ وجل أمرك أن تأخذ حظاً من الراحة ، أمرك أن تجلس مع أهلك ، أمرك أن تجلس مع أولادك ، ولكن حنفاء لله ، القلب معلَّق بالله عزَّ وجل .
 
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾
عاقبة الشرك والمشركين
     مَن يتخذ غير الله شريكاً ، مَن يتوجَّه لغير الله ، من يطمح لغير الله ، من يطمئن لغير الله ، من يطيع غير الله ، من يركن لغير الله ، من يعتمد على غير الله ، من يرضى بغير الله ، هذا شرك .
(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الإِشْرَاكُ بِاللهِ ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدَونَ شَمْساً وَلاَ قَمَراً وَلاَ وَثَناً ، وَلكِنْ أَعْمَالاً لِغَيْرِ اللهِ ، وَشَهْوَةً خَفِيّةً )) .
( من مسند ابن ماجة )
 
 
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾
      صورةٌ رائعة ، المشرك كأنه سقط من السماء ، فلو أنَّ إنساناً يركب طائرة ، وهذه الطائرة تطير على ارتفاع أربعين ألف قدم ، وفجأةً فُتِحَ الباب الذي إلى جانبه وسقط ، فقد مات وانتهى ، هذا مثل مبسَّط لمن يشرك..
 
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾
يصبح طعاماً في حويصلاتها ..
 
﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾
﴿ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
( سورة لقمان )
      وإن الأديان السماوية كلها تدعو إلى التوحيد ..
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( سورة الأنبياء )
  
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾   
من التقوى تعظيم شعائر الله
      الشعائر جمع شعيرة ، والشعيرة العلامة الدالة على منسك أو على عبادة ، فالكعبة مِن شعائر الله ، والبيت الحرام من شعائر الله ، والحرم المكي بكامله مع حدوده من شعائر الله ، المُصحف من شعائر الله ، المسجد من شعائر الله ، المؤمن من شعائر الله ، من يتزيَّا بزي أهل العلم فهذا من شعائر الله ، ينبغي أن تحترمه ، ينبغي أن تجلَّه ، إكراماً لهذا الزي الذي يرتديه .
 
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾
       فالأدب مع الله هو أدب مع رسوله ، هو أدب مع بيته ، أدب مع كتابه ، أدب مع مَن يدلُّه على الله عزَّ وجل ، الأدب واحد يظهر بأشكال متباينة .
 
﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾
الهدي منفعة للحاج خالصة لله
     هذا الهدي الذي يسوقه الحاج معه ، أعني الحاج المتمتع ..
 
﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾
     فلك أن تركبها ، ولك أن تحلبها ، ولك أن تستعين بها ..
 
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
     في النهاية تُنْحَر ، ويقدم لحمها طعاماً للفقراء ، فيجوز من خلال هذه الآية أن تركب الهدي ، وأن تستفيد من لبنه ، ومن صوفه ، ومن وبره..
 
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
       لذلك حينما كان الحجاج يذبحون الخراف سابقاً ، ويلقونها في الطريق لتنتفخ بعد ساعات ، وتملأ الجو كلها رائحةً نتنة ، هذا ليس من فعل المسلم ، هذا ليس منسكاً ، ليس القصد أن تذبح غنمًا ، بل استفد من هذا اللحم ، القصد أن يصل هذا اللحم إلى بطون الفقراء ، هذا القصد ، لذلك تفقَّهوا قبل أن تحجوا ، حدثني صديق قبل سنوات .. قبل أن يمنع الذبح ، الآن يتم الذبح في المسلخ .. قبل أن تمنع فوضى الذبح كان الحاج يشتري هذه الغنمة بمئات الريالات ، ويذبحها ، ويمشي ، فإذا نظر إلى هذا المَنسك إنسان غير مسلم فإنه يتساءل : أهذا هو الإسلام ؟ أهذا هو الدين ؟ هل يأمركم الله عزَّ وجل أن تذبحوا هذه الخراف لتصبح جِيَفَاً ، أهذا هو الدين ؟ لا والله ، يجب أن تنتهي هذه الأغنام ، هذه الذبائح إلى أجواف الفقراء ، إلى بطونهم .
 
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾
      أيْ أنَّ الله عزَّ وجل جعل مناسك ، أي جعل وسائل تتقرب بها إليه ، من هذه الوسائل أن تذبح الأضاحي تقرُّباً إلى الله عزَّ وجل ، المنسك يعني العبادة ، وهنا العبادة المتعلِّقة بذبح الهدي .
 
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾
من صفقات المؤمن المخبت :
1 - الخوف والوجل عند ذكر الله :
     الذين أضمروا الحب لله عزَّ وجل ..
 
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
      فالإسلام نصفه محبَّة ، مكان المحبة في الإسلام كمكان الروح من الجسد ، فالإسلام من دون محبة جسدٌ بلا روح ، فالمؤمنون ..
 
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
     اضطربت قلوبهم ، هَطَلَت دموعهم ، اقشعرَّ جلدهم ، اضطربوا ، تأثروا ..
 
﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾
2 - الصبر على المصائب :    
       المؤمن صابر يرى أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء ، ويرى أن حكمته بالغة ، وأن الله سبحانه وتعالى كل أفعالِهِ خير .
﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ .
( سورة آل عمران : من آية " 26 " )
   
﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ ﴾ 
3 - إقامة الصلاة :
       فالصلاة تحتاج إلى جهد كبير كي يقيمها الإنسان ، تحتاج إلى استقامة ، وأنت تحتاج إلى أن تعرف الله ، يجب أن تعرف مَن تقف بين يديه ، تحتاج إلى عمل صالح كي ترقى به إليه .
 
﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
4 – الإنفاق في سبيل الله :
     كل إنسان مُحاسب على ما رزقه الله عزَّ وجل ، فمن آتاه الله العلم فعليه أن ينفق من علمه ، والذي أتاه الله المال عليه أن ينفق من ماله ، والذي أتاه الله الجاه عليه أن يُنِفِقَ من جاهه .
 
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ وَالْبُدْنَ﴾
الهدي المسوقة في الحج من شعائر الله
أيْ الناقة ، مفردها بَدَنَة ، بفتحتين ..
 
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾
تقف ، وتربط ، ثم تُنْحَر ..
 
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾
أي وقعت وسَكَنَتْ ..
 
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾
القانع والمعتر
القانع الذي لا يسأل ، والمُعْتَر الذي يتعرَّض للسؤال ، يسأل ، يقول لك : أعطني من مال الله .
 
﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾
 
لَنْ يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُها
     لن ينال الله ، اسم الجلالة ، مفعول به مقدَّم منصوب على التعظيم ، أيْ لن ينال لحومها ولا دماؤها الله ، فإن الله عزَّ وجل غنيٌ عن عبادتنا كلها .
(( يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا )) .
( من صحيح مسلم عن أبي ذر )
       فلذلك :
 
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾
وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ      
      الله عزَّ وجل يناله من العبد هذه النيَّةُ الطيبة ، بهذه النية الطيبة يقبل عليه ، بهذه النية الطيبة يسعد بها إلى الأبد .
 
﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾
       معناها : وأنت في الحج فقد هُدِيَت إلى الله عزَّ وجل ، وما قولك : " لبيك اللهم لبيك والله أكبر ، الله أكبر " إلا تعبيرٌ عن أنك قد اهتديت إلى الله عزَّ وجل .
 
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
 
 
والحمد لله رب العالمين
 
 
 
 
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب