سـورة الحـج 022 - الدرس (4): تفسير الآيات (25– 38)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سـورة الحـج 022 - الدرس (4): تفسير الآيات (25– 38)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


        إعلان وتنويه هام الأخوة مستمعي ومحبي إذاعة القرآن الكريم-نابلس، نود أن ننوه الى أن هناك محطة راديو مجهولة الهوية والمكان، تبث تلاوة قرآن كريم على مدار الساعة، دون الإعلان عن اسم المحطة أو رقم تلفون أو أية فواصل إعلانية ، و قد اثر ذلك على إرسال إذاعتنا في الكثير مناطق مدينة القدس ، و مدينة بيت لحم ، ومناطق واسعة من مدينة رام الله، وبعض مرتفعات جنين، ومنطقة الرام وكل مدينة أريحا، ومنطقة نابلس الجديدة في مدينة نابلس، وحوّارة وحاجز زعترة بالقرب منها، وخط التسعين بين مدينة أريحا وطبريا،، ولا زلنا مستمرين بالحث والتحري لمعرفة المناطق المتضررة من هذا التشويش، ولأن هذه المحطة تستخدم نفس ترددنا الذي نستخدمه 96.9FM، وتبث تلاوة قرآن، فهذا ما زاد الأمر تعقيدا في البحث ووقتا أطول حتى استطعنا التأكد من أن هناك جهاز إرسال بقدرة عالية يبث على هذا التردد. ونشكر كل من اتصل بنا ليخبرنا بهذا التشويش، علما أننا قمنا بالبلاغات لدى الجهات الرسمية في وزارة الأتصالات وتكنلوجيا المعلومات، وجاري العمل على تحديد مصدر هذا التشويش، ثم العمل على حل الموضوع بحول الله ومشيئته. لا تنسونا من دعائكم.           مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج بذور - برنامج زراعي:  برنامج بذور -الحلقة - 81           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسأل - 171- الشيخ محمد الحاج محمد - 22 - 8-2019           برنامج أغرب من الخيال:  أغرب من الخيال - 28-وسطية العبادة           برنامج تربية الأولاد:  وسائل تربية الأولاد - 72- التربية بالقدوة 2           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 163- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- حكم قطف االثمر في الطرقات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0395 - سورة يونس 071 - 071         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الحج

New Page 1

تفســير القـرآن الكريم ـ سـورة الحج (الآيات: 25- 38)

12/06/2011 18:22:00

تفسير سورة الحج (022)
الدرس (4)
تفسير الآيات (25- 38)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع من سورة الحج ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
  
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
 
   
      فالذين كفروا بالله ، وقد بيَّنت في دروسٍ سابقة أن الكفر تكذيبٌ وإعراض ، تكذيبٌ بآيات الله ، تكذيبٌ بآياته الكونية ، وتكذيبٌ بآياته القرآنية ، وتكذيبٌ بوعده ، وتكذيبٌ بوعيده ، وتكذيبٌ بأسمائه ، وتكذيبٌ بمنهجه ، تكذيبٌ وإعراض ، الذين كفروا أعرضوا عن الله عزَّ وجل ، والتفتوا إلى الدنيا ، التفتوا إلى الشركاء ، التفتوا إلى المال ، التفتوا إلى كل ما يقرِّبهم من الدنيا ..
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
من لوازم الكفرِ الصدُّ عن سبيل الله    
       من لوازم الذين كفروا أنهم يصدّون عن سبيل الله ، فكفروا فعل ماض ، أما يصدون عن سبيل الله فهو فعلٌ مضارع ، والفعل المضارع يفيد الاستمرار ، هم دائماً يصدون عن سبيل الله ، أيُّ شيءٍ يؤدِّي إلى مرضاة الله فهم يصدون الناس عنه ، أيُّ شيءٍ يقرِّب الناس من الله فهم يصدونهم عنه ، أيُّ شيءٍ يوصلهم فهم يقطعونهم عنه ، من لوازم الكفار أنهم يصدون عن سبيل الله ، هم ضالون مُضلون ، فاسدون مُفسدون ، هؤلاء الكفار يصدون عن سبيل الله ، أي شيءٍ يوصل إلى الله فهم في هذا الطريق عقبةٌ كَؤود ، ربما كان دفع المال طريقاً إلى الله عزَّ وجل ، فهم يمنعون الناس أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله ، ربما كانت الأعمال الصالحة التي يُبتَغى بها وجه الله طريقاً إلى الله عزَّ وجل ، فهم يمنعون هذه الأعمال الصالحة ، ربما كان تعليم العِلم أو تلقِّي العِلم طريقاً إلى الله عزَّ وجل ، فهم يمنعون تعليم العلم وتلقينه ، وهكذا ..
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
     فنعوذ بالله أن نَصُدَّ الناس عن سبيل الله ، بل اللهم ارزقنا أن نكون هادين مهديين ، أن نهتدي ، ويُهتدى بنا ، أن نكون واصلين ، أن نكون مقرِّبين ..
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
    قال الله سبحانه وتعالى ..
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ﴾
( سورة آل عمران : من آية " 96 " )
البيت الحرام مكان للعبادة والتقرب   
   أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذا البيت مكاناً للتقرُّب إليه ، جعل هذا البيت مكاناً لعبادته ، جعل هذا البيت مكاناً للتفرُّغِ لعبادته ، فلذلك من حكمة الحج أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين أن يأتوا إليه مخلِّفين وراء ظهورهم بيوتهم ، وزوجاتهم ، وأولادهم ، وأموالهم ، وحوانيتهم ، ووظائفهم ، ومكانتهم ، ومتعهم ، ومباهجهم ، كل دنياهم مركزةٌ في بلادهم ، مِن أجل ألا تكون الدنيا عائقاً بين العبد وبين ربه ، من أجل ألا تكون الدنيا حجاباً بين العبد وبين ربه ، فالله سبحانه وتعالى أمر الناس أن يأتوا إليه ، وهم في طريقهم إليه يقولون : لبيك اللهم لبيك.
       أمرهم أن يبتعدوا عن الدنيا ، الشيء الذي أباحه لهم في بلادهم حرَّمه عليهم وهم قاصدون إليه ، حرم عليهم لبس الثياب المَخيطة ، جعلهم يذكرون ساعة النشر ، ساعة الحشر ، أراد أن يصرفهم عن الدنيا ، وربما كان اللباس من الدنيا ، أمرهم أن يرتدوا ثوبين رداءً وإزاراً ليس غير ، لئلا تلتفت النفس إلى الثوب ، وإلى مظهره ، وإلى أناقته ، وإلى ألوانه المُنسجمة ، ولئلا يختال الإنسان بثيابه ، والله سبحانه وتعالى جعل البيت الحرام مكاناً للإقبال عليه ، جعل البيت الحرام مكاناً للتوجُّه إليه ، جعل البيت الحرام تفرُّغاً لعبادته .
        الناس يُصلّون في بلادهم ، ولكنَّهم يُصلّون ، وقد ينشغلون في صلاتهم عن الاتصال بربهم ، قد ينشغلون بدنياهم عن الالتجاء إلى الله عزَّ وجل ، ولكنهم بالحج أمرهم أن يأتوا إليه ، ولْيدَعوا كل شيءٍ وراء ظهورهم ، أراد أن يعلِّمهم كيف أن هناك فِراقاً للدنيا لا رجعة بعده ، هذا الحج تدريبٌ على الفراق النهائي ، كيف أن الحاج يَنْخَلِعُ وينسلخ من كل ميزات الدنيا التي توفرها له مكانته ودخله في بلده ، فربنا سبحانه وتعالى جعل المسجد الحرام معطوفاً على سبيل الله ..
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
     فكأن المسجد الحرام مكافئٌ لكلمة سبيل الله ، كما أن الأعمال الصالحة كلَّها ؛ طلب العلم ، تعليم العلم ، إنفاق المال ، أداء العبادات ، أداء الزكاة ، الصيام ، هذه كلها سُبَلٌ إلى الله عزَّ وجل ، كذلك المسجد الحرام سبيلٌ إلى الله عزَّ وجل ..
 
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾
مشاعر الناس في المسجد الحرام سواء ، القريب والبعيد    
     أيُّ مكانٍ تذهب إليه لا تفارقك مشاعُر بأنك في البلد الفلاني ، إذا ذهبت إلى بلد شرقي ، أو غربي ، أو عربي ، أو إسلامي ، دائماً هناك شعور مستمر أنك في هذا البلد ، لكنك إذا دخلت البيت الحرام لا تشعر أنك في السعودية ، تشعر أنك في بيت الله ، هذا المعنى مستفاد من قوله تعالى :
 
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾
    أيْ حقُ الغريبِ عنه كحقِّ المقيم فيه ، هو للناس جميعاً ، ليس لأهل مكة ، وليس لأهل المدينة ، وليس لمن يقيم في المملكة ، إنه للناس جميعاً..
 
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾
معنى : ] العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ [    
       العاكف المُقيم ، والباد الذي جاء من البادية أو الذي جاء من مكانٍ بعيد ، يعبَّر عنه في كتب الفقه : بالآفاقي ، أيْ حقُ المسلم أينما كان ، من أي بلدٍ كان ، من أي مجتمعٍ كان ، في البيت الحرام كحقِّ ساكني مكة المكرَّمة سواءً بسواء ، يعني أنَّ هذا البيت للناس ، وليس لأهل بلدٍ بالذات ، ولا لأهل إقليمٍ معين ، ولا لأهل مصرٍ ما ، إنما هو للمسلمين جميعاً .
 
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾
حرمة البيت الحرام
     وربنا سبحانه وتعالى جلَّت مشيئته أراد أن يجعل هذا البيت الحرام ، وسماه حراماً لأنه يحرم فيه كل إيذاءٍ يقع على أي مخلوق ، هناك أشهُرٌ حُرُم ، وهناك أمكنةٌ حرم ، فالمسجد الحرام مكانٌ حرام لا يجوز فيه القتال، ولا يجوز فيه الأخذ بالثأر ، ولا يجوز فيه العدوان ، ولا يجوز فيه قتل الصيد الذي هو مباحٌ في مكانٍ آخر ، وفي وقتٍ آخر، أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذه الأشهر الحرام وجعل البيت الحرام حَداً للخصومات ، كل من دخل هذا البيت فهو آمن ولو كان مهدور الدم ، إذا دخل البيت فهو آمن ، مكانٌ حرام وأشهرٌ حرام ، فربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾
     هذا مكان عبادة ، مكان إقبال ، مكان تعبُّد ، مكان صفاء ، مكان بعد عن الدنيا ، عن أخبار الدنيا ، عن صراعات الدنيا ، عن مشكلات الدنيا ، عن أزمات الدنيا ، مكان عبادةٍ خالصة ، مكانٌ يُذَكِّر الناس باليوم الآخر ، يُذكّرهم بمنقلبهم إلى ربهم ، لذلك لا ينبغي أن تقوم فيه فتنة ، ولا ينبغي أن يجري فيه عدوان ، ولا ينبغي أن يقع فيه اقتتال ، إنه شهرٌ حرام وبيتٌ حرام ، والله سبحانه وتعالى يتوعَّد مَن تسوّل له نفسه في هذا البيت الحرام وفي الشهر الحرام أن يعتدي على أيّ مخلوق ، يقول الله سبحانه وتعالى :
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾
جزاء من أراد في البيت الحرام بالإلحاد والظلم
في للظرفية المكانية ..
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾
أي مَن ينوي ..
 
﴿فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾
     الإلحاد الانحراف عن جادة الصواب ، استقامت وجهته أو أَلْحَد ..
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾
    هذه الباء للملابسة ، أيْ إرادته منحرفة ، مَن يرد إرادةً متلبِّسَةً بالانحراف بسبب أنه ظلم نفسه أو ظلم مخلوقاً آخر ،
 
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
      حتى إن بعض المفسرين فهموا من هذه الآية ، أن الخطيئة في البيت الحرام يعظمُ إثمها ، ويضاعف عقابها ، حيث لو أن الإنسان أراد سيئةً ، ولم يفعلها حوسب عليها ، وهو في البيت الحرام لقوله تعالى :
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾
وليس مَن يقترب ، ليس مَن يظلم ..
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾
     في هذا البيت ، وفي للظرفية المكانية والزمانية ، أيْ في البيت الحرام وفي الأشهر الحرام .
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾
 
     أيْ متلبِّساً بانحرافٍ عن طريق الإيمان الصحيح ، والعمل الصالح..
 
﴿بِظُلْمٍ﴾
بدافع من ظُلمه لنفسه أو ظلمه للآخرين ، هذا الذي يفعل إثماً ، أو يقتل حيواناً ، أو يؤذي إنساناً ، أو يقلع نبتةً ، أو يشتم مخلوقاً ، أو يفسُق ، أو يفجر ، في هذا البيت الحرام ؛ مَن أراد هذه المعاصي ..
 
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
    في الدنيا والآخرة ، لأن ربنا عزَّ وجل جعل هذا البيت مكاناً للعبادة والنُسك ، فأيّ عملٍ مُخِلٍّ بهذه العبادة وبالطمأنينة التي يجب أن تتوافر للحاج في هذا المكان فهذا إفسادٌ في الأرض .
 
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
     لذلك فإنَّ في زمن العرب لو أن حرباً ضَروساً نشبت بين فئتين ، وجاءت الأشهر الحرم انتهى كل شيء ، لو أن أحد الخَصْمَين دخل الحرم فهو آمن ، الله سبحانه وتعالى جعل البيت الحرام ، وجعل الأشهر الحرام رحمةً للناس ، حَدَّاً لنزاعاتهم ، وإيقافاً لخصوماتهم ، وإنهاءً لمشكلاتهم .
 
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾
بيت الله الحرام أول بيت وضع للناس
يقول ربنا عزَّ وجل في آيةٍ أخرى :
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران : من آية " 96 " )
       هذه الآية دليلٌ قطعي على أن أول بيتٍ أنشئ على وجه الأرض لعبادة الله سبحانه وتعالى هو البيت الحرام في مكة المكرَّمة ، لكن ربما كُلِّفَ هذا النبي العظيم سيدنا إبراهيم بإعادة إنشاء البيت ، أَّما هذا البيت فلابدَّ من أنه وُضع منذ عهد آدم .
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ﴾
( سورة آل عمران : من آية " 96 " )
       وبعض علماء الجغرافية يرون أن الكعبة المشرفة تقع في الوسط الهندسي تماماً للقارَّات الخمس ، إذا أخذنا أطراف القارات الخمس ، ووصلنا بين أطرافها بأقطار تأتي الكعبة المشرَّفة في مركز تقاطع هذه الأقطار ، بيتٌ متوسِّط ، وربنا سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعله في وادٍ غير ذي زرع لئلا يأتيه إلا الحاج ، فلو كان في وادٍ ذي زرعٍ ، وجوٍ لطيف ، وبحيراتٍ رائعة ، وجبالٍ خضراء لجاءه الحاج والسائح ، لكنه بهذه الطريقة لا يقصده إلا الحاج ، الحاج وحده ، ومع أن هناك حراً شديداً ومع أن هناك ازدحاماً بالغاً ، فإن الذي ذهب إليه بإخلاصٍ شديد ، يقول لك : لم أذق في حياتي نعيماً وسعادةً أبلغ من هذا الحج ، وهذه حكمة الله سبحانه وتعالى ، كأنه هناك تجلّيًا من الله مكثفًا لهؤلاء الحجاج الأطهار ، الحجاج والعمار وفد الله ، فإذا ذهب الإنسان إلى بيت من بيوت الله في بلده الذي يقيم فيه فلن يجد مثل هذا الشعور والسعادة ..
(( إن بيوتي في الأرض المساجد وإنَّ زوَّارها هم عُمَّارها ، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني ، وحُقَّ على المزور أن يكرم الزائر)) .
( ورد في الأثر)
       إذا كان إكرامك من قبل الله عزَّ وجل حقٌ عليه إذا أتيته لبيته الذي في بلدك ، فكيف إذا أتيته في البيت الحرام ؟ شتَّان ، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :
((وَلا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)) .
( من صحيح البخاري عن أبي سعيد )
       هذه المساجد الثلاثة لها مكانة خاصة ، ويبدو أن الله سبحانه وتعالى جعلها موطناً للتجلِّي الذي يَنْعُمُ به الحجَّاج والعُمَّار .
 
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾
أي حددنا مكان هذا البيت ، وجعلناه مرجعاً إلي ..
 
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾
أيْ أنَّ هذا البيت أقيم على التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد .
 
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾
] وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [
     بعضهم قال : الطائفين الذين يطوفون حول البيت .
     وأما :
   
﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾  
] وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [
    المصلون ، وهناك من يستنبط من هذه الآية أن الطواف يسبق القِيام ، والقيام يسبق الركوع ، والركوع يسبق السجود ، وكأنها مراتب ، طاف ، فأقام ، فركع ، فسجد ، يعني أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، الركوع خضوع ، والسجود طلب العون ، والقيام الالتزام ، والطواف هو البحث ، طاف باحثاً ، ثم عكف واقفاً ، ثم ركع ثم سجد ، طهِّرا بيتي من الشرك ومن القَذَر ومن كل شيء ، وهؤلاء الذين شرَّفهم الله عزَّ وجل بخدمة مساجده وبيوته هؤلاء تنطبق عليهم هذه الآية ، ليست خدمة بيوت الله وظيفة ، وظيفةٌ يتقاضى الإنسان راتبها ، إنها شرفٌ تشرِّف الإنسان ، لذلك َمن هُم تواقوَّن لخدمة بيوت الله عزَّ وجل فهؤلاء لابدَّ من أن تشملهم هذه الآية :
    
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾
 
] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [
أيْ ادعُهم إلى الحج ، إذا انتهيت من بناء البيت وتجديده ، أذِّن في الناس بالحج .
 
﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾
الأجر على قدر المشقة : ] يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ [
      والذين قالوا : الثواب على قدر المشقَّة لم يخطئوا ، كلَّما قلَّت المشقَّة وصار السفر متعةً ، والطائرة مكيفةً ، والصالات كلها مكيَّفة ، والخيام مكيفة في عرفات ، والطعام لذيذ ، والتنقُّل ممتع ، قَلَّ الأجر ، وأصبح الحج متعةً ، لذلك السلف الصالح يأتون راجلين ، وبعضهم يأتون راكبين ، ولكن لا ينبغي للحاج اليوم أن يذهب ماشياً ولا راكباً ناقةً ، لأن الجهد ليس مطلوباً لذاته ، أما إذا كان الجهد عاماً ، المشقة إن كانت عامةً فالله سبحانه وتعالى يثيب عليها ، على قدر المشقة ، ولكن الآن أصبح الانتقال لا خيار فيه ، لابدَّ من ركوب الطائرة ، ولابدَّ من التنقُّل بين مكة وعرفات ، وبين مكة والمدينة بوسائل الركوب المعروفة .
 
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾
يأتوك رجالاً وراكبين ، رجالاً مترجِّلين ، ويأتوك راكبين ..
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾
 
أيْ أنَّ هذه الناقة أصبحت ضامرة لشدة المشقَّة وبعد المسافة ..
 
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
     طبعاً نحن حينما نذهب إلى الحج فالمسافة بيننا وبين الحرم تُعَدُّ قريبةً نسبياً ، أما الذين يأتون من باكستان ، من الهند ، من الصين ، من أمريكا، من أوروبا فهذه مسافاتٌ طويلة ، وركوب الطائرة يستغرق عشرات الساعات ، كما يكلِّف إنفاق مئات الألوف ..
 
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
     لذلك النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله ، تماماً بتمام .
 
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾
منــافع الحـج : روحية ومعنوية     
    فلا يُعقل أن يدعوك الله سبحانه وتعالى وأنت في بلدك ، يدعوك لترك أهلك ، وعملك ، ودكَّانك ، ووظيفتك ، وأولادك ، وتأتي إليه ، ولا تجد شيئاً هذا مستحيل ، مستحيل في حق الله عزَّ وجل ، مستحيل في حقِّ الضيافة أن تأتيه من مكانٍ بعيد ولا يكرمك ، لذلك :
 
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾
     وعلامة الحاج الصادق أنه يتمنَّى أن يحج كل عام ، علامة الحاج الذي أقبل على الله وتجلى الله على قلبه ، أنه يتمنى أن تكون أيامه كلها حجاً ، فلذلك يقول الله سبحانه وتعالى :
 
﴿  لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ
    والمفسرون قالوا في تفسير هذه الآية : " منافع روحية ، ومنافع دنيوية " ، فإضافةً إلى أن الحج عبادة راقية ، والإنسان في الحج يقبل على الله عز‍َّ وجل ، ويعاهده على الطاعة ، يتوب إليه ، ويتعرف إليه ، ويتشرف قلبه بالإقبال عليه ، إضافةً إلى كل هذا فإن في الحج منافع ، ربما يلتقي المسلمون من شتىَّ أقطارهم ، ربما يتعرَّف بعضهم على بعض ، ربما يبحثون قضيةً عامة ، ربما يتشجَّع الإنسان ليكون مثل هؤلاء ، ربما يكون التنافُس بينهم ، هناك منافع روحية ، ومنافع دنيوية تكون في الحج .
 
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾
﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾
( سورة البقرة : من آية " 197 " )
       فالحاج يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المعلومات ، كلما صعد شَرَفاً أو هبط وادياً ، أو استيقظ ، أو نام ، أو التقى بركبان ، يقول : "لبيك اللهم لبيك ، لبيك استجابةً لدعوة الله سبحانه وتعالى :
 
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾
       فإذا رمى جمرة العقبة قطع التلبية وقال : " الله أكبر والله أكبر " ، بدأ يكبِّر ويهلل ويسبح ، الحج كله ذكر ، الحج كله دعاء ، الحج كله صلاة ، الحج كله إقبال ، الحج كله اتصال ، الحج مناسبةٌ كي يتصل هذا العبد بخالقه اتصالاً محكماً مكثفاً مجدياً صحيحاً .
 
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾
نعمة بهيمة الأنعام
     هذه الأنعام من آيات الله عزَّ وجل ، الأنعام تعني الإبل والبقر والغنم بما فيه الماعز ، هذه الحيوانات التي جعلها الله آيةً على كرمه .
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلّلْنَاهَا لَهُمْ
( سورة يس )
       لو أن الله سبحانه وتعالى رَكَّبَ في هذه الأنعام أخلاق الضباع ، أو أخلاق الذئاب ، أو أخلاق الوحوش الكاسرة ، أو أخلاق السباع ، كيف نستفيد منها ؟ كيف نربِّيها ؟ كيف نكثِّرها ؟ كيف نذبحها ؟ كيف نتِّقي شرها؟ إنها وديعة ، الغنم والماعز والبقر والجمل ، ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
( سورة الغاشية )
       فهناك بحوث عن الجمل يكاد العقل لا يصدقها ، فالله سبحانه وتعالى خلق الجمل خِصِّيصاً للصحراء ، له عينان تُريانه الصغير كبيراً .. أي كالمجهر .. والبعيد قريباً .. مثل التلسكوب .. ولعينيه رموش بإمكانه أن يُغمض عينيه ، وأن يرى طريقه لئلا يؤذيه غبار الصحراء ، له أجفان يرى من خلالها ، ولا تتأثر بغُبار الصحراء ، بإمكان الجمل أن يَسُدَّ أذنيه ، الجمل له ثفينات ، يجلس جلسةً نظامية كي يسهل تحميله ، لو جلس كالحمار على جنبه كيف نُحَمِّل الجمل ؟ إنه يجلس بشكلٍ نظامي ، يحمله صاحبه ، وهو قاعد ، ثم يقف ، مَن هَيَّأ له هذا السنام الذي يجزئُهُ عن تناول الغذاء أشهراً ؟ الجمل بإمكانه أن يعيش بلا ماء ما يزيد عن عدة أشهر ،  بإمكان الجمل أن يمتَّص الماءَ من خلاياه ، الجمل يصبر ، له هذه الأخفاف التي تعينه على السير في الرمال ، فلو حدثتكم عن الجمل لطال الحديث ، وهناك بحوثٌ طريفةٌ جداً وعميقة وغزيرة لا يتسع الوقت لذكرها جميعاً ، فهذه سُمِّيَتْ أنعاماً لأنها نعمةٌ كبرى من الله عزَّ وجل .
        والغنم كذلك نأكل لحومها ودهنها وشحمها ، ونستفيد من عَظمها ، ونستفيد من أصوافها ، ومن جلودها ، ومن ألبانها ، ومن أمعائها ، كل شيءٍ في الغَنَمِ خير ، هذه نعم الله سبحانه وتعالى ، الألبان ، مشتقات الألبان تعرفونها جميعاً ، لا تجد بيتًا في الأرض إلا وفيه مشتقَّات الألبان ، هذه آيةٌ عظمى على نِعَمِ الله عزَ وجل .
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ
       من جعلها مذللةٌ ؟ فبإمكان الطفل الصغير أن يقود الجمل الكبير ، لأنه مذلل ، لو لم يكن مذللاً لخاف منه الرجل فكيف بالطفل ؟ .
 
 
 
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾
الهدي في الحج : الأكل منها والتصدق على الفقراء
      كلوا من هذا الهَدْي ، لذلك أجاز العلماء أن يأكل الحاج من هَدْيِهِ ، وكلكم يعلم أن هناك حاجاً مفرداً ، وحاجاً متمتِّعاً ، وحاجاً قارناً ، فالحاج المفرد لا دم عليه ، لا هدي عليه ، أما المتمتِّع والقارن فعليهما الهدي ، هدي المتمتع هدي جَبرٍ ، وهدي القارن هدي شكرٍ ، لأن الله أعانه ووصل العمرة بالحج فعليه هديُ شكرٍ ، أما المتمتع فعليه هدي جبرٍ ، لأنه اعتمر ، ثم تحلل ، ثم أحرم من مكة قُبَيْلَ الحج ، فعليه دم جبرٍ ، فأجاز العلماء أن يأكل الحاج نَدْبَاً أو وجوباً أو إباحةً من لحم الهدي ، وأن يطعم منه القانع والمُعْتَر ، لكنهم حرَّموا الأكل على من قدَّم الهدي نذراً أو جزاءَ إثمٍ ارتكبه في الحج ، هذا الهدي الذي يقدَّم جزاءً وكفارةً لإثمٍ ارتكبه الحاج ، أو وفاءً بنذرٍ لا ينبغي أن يأكل الحاج منه شيئاً .
 
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾
هذا أمر ندب أو أمر إباحة هناك أمر يقتضي الوجوب ، وهناك أمر إباحة ، ثم ..
﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ ﴾
( سورة البقرة : من آية " 187 " )
       هذا أمر إباحة ، ليس معناه أنه إذا لم يأكل الرجلُ يكون قد عصى ، عندنا في الشرع أمر إباحة ، كما أنه عندنا أمر ندب ، وكذلك عندنا أمر وجوب .
 
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾
وبعد أن رمى الحاج جمرة العقبة وذبح الهدي ..
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
     التَفَثْ ، الإنسان حينما يقصُّ أظافره يقضي تفثه ، وحينما يحلق شعر رأسه يقضي تفثه ، وحينما يغتسل فيُذهب عن جلده الأوساخ يقضي تفثه ، بعد أن أحرموا يوم الثامن من ذي الحجة ، أو بعد أن أحرموا من العمرة إلى الحج للقارن ، واستمروا على إحرامهم أياماً ولياليَ لا يمسَّون طيباً ، ولا يحلقون رأساً ، ولا يلبسون مخيطاً ، ولا يستعملون طيباً ، بعد أن أحرموا ، وتحمَّلوا مشاقَّ الإحرام ، فالآن جاء وقت قضاء التَفَث ، قال تعالى :
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
       حَمَّلَ بعض العلماء هذه الآية على أن الحاج وهو في عرفات ، أو وهو يطوف البيت ، أو وهو يقبِّل الحجر ، أو وهو يسعى بين الصفا والمروة ، يعاهدُ الله على أعمالٍ صالحة ، على خدمة الخَلق ، على هداية الخلق ، على الاستقامة على أمر الله ، هذا العهد الذي عاهدت الله به ، بعد أن تحللت من الإحرام جاء وقت الوفاء به ..
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ     
      الحاج كأنه عاهد الله سبحانه وتعالى ، وهو في عرفات عاهد الله ، وهو يقبِّل الحجر الأسود عاهد الله ، وهو يلتزم المُلتزم عاهد الله ، وهو يسعى بين الصفا والمروة عاهد الله ، وهو يطوف حول البيت يعاهد الله سبحانه وتعالى ، فإذا حَلَّ من إحرامه ، وقضى تفثه عليه أن يفي بنذره ، أحد الصالحين اشترى قبراً في حياته ، كان كل يوم خميس يضَّطجع فيه حياً ، ويتلو قوله تعالى :
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ
( سورة المؤمنون )
       فيقول لنفسه : قومي لقد أرجعناكِ ، قومي إلى العمل الصالح قد أرجعناكِ ، وكأن لسان حال الحاج .
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾
      بعد أن يرموا جمرة العقبة ، وبعد أن يذبحوا الهدي ، ويحلقوا شعورهم ، ويغتسلوا يتحللون التحلُّل الأول ، أي بإمكانهم أن يفعلوا كل شيء كان محظوراً عليهم إلا النساء ، هذا التحلُّل الأول ، فإذا طافوا طواف الرُكن ، طواف الركن : يعني طواف الإفاضة ، حلَّ لهم كل شيء كان محظوراً عليهم بما فيه النساء .
 
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
الطواف بالبيت العتيق
     فإذا قلت : كَسَّر غير كَسَرَ ، وغَلَقَ غير غلَّق ، وقَطَعَ غير قَطَّع ، قطَّع فيه مبالغة ، قطعتُ اللحم قطعتين ، أما قطَّعتها قطعاً صغيرة ، فوزن فَعَّلَ يفيد التكسير ، فربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾
     أي وليطوفوا كثيراً ، فهم النبي عليه الصلاة والسلام من قوله تعالى:
 
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾
      الطواف سبعة أشواط ، الحد الأدنى سبعة أشواط ، لكن الطواف الواجب دائماً أربعة أشواط ، والسُنَّةُ سبعة أشواط ، فمن طاف أربعة أشواطٍ وأصابه إغماءٌ فرضاً فقد أدَّى الفريضة ، طواف الزيارة .
 
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
     وسمي البيت العتيق عتيقاً لأنه أقدم بيت ، وسمي البيت العتيق عتيقاً لأن الله كرَّمه أن يخضع لجبَّار ، لذلك : كل أنواع الغزو التي شهدها العالم الإسلامي لم تصل إلى الكعبة ، جعله الله عتيقاً .
       والمعنى الآخر أن كل من دخل هذا البيت مخلصاً أعتقه الله من النار ، إما لأنه عَتِيقٌ زماناً ، أو لأنه في مَنْجَاةٍ من سيطرة الجبابرة ، أو لأن كل من دخله أعتقه الله من النار ، لأن : مَن حج ، كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )) .
( من صحيح البخاري عن أبي هريرة)
       لذلك قال العلماء : من أفاض من عرفات ، ولم يغلِب على ظنِّه أن الله قد غفر له فلا حج له ، تفعل ماذا ؟ جئت من بلدك مِن بُعْدٍ يزيد عن عشرات الآلاف مِن الكيلو مترات ، دفعت الرسوم ، دفعت النفقات ، أغلقت محلَّك التجاري ، تركت أهلك ، لماذا جئت ؟ أليس جئت للمغفرة ؟ تفعل ماذا هناك ؟ مَن أفاض مِن عرفات ولم يغلب على ظنِّه أن الله قد غفر له فلا حج له .
 
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
تعظيم حرمات الله تعالى دليل على التقوى      
     أي أن هذه المناسك الذي يعظمها ، هناك حاج يتساهل ، يقول لك : لا تدقق ، هذا لا يعظِّم شعائر الله ، لديك أشياء مباحة في بلدك ، الطيب مباح ، بالعكس مندوب ، قال عليه الصلاة والسلام :(( حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء ...)) .
( رواه أحمد عن أنس)
       فالطيب مباح في بلدك ، ولكن الله سبحانه وتعالى هناك أراد أن يتعبَّدك ، أن يمتحن مدى طاعتك له ، والطاعة دائماً تُمْتَحَن لا في المعاصي والآثام بل في المُباحات ، حينما تَنهى ابنك عن أن يسرق فلابدَّ أن يلتزم ، أما حينما تنهاه أن يأكل طعامه الذي جُعِلَ له ، ويستجيب لك فهذه منتهى الطاعة ، فربنا عزَّ وجل نهانا عن أشياء مباحة لنا ونحن في بلدنا ، مباح أن تلبس ثوباً مخيطاً ، مباح أن تغتسل بصابون مُعطَّر ، مباح أن تأخذ من الطيب ، مباح أن تحلق رأسك ، فربنا عزَّ وجل أراد أن يمتحن عبوديَّتك امتحاناً صارماً ، فالمعاصي ، والآثام شيء بديهي ، وتركها من باب أولى ، لما فربنا يأمرك عزَّ وجل أن تترك المباح فترك المعصية من باب أَوْلَى ، فإذا كان لبس المخيط حرام ، النظر للنساء أشد حُرْمَةً ، إذا كان استعمال الطيب حرام فالكذب أشد حرمةً ، ربنا عزَّ وجل جعل المباحات محرمة هناك ليكون ترك المحرَّمات من باب أوْلى ، شيء بديهي جداً أن تكون بعيداً عن كل إثمٍ أو معصية .
 
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾
    الحُرْمَة الشيء الذي لا يجوز أن تناله ، شيءٌ محرم .
 
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾
الأنعام كلها حلال إلا ما استثني
     طبعاً الميتة والدم ولحم الخنزير ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، هذه كلها ذكرها الله عزَّ وجل في أماكن أخرى من كتاب الله ، لكن بعض المفسرين يقولون : إلا ما يتلى عليكم هنا السياق والسباق واللحاق يقتضي أن ذبح الأنعام في البيت الحرام كما كان شائعاً في الجاهلية ، كان ذبحاً على الأصنام ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول بعدها :
 
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾
الأمر باجتناب الأوثان     
      أيْ اجتنبوا الرجس الذي يصيبكم من عبادة الأوثان ، لأنكم إذا عبدتم الأوثان فهو رجسٌ أيْ نجسٌ ، والنجس مستقْبَح ، ربنا عزَّ وجل في آية أخرى يقول :
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾
( سورة التوبة : من آية " 82 " )
       لم يقل الله عزَّ وجل : نجسون ، بل قال :
]نَجَسٌ [.
       لأن النَجِس يطْهُر ، نَجِس على وزنَ ِفعل ، أما النَجَس هو عين النجاسة ، فلذلك الوثن الصنم إذا عبدته فهو نجس ، نجاسة بمعنى أنك إذا عبدته انقطعت عن الله عزَّ وجل ، هذا الصنم أصم وأبكم ، لا ينطق ولا يسمع ولا يستجيب ، وليس معك ، وليس في إمكانه أن يتجلَّى على قلبك ، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى في سياق هذه الآيات ويبيَّن أنه لا يجوز للإنسان أن يذبح هدياً إلا ابتغاء مرضاة الله ، وهذه الآية فيها نهيٌ عن فعل الجاهلية .
 
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾
الأمر باجتناب قول الزور     
     هذه الآية يستنبط منها أن الباطل لا يجوز أن تمارسه ، ولا يجوز أن تتحدَّث عنه ، لأن الحديث عن الوثن وعن الصنم هو حديثٌ كاذب ، وهو يقول زور ، فلا ينبغي أن تعبد الوثَنْ ، ولا أن تشيد به ، ولا أن تتحدث عنه ، وعندنا قاعدة أصولية .. ما حَرُم فعله حَرُم استماعه ، وحرم النظر إليه ، وحرم الحديث عنه .. فهذه الأوثان التي كانت تُعْبَدُ من دون الله في الجاهلية لا يجوز أن تعبد ، عبادتها نجاسةٌ قطعية ، والحديث عنها كذلك ، لذلك :
 
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾
      لأن قول الزور قولٌ كاذب ، والحديث عن الأوثان حديثٌ كاذب غير صحيح ، لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، ويجب أن يكون الحُجَّاجُ حنفاء لله ، الأحنف هو المائل ، الأحنف بن قيس سمي " أحنف " لأنه كان به مَيْل ، إذا سار يميل على إحدى رجليه ، أما الأحنف هنا فهو ، المؤمن الأحنف أي المائل لله عزَّ وجل ، أيْ كله متجه إلى الله عزَّ وجل ، إمكاناته ، تفكيره ، مشاعره ، عقله ، ذِكْرُهُ ، حديثه ، طاقاته ، نشاطه ، كله في سبيل الله .
 
﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾
حُنَفَاءَ للّهِ غيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ
 حنيف أيْ مائل .
 
     أحياناً يقول لك بعض الناس : ساعة لك ، وساعة لربك ، هذه المقولة شرك ، فالوقت كله لله ، لكن ربنا عزَّ وجل أمرك أن تأخذ حظاً من الراحة ، أمرك أن تجلس مع أهلك ، أمرك أن تجلس مع أولادك ، ولكن حنفاء لله ، القلب معلَّق بالله عزَّ وجل .
 
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾
عاقبة الشرك والمشركين
     مَن يتخذ غير الله شريكاً ، مَن يتوجَّه لغير الله ، من يطمح لغير الله ، من يطمئن لغير الله ، من يطيع غير الله ، من يركن لغير الله ، من يعتمد على غير الله ، من يرضى بغير الله ، هذا شرك .
(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الإِشْرَاكُ بِاللهِ ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدَونَ شَمْساً وَلاَ قَمَراً وَلاَ وَثَناً ، وَلكِنْ أَعْمَالاً لِغَيْرِ اللهِ ، وَشَهْوَةً خَفِيّةً )) .
( من مسند ابن ماجة )
 
 
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾
      صورةٌ رائعة ، المشرك كأنه سقط من السماء ، فلو أنَّ إنساناً يركب طائرة ، وهذه الطائرة تطير على ارتفاع أربعين ألف قدم ، وفجأةً فُتِحَ الباب الذي إلى جانبه وسقط ، فقد مات وانتهى ، هذا مثل مبسَّط لمن يشرك..
 
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾
يصبح طعاماً في حويصلاتها ..
 
﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾
﴿ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
( سورة لقمان )
      وإن الأديان السماوية كلها تدعو إلى التوحيد ..
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( سورة الأنبياء )
  
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾   
من التقوى تعظيم شعائر الله
      الشعائر جمع شعيرة ، والشعيرة العلامة الدالة على منسك أو على عبادة ، فالكعبة مِن شعائر الله ، والبيت الحرام من شعائر الله ، والحرم المكي بكامله مع حدوده من شعائر الله ، المُصحف من شعائر الله ، المسجد من شعائر الله ، المؤمن من شعائر الله ، من يتزيَّا بزي أهل العلم فهذا من شعائر الله ، ينبغي أن تحترمه ، ينبغي أن تجلَّه ، إكراماً لهذا الزي الذي يرتديه .
 
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾
       فالأدب مع الله هو أدب مع رسوله ، هو أدب مع بيته ، أدب مع كتابه ، أدب مع مَن يدلُّه على الله عزَّ وجل ، الأدب واحد يظهر بأشكال متباينة .
 
﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾
الهدي منفعة للحاج خالصة لله
     هذا الهدي الذي يسوقه الحاج معه ، أعني الحاج المتمتع ..
 
﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾
     فلك أن تركبها ، ولك أن تحلبها ، ولك أن تستعين بها ..
 
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
     في النهاية تُنْحَر ، ويقدم لحمها طعاماً للفقراء ، فيجوز من خلال هذه الآية أن تركب الهدي ، وأن تستفيد من لبنه ، ومن صوفه ، ومن وبره..
 
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
       لذلك حينما كان الحجاج يذبحون الخراف سابقاً ، ويلقونها في الطريق لتنتفخ بعد ساعات ، وتملأ الجو كلها رائحةً نتنة ، هذا ليس من فعل المسلم ، هذا ليس منسكاً ، ليس القصد أن تذبح غنمًا ، بل استفد من هذا اللحم ، القصد أن يصل هذا اللحم إلى بطون الفقراء ، هذا القصد ، لذلك تفقَّهوا قبل أن تحجوا ، حدثني صديق قبل سنوات .. قبل أن يمنع الذبح ، الآن يتم الذبح في المسلخ .. قبل أن تمنع فوضى الذبح كان الحاج يشتري هذه الغنمة بمئات الريالات ، ويذبحها ، ويمشي ، فإذا نظر إلى هذا المَنسك إنسان غير مسلم فإنه يتساءل : أهذا هو الإسلام ؟ أهذا هو الدين ؟ هل يأمركم الله عزَّ وجل أن تذبحوا هذه الخراف لتصبح جِيَفَاً ، أهذا هو الدين ؟ لا والله ، يجب أن تنتهي هذه الأغنام ، هذه الذبائح إلى أجواف الفقراء ، إلى بطونهم .
 
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾
      أيْ أنَّ الله عزَّ وجل جعل مناسك ، أي جعل وسائل تتقرب بها إليه ، من هذه الوسائل أن تذبح الأضاحي تقرُّباً إلى الله عزَّ وجل ، المنسك يعني العبادة ، وهنا العبادة المتعلِّقة بذبح الهدي .
 
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾
من صفقات المؤمن المخبت :
1 - الخوف والوجل عند ذكر الله :
     الذين أضمروا الحب لله عزَّ وجل ..
 
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
      فالإسلام نصفه محبَّة ، مكان المحبة في الإسلام كمكان الروح من الجسد ، فالإسلام من دون محبة جسدٌ بلا روح ، فالمؤمنون ..
 
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
     اضطربت قلوبهم ، هَطَلَت دموعهم ، اقشعرَّ جلدهم ، اضطربوا ، تأثروا ..
 
﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾
2 - الصبر على المصائب :    
       المؤمن صابر يرى أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء ، ويرى أن حكمته بالغة ، وأن الله سبحانه وتعالى كل أفعالِهِ خير .
﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ .
( سورة آل عمران : من آية " 26 " )
   
﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ ﴾ 
3 - إقامة الصلاة :
       فالصلاة تحتاج إلى جهد كبير كي يقيمها الإنسان ، تحتاج إلى استقامة ، وأنت تحتاج إلى أن تعرف الله ، يجب أن تعرف مَن تقف بين يديه ، تحتاج إلى عمل صالح كي ترقى به إليه .
 
﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
4 – الإنفاق في سبيل الله :
     كل إنسان مُحاسب على ما رزقه الله عزَّ وجل ، فمن آتاه الله العلم فعليه أن ينفق من علمه ، والذي أتاه الله المال عليه أن ينفق من ماله ، والذي أتاه الله الجاه عليه أن يُنِفِقَ من جاهه .
 
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ وَالْبُدْنَ﴾
الهدي المسوقة في الحج من شعائر الله
أيْ الناقة ، مفردها بَدَنَة ، بفتحتين ..
 
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾
تقف ، وتربط ، ثم تُنْحَر ..
 
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾
أي وقعت وسَكَنَتْ ..
 
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾
القانع والمعتر
القانع الذي لا يسأل ، والمُعْتَر الذي يتعرَّض للسؤال ، يسأل ، يقول لك : أعطني من مال الله .
 
﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾
 
لَنْ يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُها
     لن ينال الله ، اسم الجلالة ، مفعول به مقدَّم منصوب على التعظيم ، أيْ لن ينال لحومها ولا دماؤها الله ، فإن الله عزَّ وجل غنيٌ عن عبادتنا كلها .
(( يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا )) .
( من صحيح مسلم عن أبي ذر )
       فلذلك :
 
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾
وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ      
      الله عزَّ وجل يناله من العبد هذه النيَّةُ الطيبة ، بهذه النية الطيبة يقبل عليه ، بهذه النية الطيبة يسعد بها إلى الأبد .
 
﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾
       معناها : وأنت في الحج فقد هُدِيَت إلى الله عزَّ وجل ، وما قولك : " لبيك اللهم لبيك والله أكبر ، الله أكبر " إلا تعبيرٌ عن أنك قد اهتديت إلى الله عزَّ وجل .
 
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
 
 
والحمد لله رب العالمين
 
 
 
 
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب