سـورة الحـج 022 - الدرس (2): تفسير الآيات (6– 15)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سـورة الحـج 022 - الدرس (2): تفسير الآيات (6– 15)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج على رواء: على رواء ح94 - 15 - 04 - 2019 - نظرة الغرب للمسلمين           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 247- اسم الله القاهر 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - ليلة النصف من شعبان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0266 - سورة الاعراف 082 - 085           برنامج كوني مريمية:  كوني مريمية - 11 - سر الصيام           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 246- اسم الله القاهر 1         

New Page 1

     سورة الحج

New Page 1

تفســير القـرآن الكريم ـ سـورة الحج (الآيات: 6- 15)

07/06/2011 15:41:00

تفسير سورة الحج (022)
الدرس (2)
تفسير الآيات (6 - 15)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة الحج ، يقول الله سبحانه وتعالى بعد قوله تعالى :
 
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾
 
 
 
معنى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ     
المعنى الأول :
      معنى أن الله سبحانه وتعالى هو الحق ، أي أن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود ، بينما ما سواه من المخلوقات فممكن الوجود ، أيّ شيءٍ غير الله سبحانه وتعالى يمكن أن يوجد ، ويمكن ألا يوجد ، هذا من جهة ، ومن جهةٍ ثانية فوجود الأشياء ليس بذاتها ، بل بقدرة الله .. ﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
( سورة البقرة : من آية " 255 " )
       أيّ شيءٍ قائمٌ به ، فوجود الأشياء ليس ذاتياً ، إنما الوجود وجود الموجودات ، مستمدٌ من الله عزَّ وجل ، فوجودها ليس حقيقي ، وجودها متعلقٌ بوجود الله ، وجودها متوقفٌ على وجود الله إذاً :
 
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾
      أيْ أن في الكون حقيقةً واحدة ألا وهي الله سبحانه وتعالى ، أول معنى أن الله هو الحق أي أنه أزليٌ أبديٌ سرمدي ، لا يتعلق وجوده بشيءٍ آخر ..
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
( سورة الإخلاص )
       معنى :
﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ
       أي ذاتي الوجود ، أما نحن مفتقرون إلى الهواء ، فإذا انقطع عنا الهواء نفقد الحياة ، مفتقرون إلى الماء ، مفتقرون إلى الطعام والشراب ، مفتقرون إلى جهاز القلب ، فلو تعطل هذا العضو الخطير لأصبحنا جثةً هامدة ، مفتقرون إلى أجهزة كثيرة جداً ؛ إلى أجهزة عصبية ، وأجهزة هضمية ، فحياة الإنسان مفتقرة إلى ما لا نهاية له من المقوِّمات ، بل إنها مفتقرةٌ إلى الروح التي هي قوة الله في الإنسان ، فوجود الكون وجود وهمي ، لأن هذا الكون ، كن فيكون ، زل فيزول ،
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
( سورة يس )
       إذاً وجود المخلوقات ليس وجوداً أصلياً ، بل هو وجود مبني على وجود الله عزَّ وجل ، فالحق هو الله ، هو الأبدي السرمدي ، أما الأرض كل من عليها فان .
﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
( سورة القصص )
 
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾
      لذلك من تعلَّق بالحق سَعِدَ إلى الأبد ، ومن تعلق بالباطل زال مع الباطل ، وزهق مع الباطل ..
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا
( سورة الإسراء)
       هذا هو المعنى الأول .
المعنى الثاني :
    أن الله سبحانه وتعالى هو حقٌ ومخلوقاته بالحق ، معنى بالحق أي بحكمةٍ بالغة ، كل شيءٍ خلقه الله عزَّ وجل بدرجةٍ ، وبحجمٍ ، وبشكلٍ ، وبنوعٍ وبتعقيدٍ ، وبإمكاناتٍ ، وبأجهزةٍ ، وبطباعٍ بحيث لو اختل بعضها لكان هذا نقصاً في حكمة الله عزَّ وجل ، إذاً فأول معنى :
 
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾    
أيْ هو الأبدي السرمدي ، كل شيءٍ سواه يفنى ، لا بقاء لشيءٍ سواه ، هو الحي الباقي .
المعنى الثالث :
       أن الله سبحانه وتعالى هو الحق بمعنى : أنه واجب الوجود ، بينما غيره ممكن الوجود ، إنه مصدر الوجود ، وقوام الوجود ، ولا وجود إلا وجوده.
المعنى الرابع :
      مخلوقات الله عزَّ وجل بالحق ، كل مخلوقٍ له شكل ، له حجم ، له خصائص ، له صفات ، له أجهزة ، له طباع ، إنها بالحق حيث لو زادت درجةً أو نقصت درجةً لكان هذا خللاً في خلق الله عزَّ وجل ،
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ
 ( سورة الملك : من آية " 3 " )
       فهذا المعنى ينطبق على الكون كله ، بُعد الأرض عن الشمس بالحق ، لو زاد هذا البعد لاختل توازن الأرض ، لو قل هذا البعد لاحترق من على الأرض ، بعد القمر عن الشمس ، بعد الأرض عن القمر ، طبيعة الجبال ، طبيعة البحار ، أنواع النباتات ، أنواع الحيوانات ، أنواع الأسماك ، أنواع الأطيار ، كل مخلوقٍ ليس في الإمكان أبدع مما كان ، كل مخلوق ؛ كبيراً كان أو صغيراً ، جليلاً كان أو حقيراً ، هذا المعنى الثالث ، الله سبحانه وتعالى هو الحَق الأبدي السرمدي ، وهو الحق واجب الوجود ، وغيره ممكن الوجود ، وهو الحق قوام الوجود .
       الآن مخلوقاته بالحق ، أي بوضعٍ كاملٍ كمالاً مطلقاً.
 
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾
       نظامه بالحق ، مخلوقاته ، أنواعها ، أعدادها ، أشكالها بالحق ، تسييره بالحق ، نظام المجرَّات بالحق ، نظام الكواكب بالحق ، المجموعة الشمسية بالحق ، خلق الإنسان بالحق ، خلق الجنين بالحق ، خلق النبات بالحق ، أي بوضعٍ كاملٍ لا يقبل تعديلاً ،
       هذا مثل ما بين أيديكم :
       هل علمتم أن خلق الإنسان طرأ عليه تعديلٌ ؟ لا ، ولكنّ صُنعَ الإنسان يطرأ عليه ألف تعديل وتعديل ، أنظر إلى مركبةٍ صنعت عام ألف وتسعمئة وعشرة ، وانظر إلى مركبةٍ صنعت عام ألف وتسعمئة وثمانين ، أو ثمانية وثمانين ، ترى أن بينهما بوناً شاسعاً ، بوناً كبيراً جداً ، إذاً خلقُ الإنسان يتكامل ، ولكنَ خلق الله عزَّ وجل كاملٌ كمالاً مطلقاً ، معنى بالحق: لا يمكن أن يطرأ عليه تعديل ، فمثلاً لن يقال : الإنسان الفلاني مولود عام ألف وسبعمئة وعشرة ، وكان في خلقه نقص كثير ، ليس هذا الكلام معقولاً ، وأن هناك تعديلات جوهرية أُجريت على أجهزته ، مستحيل هذا الكلام ، في حق الله هذا مستحيل ، خلقُ الإنسان خلقٌ كامل لم يطرأ عليه أي تعديل ..
 
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾
كلمة بالحق من معانيها أيضاً ، نأخذ معناها من آيتين :
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾
( سورة ص : من آية " 27 " )
       الباطل هو الزائل لا محالة ، والحق هو الثابت والدائم ، فربنا عزَّ وجل هو ثابت وخَلَق الكون ليبقى ، وما حياته الدنيا إلا طورٌ مِن أطواره ، الإنسان خلق ليبقى ، لأن الإنسان مخلوق بالحق ، ومعنى بالحق أي خلق ليسعد إلى الأبد في جوار الله عزَّ وجل ، وما الموت إلا ثوبٌ يخلعه ويرتدي ثوباً آخر ، فالخلق بالحق ، أي الخلق لم يكن خلقاً باطلاً أي زائلاً، بل خُلِقَ الإنسان ليبقى أبد الدهر ، إما في جنةٍ يدوم نعيمها ، أو في نارٍ لا ينفد عذابها .
       فمعنى الحق هو الشيء الهادف ، أيْ أنَّ ربنا عزَّ وجل خلق الإنسان لهدفٍ عظيم ، أمّا أن يقول بعض الناس : إن الإنسان خلق للشقاء ، فهذا ليس بالحق ، فأنت مثلاً حينما تبني بناءً ضخماً لابدَّ من هدفٍ كبير وراء هذا البناء ، تبني جامعة ، يُبنى هذا البناء ليبقى ، ويبنى لهدفٍ كبير، نقول : هذا البناء بالحق بمعنى أن أساساته متينة ، بناؤه يبقى إلى عشرات السنين ، وله هدفٌ كبير من بنائه ، لذلك معنى " الحق " أنه يعني مجموعة من المعاني ، فمن معاني الحق البقاء ، ومن معاني الحق الكمال ، من معاني الحق الدَيْمومة ، من معاني الحق أنه واجب الوجود ، من معاني الحق أنه أصل الوجود .
 
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾
       الحق تأتي وصفاً ، وتأتي صِفَةً ، نقول مثلاً : هذا القرآن حقٌ ، نَصِف القرآن بأنه حق لأنه لا يوجد فيه باطل ، ولا تناقضٌ ، ولا خلل ، ولا رَيب ، ولا زَيغ ، ولا فيه آية تصادم حقيقة علمية ، هذا القرآن حقٌ وما دام حق إذاً ثابت ، دائماً الشيء الحق ثابت ، لو بني بناءٌ بشكلٍ صحيح ، لو بني الجدار بالحق ، أي على شاقول ، يبقى هذا البناء ، لو بُني الجدار من دون شاقول ، بُني مائلاً ، هذا البناء لابدَّ أن يسقط ، فالبناء الذي بُني على شاقول حق ، والجدار الذي بُني بلا شاقول باطل ، لابدَّ  أن يسقط ، فلذلك :
 
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾
وإحياء الموتى حقٌّ
     فهذه الآية ما دام الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان :
 
﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾
       هذا الذي خلق الإنسان بهذه الأطوار قادرٌ على أن يخلقه خلقاً ثانياً ، لذلك:
 
 ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾     
        أيُّ شيءٍ ، ما من كلمةٍ في اللغة أشمل وأوسع من كلمة شيء ، لأن كلمة شيء تشمل كل شيء .
 
 
﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
      قُدْرَةُ الله عزَّ وجل لا تُحَد ، بينما قدرة الإنسان محدودة ، أي أنك أيها الإنسان ؛ هل تأمَّلت في الكون ؟ هل أجَلْتَ فكرك في خلق السماوات والأرض ؟ هل فكَّرت في خلقك ؟ هل فكرت في خلق طعامك ؟ في خلق شرابك ؟ في خلق ما تأكله من حيوانات ؟ في خلق ما تستعين به من حيوانات ؟ هل فكرت في خلق الأطيار ؟ في خلق الأشجار ؟ في خلق الأسماك ؟ هل توصَّلت من هذه الجَوْلات إلى أن الله هو الحق ؟ فليس في الوجود حقيقةٌ إلا الله ، وما سوى ذلك صور وأخيلة لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، هنيئاً لمن ربط مصيره بالحق ، والويل لمن ربط مصيره بالباطل ، فالباطل زاهق ، والباطل لابدَّ من أن يسقط .
 
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ﴾
والساعةُ حقُّ
     أيْ أنَّ الإنسان إذا فكَّر تفكيراً بسيطاً ، توصَّل من هذا التفكير إلى أن هذا الكون عظيم ، وخالقه عظيم ، وفي الحياة الدنيا حظوظ متفاوتة ، هذا مريض ، وهذا صحيح ، هذا قوي ، وهذا ضعيف ، هذا غني ، وهذا فقير، هل يعقل أن يستمتع الغني بالغنى ، ويموت ، وأن يشقى الفقير بالفقر ، ويموت ، وأن يسعد القوي بقوته ، ويموت ، وأن يشقى الضعيف بضعفه ، ويموت ، وينتهي كل شيء !! نقول : يا رب أين حق الفقير ؟ أين حق الضعيف ؟ أين حق المريض والعليل ؟ لابدَّ من يومٍ يحاسب فيه الإنسان على أعماله كلها ، لابدَّ من يومٍ يعاد فيه تقييم كل شيء ، لابدَّ من يومٍ ينال الإنسان جزاء عمله إن صغيراً أو كبيراً ، لابدَّ من يومٍ يعود الحق إلى نِصابه ، لابدَّ من يومٍ يأخذ كل ذيٍ حقٍ حقه ، إذاً :
 
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ﴾
       أيْ أنَّ مِن لوازم الإيمان بالله الإيمانُ باليوم الآخر ، من لوازم إيمانك بعظمة الله أن تؤمن بعدالته ، وعدالته لن تتحقق كاملةً إلا في يوم الدين ، يوم البعث والنشور ..
 
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾
      لذلك يتوهَّم الإنسان أحياناً أن الموت نهاية الحياة ، والأصح من ذلك أن الموت بداية الحياة ، لهذا قيل : " الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف ، الدنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء " ، ولذلك فالإنسان في الدنيا في دارِ عملٍ ولا جزاء ، وهو في الآخرة في دار جزاءٍ ولا عمل ، لا  عملَ بالآخرة ، لقد خُتم العمل ، وبقي الجزاء ، أمَّا الآن فالعملُ مفتحةٌ أبوابُه ، ولكنّ الجزاء يوم القيامة .
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾
إذا أردت المناقشة والجدال فعليك بالعلم والهدى والقرآن
        العلماء وقفوا عند هذه الآية ، هذا الذي يجادل ، يماري ، يناقش ، من دون علمٍ يَسْتَنِدُ إليه ، ومن دون هدىً يهتدي به ، ومن دون كتابٍ يعلم تأويله ، لا علمٌ ولا هدىً ولا كتابٌ منير ، بعض العلماء قالوا : العلم هو علم أهل الأرض ، والهُدى سلامة التفكير ، والكتاب المنير هو الكلام الذي أوحاه الله عزَّ وجل إلى بعض أنبيائه ، فكأن الإنسان إذا أراد أن يناقش فَعَليه أن يستند إلى علمٍ قد تَعَلَّمه ، أو إلى هدىً يهتدي به ، أو إلى كتابٍ منير يُضئ له السبيل ، أمَا الذي يُناقش بلا علم فهو إنسانٌ أحمق ، إنسانٌ غبي ، إنسانٌ مبطل ، إنسانٌ مفترٍ ، والذي يناقش بلا منطقٍ سليم ، لا يستخدم وسائل المنطق الصحيحة ، في الوصول من المقدمات إلى النتائج ، هذا أيضاً مناقشته باطلة ، والذي لا يهتدي بكتاب الله عزَّ وجل ، ولا يأخذ آياته مأخذَ الجَد ، ولا يعتمدها في المناقشة ، هذا إنسان أيضاً مناقشته باطلة.
       فكأن الله سبحانه وتعالى يبيِّن لنا أنك إذا أردت أن تناقش فهل عندك علمٌ حَصَّلْتَهُ ؟ أو هل عندك منطقٌ سليم تدرَّبت عليه ؟ أو هل عندك آياتٌ بينات من قِبَلِ الله عزَّ وجل تهتدي بها ؟ فإن كان لا علمٌ ولا هدىً ولا كتابٌ منير ، فهو جدال مَن يسخر من نفسِهِ .
       بعضهم قال : العلم هو المُسَلَّمات : إن الجزء أصغر من الكُل ، هذه مسلمة ، وإن الجمع أكثر من الواحد هذه مسلمة ، هناك مجموعة مسلَّمات في المنطق ، وهذه لا برهان عليها ، لأن البرهان يعتمد عليها .
       بعضهم قال : العلم هو المسلمات والبديهيات ، والهدى هو إشراق الحقيقة في قلب الإنسان ، والكتاب المنير هو القرآن الكريم ، أو أي كتابٍ سماوي ، على كلٍ إذا أردت أن تناقش مهندساً فينبغي أن تكون مهندساً ، وإذا أردت أن تناقش طبيباً فينبغي أن تكون طبيباً ، الطبيب لا يسمح لك أن تناقشه ، وأنت جاهل ، والمهندس كذلك ، وإذا أردت أن تناقش لغوياً فلابدَّ أن تكون لغوياً مثله ، هذا العلم ، والهدى لابدَّ من قواعد منطقية في التعامل مع الأفكار ، هذه المقدمة تُغضي إلى هذه النتيجة ، أو أنْ تأتينا بآية ، أي أنه إمَا أن يكون لدينا دليل عقلي ، أو دليل نقلي ، أو دليل واقعي، العلماء قَسَّموا الأدلة إلى أنواع ثلاثة ، الدليل النقلي ما جاء عن الله عزَّ وجل في القرآن الكريم أو في السنة النبوية المطهرة ، هذا دليل نقلي ، أخي هذا الأمر حرام ، ما السبب ، قال الله عزَّ وجل :
﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ
 ( سورة المائدة : من آية " 90 " )
       الاستهزاء يا أخي حرام ..
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ
 ( سورة الحجرات : من آية " 11 " )
       شيء جميل ، إما أن تأتي بالدليل النقلي ، قرآن أو حديث ، النبي الكريم e قال :
(( لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )) .
( من سنن الترمذي عن حكيم بن حزام )
       فإذا باعَ واحد بضاعة على المسطرة ، فهذه مخالفة في البيع ، فإذا وجدتَ تاجراً يبيع بضاعةً قبل أن يقتنيها فلك أن تنهاه عن ذلك ، يقول لك : والدليل ، تقول له : قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )) .
أنواع الأدلة :
    هذا دليل نقلي ، فإذا أردت أن تناقش الناس فأنت بحاجة إلى دليل ، والدليل ثلاثة أنواع ، دليل نقلي وعقلي وواقعيّ .
1 - الدليل نقلي :
     وهو أعلى أنواع الدليل من الكتاب الكريم ومن السنة المطهرة ، أو الأصح ما صح من السنة المطهرة ، يعني آية قرآنية ، أو حديث متواتر صحيح ، حديث حسن مقبول ، لكنَّ الحديث الضعيف مرفوض في الأحكام الشرعية ، لكنه مقبول في الفضائل ، في فضائل الأعمال ، وفي المكارم الأخلاقية ، هذا هو الدليل النقلي .
2 – الدليل العقلي :    
     وأمَّا الدليل العقلي فهو المنطقي ، تقول له : هذا المخدرات حرام أم حلال ؟ وتجيب من فورك : حرام ، يقول لك : هات لي آية ، فالله حرَّم الخمر فقط ، تقول له :
(( كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ )) .
( من صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري )
      بالمنطق ، لماذا حرَّم الله الخمر ؟ لأنها تسبب السُكْرَ ، فأي مادةٍ أخرى تنطبق عليه ، علَّة التحريم إذاً هي محرَّمة أيضاً ، هذا دليل عقلي ، بالقياس ، أي أننا قسنا كل أنواع المخدرات على الخمر ، فهي إذاً محرمة ، محرمة بالقياس ، أي بالدليل العقلي ، ما دامت العلة متحدة إذاً حُكِمَ الخمر ينسحب على كل مسكر آخر ، شيء جميل ، هذا دليل ثانٍ .
الدليل الواقعي :
       الدليل الثالث الواقعي ، من خلال العلوم الوضعية تكتشف أن تربة القمر ليست من طبيعة تربة الأرض ، فإذا أردت أن تذهب مع بعض العلماء من أنَّ السماوات كانت كتلةً واحدة ، ثم بفعل الدوران انفصلت بعض الكواكب عن بعضها ، وهذا يجب أن يَتْبَعَهُ أن تكون تربة القمر من نوع تربة الأرض ، فإذا كانت تُربة القمر من نوعيةٍ أخرى ، فهذه النظرية مرفوضة ، هذا دليل واقعي .
      إذاً نحن بالمناقشة نحتاج إلى دليل واقعي ، وإلى دليل عقلي ، وإلى دليل نقلي ، أعلى درجة في الأدلة للمسلمين الدليل النقلي ، أعلى درجة في الأدلة لغير المسلمين .. إنسان غير مؤمن بالأديان .. الدليل الواقعي والعقلي ، فالإنسان عليه أن يكون حكيماً إذا ناقش الناس ، إذا ناقشت إنساناً مسلماً يؤمن بكتاب الله وبسنة رسوله يكفيك أن تأتيه بالدليل النقلي ، آيةٌ قرآنية أو حديثٌ شريف ، أما إذا ناقشت إنساناً غير عابئٍ بكتاب الله ولا بالسنة المُطَهَّرة ، يجب أن تبدأه بالدليل العقلي أو الدليل الواقعي، فلو أن واحداً قال لك : هناك دواء يطيل العمر وهو مسلم ، تقول له : لا يا أخي ، لأنَّ الله سبحانه وتعالى في الكتاب الكريم يقول :
﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
( سورة الأعراف )
        فهذا الدواء لا تصدقه ، هذه دعاية إعلامية لا قيمة لها ، أما إذا خاطبت إنساناً آخر غير مؤمن بالقرآن والسُّنة فعليك أن تتبع الدليل العقلي أو الدليل الواقعي ، هذا معنى :
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾
      إنه يجادلُ لا بالدليل الواقعي : العلمي ، ولا بالدليل العقلي : الهُدى ، ولا بالدليل النقلي : الكتاب المنير ، وأمَّا آداب المناقشة أن تتغير بهذه الأدلة الثلاثة .
 
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾
معنى : ثَانِيَ عِطْفِهِ :
     العطف هو الجانب يثني جانبه كبراً ، كقوله تعالى :
﴿ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
 ( سورة لقمان : من آية " 18 " )
     تصعيرُ الوجه يعدّ كبراً ، وثنُي العطف كذلك يُعدّ كبراً ..
 
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
       حينما يناقش بغير علمٍ ولا هدى ولا كتابٍ منير ، فيقول لك : لابدَّ من الاختلاط ، تقول له : الأجانب حينما رأوا آلافاً مؤلفة من اللُقطاء في الحدائق جعلوا الجامعات هناك ذكوراً وإناثاً ، هؤلاء الذين لا يؤمنون بالأديان حفاظاً على بنية مجتمعهم جعلوا الأمر هكذا ، عندنا دليل واقعي .
 
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
      هو يريد الشهوة ، يريد أن يستمتع بالمرأة بطريقٍ مشروع أو بطريقٍ غير مشروع ، لذلك يحبذ الاختلاط ، يحبذ الانحلال ، يحبذ اختلاط الأنساب ، يحبذ التبذُّل ، يحبذ خروج المرأة بأبهى زينة ، من أجل أن يروي نهمته ، ويحقق شهوته بشكلٍ غير مشروع فلذلك :
 
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
      هو يريد أن يصُدَّ الناس عن سبيل الله ، يريد أن يبعدهم عن طريق الحق ، يريد أن يكون هؤلاء الناس مُنْحَلِّين .
 
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾
مصير المضِلِّ عن سبيل الله في الآخرة :
       هذا وعدٌ إلهي ، كل إنسانٍ يريد أن يُضِلَّ الناس عن سبيل الله ، كل إنسانٍ يريد أن يصد الناس عن طريق الحق ، كل إنسانٍ يريد أن يضل الناس عن طريق سعادتهم لابدَّ أن يناله خزيٌ في الدنيا ، لابدَّ أن يفضح على رؤوس الأشهاد ، فضيحة مالية ، فضيحة أخلاقية ، فضيحة علمية في عمله ، لابدَّ أن يُشهَّر به عقاباً له على صده عن سبيل الله، هذا عقابٌ أليم ..
 
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾
      إذاً :
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ *ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾
أيْ كبراً ، هذه اللام لام التعليل ..
 
﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
     هدفه إضلال الناس عن سبيل الله ..
 
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾
       هذا الإنسان يقال له : ذُق عذاب الحريق ..
 
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
مصير الإنسان يحدّده ما قدمت يداه
     فالإنسان يوم القيامة يرى أنه لمُ يظلم ، وأن الله سبحانه وتعالى أعطاه حقَّه غير منقوص .. ذق إنك أنت العزيز الكريم ..
 
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾       
       بعضهم يقول : الله سبحانه وتعالى ينفي أن يكون ظَلاَّماً ، وظلاَّم على وزن فعَّال ، وهي صيغة مبالغة ، فهل هو ظالمٌ ، وأنه ينفي المبالغة في الظلم فقط ؟ فهل يليق بحق الله تعالى الظلم ؟ فهي صيغة لا لنفي المبالغة ، إن مجيء صيغة المبالغة ظلاَّم بعد النفي ليس لنفي المبالغة ، بل للمبالغة في النفي ، أي أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة وإن تكن حسنةً يضاعفها .
       الآن عندنا نمط آخر من الناس ، هؤلاء أيضاً خطرون ، هذا النمط:
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
نمط من الناس : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ
      الحرف هو الطَّرَف ، إن صح التشبيه ، وإن صح التمثيل ، هذه الطاولة مثلاً هناك من يعبد الله على هذا الحرف منها ، هو يقف على حرفٍ ، أي على طرفها ، فإذا هو على شف هاوية ، على وشك السقوط ، أيُّ شيءٍ يسقطه ، أية هزةٍ توقعه ، أية عاصفةٍ ترميه ، أية موجةٍ تسحبه ، موجة تسحبه ، عاصفة تسقطه ، دفعة قليلة تجعله يسقط .
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
       أحياناً يتصورُ الإنسانُ الدّينَ في أنه إذا استقام على أمر الله ستضاعف غَلَّته عشرة أضعاف ، سيشتري بيتاً بأرقى حي فوراً ، سيشتري مركبة فخمة ، سيتزوج امرأة كما تحلو له ، سيعيش حياة أين منها حياة الملوك ، هذا الوهم خطير ، هو يوظِّف الدين من أجل الدنيا ، هو يتاجر بالدين ، هو يجعل من الدين مَطِيَّةً للدنيا ، هو يعبد الله على حرف ، ما دام صحيح الجسم فهو يعبد الله ، يؤدِّي صلواته ، يصوم رمضان ، يحجُّ البيت، ما دام دخله وفيراً يعبد الله ، ما دامت أسرته سعيدةً يعبد الله ، ما دام يرقى في سلم الوظائف يعبد الله ، فإن أصابه خيرٌ اطمأن به ، هذا الإنسان الوصولي ، يريد أن يصل إلى الدنيا عن طريق الدين ، الحقيقة أن الإنسان لمَّا الإنسان يستقيم على أمر الله يسعدُه الله في الدنيا ، لكن لا ينبغي أن يكون هذا شرطاً ، فالله سبحانه وتعالى لا يُشارط ، ولا يجرب ، فيتوهَّم أن الإنسان إذا آمن واستقام وصلى يجب أن ينجح من دون دراسة ، يجب أن أنجح ، يجب أن يربح من دون جهد ، يختار بضاعة سيِّئة يقول لك : اتركها لسيدك يعني حسب تصوره أن الله يروّجها ، كلا ، فإنه إذا اختار بضاعة سيئة أسعارها مرتفعة يعرضها بالسوق فلا تباع معه ، ينصرف الناس من عنده ، فتجده يقول : أهكذا الدين ؟ بعد ما صليت ، وعبدت الله بارت بضاعتي وكسدت ، وربما ترك الصلاة سُخطاً على الله .
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
      إذا لم ينجح يترك الصلاة ، ولسان حاله يقول : لم نتفق هكذا . لم يتفق مع الله أن الله لا ينجحه ، هذا الإنسان إنسان واهم ساذج ، إنسان ضعيف التفكير ، يريد الدنيا بالدين ، يوظف الاستقامة لِيُتاجر بها ، لو تصورنا إنساناً استقام استقامة تامة ، وهو يطمع من هذه الاستقامة أن يزداد ربحه وأن تحل كل مشكلاته ، إذا استقام بهذه النية ، فربما على الرغم من استقامته لا يحصل ما يبتغي ، لأن هذه استقامة مشوبة ، كأن تصادق إنساناً كي يعطيك مالاً ، فإذا أعطاك المال تمدحه ، وإذا منع عنك المال تذمه ، هذه ليست صداقة ، هذه وصولية ، هذا انتفاع ، وهذا سلوك مغلوط ، لذلك ربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
      أنا أخشى من هؤلاء الناس كثيراً ، ما دامت تجارة رائجة تجده يحضر الدروس ، أين أنت ؟ حدثت معنا مشكلة بالتجارة ، هناك صفقة لم تربح ، فلماذا لا تأتي لحضور الدروس ؟ غضبان ، فانقطع عن الدروس ، هذا موقف ضعيف ، أنت تعامل خالق الأكوان ، الإيمان الصحيح أن تحبَّه ، وأن تعرفه في السراء والضراء ، في إقبال الدنيا وإدبارها ، في الصحة والمرض ..
فليتك تحلو والحياة مريرة    وليتك ترضى والأنام غضابُ
*  *  *
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا        فليس لي عنهمُ معدلٌ و إن عدلوا
واللهِ إن فتتوا في حبـهم كبدي         باقٍ على حبـهم راضٍ لما فعلوا
*  *  *
       هنا البطولة ، البطولة أن تحبَّه في الضرَّاء ، أن تحبه في أثناء المصيبة ، أن تقول له : يا رب لك الحمد ، مشى على قدميه مئةً وستين كيلو متراً اللهم صلِّ عليه ، ليصل إلى الطائف ، أقام فيها أياماً عِدَّة يدعو أهلها إلى الإسلام ، ردُّوه رداً قبيحاً ، استهزؤوا به ، استهزؤوا برسالته ، قال بعضهم : " سأمزق أثواب الكعبة إن كنت رسولاً !! " ، وقال آخر : "لم يجد الله أحداً غيرك يجعله رسولاً ؟! " ، وقال ثالث ، وقال رابع ، أغرَوْا به سفهاءهم ، ألجؤوه إلى حائط ، قال صلى الله عليه وسلم :
(( رب إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي )) .
( من الجامع الصغير )
       في السرَّاء والضرَّاء ، كان النبي الكريم راضياً ، ولذلك فإنَّ الله سبحانه وتعالى قال في حقه :
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
 ( سورة الأحزاب : من الآية " 21 " )
       فقد ذاق النبي الكريم الضرَّاء فصبر ، وذاق السرَّاء فشكر ، حينما فتح مكة طأطأ رأسه لله شكراً ، وحينما قُهِرَ بالطائف قال :
(( رب إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي )) .
       ذاق الضعف البشري ، وذاق النصر ، وكان في الحالين إنساناً كاملاً ، كان صابراً راضياً ، وكان شاكراً محباً حامداً ، ذاق حياة الرخاء قال رجل : " لمن هذا الوادي ؟ ، قال عليه الصلاة والسلام : " هو لك " ، قال : " أشهد أنك تعطي عطاء مَن لا يخشى الفقر"، وذاق الفقر ..
(( هل عندكم شيء ؟ قالوا : لا ، قال : فإني صائم )) .
( مسلم عن السيدة عائشة )
        ذاق اليسر ، وذاق العسر ، ذاق الرخاء ، وذاق الشدة ، ذاق النَصر، وذاق الضعف ، ذاق مرارة أن تُطَلَّق بناته نكايةً به ، هكذا فعل بعض كفار مكة قُبَيْلَ البعثة ، حينما جاءته الرسالة طلقوا بناته من أجل أن يغيظوه ، وذاق وهو في المدينة أراجيف تُرجف في حق السيدة عائشة ، وشيءٌ لا يحتمله الإنسان ، ذاق هذه ، وذاق تلك .
       ذاق من الصحابة الأجلاَّء المودة الراقية ، وذاق من بعض الناس طباعاً جلفةً قاسية ، يا محمد اعدلْ ، قال له :
(( ويحك من يعدل إن لم أعدل ؟ )) .
( من تخريج أحاديث الإحياء )
      قال له : يا أعرابي ، هل أحسنت إليك ؟ قال : لا ولا أجملت ، ذاق غلظة أبناء البادية بعضهم ، وذاق نعومة أصحابه الكرام ورأفتهم ، وفي كل الأحوال كان إنساناً كاملاً ، ذاق ما ذاق ، فقد عاش مع زوجةٍ تكبُره بخمسة عشر عاماً وكان وفياً لها ، وعاش مع امرأةٍ في مِيْعَةِ الصبا ، تقول له السيدة عائشة : ألم يبدلك الله خيراً منها ؟ قال : لا والله ، لا والله ، لا والله ، عن السيدة خديجة ، ذاق كل الأحوال ، ذاق لذة النصر، وذاق مرارة الضعف في أحد وفي حنين ، لذلك جعله الله سبحانه وتعالى أسوةً حسنة ..
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
      أصيب رجلٌ بورم خبيث في أمعائه ، زاره إنسان في المستشفى ، فقال له : اشهدْ أنني راضٍ عن الله ، يا رب لك الحمد ، كلما زاره زائر يقول هذه الكلمة إلى أن توفاه الله عزَّ وجل ، مريض آخر على عكس ذلك .
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
المؤمن الصادق يوطِّن نفسه على أن يذوق حلو الحياة ومُرَّها ..
﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾
( سورة الأحزاب )
       هذا الثبات على المبدأ ، عرضوا عليه امرأة جميلة ، وأن يكون زعيماً لقريش ، وأن يكون أغنى أغنيائها ، فقال :
(( والله يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته )) .
( السيرة النبوية )
       أحياناً أحدنا لسببٍ بسيطٍ بسيط ينتكس ، لسببٍ تافهٍ تافه يترك الصلاة ، يا أخي أنت عاهدت خالق الكون ، أنت فاوضت كف الرحمن في الحَج ، أنت تبت إلى الله توبةً نصوحا ، ببساطة ، بسهولة ، لسببٍ تافه ، لضغطٍ ضغط عليك به ، لمشكلةٍ ألمَّت بأسرتك ، لعقبةٍ نشأت في عملك ، لإنسان يضايقك تترك الدين ؟ أهكذا ؟ .
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
      على حرف ، هنا هذا المكان خطر ، يعني نفخةٌ توقعه ، موجةٌ تأخذه ، دفعة تُسقطه ، على حرف ، ولكن هناك مَنْ يعبُد الله في الأعماق ، أحدُ الرجال مِمَّن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق قال : أيعدنا صاحبكم ، لم يقل : رسول الله ، قال : " أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته !! ".
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
      إذا كنت مؤمناً صادقاً فيجب أن توطِّن نفسك على طاعة الله في كل الأحوال ، وأنت مالكٌ لحريتك ، وأنت فاقدٌ لحريتك ، في البيت وفي غير البيت ، في الحضر وفي السفر ، في الصحة والمرض ، في الغنى والفقر ، في العُسر واليسر ، في ضيق الدنيا وفي سَعَتِها ، في إقبال الدنيا وفي إدبارها ، هذه البطولة ، هذه الآية تهز مشاعر المؤمنين ..
﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾
( سورة الأحزاب )
       أحد الصحابة الكرام جاء به كفار قريش ليصلبوه ، قال له أبو سفيان يوم كان مشركاً : " يا خُبَيْب ، أتريد أن يكون محمدٌ مكانك ؟ " قال : " والله ما أريد أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة " ، هذا ليس على حرف أيها الأخ ، بل في الأعماق ، شوكة ، ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكةً ، ليس على حرف .
      أسمع إخواناً كثيرين ـ جزاهم الله كل خير ـ بعضهم حالته ضيِّقة تجد دوامه منظومًا ، في البحبوحة دوامه منظم صحيح ، في الضيق كذلك ، قبل الزواج ، بعد الزواج ، في عسره ، في يسره ، والله شيء جميل ، والله مثل هؤلاء يُرفع الرأس بهم ، مثل هؤلاء يعتمد عليهم ، هؤلاء المؤمنون الصادقون ، فهل الإنسان طفل ؟ الطفل لأتفه سبب يضحك ، لأتفه سبب يبكي ..
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ﴾
فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأنَّ بِهِ
      يقول لك : جيبٌ مليء ، بطن مليء ، الحياة في تمام .
 
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾
وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ      
      مشكلة ، مرض ، نتيجة : " فيه أسيد أوريك " مرتفع جداً ، مُنع من كل الطعام تقريباً ، هذه فتنةٌ ، صهره طلق له ابنته ، من الممكن أن يقع مرضٌ بأهله ، بأولاده ، بنفسه ، ويمكن أن يوقف عمله نهائياً .
 
﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾
       سمَّاها الله فتنةٌ ، لأنها سوف تكشفه على حقيقته ..
 
﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾
        أيْ أنه انتكس ، ومن ثم يقول لك : هذا الدين كله خلط ، رأساً ، ودون تردد ، أصبح خلطاً ، لم نستفد شيئاً ، لأن دنياه ضيقة ، لأنه لم يجد عملاً ، مر أسبوع أو أسبوعان ، شهر أو شهران لم يجد عملاً ، ضاقت به الدنيا قال : الدين باطل ، رأساً اتهم الدين بالبُطلان .
 
﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾
أيْ انتكس .
 
﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾
خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ
      خسر الآخرة بكفره ، وخسر الدنيا بسوء ظنه بالله عزَّ وجل .
 
﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
      الإنسان لابدَّ له من جهة يعتمد عليها ، فإذا ترك الله عزَّ وجل يلتجئ إلى جهات أرضية أخرى ، فتجده يتقرب من إنسان من أهل الدنيا ، من أهل الحول والطول ، يعتمد عليه ، يخدمه ، هذا جعله بديل الله عزَّ وجل ، كان معتمداً على الله عزَّ وجل ، فإذا هو يعتمد على زيدٍ أو عُبيد أو على فلان أو علاَّن .
 
﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾
مآل الشرك الضلال في الدنيا والخسران يوم القيامة
      هذا الذي اتجه إليه وجعله مكان الله عزَّ وجل ، اعتمد عليه ، هذا الذي التجأ إليه لا يضرُّه ، ولا ينفعه ، عبد مثله ، ضعيف ..
 
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾
       عندنا عبارة " ضلال كبير" ، وعبارة " ضلال بعيد " ، بعضهم شبَّه الضلال الكبير كَمَنْ لو كان في طريق إلى حمص مثلاً ، وعلى يمين الشارع لوحة كبيرة جداً طولها أربعة أمتار بعرض ثلاثة أمتار مكتوب : تدمر على اليمين ، رغم هذه اللوَّحة الكبير الواضحة الفسفورية ، المضاءة ليلاً اتجه إلى تدمر ، وهو يبتغي حمص ، نقول له : هذا ضلال كبير ، ليست اللوحة تشير إلى ذلك ، أما إنسان دخل بطريق سار فيه مئتين من الكيلو مترات ، وبعد ما مشى هذه المسافة عرف أن هذا الطريق غلط ، فقد مشى مسافةً بعيدةً جداً في طريق الضلال ، فربنا عزَّ وجل أحياناً يقول : " الضلال الكبير " وأحياناً " الضلال البعيد " ، فقال :
 
﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾
     
لا نافع ولا ضارَّ إلا الله
     قد يقول لك قائل : يا أخي هذا الإنسان الذي سِرْتُ معه أعطاني شيئا من المال ، استفدت منه في الدنيا ، صار لي شأن حينما تقرَّبت منه ، فربنا عزَّ وجل انسجاماً مع تفكير هؤلاء ..
 
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾
      إذا كان هناك نفع فالضرر الذي حصل من هذا الإنسان كبير جداً .
التوفيق بين قوله : ] مَا لاَ يَضُرُّه [ و قوله : ] يَدْعُو لَمَنْ َضَرُّهُ [
      هنا يُطالعنا سؤال : كيف يقول الله عزَّ وجل :
 
 
﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾
أي ينفي عنه الضرر ، وهنا :
 
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾
       العلماء قالوا : الإنسان الذي يُعْبَدُ من دون الله لا يستطيع أن ينفع ، ولا أن يضر إلا بإذن الله ، ولكن مَن عبده من دون الله يضرُّه ، طبعاً لأنه يبعده عن الله عزَّ وجل .
 
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ﴾
لَبِئْسَ المَوْلَى ولَبِئْسَ العَشِيرُ
      بئس هذا الوليِّ الذي تولاَّه ، وبئس هذا العشير الذي عاشره .
      كل الذي أريده من هذه الآية ألا تنطبق هذه الآية عليك ، يعني أن نعبد الله ما دام الله يعطينا ، فإذا منع عنا انقلبنا على وجوهنا ، هذه الآية تصف حالةً مَرضية ، بين المؤمنين أناسٌ يعبدونه على حرف ، ما دامت الأمور على ما يُرام يعبدونه ، فإذا جاءت على غير ما يرام لا يعبدونه ، أحياناً الإنسان يصاب بمرض ، وقد يكون مرضاً عُضالاً ، هكذا مشيئة الله عزَّ وجل ، ألا تحب مشيئة الله ؟ هكذا أراد الله ، هذه إرادته وهذه مشيئته، لذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " ، أيْ أنَّ أعلى درجة من درجات اليقين أن ترضى بمكروه القضاء .
 
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾
 إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ      
     أيْ أنَّهُ إذا أراد الله شيئاً وقع ، وإذا وقعٌ شيءٌ أراده الله ، والإرادة الإلهية متعلِّقَةٌ بالحكمة ، والحكمة متعلقةٌ بالخير المُطلق ، هذه كلمات يجب أن تحفظوها ، إذا أراد الله شيئاً وقع ، قولاً واحداً ، وإذا وقع شيءٌ فقد أراده الله ، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة ، أيْ أن كل شيءٍ أراده الله فلابدَّ له من حكمةٍ قاطعة ، وحكمة الله متعلقةٌ بالخير المطلق ، أما الدليل :
﴿  قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
 ( سورة آل عمران : من آية " 26 " )
       الإعزاز خير ، والإذلال خير ، والإيتاء خير ، والنَزْعُ خير ، الحكمة متعلقةٌ بالخير المطلق ، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة ، وكل شيءٍ وقع أراده الله ، وكل شيءٍ أراده الله وقع ، هذا هو القول الفصل ، لذلك :
 
﴿  إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾
     هنا إذا نسبنا الفعل إلى الله عزَّ وجل ، بمعنى أن الله يمتحن هذا الإنسان ، فإذا كان صادقاً ، مؤمناً ، مُخلصاً هداه ، أو تعزا الإرادة إلى الإنسان .
 
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾
       الإنسان ماذا يريد ؟ يريد الهدى .
 ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾
( سورة الإنسان )
      إذا أردت الهدى هداك الله ، وإذا أردت الضلال أضلَّك الله ، كلاهما يصح .
إن اللهَ ناصرٌ نبيَّه ،
 
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾
معنى : ] فَلْيَمدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَع [
المعنى الأول :
 هناك أناسٌ من قريش غاظَهُم أن ينصر اللهُ النبيَّ ، وأن يُعلي شأنه، وأن يمدَّه بأصحابه الكرام ، وأن يُقَدِّر على يديه فتح البلاد وهداية العباد ، كفار قريش غاظهم ذلك ، فكانوا يظنون أن الله لن ينصر النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا الرجل مُدَّعٍ ، هكذا يظنون ، سَبَّ آلهتهُم ، عاب دينهم ، هل يعقل أن ينصره الله عزَّ وجل ؟ فهم يظنون أن الله لن ينصر محمداً عليه الصلاة والسلام ، أما وقد نصره ، ورفع شأنه ، وأعلى ذِكْرَهُ ، وفتح البلاد على يديه ، وهدى العباد بهُداه ، غاظهم ذلك ، فامتلؤوا غيظاً وحقداً وكادوا ينفجرون ، ربنا عزَّ وجل رد عليهم :
 
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾
       أي سيدنا محمد ..
 
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾
       ليصعد إلى السماء ، ثم ليمنع هذا النصر عن محمد ، إذا كان بإمكانه أن يفعل ذلك ، إذا غاظه أن ينصر الله النبي عليه الصلاة والسلام فليمدد بسببٍ إلى السماء ، ليصعد إلى السماء ، ثم ليقطع نصر الله عن هذا النبي الكريم ، هل بإمكانه أن يفعل ذلك ؟ إن كان ليس بإمكانه أن يفعل ذلك فماذا يفعل إذاً ؟ هل يُذْهِبَنَّ كيده ما يغيظ ؟ هذا لا يُذهبنَّ كيده ما يغيظ ، هذا هو المعنى الأول ، وأوجَهُ المعاني التي جاءت في بعض التفاسير .
       فبعض الناس أحياناً يرى مؤمناً قد نضَّره الله عزَّ وجل ، ورفع شأنه، وأجرى على يديه الخير ، فقد يغتاظ لذلك ، والله سبحانه وتعالى حينما يُجري الخير على يدِ إنسان لا ينتظر أن توافق على ذلك ، لا ينتظر أن توافق ، ولا ينتظر أن تبارك ، ولا ينتظر أن تسمح ، هذا من معاني هذه الآية .
المعنى الثاني :
      المعنى الآخر أنّ الإنسان إذا كان منقطعَ الرجاء من الله عزَّ وجل ، لا يرجو الله عزَّ وجل ، سوداوي المزاج متشائماً ، هذا موته خيرٌ من حياته ، والإيمان من لوازمه الثقةُ بالله ، والرجاء بالله ، فهناك أُناس يُيئِسون غيرهم هم ناس سوداويون ، يحبون الأخبار المؤلمة السيئة ، هؤلاء الناس بعيدون عن حقيقة الإيمان .
 
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾
أيّ ظنه بالله سيِّئ .
 
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
      أيْ أنَّ هذا الإنسان موته خيرٌ من حياته ، هذا معنى ، والمعنى الثاني : مَن غاظه أن ينصر الله النبي عليه الصلاة والسلام فليفعل ما يشاء، إن الله ناصر نبيِّه ، وليس بإمكان هذا الذي اغتاظ أن يقدِّم أو أن يؤخِّر ، أيْ أن الله عزَّ وجل حينما يرفع مِن شأن عبدٍ من عباده لا ينتظر من أحدٍ أن يوافق ، أو لا يوافق .
 
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ
 
 
 
والحمد لله رب العالمين
 
 
 
 
 
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب