مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج سوا على الجنّة: سوا على الجنة-30-الجنة           برنامج سوا على الجنّة: سوا على الجنة-29-شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم           برنامج سوا على الجنّة: سوا على الجنة-28-شماعة إبليس           برنامج سوا على الجنّة: سوا على الجنة-27-النوايا           برنامج سوا على الجنّة: سوا على الجنة-26-الصبر           برنامج سوا على الجنّة: سوا على الجنة-25-صلة الرحم         

New Page 1

     مشاهير المقرئين

New Page 1

القارىء الشيخ مصطفى اسماعيل

30/05/2011 12:30:00


يوم 17 يونيو من عام 1905 كانت هناك صرخات تدل علي مولد طفل تنبعث من قرية ميت غزال - بمحافظة الغربية - ما كان أحد يتوقع أن تكون هذه الصرخات في يوم من الأيام سوف تملأ العالم بكلمات الله تعالي مغلف بأحد أجمل الأصوات التي خلقها الله تعالى.

لقد ولد الشيخ مصطفى في أسرة كان حظها جيداً من الثراء، حيث كان جده لوالده يمتلك مئات الأفدنة، وقد اشتهر بالسخاء والكرم فلما جاء الحفيد كان الذي تبقى من الثروة القديمة قد صار شيئا قليلاً .. ومع ذلك بقيت هذه الأسرة كريمة.

يقول الشيخ عن نفسه: “أنا بكر والدي، لي أخوة إناث وذكور، قضيت طفولة سعيدة بين أهلي وعشيرتي، كان يضمنا منزل كبير يتسع للعائلة كلها”.


وقضى الشيخ مصطفى طفولته بين والديه وكان أهل القرية وأسرته يعملون بالزراعة، غير أن جده وجهه إلى الكتاب ليحفظ القرآن ويتعلم القراءة والكتابة وفن ترتيل القرآن الكريم.

فألحقه والده وهو في السادسة من عمره بكتاب القرية الذي يديره الشيخ عبد الرحمن أبو العينين، فمكث فيه عامين وتعلم القراءة والكتابة وحفظ ربع القرآن الكريم.. وبعد ذلك انتقل إلى كتاب الشيخ عبد الله شحاتة، وفيه أتم حفظ القرآن كاملا وقد تعلم نوعاً من فنون التلاوة والترتيل.

أقبل الشيخ مصطفى على تلاوة القرآن الكريم وهو طفل لم يبلغ بعد العاشرة، حتى صار له شهرة في قريته، وحدث أن سمعته جدته وهو يرتل ففرحت به وأخبرت والده وقد استحلفته بالله أن يبذل ما في وسعه ليتم الطفل دراسة علوم القرآن وبالفعل تعهد الشيخ محمد أبو حيش الطفل الصغير.

أتم الشيخ مصطفى إسماعيل تلاوة وتجويد القرآن وقد حل على الأسرة شهر مضان عام ،1917 فطلب مكافأة من جده عبارة عن “طربوش وزعبوط ومركوب” والتحق الشيخ مصطفى بالمعهد الأزهري بطنطا وارتدى الزي الأزهري وأتم دراسته على إجازة شيخه قارئاً وعالماً.

لمع نجم الشيخ مصطفى إسماعيل وعلا صوته قبل أن يذهب إلى القاهرة، وقد سمع نصيحة الشيخ محمد رفعت الذي سمعه في سرادق عضو بمجلس الشيوخ يومها حيث قال له: ستكون لك يوما ما مكانة كبيرة في دولة التلاوة، لكن عليك أن تعيد القراءة مرة ثانية في الجامع الأحمدي لتتمكن من التجويد وتتقن أحكام التلاوة.

استجاب الشيخ مصطفى لهذه النصيحة الغالية من الشيخ محمد رفعت فازداد إتقانه وتجويده وإلمامه بفنون القراءة ولمع نجمه ليصل معظم محافظات مصر.

وفي سنة 1927 التي توفي فيها الزعيم سعد زغلول أقيمت الاحتفالات لتأبينه في جميع المحافظات، ودعي الشيخ لإحياء التأبين بمدينة دمياط، وفيها تعرف إلى زوجته التي كانت له نعم المعين وقد أنجبت له الذرية الصالحة.

ارتحل الشيخ مصطفى إسماعيل في بداية الأربعينات إلى القاهرة ليطرق باب الشهرة وفي طريقه لمح لافتة كتب عليها “رابطة تضامن القراء” فدخلها لينضم إليها، وعندما هم بدفع رسم الاشتراك توقف أحد الشيوخ وسأله: “أنت مصطفى إسماعيل اللي بيحكوا عنك.. اقرأ لي” فقرأ وأجاد، ومن حسن الصدف أن يصطحبه الشيخ إلى القراءة في مسجد الحسين ويشاء القدر أن تنقل هذه القراءة على الهواء في الإذاعة المصرية مباشرة، وكان من المفترض ان يحيي تلك الليلة الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي الذي اعتذر لمرضه.

جاءت الفرصة مواتية للشيخ مصطفى إسماعيل فسمعه الملك فاروق الذي طلب من سكرتيره الخاص محمد بك سالم أن يدعو الشيخ مصطفى لإحياء ليالي رمضان في القصر الملكي.

وبدأت نجاحات الشيخ مصطفى تعلو وتزداد في سماء المقرئين فأصبح له مكانة وشعبية كبرى بين المصريين، بل امتد هذا النجاح إلى جماهير الأمة الإسلامية والعربية، حيث ارتفع صوته عبر الإذاعة المصرية يطرق أسماع المسلمين في كل أرجاء المعمورة.

ولكن طريق الشيخ مصطفى إسماعيل إلى القاهرة لم يكن مفروشا بالورد، فقد صادفته أيام عصيبة كادت ترجعه إلى قريته مرة ثانية كما أتى، فها هو يخطئ في أول تلاوة في إحدى ليالي القاهرة مع الشيخ محمد سلامة الذي كان يقرأ الليلة الكاملة، غير أنه لم ييأس وظل صابراً حتى جاءت الليلة الثانية، فصعد إلى المنصة وبدأ يقرأ فجذبت الآيات الأولى التي قرأها أسماع الحاضرين.. وكلما توغل الشيخ مصطفى ورفع صوته توافد إلى السرادق جمهور جديد حتى قال أحد الشيوخ الأزهريين وقد سمعه يومئذ: “هذا صوت جديد وأداء جديد ومقرئ جديد لا يقلد أحداً من سابقيه”.

وقد كان يحضر تلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل الشيخ درويش الحريري عالم المقامات الملحن المعروف آنذاك، والذي تتلمذ على يديه كبار مقرئي هذا العصر، ويقول الشيخ مصطفى عندما سئل عمن علمه المقامات: لقد التقطت أذناي كل ما سمعته طوال حياتي واستنبطت منه طريقتي في الأداء بالفطرة، حتى قال الشيخ الحريري عن هذه الفطرة إنها أقوى وأصح من كل الدراسات، ولا يمكن لأي معهد فني بأكمله أن يصل إلى ما وصلت إليه فطرتك التي وهبها الله لك.

بدأت الدعوات تنهال على الشيخ مصطفى بدءا من وزارة الأوقاف المصرية ليتلو في الاحتفالات التي تقيمها الوزارة، ثم من البلاد العربية والأجنبية.

وقد سافر الشيخ مصطفى إلى لبنان لإحياء ليالي رمضان في عام 1965 بناء على دعوة من رئيس وزرائه، ويومها منح وسام الأرز، الذي يعد أرفع وسام تمنحه دولة لبنان للشخصيات البارزة، وفي العام ذاته منح أول وسام يناله قارئ في مصر في “عيد المعلم” وتسلمه معه في ذلك الوقت الدكتور طه حسين، ثم سافر إلى تركيا عام 1973 وهناك استقبله الشعب التركي بحفاوة كبيرة، ودعاه الرئيس التركي لمقابلته في القصر الجمهوري بأنقرة وجلس إليه ومعه وزير الثقافة التركي وفي نهاية الزيارة أهداه الرئيس التركي مصحفا مكتوبا بماء الذهب.. وفي عام 1977 استدعاه الرئيس أنور السادات ليصحبه معه في الزيارة التي قام بها إلى القدس.. ولم يكن الشيخ قد زار القدس من قبل.. فزار المسجد الأقصى وقرأ به القرآن الكريم.. حتى إنه لما شاهد منظر المسجد الأقصى فاضت عيناه بالدموع.. وبكى معه المشايخ الفلسطينيون، وقرأ الشيخ في المسجد الأقصى عبر الأقمار الصناعية وصوته يصدح بكتاب الله في الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين.

كما سافر الشيخ مصطفى إسماعيل إلى سوريا لتلاوة القرآن الكريم، وكانت الدعوة من أحد الأغنياء السوريين، فأحيا الليالي هناك ومن شدة إعجاب السوريين به كانوا يطلبون منه الرقية تبركا بالقرآن الكريم.

ومع هذا الصوت الملائكي الذي له القدرة الفائقة على الإبحار في أنغام القرآن الكريم وموسيقاه، لم يسع إلى الشهرة، بل إنها سعت إليه.. فقد طاف بلدان العالم لينفخ الله بصوته قلوبا صدئت عن ذكر الله فقرأ القرآن في كوالالمبور وكراتشي ودول آسيا والدول العربية والإفريقية والتي بها جاليات إسلامية.

وقد سئل ذات يوم: هل يلحن القرآن الكريم موسيقياً؟ فقال: في رأيي ألا يلحن القرآن، فقراءته تكفي طرباً، وحرام أن تصاحبه موسيقى، لأن القرآن ملحن جاهز، ولكن بلا موسيقى. قال هذا الكلام استناداً لعلمه وبحوثه في مجال القراءات.

رحل الشيخ مصطفى إسماعيل وعمره 73 سنة بعد جهد طويل في خدمة القرآن الكريم، رحل الصوت الذي عانق عنان السماء.. باستخدامه مقامات الموسيقى العربية وبراعة إعجازه، وسكت صوته في ديسمبر/ كانون الأول 1978. رحمة الله عليه.
 

المصدر: منتديات مزامير داود



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب