مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج نماذج إبداعية من السيرة النبوية: نماذج ابداعية من السيرة النبوية-18-اكتشاف المواهب3           برنامج الله في حياتي: الله في حياتي-26-الغني ج1           برنامج على التقوى من أول يوم: على التقوى من اول يوم-المهر-23-04-2017           برنامج تفسير القرآن الكريم: تفسير النابلسي 1017 - هود 088 - 095           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة-فوائد وعبر من رحلة الاسراء والمعراج           برنامج تفسير القرآن الكريم: تفسير النابلسي 1016 - هود 086 - 087         
New Page 1

     مشاهير المقرئين

New Page 1

القارىء الشيخ محمد رفعت

27/04/2011 15:47:00

 

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على سيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

سيّد القراء الشيخ محمد رفعت هو الأول والأخير من مقرئي القرآن الذي تهافت على سماعه عدد كبير من غير المسلمين، وهو القارئ الذي أحاطت به هالة من الأساطير، قال عنه مفتي سوريا بعد وفاته " أنه جدد شباب الاسلام ". وهو من مواليد حي المغربلين بمدينة القاهرة عام 1882 م. ألحقه أبوه بكتّاب الحي عندما بلغ الخامسة من عمره، وأتم حفظ القرآن قبل أن يتم العشر سنوات، وكان شيخه ومحفظه يحبّه كثيراً لإتقانه الحفظ والتلاوة بصوت شجي، فعلّمه التجويد وأعطاه شهادة إجادة حفظ القرآن وتجويده قبل بلوغه السادسة عشر من عمره وكتب فيها : أنه وبعد أن قرأ علينا الشيخ محمد رفعت القرآن الكريم تلاوةً وترتيلاً ومجوداً ومجزءاً، فقد منحته الاعتراف بأهليته لترتيل القرآن وتجويده ..، ومنذ تلك اللحظة والشيخ محمد رفعت يقرأ القرآن في السّهرات والليالي والأفراح والمأتم ... وقد أحترف القراءة والتلاوة وسط جيل من رواد الموسيقى كالشيخ أبو العلا محمد وعبده الحامولي ومحمد عثمان، فاستقى حلاوة الصوت النغمي باقترابه منهم واستماعه لموسيقاهم وطربهم في الأفراح والسهرات، إضافة إلى كوكبة أخرى من القرّاء العظام الذين سطع نجمهم في عصره ولكنهم لم ينالوا حظهم كالشيخ البربري وحنفي برعي والمناخلي وإسماعيل سكّر، فاكتسب فنّه وحلاوة صوته من التصاقه بهؤلاء القراء والمشايخ الكبار في موسيقاهم وقراءاتهم ..فأخذ من كلٍّ منهم أبدعَ ما فيه حتى فاقهم هو بموهبته رغم صغر سنه بالنسبة لهم، فأخذ يجوب محافظات مصر ويقرأ فيها حتى سطع نجمه وأصبح القارئ الأول في مصر كلها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ..
وفي عام 1934 م وبينما كان الشيخ رفعت يقرأ في أحد المآتم، إذ استمع إليه البرنس محمد على مصادفة فأعجب به وبصوته وأسلوب تلاوته، فأرسل إليه وطلب منه أن يفتتح الإذاعة الأهلية بتلاوة القرآن الكري،م فكان ذلك فتحاً كبيرا على الشيخ محمد رفعت إذ كان أوّل قارئ بالإذاعة الأهلية.
 
أوّل تسجيل للشيخ رفعت بصوته كان تسجيلاً أهلياً .. فقد سجل له صديقاه زكريا باشا مهران صاحب بنك مصر والحاج محمد خميس التاجر الكبير المعروف في ذلك الوقت سورتا الكهف ومريم على أسطوانة .. ثم طلبت منه بعد ذلك إذاعة الـ ب. ب. س البريطانية أن يسجل لها القرآن بصوته فرفض معتقداً أن ذلك يُعدُّ حَراماً على أساس أنها إذاعة أجنبية، فأستفتى الشيخ المراغي شيخ الأزهر في ذلك الوقت فصحح له اعتقاده، فسجّل لها سورة مريم، وبعد ذلك طلبت منه الإذاعة الأهلية أن يسجل لها. وكان في مرضه الأخير فسجل لها بعض السور: كالكهف ومريم ويونس على أسطوانتين إلا أن صوته كان غير مُرْضٍ بالنسبة له، وظلّت الإذاعة تذيع له تلك التسجيلات طيلة حياته ولم يكن راضياً عنها. وبعد وفاته علم المسئولين بالإذاعة أن هناك تسجيلين آخرين عند صاحبيه زكريا مهران ومحمد خميس وبعض التسجيلات الأخرى وبصوت قوي، واستطاعوا أن يحصلوا على تلك التسجيلات، وتم إعادة طبعها. واستعانت الإذاعة بالقارئ الشيخ أبو العينين شعيشع في استكمال بعض الآيات وربطها في الأسطوانات المسجلة لوجود عيوباً فنية بها، وهي التي تذاع الآن.
 
هاجمت الزغطة الشيخ محمد رفعت مع بداية عام 1943 م فكانت بداية رحلته مع المرض الذي أحتار الأطباء في علاجه منه حتى توفى عام 1950م ... وكانت الزغطة شديدة جداً حيث كانت تلازمه فترة طويلة تزيد على الثلاث ساعات يومياً فذهب إلى الكثير من الأطباء وتم أخذ بعض المسكنات ولكن لفترة قصيرة إلا أنها عاودته مرة أخرى، وكان الأطباء قد نصحوه بأن يشرب السوائل من الإناء بطريقة معينة، مما قد يساعد ذلك في منع الزغطة.. وكان في تلك الفترة يذهب إلى الإذاعة يومين في الأسبوع هما يومي الاثنين والجمعة، وذلك حتى عام 1948م حيث أشتد عليه المرض الذي كان يهاجمه أغلب ساعات يومه دون انقطاع، حتى أنها هاجمته مرة أثناء قراءته بالإذاعة فأمتنع عن الذهاب إلى الإذاعة بعدها لشعوره بالخوف على ضياع مكانته كقارئ عظيم، مكتفياً بما قدم حتى أنه فضّل القراءة في إحدى مساجد حي السيدة زينب وهو مسجد فاضل كان يقرأ فيه القرآن دون أن يذهب إلى الإذاعة.
 
وفي يوليو عام 1949 م كانت مجلة المصور قد نشرت خبراً مصوراً عن مرض الشيخ محمد رفعت، فأعلن الأستاذ أحمد الصاوي محمد عن فتح اكتتاب لعلاج الشيخ وجمع التبرعات فأثار ذلك الخبر حزن محبيه والمعجبين بصوته، وتم جمع ما يزيد عن خمسين ألف جنيها وعندما علم الشيخ رفعت بذلك قال : أنا مستور والحمد لله ولست في الحالة التي تستوجب جمع هذه المبالغ، وإذا كان على العلاج فالأطباء يعالجونني ولكنهم لم يستطيعوا وقف هذا المرض ومنعه، كما أن هذه المبالغ أصحابها أولى بها مني فهم الفقراء والمحبين لصوتي حقاً ولكني والحمد لله لست في حاجة إلى كل هذا المال ..ثم قال لي : أحضر ورقة فأحضرتها فقال : اكتب وأملاني ..إلى الأستاذ أحمد الصاوي ..أعتذر عن قبول هذه التبرعات ..وأن مرضي بيد الله وهو القادر على شفائي وإني لأشكرك وأرجو أن تشكر كل الذين جمعوا لي هذه التبرعات على روحهم الطيبة وحبهم لي ..فلما أرسلنا هذه الرسالة إلى الأستاذ أحمد الصاوي كتب بجريدة الأهرام يثني على عفة الشيخ رفعت وأخلاقه وتأثير القرآن عليه في سمو نفسه وعلوها وقد توفي رحمه الله بعد ذلك بعام واحد.
 
 
 أما أولاده ؟ فهم خمسة أبناء أكبرهم محمود وولد عام 1906 م موقد توفي صغيرا ثم محمد وولد عام 1909 م ثم أحمد عام 1911 م ثم ابنته زوجتي وولدت عام 1914 م ثم حسين وولد عام 1919 م وقد توفاهم الله جميعا.
 
ويُقال بأنه لم تكن العلاقة بين الشيخ رفعت والشيخ طه الفشني طيبة، ولكن هذه ليست حقيقة، كل ما في الأمر أن الشيخ رفعت كان قد طلب من الشيخ طه الفشني الموافقة على زواج إحدى بناته لأحد أبنائه فرفض الشيخ طه الفشني ..فغضب الشيخ رفعت ولكن هذا لم يدم طويلا لأن الشيخ رفعت كان يحب الشيخ طه ويحب صوته وكذلك إنشاده.
 
كان الشيخ محمد رفعت رغم إعجابه بالشيخ على محمود وبخاصة آدائه في التواشيح و الأبتهالات الدينية إلا أنه كان يلقبه بالبهلوان، ولكن لم يكن هذا رأي الشيخ رفعت وحده فقد قال ذات مرة أن المشايخ يلقبون الشيخ على محمود بالبهلوان ولما سألته : لماذا ؟ قال : لأنه يسرح بالنغم في الإنشاد ويتوه مع المستمعين ويتوّههُم معها ويطلع وينزل بكلتا يديه من شدة الاندماج كالبهلوان ثم يعود إلى ما بدأ به في بداية إنشاده دون أن يخطئ حتى أننا كنا نخشى عليه ألا يستطيع العودة في إنشاده وإلى ما بدأ به فإذا به يعود وأقوى فينال استحسان الناس وتقديرهم ..ولذا فقد كان يكرر دائما أن الشيخ على محمود لا يبارى في الأداء الإنشادي والابتهالات.
 
 كان الشيخ محمد رفعت أحد اقطاب جماعة النقشبندية، وكانت هذه الجماعة إحدى الجماعات المتصوفة وكانت تؤمن بمبدأ الخُلّة أي الأصدقاء مع الله، وعدم التكلّف معه لكثرة انشغالهم بالتعبد والتقرب إليه، وهم يعتقدون أنه ليست هناك حواجز بينهم وبين الله، فهم مقرّبون أحباب الله سبحانه وتعالى وكنت أسمعه حينما يختلي بنفسه يناجي ربه بصوت مسموع وعندما كان يقول مناجياً ربه : أنا مذنب صحيح .. أنا مش معترض .. أنا معترف بذنبي .. أنا حبيبك خادم القرآن ... وكان المقصود من هذا الاسم لهذه الجماعة هو نقش اسم الله على الصدر دليل على المحبة الفياضة لله عز وجل وبدون حدود فيقول: أنا كل إللي طالبه منك أني أستمر في خدمة القرآن ... اشفيني يا رب .. مش عايز أموت وأنا عيان كده عايز أخِف وأقرأ القرآن من تاني وبعدين أموت .. ولا أقولك إنت عارف كل حاجة وأنا مش ح أقول أي حاجة .. وأنا عبدك وأنت ربي وراضي بكل اللي تقسمه لي.. وكان هذا الإيمان بالله وهذا الحب يجعله هادئ النفس قوي الإيمان لا يهتم بالدنيا ولا المال وكان كل همه هو تلاوة القرآن فقط فهو يتمنى الشفاء من أجل قراءة القرآن فقط.
 
كان الشيخ محمد رفعت رحمه الله يدرّب صوته قبل أن يذهب إلى الإذاعة، ففي كل صباح يدرّب صوته حيث يدخل حجرته ويمسح حلقه بريشة أشبه بعمل مسح للحلق، ثم يظلّ في حجرته لمدة تزيد عن النصف ساعة يختبر صوته وعندما كنا نسأله عما كان يفعل كان يقول: أختبر صوتي لأعرف مدى قدرتي للوصول لمقام موسيقي معين، وكذا أدرّب صوتي على النغمات العالية.
 
وكان الشيخ رفعت يرفض التكسب عن طريق القرآن، وعندما دعاه حيدر أباد للسفر إليه بالهند وترتيل القرآن في حفلات يوبيله مقابل 15ألف جنيه .. رفض.. وعز عليه أن يرحل إلى الهند خاصة بعد أن علم بنية حيدر أباد بمحاولة إثناءه عن عزمه بالرجوع إلى مصر في حالة الموافقة على السفر للهند.. وقد حاول الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يثنيه عن الرفض وأغراه بالاستعداد لمرافقته في تلك الرحلة إلا أنه أصر على الرفض، ولم يسافر ولم يقبل تلك الدعوة.
 
وفي أواخر أيامه  تجاهلت الإذاعة المصرية تسجيلات الشيخ محمد رفعت، رغم أنه كان في أشد الحاجة إلى المال للإنفاق على علاجه، وكانت الإذاعة تذيع له تسجيلاً واحداً في الشهر مقابل خمسة جنيهات، فأهابت مجلة المصور بمحطة الإذاعة أن تحسن معاملة الشيخ في محنته فصارت الناس تسمع صوته مرة في الأسبوع.
 
ولم يرث أحداً من أبناء الشيخ حلاوة صوته، لكنّ ابنه محمد كان يحفظ القرآن وكان صوته حلواً ولكنه لم يحترف القراءة.
 
قيل أن الشيخ محمد رفعت ولد مبصراً ؟ فهل هذه المقولة صحيحة،  نعم بالفعل ولد الشيخ محمد رفعت مُبصراً .. وقد قالت ابنته هذا الكلام نقلاً عنه، فقد كان جميل الشكل عند ولادته فحسده الناس فهاجمه مرض في إحدى عينيه، ولكن الإهمال في العلاج أثّر عليها وعلى عينه الأخرى، فضعف بصره شيئاً فشيئاً حتى فقدت إحداهما القدرة على الإبصار، وظلّت الأخرى ضعيفة إلا أنه كان يرى بها بعض الشيء، وظلّ كذلك حتى عام 1936م، وبينما كان يقرأ سورة الكهف بمسجد سيدي جابر الشيخ بالإسكندرية إذ أحتشد الناس بالمسجد على غير العادة، والتفوا حوله بعد صلاة الجمعة ليعانقونه ويقبلونه، وبينما هم كذلك حاول أحدهم أن يصل إليه وسط التفاف الناس حوله ليقبله، فطالت أصابع يده تلك العين عن غير قصد ففقأها وفقد بصره تماماً بعدها.
 
أما ثروته التي تركها حال وفاته، فقد كان بيته مكوناً من ثلاثة طوابق .. قام بتأجير طابقين منها. ويوم أن اضطر إلى تأجير الطابق الثاني ليستعين بالإيجار على مطالب العيش، لازم غرفة نومه أسبوعاً كاملاً أمضاه في البكاء، ويوم أن اضطر إلى تأجير الطابق الأرضي كان الحزن يملاْ حياته، والكآبة تخيّم عليها، كذلك كان يمتلك قطعة أرض بشارع المنيرة عليها سبعة دكاكين، وأربعة أشرطة في الإذاعة، وبعض الاسطوانات الموسيقية لبيتهوفن وموزار وشوبرت وفجنر واسطوانات منيرة المهدية وبعض الأسطوانات التركية.
 

 منقول



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب