سورة الكهف 018 - الدرس (2): تفسير الآيات (7 – 16) ، الابتلاء

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات

"> سورة الكهف 018 - الدرس (2): تفسير الآيات (7 – 16) ، الابتلاء

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات

">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الكهف

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة الكهف - (الآيات: 7 - 16)

17/04/2011 11:12:00

تفسير سورة الكهف (018)
الدرس (2)
تفسير الآيات (7 – 16)
الابتلاء
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
        الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
        أيها الإخوة المؤمنون مع الدرس الثاني من سورة الكهف ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
 
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ¯وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾
 
الشهوات مادّة الابتلاء :
 
      
       هاتان الآيتان تتعلقان بموضوع الابتلاء ، وهو أحد سنن الله العظيمة في الدنيا ، كأن علة الخلق الابتلاء ، وكأن مجيئنا إلى الدنيا من أجل الابتلاء .
       الابتلاء أن تكون أمام خيارين ، أمام شيئين ، أحدهما يرضي الله ، والثاني لا يرضيه ، تمتحن .
       فالله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان مجموعة من الشهوات :
] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [.
( سورة آل عمران : 14 )
       هذه الشهوات ، أودعها الله فينا لحكمة كبيرة ، وخلق في الأرض أشياء محببة تتوافق مع هذه الأشياء ، وأودع فينا حب النساء ، وخلق النساء ، وأودع فينا حب المال ، وخلق الأموال ، بمعنى الحاجات ، وأودع فينا شهوة ما ، وخلق ما يلبِّيها في الأرض .
         فالإنسان بين أن يأخذ من الشهوة ما أباح الله له ، فيرقى بطاعته وشكره ، وبين أن يعرض عن الشهوة التي حرمه الله عليه ، فيرقى بمأثرته وصبره ، في الحالتين ترقى ، إذا تزوجت وفق ما أراد الله عز وجل ترقى بالطاعة والشكر ، وإذا أعرضت عن الحرام ترقى بالمأثرة والصبر ، فهذه الشهوة سبيل دخول الجنة ، ولولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات ، فإذا أودع الله فينا الشهوات من أجل إن يكرمنا ، ومن أجل أن تسمو نفوسنا ، ومن أجل أن تصبح مؤهلة لتسعد بقربه إلى الأبد .
         فلذلك جعل ربنا عز وجل ما على الأرض زينة لها ، ونحن نمتحن لا في كل ساعة ، بل في كل دقيقة ، كلما عرضت لك شهوة فإما أن تقول : إني أخاف الله رب العالمين ، فترقى إلى أعلى عليين ، وإما أن يسقط الإنسان تحت وطأة هذه الشهوة ، فيهوي بها إلى أسفل السافلين ، إذاً نحن في امتحان مستمر يؤكد قوله تعالى :
] أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [.
( سورة العنكبوت : 2 )
         الفتنة : أن يزرع فيك شهوة ، ويعرض عليك ما يلبيها ، فإما أن تقول : إني أخاف الله ، وإما أن يسقط الإنسان في هوة الانقياد للشهوة ، فلذلك :
] وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [.
( سورة النازعات : 40 ـ 41 )
        ولحكمة بالغة ، بالغة جداً ، جعل الله عز وجل ، بعض الطاعات مما ينفرد بها الدين فقط ، إذ أمرك أن تغض بصرك عن محارم الله ، وليس في الأرض كلها تشريع يحرم ذلك ، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله فهذا لا يفسر إلا بالإخلاص لله ، مستحيل أن تغض بصرك خشيةً من إنسان ، لأن بني البشر لا يحرمون ذلك .
        ولحكمة بالغة أن الدين انفرد ببعض الأوامر ، فمن طبقها فهذا مؤشر يقيني قطعي على أنه مخلص لله عز وجل .
] وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [.
( سورة النازعات : 40 ـ 41 )
        إذاً :
 
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾
 
 
       الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر ، خذ من الدنيا كما شئت ، كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( اتركوا الدنيا لأهلها ، فإنه من أخذ منها فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر )) .
[كشف الخفاء ، وقال : رواه الديلمي ، وهو حسن لغيره]
         وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :
(( مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ قَدْ أَلْقَاهَا أَهْلُهَا ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا )) .
[أحمد في المسند]
 
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾
 
معنى : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا
 
 
        أي بساتين جميلة ، وبيوتاً فخمة ، ومركبات فارهة ، ونساء جميلات ، وطعامًا فاخراً ، ومكانة اجتماعية راقية .
        فالدنيا خضرة نضرة ، وقال عليه الصلاة والسلام :
(( إياكم وخضراء الدمن ، قالوا : وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء )) .
[مسند الشهاب للقضاعي]
        فهذا الذي تعرض له الشهوات ، والمباهج ، ووسائل اللهو المحرمة ، والاختلاط ، والسهرات ، والنوادي ، والحفلات ، والنزهات التي يُعصى الله فيها ، هذا الذي تعرض له هذه فيقول : إني أخاف الله رب العالمين ، أيضيع هذا عند الله ؟ ماذا فعل الله مع يوسف عليه والسلام حينما قال :
] مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [.
( سورة يوسف : 23 )
        جعله عزيز مصر ، وجعله وجيهاً في الدنيا والآخرة ، وماذا لو اقترف هذه المعصية ؟ لكان في أسفل السافلين .
        يا أخي الكريم ، كل دقيقة تمتحن ، في كسب المال ، وفي إنفاقه ، وفي إطلاق البصر ، و غضه ، و في أكل الحلال ، و ترك الحرام ، وفي الإحسان للزوجة ، وللأم ، وفي خدمة الأب ، و الإحسان للجيران ، ففي كل لحظة ، وفي كل ثانية أنت تمتحن .
 
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
 
 
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَملاً
 
        هذه اللام للتعليل ، أي أن الله عز وجل جعل هذه الشهوات ، وتلك الزينة من أجل أن يبتلى بها عباده ، مطلقاً ، المؤمنين ، وغير المؤمنين .
 
﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾
 
وَإِنَّا لَجَاعِلُون مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا
 
        فهذا البيت الذي آثرته على الله عز وجل ، وهذه المرأة الحسناء التي آثرتها على رقةٍ في دينها ، وعلى المرأة المؤمنة الصادقة ، وهذا الكسب الحرام الذي آثره الإنسان على الكسب الحلال ، وهذه المزرعة الفخمة ، الرائعة ، الغناء ، الجميلة ، التي آثرتها على رضوان الله عز وجل ، وهذه الصفقة التي آثرتها على طاعة الله عز وجل كل هذا الذي حصلته ـ وأسخط الله عز وجل ـ سوف يفنى ، ويبقى السخط ، وكل هذا الذي حصلته بسخط الله سيفنى ، ويبقى العقاب ، فإذا تركته لله أيضاً سيفنى ويبقى الثواب ، فالأمر خطير .
] كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [.
( سورة الرحمن : 26 )
       متعها ، بيوتها ، أبنيتها ، حدائقها ، بساتينها ، نساؤها ، مالها ، طعامها ، شرابها ، أماكنها الجميلة ، منتجعاتها ، فكل الذي تشاهده على وجه الأرض لن يبقى ، هذه الأماكن الجميلة التي يعصى الله فيها ، لن تبقى ، هذه السهرات التي يعصى الله فيها لن تدوم ، لابد من نزول القبر ، الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر ،لابد من مفارقة الدنيا ، إن عاجلاً أو آجلاً ، ولابد من دفع الثمن ، ولابد من الجزاء ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر .
       ربما لا يبدو لكم ارتباط في هذه الآية ، وبين القصة ، قصة أهل الكهف .
 
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ¯وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾
 
معنى :
 
﴿ صَعِيداً ﴾
معنى : صَعِيدًا جُرُزًا
 
أي : الأرض مستوية ، لا جبال شامخة ، ولا وديان سحيقة ، ولا سواحل ، ولا تضاريس .
 
﴿ صَعِيداً﴾
 
 
مستويةً ملساء .
 
﴿ جُرُزاً ﴾
لا نبات فيها ولا شجر .
] حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [.
( سورة يونس : 24 )
كأنها أرض محصودة .
 
العلاقة بين هذه الآيات وقصة أهل الكهف :
 
       العلاقة بين هذه الآية وبين سورة الكهف ، أو بين قصة أصحاب الكهف ، أن الله عز وجل يبين لنا أن هؤلاء الفتية امتحنهم الله عز وجل فنجحوا في الامتحان ، ابتلاهم الله عز وجل فوضعهم أمام خيار صعب ، إما أن يقعوا في الشرك فيسلموا ، وإما أن يؤمنوا فيهلكوا ، آمنوا وفروا بدينهم ، فحفظهم الله عز وجل ، وهذا ملخص القصة .
 
بداية سرد أحداث قصة أهل الكهف :
 
 
 
﴿ جُرُزاً ﴾
يا محمد .
 
 ﴿ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً﴾
          إن قصة أصحاب الكهف ليست أعجب آياتنا ، آيات الله كلها عجيبة ، وهذه بعض الآيات .
 
﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ ﴾
 
الكهف ؛ المغارة الكبيرة .
 
﴿ وَالرَّقِيمِ ﴾
 
معنى : الرقيم
 
       اختلف العلماء في تفسيرها .
المعنى الأول : لوحة حجرية :
      بعضهم قال : لوحة حجرية كتب عليها أسماء أهل الكهف على مدخل المغارة .
المعنى الثاني : اسم وادٍ :
      وبعضهم قال الرقيمُ : اسم واد تقع فيه هذه المغارة .
المعنى الثالث : اسم الجبل :
       وبعضهم قال : اسم الجبل الذي تقع فيه هذه المغارة .
المعنى الرابع : اسم الكلب :
وبعضهم قال : اسم الكلب الذي كان معهم ، على كلٍ لا يترتب شيء من هذا .
 
﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً﴾
        هذا الاستفهام استفهام إنكاري ؛ أي أن هذه القصة ليست عجيبةً بالنسبة إلى قدرة الله عز وجل ، ليست عجيبةً إذا قيست بقدرة الله ، أما إذا قيست بقوانين البشر فهي عجيبة ، فهي خرق للعادات والسنن التي ألفها الناس .
 
هذه الآية دليل على الكرامات :
 
 
         وبالمناسبة ؛ تعد هذه القصة دليلاً على الكرامات ، الأنبياء يأتون بالمعجزات ، أما الأولياء فيأتون بالكرامات ، وبما أن أهل الكهف ليسوا أنبياء فهم مؤمنون ، فهذا الذي جرى بحقهم نوع من أنواع الكرامات .
         والعلماء قالوا : الكرامات على نوعين ؛ نوع فيها خرق لما ألفه النــاس ، ونوع ليس فيه خرق لما ألفه الناس .
        أما أن يبقى الإنسان حياً ثلاثمئة عام !! فهذا خرق لمألوف العادات ، إذاً هذه كرامة لهم .
        أما أن يحفظ الله أجسامهم من التلف ، ومن التفسخ ، فهذه كرامة لهم ، وأما الكرامات التي ليس فيها خرق للعادات ، فهي كرامة العلم والحكمة ، فإذا سمح الله لك أن تعرفه فقد كرمك ، و شرفك ، ورفع قدرك ، وأعلى منزلتك ، لأن الله عالم يحب كل عالم ، ولأن الله أعطى من أحبهم العلم والحكمة ، وأعطى المال من أبغضهم ، ومن أحبهم ، فالدنيا يعطيها لمن يحب ، ولمن لا يحب ، وهذه نقطة دقيقة جداً ، و ليست الدنيا مقياساً لكرامتك عند الله ، قد تكون فضلاً كبيراً وقد يكون الله عز وجل قد أكرمك بها ، ولكنها ليست مقياساً ، لا يمكن أن تقول لي : أنا غني ، إذاً يحبني الله ، هذا مقياس مرفوض كلياً .
         فإذا أعطاك الله الدنيا فهذا تكريم منه عز وجل ، فاشكر الله عليه ، و لا تتخذه مقياساً لكرامتك عند الله عز وجل لأنه يعطيها لمن لا يحب ، لأنها تافهة عند الله ، ولأنها تنتهي بالموت إذاً ليست عطاءً ، وكل شيء ينتهي بالموت لا يسمى عطاءً من قبل الكريم .
 
﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً ¯إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ﴾
 
ريح الجنة في الشباب : إِذْ أَوَى الفِتْيَةُ إِلَى الكَهْفِ :
 
        قال العلماء  : هذه إشارة إلى أن ريح الجنة في الشباب ، والأنبياء حينما أرسلهم الله عز وجل لأقوامهم ، من الذين آمنوا ؟ هم الشباب ، ومن هم الذين أعرضوا ؟ هم الذين رسخت قدمهم في الكفر ، والذين لهم مصالح ، ودنيا عريضة ، أصحاب الشأن ، وعلية القوم ، هؤلاء صدوا الحق ، محافظة على مكتسباتهم ، ومكانتهم ، ودنياهم ، أما الشباب فكما جاء في الأثر :
((إن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن ، يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي )) .
[ ورد في الأثر ]
      أحب ثلاثاً ، وحبي لثلاث أشد ، أحب الطائعين ، وحبي للشاب الطائع أشد ، لأن الشباب سن الاندفاع نحو الشهوة ، وسن الفتوة ، وسن الإقبال على الدنيا ، والانغماس فيها ، فإذا كان يصلي ، ويغض بصره عن محارم الله ، ويتحرى الدخل الحلال ، فهو واقف في طاعة الله ، وفي الحديث :
((من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار)) .
[الديلمي في الفردوس عن علي]
       ومن شبّ على شيء شاب عليه ، ومن شاب على شيء مات عليه ، ومن مات على شيء حشر عليه .
 
﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ ﴾
فتيان .
 
﴿ إِلَى الْكَهْفِ ﴾
 
      
ما قصة خروج الفتية إلى الكهف ؟
 
       من خلال بعض التفاسير أن هؤلاء الفتية كانوا يعيشون في ظل حاكم مشرك يناهض التوحيد ، فكل من خالف دينه أمر بقتله ، وكان خيارهم صعباً جداً ، إما أن يشركوا مع من أشرك ، وإما أن يعبدوا من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، وإما أن يوحدوا ، وإما أن يعبدوا الله عز وجل ، فتهدروا دماءهم ، لكنهم آثروا طاعة الله عز وجل على كل ما سواه .
فليتك تحلُو و الحياةُ مريـرةٌ     وليتَك ترضى والأنامُ غِضابُ
وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ     وبيني وبين العالمينَ خَـرابُ
 
﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾
 
من الإسقاطات : لكل عصر فتية مع كهفهم :
 
      والله عز وجل يريدنا أن نقف مثل هذا الموقف ، إذا فسد الزمان ، إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهوى متبعاً ، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه ، فالزم بيتك ، وامسك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العامة ، إذا كان مع الاختلاط فجور ، ومعصية ، ومخالفات ، فلا كان هذا الاختلاط ، ويا حبذا أن تقبع في بيتك فراراً بدينك ، واتقاءً له ، وفي ذلك قال ربنا عز وجل :
 
﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ﴾
        الكهف هو المغارة في الجبل ، وقد يكون المسجد كهفاً تأوي إليه ، وقد يكون بيتك كهفاً إذا كثرت الفتن ، فإما أن تأوي إلى بيتك ، وإما أن تأوي إلى مسجدك ، فراراً بدينك ، من الفتن التي استعرت في آخر الزمان .
 
﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ﴾
 
فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَّدُنْكَ رَحْمَةً
 
              يا من ربيتنا ، يا من خلقتنا ، يا من أعطيتنا ، يا من رعيتنا ، ربنا أقرب كلمة من أسماء الله للعبد كلمة الرب ، هو المربي  .
 
 ﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾
      الرحمة : الشيء المريح ، إما أن يكون مادياً أو معنوياً ، فالأمن رحمة .
] الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [.
( سورة قريش : 4 )
      والرزق رحمة ، الأمن رحمة ، الصحة رحمة ، الزوجة رحمة ، الأولاد رحمة ، المأوى رحمة ، السلامة من العيوب رحمة ، السمعة الطيبة رحمة ، هذه كلها رحمة .
 
﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾
       التجلي رحمة ، الأنوار الإلهية التي تلقى في قلب الإنسان رحمة ، الطمأنينة رحمة ، الثقة بعدالة الله رحمة ، الصبر رحمة  الشكر رحمة .
 
﴿ آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾
أثر الرشد في التصرفات والمعاملات :
 
            فإذا كان الإنسان مطيعاً لله عز وجل يكون مسدداً من الله ، محفوظًا ، يعطيه الله رؤية صحيحة ، وبهذه الرؤية الصحيحة يتخذ قراراً صحيحاً ، ويعود إليه بالخير العميم إلى نهاية الحياة .
         وإذا كان غافلاً عن الله عز وجل ، ومع الغفلة الظلمة ، ومع الظلمة الحمق ، ولذلك فالإنسان في ساعات الغفلة ، يتخذ قراراً أحمق ، وربما كان سبب شقائه إلى نهاية الحياة .
 
﴿ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾
        فالمؤمن يستلهم الله عز وجل ، لا يقطع أمراً دون إن يستلهم الله ، وهو وقافٌ عند كتاب الله ، فأنا مقدم على هذه التجارة ، أهي ترضي الله أم لا ترضيه ؟ هذه النوعية من البضاعة ترضي الله أم لا ترضيه ، وهذه الطريقة في التعامل هل ترضي الله أم لا ترضيه ؟ أنا مقدم على هذا الزواج ، أيرضى الله ، أن أتزوج هذه الفتاة أم لا يرضيه ؟ أنا مقدم على شراكه ، فربما كان شريكي لا يفقه من الدين شيئاً ، ربما جرني إلى كسب المال الحرام ، ربما جرني إلى معصية ، أيرضى الله أن أشاركه ؟ المؤمن وقاف عند كتاب الله .
 
﴿ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾
       ما أروع أن يكون الإنسان رشيداً .
] وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [.
( سورة البقرة : 269 ) 
        أن يكون رشيداً ، في معاملة أهله ، فقد يرتكب حماقة فيطلق زوجته ، ويشقى بهذا الطلاق ، قد يرتكب حماقة ، ويسيء إلى الناس ، فيخسر عمله ، فإما أن يكون المرء أحمق ، أو أن يكون حكيماً ، ولذلك قال الله تعالى :
] وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [.
( سورة البقرة : 269 ) 
        ويتابع ربنا عز وجل الحديث عن هذه القصة .
 
﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ﴾
فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ
 
 
        كما تعرفون أن الإنسان إذا نام أغمض جفنيه ، صار الطريق إلى إيقاظه طريق الصوت ، إنك إذا كنت قد فتحت عينيك ، ورأيت شيئاً خطراً ، تتيقظ ، لكنك إذا أغمضت عينيك ، فما الذي يوقظك عندئذٍ ؟ الصوت ، من هنا جاءت الحكمة أن الله عز وجل .
 
﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ﴾
      لأن الأذن للنائم هي المسلك الوحيد لإيقاظه .
 
﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ﴾
       سنوات وسنوات أمضاها هؤلاء الفتية وهم نائمون .
 
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ﴾
 
معنى : لِنَعْلَمَ
       هذه الكلمة لنعلم في حق الله لها معنى دقيق ، لتحقق الذي علمه الله من قبل ، العلم هنا التحقق ، أو الوقوع ، ليقع ما كان معلوماً عند الله عز وجل .
 
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ﴾
أي ليتحقق علماً .
 
﴿ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ﴾
        المشركون والمؤمنون ، كانوا قد تنافسوا في معرفة مدة مكوثهم في الكهف
 
﴿ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ﴾
        يبدو أن الله عز وجل ، في هذه الآيات الأربع ، لخص لنا القصة بأكملها ، ثم يبدأ بذكر التفاصيل .
 
﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ﴾
حينما قالوا :
 
﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾
       يعني احفظنا يا رب ، احفظنا من هذه الفتنة ، من أن يستباح دمنا ، فحينما دعوا الله عزوجل ، وسألوه أن يكون أمرهم رشدا استجاب لهم ، وأنامهم إلى أن زال هذا الظالم الذي حمل الناس على الشرك .
 
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ﴾
 
     المؤمنون والمشركون .
 
﴿ أَحْصَى﴾
 
     كان إحصاؤه دقيقاً .
﴿ لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ¯نَحْنُ ﴾
     وإذا قال الله تعالى عن نفسه : نحن ، بضمير الجمع ففي هذا إشارة إلى أن هذا الفعل الذي فعله الله عز وجل كل أسمائه داخلة في :
] إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ [.
( سورة طه : 14 )
نَحْنُ نَقُص عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ
 
   إذا كان الحديث عن ذاته ، جاء ضمير المفرد ، وإذا كان الحديث عن أفعاله ، جاء ضمير الجمع .
 
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾
يا محمد .
 
﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ﴾
معنى : بِالْحَقِّ
     
      ومعنى بالحق هنا ؛ أي الشيء المطابق للواقع ، نقص عليك هذا النبأ بالحق ؛ أي أن هذا النبأ كان خبراً صادقاً ، مطابقاً للواقع ، لأن اليهود في كتبهم ، تزايدوا في هذه القصة ، وأضافوا عليها تفصيلات ليست منها ، وانحرفوا في روايتها  .
      وتروي كتب التفسير أن اليهود أرادوا أن يحرجوا النبي عليه الصلاة والسلام ، و يفندوا دعوته ، وأن يؤكدوا للمشركين أنه لا يعلم هذه القصص ، والدليل أنهم سألوه عنها ، فلما سألوه عنها ، جاءت هذه القصة لتثبت نبوة النبي عليه الصلاة والسلام .
 
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾
 
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
    هذا الهدى الجبري ، زاداك الله الهدى .
      إنك إذا اخترت طريق الإيمان شرح الله صدرك ، وجمعك مع أهل الحق ، ويسر لك سبل العيش ، ويسر لك كل الأمور ، وأعانك على أمر الدنيا ، ووقاك المتاهات ، وحفظك من الملمات ، ورفع لك ذكرك ، وشجعك ، وتجلى على قلبك ، وأسعدك ، كل هذا لأنك طلبت الهدى .
 
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾
     آمنوا بهذا الرب الكريم ، وآمنوا من خلال هذا الكون ، من خلال هذه الآيات التي بثها الله عز وجل في السماوات والأرض ، وآمنوا بربهم ، واعتمدوا عليه ، وتوكلوا عليه ، وفوضوا له ، واستسلموا له ، عندئذٍ جاء الهدى الجزائي .
 
﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾
      فإذا اختار طالب أن يدخل الجامعة ، فهي تمنحه راتباً شهرياً ، وتمنحه بطاقات مجانية لارتياد المكتبة ، وشراء الكتب ، وتمنحه غرفة ليسكن فيها ، وطعاماً بأسعار رخيص جداً ، كل هذه الميزات لأن هذا الطالب اختار دخول الجامعة مثلاً .
 
﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا ﴾
معنى الربط على القلب :
      معنى : ]وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ [ : يعني شددنا على قلوبهم ؛ أي جعلنا قلوبهم رابطة الجأش .
      فإذا قال الإنسان :
] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [.
( سورة الفاتحة : 5 )
     حينما يختار الإنسان طاعة الله عز وجل بإصرارٍ عندئذ ٍيعينه الله عليها ، ألا أنبئكم بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ لا حول عن معصيته إلا به ، ولا قوة على طاعته إلا به ، ولو أن الإنسان اعتز باستقامته ، واستعلى بها على الناس بسهولة فائقة ، فالله عز وجل يضعف مقاومته ، يجعل مقاومته للمعاصي ، فإذا هو يقع فيها ، هذا ما قال :
] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [.
( سورة الفاتحة : 5 )
     قال :
] إِيَّاكَ نَعْبُدُ [.
( سورة الفاتحة : 4 )
    ولم يقل :
] وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [.
( سورة الفاتحة : 5 )
      فأضعف الله مقاومته فوقع في المصيبة ، ولذلك فقمة النجاح في الدين يساوي التواضع ، والانكسار ، والافتقار .
مالي سوى فقري إليك وسيلةٌ     فبالافتقار إليك فقري أدفع
ومالي سوى لقرع بابك حيلة    فإذا رددت فأي باب أقرع ؟
     إذاً :
 
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ¯وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا ﴾
 
معنى : إِذْ قَامُوا
 
المعنى الأول :
      إذ قاموا بين يدي هذا الحاكم الظالم الذي حملهم على الشرك .
المعنى الثاني :
      وإذ قاموا فارين بدينهم .
      هذه الكلمة مطلقة ، على كلٍ ، فأنزل الله على قلوبهم السكينة ، وهناك إنسان يخاف من ذله ، هذا الخوف من خلق الله ، والطمأنينة من خلق الله ، فإذا كنت معه هابك كل شيء، وإذا تركته أهابك من كل شيء  .
      لذلك :
]سَنُلْقَي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرِكُوا [ .
( سورة آل عمران : 151 )
      وهناك قانون ، بمجرد أن يشرك إنسان بالله عز وجل يلقي الله الرعب في قلب هذا الإنسان .
 
﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً ﴾
 
التوحيد أصل صلاح الدين ، والشرك أصل فساده :
      هذا هو التوحيد ، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، هذا هو الدين كله الدين كله توحيد ، ألا ترى مع الله أحدا ، ألا ترى مع الله فاعلة ، ألا ترى رافعاً إلا الله ، ألا ترى رازقاً إلا الله ، ألا ترى خافضاً إلا الله ، ألا ترى باسطاً ، ألا الله ألا ترى قابضاً إلا الله .
إذا كنت في كل حال معي     فعن حمل زادي أنا في غنى
أتينـاك بالفقر يا ذا الغنى     وأنت الذي لم تزل محـسناً
و عودتنا كل فضل عسى     يكون الذي منك قد عودتـنا
      لن ندعو من دونه ، ليس هذا الذي تدعوه مماثلاً له ، وما أبعد الفرق بين من تدعو من دونه ، وبين خالق السماوات والأرض .
] إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ[.
( سورة فاطر : 14)
      وقال سبحانه :
] وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ .
( سورة إبراهيم : 22 )
 
 
﴿ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً ﴾
لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا
 
     إذا صليت في الليل فقل : يا رب ليس لي سواك ، تبرأ من حولك وقوتك ، ومن كل من تعتمد عليه ، من كل من تتكل عليه ، من كل من تطمئن له ، من كل من تحس أنه يدعمك، تبرأ منه ، واستعن بالله عز وجل ، عندئذ يرفعك الله عز وجل .
 
﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا ﴾
لو فعلنا ذلك .
 
﴿ لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً ﴾
الشرك شططٌ من القول :
 
      هذا هو الباطل ، فيه شطط ، في زيادة ، في انحراف ، في خروج عن الطريق الصحيح .
 
 ﴿ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً﴾
    وذلك في كل زمان :
 
وجوب الإنكار على المشرك :
 
] أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [ .
( سورة الجاثية : 23 )
      فالمعنى مبسط جداً ، فهذا الذي يتبع الهوى ، اتخذ الهوى إلهاً، وهذا الذي يتبع شهوته ، اتخذ الشهوة إلهاً ، و هذا الذي يؤثر المال على طاعة الله اتخذ المال إلهاً ، وهذا الذي يؤثر رضا زوجته على طاعة الله، اتخذها إلهاً .
       ولذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ )) .
(صحيح البخاري)
 
 
﴿ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾
 
إن كنت ناقلاً فالصحة ، وإذا كنت مدّعياً فالدليل :
    
فالتفكير المنطقي ، ادع ما تشاء ، ولكن أين الدليل ؟ فهناك قاعدة عند علماء الأصول ، إن كنت ناقلاً فالصحة ، وإذا كنت مبتدعاً فالدليل ، ابتدع ما تشاء ، ادع ما تشاء ، ائت بالدليل   قل ما تشاء ، أزعم ما تشاء ، أين الدليل ؟ هات الدليل لأكون معك ، أما أن تزعم ما تشاء بلا دليل فهذا هو الجهل الكبير ، أن تدعو آلهة من دون الله بلا دليل .
] وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [.
( سورة المؤمنون : 117 )
 
﴿ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ ﴾
أي بحجة دامغة ، بدليل عقلي ، بين ..
 
 ﴿ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾
 
أعظمُ الظلم الإشراكُ بالله :
  
       إذاً حينما يدعو الإنسان إلهاً من دون الله ، ومن دون دليل فقد افترى على الله كذبا ، فإذا دخلت إلى دائرة ، وبيدك إضبارة تود أن يوقعها المدير العام ، ولا يصلح إلا توقيع المدير العام ، فإذا اتجهت إلى مستخدم ترجوه ، وتتوسل إليه أن يوقعها لك ، أليس هذا حمقاً كبيراً !! ما قيمة توقيع هذا المستخدم ؟ هذا له وظيفة محترمة ، لكن ليس من صلاحيته أن يوافق لك على هذه الإجازة ، إنه لا يقدر ، فحينما لا تعلم من هو الذي بإمكانه أن يوقع ، فهذا هو جهل كبير .
       كل أمورك بيد الله عز وجل :
] وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [.
( سورة هود : 123)
      أمرك ، وأمر أعدائك ، وأمر أحبابك ، وأمر أهلك ، وأمر أولادك ، وأمر صحتك ، وأمر عملك ، وأمر دخلك .
] وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [.
( سورة هود : 123)
       متى قال الله لك : اعبدني يا عبدي ، بعد أن طمأنك ، أن الأمر كله إليه .
] وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [.
( سورة هود : 123 )
 
﴿ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ¯وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾
 
العزلة الشرعية :
 
         وقد درسنا سابقاً موضوع العزلة ، وآدابها في كتاب أحياء علوم الدين ، وبينت لكم ، أنك إذا كنت في مجتمع فاسد فالعزلة واجبه ، وإن كنت في مجتمع صالح فالاختلاط واجب ، والعزلة مطلقاً لها أحكام متفاوتة ، فهؤلاء الفتية أصحاب الكهف اتخذوا قراراً  باعتزال قومهم المشركين .
 
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾
أدق تفسير :
 
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ ﴾
 
تفسير : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ
 
      يجب أن تعتزل المشرك وما يعبد ، إلا إذا عبدوا الله فلا ينبغي أن تعتزلوهم ، إذاً أصحاب الكهف اتخذوا قراراً باعتزال قومهم لأنهم غارقون في الشرك ، وفي المعاصي ، والاعتزال مُنصب على قومهم وما يعبدون .
 
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ ﴾
      إذا أردت أن تبتعد عن أهل الشرك فينبغي أن تبتعد عن ملهياتهم وعن شهواتهم ، وأهدافهم ، وطرائقهم ، وتقاليدهم ، وعن عاداتهم ، وعن كل ما يمت لهم بصلة ، لأن هذا الشيء الذي يمت لهم بصلة قد يجرك إليهم .
 
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾
      إلا إذا كانوا قد عبدوا الله عز وجل ، عندئذ لا ينبغي أن تعتزلوهم ، فالإنسان لا تعتزله لذاته بل لعمله السيئ ، فإذا عاد إلى الصواب فهو أخوك في الله ، فلمجرد أن يعود هذا المشرك إلى حظيرة الإيمان وجب عليك أن تصله ، لذلك جاء إلى المدينة رجل اسمه عمير ، وهو من ألد أعداء النبي الكريم ، وقد توشح سيفاً له ، رآه عمر ، فقال : ما الذي جاء بك يا عمير ، قال : جئت أريد أن أفدي أخي ، فقيده بحمالة سيفه ، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال يا رسول الله : هذا عمير جاء يريد شراً ، قال : أطلقه يا عمر ، فأطلقه ، قال : اقترب مني يا عمير ، فاقترب منه فقال : ابتعد عنه يا عمر ، فابتعد عنه ، قال  يا عمير ، ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال : جئت أفك أخي ، أو ابني ، لا أدري أيهما أصح ، فقال : وهذا السيف الذي على عاتقك ، قال : قاتلها الله من سيوف ، وهل نفعتنا يوم بدر ؟ فكان عمير قد جلس في ظاهر مكة مع صفوان بن أمية اتفقا على أن يقتل عمير رسول الله بهذا السيف المسموم ، وجاء تحت غطاء أن له أخاً يريد أن يفك أسره ، فقال يا عمير : سلم علينا ، قال عمت صباحاً يا محمد ، قال : سلم علينا بسلام الإسلام ، قال يا محمد  لست بعيد عهدٍ بالجاهلية هذا سلامنا ، قال له : ألم تقل لصفوان : لولا هموم ركبتني ، وأولاد أخاف عليهم العنت لذهبت ، وقتلت محمداً ، وأرحتكم منه ، فقال لك صفوان : أما أولادك فهم أولادي ما امتدت بهم العمر ، وأما ديونك فهي علي مهما بلغت ، فامض بما أردت ، عندئذ وقف عمير ! وقال : أشهد أنك رسول الله ، والله ما سمع أحد على وجه الأرض ما الذي دار بيني وبين صفوان ، عندئذ أسلم هذا الرجل ، وأنا ما أردت من هذه القصة إلا شيئاً واحدًا .
      سيدنا عمر كان يقول : واللهِ دخل عمير على رسول الله ، وهو أبغض إليّ من الخنزير ، وخرج من عنده ، وهو أحب إليّ من بعض أولادي ، انتهى الأمر ، أنت لا تكره زيداً لذاته ، تكرهه لعمله ، فإذا عاد إلى الدين فهو أخوك .
 
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾
 
معنى الاستثناء : إِلاّ الله
     
وما يعبدون إلا الله استثناء منقطع ، فإذا عبدوا الله وحده انتهى الاعتزال ، وهم إخوانكم .
 
﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾
       الكهف الذي أووا إليه معروف ، وكل مؤمن خاف على دينه ، أو خاف على استقامته ، أو خاف على عقيدته ، أو خشي أن يعصي الله عز وجل ، لا ينبغي أن يكون في مكان قد يجر فيه إلى المعصية عليه أن يعتزل كل من يجره إلى المعصية .
 
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾
      عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ )) .
(البخاري)
       عَنْ أَبي بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهٌ عَنْهم قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ ، لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً )) .
(صحيح البخاري)
     فأن تأتي إلى مجلس العلم ، وتستمع إلى آيات الله تتلى عليك ، وتفسر بقدر الإمكان هذا أفضل مليون مرة من أن تقبع وحدك في البيت ، أما إذا دعيت إلى مجلس أنس وطرب فالأفضل ألف مرة أن تبقى وحدك في البيت من أن تجر إلى معصية الله ، هذا ملخص الموضوع ، وسوف نتابع الحديث عن هذه القصة بفضل الله عز وجل وتوفيقه في الدرس القادم .
 
﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ﴾
 
 
والحمد لله رب العالمين
 
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب