مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج تمهل ..محمد ملاح: برنامج تمهل-الحالة النفسية للسائقين-08-08-2017           برنامج تأملات في أحسن القصص: تأملات-15-قصة بني اسرائيل في سورة البقرة 6           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة-أسرار ورموز في الحج1           برنامج سوا على الجنّة: سوا على الجنة-10-الحياء           برنامج تأملات في أحسن القصص: تأملات-14-قصة بني اسرائيل في سورة البقرة 5           برنامج تأملات في أحسن القصص: تأملات-13-قصة بني اسرائيل في سورة البقرة 4         

New Page 1

     أهل القرآن

New Page 1

عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

10/03/2014 13:56:00

عبد الله بن عباس، حبر الأمة، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب. وكان مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين.

انتقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح وقد أسلم قبل ذلك فإنه صح عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين أنا من الولدان وأمي من النساء. فصحب النبي عليه السلام نحواً من ثلاثين شهراً، لازمه ملازمة متصلة، وبتوفيق الله تعالى روى ابن عباس الكثير للبشرية عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وما علمه للصحابة في مجالسه.

يشبه ابن عباس، عبدالله بن الزبير في أنه أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم وعاصره وهو غلام، ومات الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يبلغ ابن عباس سنّ الرجولة.

كان يبيت عند خالته ميمونة، وأحياناً على وسادة واحدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتاد أن ينام على فراشه، ويرتوي من رحيقه.

فتلقى في حداثته كل خامات الرجولة، ومبادئ حياته من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يؤثره، ويزكيه، ويعلّمه الحكمة الخالصة.

عن ابن عباس قال: نام الرسول صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل ثم استيقظ فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن الوضوء، ثم قام يصلي، فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني يفتلها، فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج إلى المسجد فصلى الصبح.

ثم توالت المناسبات والفرص التي يكرر فيها الرسول هذا الدعاء ذاته لابن عمه عبدالله بن عباس، ومن ذلك:

عن ابن عمر أن عمر دعا ابن عباس فقربه وكان يقول: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاك يوماً فمسح رأسك وتفل في فيك وقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.

عن ابن عباس قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم من آخر الليل فجعلني حذاءه، فلما انصرفت قلت: وينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا الله أن يزيدني فهماً وعلماً.

وعن ابن عباس وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءاً فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.

وبقوة ايمانه، وقوة خلقه، وغزارة علمه، تبوأ ابن عباس رضي الله عنهما مكاناً عالياً بين الرجال حول الرسول. وكان استعداده العقلي يدفعه في هذا الطريق دفعاً قوياً، فعلى الرغم من أنه لم يكن قد جاوز الثالثة عشرة من عمره يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانه لم يضع من طفولته الواعية يوماً دون أن يشهد مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم ويحفظ عنه ما يقول، وبعد ذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى حرص ابن عباس على أن يتعلم من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم السابقين ما فاته سماعه وتعلمه من الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، وجعل من نفسه علامة استفهام دائمة، فلا يسمع أن فلاناً يعرف حكمة، أو يحفظ حديثاً، الا سارع اليه وتعلم منه، وكان عقله المضيء الطموح يدفعه لفحص كل ما يسمع، فهو لا يعنى بجمع المعرفة فحسب، بل ويعنى مع جمعها بفحصها وفحص مصادرها، يقول: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد، ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول:  لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لفتى من الأنصار: هلمّ فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم اليوم كثير. فقال: يا عجباً لك يا بن عباس! أترى الناس يفتقرون اليك، وفيهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترى؟  فترك ذلك، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتي اليه وهو قائل في الظهيرة، فأتوسّد ردائي على بابه، يسفي الريح عليّ من التراب، حتى ينتهي من مقيله، ويخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ هلا أرسلت اليّ فآتيك؟ فأقول: لا، أنت أحق بأن أسعى اليك، فأسأله عنه الحديث وأتعلم منه.

سئل ابن عباس يوماً: أنّى أصبت هذا العلم؟ فأجاب: بلسان سؤول، وقلب عقول.

ويصفه سعد بن أبي وقاص بهذه الكلمات: ما رأيت أحداً أحضر فهماً، ولا أكبر لبّاً، ولا أكثر علماً، ولا أوسع حلماً من ابن عباس. ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وحوله أهل بدر من المهاجرين والأنصار فيتحدث ابن عباس، ولا يجاوز عمر قوله.

وتحدث عنه عبيد بن عتبة فقال: لقد كان يجلس يوماً للفقه، ويوماً للتأويل، يوماً للمغازي، ويوماً للشعر، ويوماً لأيام العرب وأخبارها، وما رأيت عالماً جلس اليه إلا خضع له، ولا سائلاً إلا وجد عنده علماً.

ووصفه مسلم من أهل البصرة، وكان ابن عباس قد عمل والياً عليها للامام عليّ ابن أبي طالب، فقال: إنه آخذ بثلاث، تارك لثلاث، آخذ بقلوب الرجال إذا حدّث، وبحسن الاستماع إذا حُدّث،
وبأيسر الأمرين إذا خولف، وتارك المراء، ومصادقة اللئام، وما يعتذر منه.

وكان تنوّع ثقافته، وشمول معرفته ما يبهر الألباب، فهو الحبر الحاذق الفطن في كل علم، في تفسير القرآن وتأويله وفي الفقه، وفي التاريخ، وفي لغة العرب وآدابهم، ومن ثمّ فقد كان مقصد الباحثين عن المعرفة، يأتيه الناس أفواجاً من أقطار الاسلام، ليسمعوا منه، وليتفقهوا عليه.

حدّث أحد أصحابه ومعاصريه فقال: لقد رأيت من ابن عباس مجلساً، لو أن جميع قريش فخرت به، لكان لها به الفخر، رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب، فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءاً، فتوضأ وجلس وقال: اخرج اليهم، فادع من يريد أن يسأل عن القرآن وتأويله، فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملأوا البيت، فما سألوا عن شيء إلا أخبرهم وزاد، ثم قال لهم: إخوانكم، فخرجوا ليفسحوا لغيرهم. ثم قال لي: اخرج فادع من يريد أن يسأل عن الحلال والحرام، فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملأوا البيت، فما سألوا عن شيء الا أخبرهم وزادهم، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال لي: ادع من يريد أن يسأل عن الفرائض، فآذنتهم، فدخلوا حتى ملأوا البيت، فما سألوه عن شيء الا أخبرهم وزادهم، ثم قال لي: ادع من يريد أن يسأل عن العربية، والشعر، فآذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت، فما سألوه عن شيء الا أخبرهم وزادهم.

وعن الحسن قال: كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية.

عن ابن عمر قال: ابن عباس أعلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

ومسنده ألف وست مئة وستون حديثا وله من ذلك في الصحيحين خمسة وسبعون وتفرد البخاري له بمئة وعشرين حديثا وتفرد مسلم بتسعة أحاديث. ومن أشهر الأحاديث التي رواها: يا غلام إني أعلمك كلمات.

الكريم المحب للمسلمين:

ولم يكن ابن عباس يمتلك هذه الثروة الكبرى من العلم فحسب. بل كان يمتلك معها ثروة أكبر، من أخلاق العلم وأخلاق العلماء. فهو في جوده وسخائه إمام وعَلَم. إنه ليفيض على الناس من ماله.

ولقد كان معاصروه يتحدثون فيقولون: ما رأينا بيتاً أكثر طعاماً، ولا شراباً، ولا فاكهة، ولا علماً من بيت ابن عباس.

وهو طاهر القلب، نقيّ النفس، لا يحمل لأحد ضغنا ًولا غلاً. وهوايته التي لا يشبع منها، هي تمنّيه الخير لكل من يعرف ومن لا يعرف من الناس.

يقول عن نفسه: إني لآتي على الآية من كتاب الله فأود لو أن الناس جميعاً علموا مثل الذي أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل، ويحكم بالقسط، فأفرح به وأدعو له، ومالي عنده قضيّة، وإني لأسمع بالغيث يصيب للمسلمين أرضاً فأفرح به، ومالي بتلك الأرض سائمة.

عبادته
وهو عابد قانت أوّاب، يقوم من الليل، ويصوم من الأيام، ولا تخطئ العين مجرى الدموع تحت خديّه، اذ كان كثير البكاء كلما صلى، وكلما قرأ القرآن. فإذا بلغ في قراءته بعض آيات الزجر والوعيد، وذكر الموت، والبعث علا نشيجه ونحيبه.

عن ابن أبي مليكة صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة فكان إذا نزل قام شطر الليل فسأله أيوب كيف كانت قراءته قال: قرأ "وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد"، فجعل يرتل ويكثر في ذلك النشيج.

عن أبي رجاء قال رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشراك البالي من البكاء.

من أقواله:

-       ما بلغني عن أخ مكروه قط إلا أنزلته إحدى ثلاث منازل: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان نظيري تفضلت عليه، وإن كان دوني لم أحفل به. هذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها فأرض الله واسعة.

-       لأن أقرأ البقرة في ليلة وأتفكر فيها أحب إلي من أن أقرأ القرآن هذرمة.

-       يا صاحب الذنب لا تأمنن سوء عاقبته، ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته. قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب الذي صنعته، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا عملته أعظم من الذنب، وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب إذا ظفرت به، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا عملته.

-       لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله، أحب إلي من حجة بعد حجة، ولطبق بدانق أهديه إلى أخ لي في الله أحب إلي من دينار أنفقه في سبيل الله عز وجل.

-       خذ الحكمة ممن سمعت؛ فإن الرجل ليتكلم بالحكمة وليس بحكيم، فتكون كالرمية خرجت من غير رام.

عمر وابن عباس رضي الله عنهم:

عن سعيد بن جبير قال: كان ناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم، قال: وكان يسأله، فقال عمر: أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله فسألهم عن سورة النصر، فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً أن يحمده ويستغفره، فقال عمر: يا ابن عباس، تكلم. فقال: أعلمه متى يموت أي فهي آتيك من الموت فسبح بحمد ربك واستغفره.

وكان عمر رضي الله عنه إذا ذكره قال: ذلك فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول.

عن ابن عباس قال: كان عمر يدعوني مع الأكابر ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا. ثم يسألني ثم يقبل عليهم فيقول: ما منعكم أن تأتوني بمثل ما يأتيني به هذا الغلام.

عن الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس. قال: ذاكم فتى الكهول إن له لساناً سؤولاً وقلباً عقولاً.

وكان عمر يستشير ابن عباس في الأمر إذا أهمه ويقول: غص يا غواص.

وقال طلحة بن عبيد الله: لقد أعطي ابن عباس فهماً وعلماً ما كنت أرى عمر يقدم عليه أحداً.

وعن ابن عباس قال لي أبي: يا بني إن عمر يدنيك فاحفظ عني ثلاثاً، لا تفشين له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا يجربن عليك كذباً.

قالوا عنه:

عن سعيد بن جبير قال عمر: لا يلومني أحد على حب ابن عباس.

عن محمد بن أبي بن كعب سمع أباه يقول وكان عنده ابن عباس فقام فقال: هذا يكون حبر هذه الأمة أرى عقلاً وفهماً، وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفقهه في الدين.

ويروى عن عائشة قالت: أعلم من بقي بالحج ابن عباس.

عن طاووس قال: ما رأيت أورع من ابن عمر ولا أعلم من ابن عباس.

وقال مجاهد: ما رأيت أحداً قط مثل ابن عباس، لقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة.

عن مجاهد قال: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه.

عن مجاهد قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس إلا أن يقول قائل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن طاووس قال: أدركت نحواً من خمس مئة من الصحابة إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه فلم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله.

وقال أحدهم: خطبنا ابن عباس وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور فجعل يقرأ ويفسر فجعلت أقول ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا لو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت.

عن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس، فإذا نطق قلت أفصح الناس، فإذا تحدث قلت أعلم الناس.

قال سفيان بن عيينة لم يدرك مثل ابن عباس في زمانه ولا مثل الشعبي في زمانه ولا مثل الثوري في زمانه.

وفاته:

وفي عامه الحادي والسبعين سنة ثمان أو سبع وستين، دعي للقاء ربه العظيم وشهدت مدينة الطائف مشهداً حافلاً لمؤمن يزف الى الجنان. لما دفن ابن عباس قال اليوم مات رباني هذه الأمة.

 

 



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب