سورة الطلاق 065 - الدرس (6): تفسير الأيات (08 – 12) العقاب ظاهره أليم لكن نتائجه مرضيةٌ جداً

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الطلاق 065 - الدرس (6): تفسير الأيات (08 – 12) العقاب ظاهره أليم لكن نتائجه مرضيةٌ جداً

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">

 


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج وعندئذ قال الرسول: وعندئذ قال الرسول-18-الولاية على المرأة في الزواج           برنامج وعندئذ قال الرسول: وعندئذ قال الرسول-17-حرص الصحابة على معرفة أمور دينهم           برنامج وعندئذ قال الرسول: وعندئذ قال الرسول-16-درجات القرب من الله           برنامج وعندئذ قال الرسول: وعندئذ قال الرسول-15-العدل بين الابناء           برنامج وعندئذ قال الرسول: وعندئذ قال الرسول-14-حكم القضاء لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا           برنامج وعندئذ قال الرسول: وعندئذ قال الرسول-13-وجوب نفقة الأسرة على الزوج         

New Page 1

     سورة الطلاق

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الطلاق ـ الآيات: (08 - 12) - العقاب ظاهره أليم لكن نتائجه مرضيةٌ جداً

01/01/2014 17:35:00

سورة الطلاق (065)

الدرس(6)

تفسير الآيات: (8-12)

العقاب ظاهره أليم لكن نتائجه مرضيةٌ جداً


 لفضيلة الدكتور

محمد راتب النابلسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

العقوبة تحجِّم الإنسان وتدفعه إلى تطبيق القانون :

 

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس من سورة الطلاق، ومع الآية الثامنة، وهي قوله تعالى:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا*فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴾

أيها الأخوة الكرام، لا يخفى عليكم أن أي قانونٍ يصدر لا معنى له من دون عقوبات، لأن العقوبة تحجِّم الإنسان، وتدفعه إلى تطبيق القانون، هذا في حياتنا الدنيا، ربنا سبحانه وتعالى هو ربُّ العالمين، خلقنا، ولكنه يربينا، كيف يربينا؟ يضع لنا منهجاً نسير عليه، فلو حِدْنا عن هذا المنهج أدَّبنا، وهذا التأديب لصالحنا، لذلك بعد أن حدَّثنا ربّنا عن أحكام الطلاق، أحياناً الزوج يطلِّق طلاقاً تعسُّفياً، يقول: هذه ضعيفة، لا أهل لها، أنا أفعل بها ما أريد، ربنا عزَّ وجل يُذَكِّر الأزواج، بعد أن حدَّثنا عن أحكام الطلاق، وعن الطلاق اِلبدعي والسنّي، وعن الطلاق الذي يجوز، والذي لا يجوز، قال:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾

 

العقاب ردع لبقية الناس :

 

لماذا أمر الله أن يُقْتَل القاتل؟ وأن يُقْتَل على مرأى من جمهور المسلمين عقب صلاة الجمعة؟ لماذا أمر أن تُقطَع يدُ السارق؟ وأن تقطع أمام الملأ؟

﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾

[ سورة النور: 2 ]

لماذا؟ من أجل أن يكون هذا العقاب ردعاً لبقية الناس، فربنا عزَّ وجل يبين أنه ] كَأَيِن [ أي كم، كم لها معنيان في اللغة: كم استفهامية، وكم تكثيرية، أي تعجُّبية، أنا أسألك: كم كتاباً عندك؟ تقول لي: ثلاثون كتاباً، أقول لك مرَّةً ثانية: كم كتابٍ عندي، أنا لا أسألك، ولكن أُكَثِّر من الكتب التي عندي، فالعلماء قالوا: كم استفهامية، وكم تكثيرية، وكأيِّن تساوي كم..

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾

عتت أي خرجت، واستكبرت أن تطيع الله عزَّ وجل، العتو  الاستكبار، فكم من قريةٍ خرجت عن أمر الله عزَّ وجل، والآن ماذا يحصل؟ هناك قُرَى تصاب بزلازل، قرى تصاب بمجاعات، قرى تصاب بأمراض وبيلة، قرى تُهَجَّر من أماكنها، أبناء القرى يهجَّرون من أماكنهم، يُشَرَّدون في الآفاق، وأحياناً فيضانات، أحياناً كوارث طبيعية، أحياناً زلازل، أحياناً أمطار، أحياناً صقيع، كما تسمعون الآن سبعون تحت الصفر، يموت الناس بالعشرات من شدَّة البرد..

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا ﴾

أي إما أن تطيع الله عزَّ وجل، وإلا فتحمَّل..

 

التربية رحمة :

 

جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "يا رسول الله عظني ولا تطل، فقال عليه الصلاة والسلام: قل آمنت بالله ثم استقم، قال هذا الأعرابي: أريد أخفَّ من ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: إذاً فاستعدَّ للبلاء".

أي أنك لست مخيّراً، مخيّر أن تطيع، أو ألا تطيع، أما إذا عصيت فليس لك الخيار أن تتحمَّل العقاب، أو أن ترفضه، خيارك في الطاعة أو المعصية، أما مع المعصية فلم يعد هناك خيار، وهذا شيء بديهي، شخص يقود مركبة، والإشارة حمراء، فهو مخير أن يقف متأدِّباً مع النظام، أو أن يخرق قواعد النظام، أما إذا خرق قواعد النظام فليس باختياره أن يقبل العقاب، أو أن يرفضه، كما قلت من قبل:

((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ))

[متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أي مدركٌ نصيبه من عقوبة الزنا لا محالةَ حينما يزني، فالعبرة أن الله رب العالمين، ومعنى رب أي مربٍّ، ومعنى مربٍّ أي ممدّ، ومعنى ربّ أي مؤدِّب، فالإنسان حينما لا ينفِّذ أمر الله عزَّ وجل فرحمة به -كان من الممكن أن يُخلَق الإنسان، وأن يترك سدى- يوجد منهج، ويوجد رسل، ويوجد كتب، وانتهى الأمر، ولكن لا يوجد تأديب، الآن كم من إنسان يأتي طائعاً بعقله فقط؟ الآن في المدارس هناك عقوبات، هناك حرمان، هناك فصل، هناك حرمان من ستَّ دورات في الامتحان، هذه العقوبات تدفع الطالب إلى الالتزام، فربنا عزَّ وجل لو لم يؤدِّبنا، لو خلقنا، وأبلغنا رسالته عن طريق الأنبياء وتركنا، ولا توجد مصائب، ولا توجد أمراض، ولا توجد مخاوف، ولا توجد زلازل، أحياناً يقول: زلزلة من يومين شدتها أربعة رختر، هذا أسلوب تلويح العصا، أي انتبهوا، يا أيها العصاة انتبهوا، كأن لسان حال الذَّات الإلهية هكذا، فالتربية رحمة..

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام : 147]

 

العقاب ظاهره أليم لكن نتائجه مرضيةٌ جداً :

 

الإنسان حينما يُجْرِم يحتاج إلى رحمة الله، ورحمة الله هي التأديب، كم من شابٍّ استقام على أمر الله عَقِبَ مشكلة؟ كم من زوجٍ استقام على أمر الله عقب مشكلة؟ آلاف مؤلَّفة، بل إنَّ تسعين بالمئة من الذين اصطلحوا مع الله كان اصطلاحهم مع الله عقب مشكلة، عقب مشكلة مادِّية أو معنوية، خوف، أو فقر، أو نقص في الأموال والأولاد، فهذه المصائب صَمّامات أمان، هذه المصائب كالمكابح في السيارة، لابدَّ منها لضمان حسن سيرها، ولضمان سلامتها.

إذاً.. الحقيقة العقاب ظاهره سيئ، لكن له نتائج مرضية، لو أن أباً متشدِّد في تربية أولاده، شدَّته البالغة، وحرصه البالغ، وتأديبه الشديد، ومتابعته، انتهت بالأولاد إلى مركز راقٍ، إلى شهادة عُليا، أو إلى عمل جيِّد، أو إلى انضباط، أو إلى تديُّن، هذا الأب يصبح قرير العَين، وهذا الابن يذوب محبَّةً بوالده الشديد الذي حمله على أن يكون متفوّقاً في الدنيا، فالعقاب ظاهره أليم، لكن نتائجه مرضيةٌ جداً، والأب الذي يُسَيّب أولاده يبدو له أنه يريحهم، ولكن في الحقيقة هو يدمِّرهم، فدائماً وأبداً الشدَّة من الله رحمة، رحمة بالغة، لو أن الله عزَّ وجل تركنا هملاً لما كنَّا كما نحن عليه الآن، لا يوجد إنسان إلا وخضع للتربية الإلهية، الله عزَّ وجل عنده أدوية كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، خوف، وهم، مرض، فقر، أحياناً إنسان قوي يُخيف، فأنت من أجل ألاّ تقع تحت قسوة هذا القاسي تتوب إلى الله، وتصطلح معه.

 

الآيات التالية تبيِّن أن الشدَّة التي قد تبدو من معاملة ربنا إنما هي شدَّةٌ لصالحنا :

 

هذه الآية قد يقول أحدنا: ما علاقتها بالطلاق؟ السورة كلّها للطلاق، أحياناً الإنسان يتوهَّم أنه زوج، وهو قوي، والطلاق بيدّه، وهذه امرأة وضعيفة وبإمكانه أن يطلِّقها، بإمكانه أن يعِّذبها، بإمكانه أن يدعها بلا طعام وشراب، بإمكانه أن يأكل حقوقها، الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا*فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا ﴾

أي عاقبة أمرها..

﴿ وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴾

في الدنيا، وجحيماً في الآخرة، إذاً هذه الآيات تبيِّن أيها الأخوة أن الشدَّة التي قد تبدو من معاملة ربنا عزَّ وجل، إنما هي شدَّةٌ لصالحنا.

 

عقاب الله لعباده العُصاة له أهداف كثيرة :

 

بالمناسبة، هذه الشدَّة لها وظائف عديدة، لما قطعنا يد السارق، وعلَّقناها على باب المسجد على مرأى من المصلِّين، الطفل الصغير حينما يرى يداً معلَّقة يُغرَس في أعماق أعماقه أن السرقة شيءٌ مخيف، وهذه نهاية السارق، حينما يُقتَل القاتل على مرأى من الناس، الآن يوجد إجراء لطيف، أي جريمة وقعت يُعدَم فيها المجرمون في مكان الجريمة، فأحياناً تقع جريمة مروّعة، محكمة سريعة جداً تحاكم هؤلاء المجرمين، وتعدمهم في ساحة الجريمة نفسها، هذه مما يجعل في النفوس ردعاً كبيراً، فالردع مهم جداً، فعقاب الله لعباده العُصاة له أهداف كثيرة، وأحد هذه الأهداف: أنه يؤدِّب هذا العاصي، وثاني هذه الأهداف أن الناس جميعاً يتَّعظون بهذه العقوبة الصارخة..

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ ﴾

ألم يقل الله عزَّ وجل:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النحل: 112 ]

ألم يقل الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ *يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

[ سورة الحج : 1-2]

هذه الشدَّة رحمةً بالعباد.

 

الشدَّة نعمةٌ باطنة لا يعرف الإنسان حقيقتها إلا في نهاية المطاف :

 

لذلك فالشدَّة نعمةٌ باطنة:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

 [سورة لقمان: 20 ]

ظاهرة الصحَّة، باطنة المرض، ظاهرة المال، باطنة الفقر، ظاهرة السلامة، باطنة بعض العيوب في الخلق، هذه نعمٌ باطنة لا يعرف الإنسان حقيقتها إلا في نهاية المطاف..

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾

خرجت عن أمر الله استكباراً، وعدواناً:

﴿ وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا ﴾

قال أحدهم: يا رب، لقد عصيتك ولم تعاقبني؟ قال: وقع في قلبه: أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدر.

الإنسان لا يبالي بكسب المال، يكسبه حراماً، ثم يفاجأ بمصادرة، بضرائب لا تُحتمل، يفاجأ أحياناً بتلف المال، بهلاكه، بسرقته، هذا تأديب الله لهذا الإنسان، كل ذنب له طريقة في التأديب، فكسب المال الحرام لعلَّ من عقوبته إتلاف هذا المال، العدوان على أعراض الآخرين لعلَّ من عقوبته ألاّ تطمئن إلى أهلك، حينما تتجاوز الحدود يتجاوز غيرك الحدود، هذه:

﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا ﴾

 

﴿ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا*فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾

 

الشقي من خسر الدنيا و الآخرة معاً :

 

الحقيقة أن الشيء الذي لا يُحتمل أن يخسر الإنسان الدنيا والآخرة معاً، الدنيا مشحونة بالمتاعب، يأتي ملك الموت فيواجه الإنسان شقاءً أبدياً، لأنه خالف منهج الله عزَّ وجل، والشيء اللطيف أنك إذا أطعت الله عزَّ وجل فُزت فوزاً عظيماً، كسبت الدنيا والآخرة..

﴿ وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾

[ سورة يونس: 98 ]

في الدنيا مكرَّم، وفي الآخرة لك الجنَّة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لذلك من الحُمْقِ الشديد أن تعصي الله، من الغَبْنِ الشديد أن تخرج عن منهج الله، من الكفر أن تعصي من خلقك، ومن أنعم عليك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد..

﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

يا أصحاب العقول، الإنسان قيمته بعقله، يخاطب الله العقل فيقول: "وعزَّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبَّ إليَّ منك، بك أعطي، وبك آخذ".

 

التوبة أحكم قرار يتخذه الإنسان لأنه سبب رخائه في الدنيا والآخرة :

 

أخواننا الكرام، الإنسان يسعد بمحاكمة منطقية، أحياناً الإنسان يستمع إلى موعظة، إلى تفسير آية، إلى تفسير حديث، فيتفاعل تفاعلاً شديداً، يجري محاكمة دقيقة فيتَّخذ قرار التوبة، هذا أحكم قرار تتخذه في حياتك، لأنه سبب الرخاء في الدنيا والآخرة..

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

 [سورة البقرة: 222 ]

﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾

إن لم يتوبوا.

 

من ازداد علماً ازداد معرفة بحقيقته :

 

 لذلك:

﴿ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

يا أصحاب العقول .

 

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴾

أي إن الله خلق الكون، لكن نوره بالقرآن الكريم، بين لك ما ينبغي أن تفعل، وما لا ينبغي، بيّن الحلال والحرام، الخير والشر، طريق الهداية وطريق الغواية، طريق الحق وطريق الباطل، لكن الله عزَّ وجل قال لك أيضاً:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119 ]

كن مع الصادقين، كن مع المؤمنين، في أنس، في نور، في توجيه صحيح، القرآن مائدة الله عزَّ وجل، لا تعرف أين موقعك من هذا الدين إلا إذا استمعت إلى تفسير القرآن، أين أنت؟ الواحد قلقٌ على نفسه، هل هو مؤمن أم غير مؤمن؟ مقصِّر؟ منافق؟ من هو؟ إن فهمت كتاب الله تعلم أين موقعك من هذا الدين العظيم، يا ترى مقتصد؟سابق؟ مقصِّر؟ متلبِّس بمعصية؟ المعصية في البيت؟ في العمل؟ في العلاقات الاجتماعية؟ فكلَّما ازددت علماً ازددت معرفةُ بحقيقتك، أين أنت من الدين؟

 

السماء ذَكَّرت الأرض في هذا القرآن الذي أُنزِل على النبي العدنان :

 

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴾

أي السماء ذَكَّرت الأرض، أناسٌ تائهون، شاردون، ضالَّون، يتخبَّطون في المال الحرام، في الخمور، في الزنا، هذه هي الجاهلية، المرأة كانت تتقلَّب بين عشرة رجال، عشرة رجال على المرأة الواحدة، فوضى جنسية لا تُعَدُّ ولا تحصى في الجاهلية، خمور، ربا بأعلى نسب، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وبيّن الحق، بيّن الباطل، بيّن الخير، بيّن الشر، بيّن المنهج، فالسماء ذَكَّرت الأرض في هذا القرآن الذي أُنزِل على النبي العدنان..

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴾

 

الرسول تذكير السماء لأهل الأرض :

 

ما هو هذا الذكر؟

﴿ رَسُولًا ﴾

الرسول تذكير السماء لأهل الأرض، طبعاً أعطاه معجزة، أعطاه كتاباً، أعطاه معجزة ليصدِّقه الناس أنه رسول الله، أعطاه كتاباً ليكون منهجاً لهم تفصيلياً..

﴿ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ ﴾

يشير إلى خلق الله، إلى السموات، إلى الأرض.

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

 [ سورة الغاشية: : 17-20  ]

﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ﴾

 [ سورة عبس : 24-25 ]

إلى شرابه، إلى أكله، إلى النباتات، إلى الحيوانات، إلى ابنه الصغير، هو يعلم علم اليقين ما سبب هذا الابن الصغير؟ حوينٌ واحد من خمسمئة مليون حوين دخل البويضة ولقَّحها، وتكاثرت هذه البويضة في تسعة أشهرٍ، فأصبحت طفلاً له رأس، له دماغ، له جمجمة، له خلايا عصبية، له عينان، له أذنان، له أنف، له فم، له لسان، له مريء، له معدة، له أمعاء، له كبد، له بنكرياس، له كُلية، عظام وعضلات، شرايين وأوردة، خلايا نخامية تزن نصف غرام، وتنتج اثني عشر هرمونًا، الهرمون الواحد فيه آلاف مؤلَّفة من الحموض الأمينية، هذا خلق الإنسان.

 

تذكير ببعض آيات الله الدالة على عظمته :

 

والله عزَّ وجل قال:

﴿ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ ﴾

خَلْقك آية، ابنك آية، زوجتك آية، طعامك الذي تأكله آية، شرابك آية، هذا الحليب الذي نشربه آية من آيات الله، أي من آيات الله الدالة على عظمته، بقرةٌ عجماء لا تفقه، تأكل هذا الحشيش، فيها غدَّة ثدييّة ترشح الحليب، والعلماء حتى الآن في حيرةٍ من طريقة صنع الحليب، حول هذه الغدَّة الثدييّة التي هي كالقبَّة شبكة أوعية دموية كثيفة جداً، الغذاء يجري في هذه الأوعية.. أي الدم.. الخلية الثدييّة تنتقي من هذا الدم حاجتها، تأخذ البروتين، تأخذ الكلس، تأخذ مواد دسمة، ومواد أمنية، فيتامينات ومعادن، تصنعها حليباً، وترشح هذه الخلية إلى جوفٍ هو ضرع البقرة، فالحليب وحده آية، ومشتقَّات الحليب لا تعُّد ولا تحصى، فطعامك آية، هذه الفواكه التي تأكلها آية، هذا الجو اللطيف آية، المطر آية، السحاب آية..

﴿ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

الشهوات ظلمات، المطامع المادِّية ظلمات، ظلمة المعصية، المعصية لها ظلمة، والشهوة لها ظلمة، والباطل له ظلمة، والأفكار الوضعية لها ظلمة..

﴿ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

إلى نور واحد، إلى نور الله.

 

الحياة الدنيا إعداد لحياة أبدية :

 

الحقيقة نحن شيء نألفه، ولأننا نألفه قد لا نعرف قيمته الكبرى، أنت تعرف أن لك ربٌّاً كريماً، إلهاً عظيماً، أنت في دنيا مؤقَّتة إعدادٌ لحياةٍ أبدية، فهذه الحقائق هي نور، المؤمن مرتاح، عنده تفسير دقيق للكون، هذا الكون خلقه الله عزَّ وجل، خلقه ليكون دالاً على وجود الله، وعلى كماله، وعلى وحدانيته، خلقه ليكون مجسِّماً لأسماء الله الحًسنى، وصفاته الفضلى، خلقه ليكون آيةً لكل مؤمن، والحياة الدنيا إعداد، مرحلة مؤقَّتة تبدأ بالولادة، وتنتهي بالوفاة، إعداد لحياة أبدية، والإنسان هو المخلوق المكرم، فهذه كلَّها حقائق.

﴿ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾

هذا كلام الله، وهذا وعد الله، والإنسان المؤمن يصدِّق وعد الله ووعيده، فينطلق إلى الجنَّة بكل طاقته، لأنها دار القرار، دار السلام..

﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾

[ سورة الحجر: 48  ]

 

المتاعب المخيفة غير موجودة في الجنَّة :

 

في الحياة الدنيا قلق عميق، الإنسان إذا بلغ مرتبةً من الغنى، سكن في بيتٍ مريح، له زوجة وله أولاد، ما القلق العميق؟ قد تتراجع صحَّته، قد يصاب بمرضٍ مفاجئ، قد يفقد ماله، قد يمرض ابنه، الحياة مشحونة بالمتاعب، أما في الجنَّة ...

﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾

[ سورة الحجر: 48  ]

فلا يوجد هرم، لا توجد أمراض، لا يوجد فقر، لا يوجد خصوم، لا يوجد أعداء، لا يوجد موت، كل هذه المتاعب المخيفة غير موجودة في الجنَّة.

 

اختلاف نظام الدنيا عن نظام الآخرة :

 

لذلك...

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾

فكلمة جنَّات كل شيء ترونه في الدنيا جميل، إذا كان في الجنَّة ليس بينهما من علاقةٍ إلا الاسم فقط، فالفواكه.. في الدنيا فاكهة، لكن فاكهة الآخرة ليست كفاكهة الدنيا، ليس بينهما من علاقةٍ إلا الاسم.. فيها من الحور العين.. قال بعض الصحابة لزوجته: " اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض لغلب ضوء وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بِكِ من أجلهن أهون من أن أُضحّي بهن من أجلكِ.. "، كل شيء يوجد في الجنَّة، غير هذا أن الجنَّة نظامها من دون سعي..

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ ﴾

[ سورة ق: 35  ]

أي شيءٍ يخطر في بالك تجده أمامك، هذه الجنَّة..

﴿ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

من ظلمات الشهوات إلى أنوار الطاعات، من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، من ظلمات البُعد إلى نور القُرب، من ظلمات الدنايا إلى نور الفضائل، فالفضيلة نور...

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾

 

اقتران العمل الصالح بالإيمان بالله :

 

في أكثر آيات كتاب الله الإيمان يجب أن يقترن بالعمل الصالح، لأنه لا معنى له من دون عمل..

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا ﴾

الإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر، أنت آمنت بأن الله موجود، ماذا فعلت؟ هو موجود، وأنت لم تفعل شيئاً، هذا اسمه تحصيل حاصل، إن لم تؤمن بوجوده فاتَّهم الناس عقلك، المقصود هو ماذا فعلت من أجل الله؟ ماذا قدَّمت لله من عمل؟ ماذا قدَّمت لآخرتك من إنفاق؟ هذا هو المقصود.

 

الله عز وجل جعل الدنيا مشحونة بالمتاعب لنعمل للآخرة :

 

إذاً:

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾

رزق الدنيا يأتي، وينقطع، يزيد وينقص، أحياناً الإنسان يكون رزقه وفيراً، لكن صحَّته معلولة لا ينتفع برزقه، أي أن الله عزَّ وجل أراد أن يكون الدنيا مشحونةً بالمتاعب كي نعمل للآخرة،  الحقيقة.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾

[ سورة يونس: 7 ]

هؤلاء مغبونون، لأنهم آثروا ما يفنى على ما يبقى، آثروا شيئاً سيمُرُّ عابراً على حياةٍ أبديةٍ مستقرَّة.

 

النظام الدقيق الذي يحكم النجوم كلَّها هو نفسه يحكم الأرض :

 

ثم يقول الله عزَّ وجل في نهاية هذه السورة:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾

الحقيقة ليس هناك سبع أراض إطلاقاً، لأنه لم يرد في كتاب الله كلِّه، لم ترد الأرض مجموعة، أراضين لا يوجد في القرآن، في كل القرآن الكريم السموات جمع، والأرض مفرد، السموات والأرض، لذلك توهَّم بعضهم أن هناك سبع أراضين، القرآن لم يذكر إلا الأرض مفردةً، لذلك قالوا: هذه لعلَّها زائدة..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ ﴾

أي والأرض مثلهن على نظامٍ واحد، الكواكب تدور حول بعضها، تتجاذب مع بعضها، قد تتعرَّض لنور بعضها، هذه سنَّة الله في خلقه، والأرض مثل الكواكب، أي أن هذه الأرض التي أنت عليها مثل أي كوكب جرمٌ يدور في مسارٍ مغلق حول جرمٍ آخر، يتجاذب معه بقوّةٍ تتناسب مع كتلته ومع مسافته، وهذا الكوكب بعضه منطفئ، وبعضه ملتهب، الملتهب منبع ضوئي، المنطفئ يتلقَّى هذا الضوء بحسب دورته، فهذا النظام الدقيق الذي يحكم النجوم كلَّها هو نفسه يحكم الأرض..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ ﴾

أي خلقها مثل السموات السبع، وبعضهم قال: [ من ] ليست زائدة، إنها حرف جرٍّ أصلي..

﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ ﴾

مثل هذه السموات، وبعضهم فسَّر هذه السبع بأنها سبع طبقاتٍ في الأرض، وبعضهم قال: السبع لا تعني العدد، بل تعني الكثرة، أي كما أن السماء طبقات والأرض كذلك طبقات ؛ القشرة، توجد طبقة بازلتية، ثم الطبقة السائلة المائعة، فلعلَّ هذه الطبقات، لكن هذه الآية سواءً عرفنا تفسيرها الدقيق أو لم نعرف، هذا لا يتعلَّق بالتكليف، فلو أن الإنسان جلس في قبره ليسأله الملكان: من ربُّك؟ ما دينك؟ من نبيّك؟ لو أن إنساناً توفَّاه الله عزَّ وجل، ولا يعرف حقيقة الأرض، أهي سبع أراضين، أم أرضٌ واحدةٌ بسبع طبقات، أو أن هذه الأرض مثل السموات السبع، لا شيء عليه، الشيء الذي تُحاسب عليه هو التكليف، لكن هذه الآيات جعلها الله نماذج دالَّة على عظمته من دون أن تكون مكلَّفاً أن تعرف حقيقتها..

 

كلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً من آيات الله الكونية :

 

النبي عليه الصلاة والسلام فصَّل كثيراً في الأحكام التشريعية، إلا أنه في الآيات القرآنية المُتَعَلِّقة بالكونيات أحجم عن تفسيرها، لماذا؟ النبي أوتي العلم الكثير، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام فسَّرها وفق ما وصلنا إليه نحن لأنكر عليه من كان معه في عصره، ولو فسَّرها تفسيراً بسيطاً لأنكرنا عليه نحن، هذه الآيات الكونية تُرِكت لتطور العلم، فكلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً من عظمة هذا الكون، فلما ربنا قال:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

 [ سورة الطارق: 11  ]

بعضهم فهم أن البحار تتبخَّر، وتعود أمطاراً، ترجع السماء بخار الماء مطراً، وبعضهم قال: هذه الموجات الصادرة عن الأرض ما الذي يرجعها إلى الأرض؟ طبقة اسمها الأثير..

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

 [ سورة الطارق: 11  ]

وبعضهم قال: إن كل كوكبٍ في السماء يدور حول كوكبٍ آخر في مسارٍ مغلق، فلا بدَّ من أن يرجع إلى مكان انطلاقه، هذا تفسير ثانٍ، فالعلم مفتوح، كلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً من آيات الله الكونية من دون أن يكون أحد هذه التفاسير صحيحاً مئة في المئة، لأن خلق الله عزَّ وجل معجز، كلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً من خلق الله عزَّ وجل.

 

علَّة خلق السموات والأرض أن نعلم :

 

الله الذي خلق سبع سموات..

﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾

أي والأرض خلقها مثلهن، أي مثل السموات السبع بنظامٍ واحد، وحركةٍ واحدة، وجاذبيةٍ واحدة، والتهابٍ واحد، وانطفاءٍ واحد، القوانين التي تسري على السموات السبع تسري على الأرض أيضاً، أو جعل من الأرض أرضاً مثلهن، إذا اعتبرنا [ من ] حرف جر أصلي ، وجعل من الأرض أرضاً مثل هذه الكواكب العديدة، أو أن من الأرض طبقاتٍ كطبقات السماء.. مثلهن.. هذه المعاني التي يمكن أن تتداول حول هذه الآية، ولعلَّ السبعة لا تعني العدد.. الكم.. تعني الكثرة، العرب تستخدم السبعة ومضاعفاتها للتكثير، لكن الشيء الذي يعنينا..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

علَّة خلق السموات والأرض أن نعلم، وهذه من أخطر الآيات، علَّة خلق السموات والأرض أن نعلم،  فهل معقول الله عزَّ وجل يعمل لك وسائل إيضاح فيها مجرَّات؟ معقول، مجرَّة تبعد عنَّا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية من أجل أن تعرف عظمة الله، واتساع ملكه، وقدرته اللامتناهية، وحكمته اللامتناهية، وعلمه اللامتناهي؟ قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

علَّة الخلق العلم، فالذي يعطِّل عقله، أو يستخدمه لغير ما خُلِق له فإنه يهبط عن مستواه الإنساني إلى مستوى آخر لا يليق به.

 

من يعلم أن الله موجود ويعلم وسيُحاسِب فلابدَّ من أن يستقيم على أمره :

 

ماذا لنعلم؟ قال:

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

سميع، هو يعلم، وهو قادر، هو طبعاً موجود، معنى هذا أنه موجود، يعلم، وقادر، هذه الأسماء الثلاث إذا تحقَّقنا منها استقمنا لأمر الله، لو عرضت على خمسة آلاف مليون إنسان هذه الحادثة: إنسان قوي أصدر تعليمات، ولا تستطيع أن تغيب عن علمه، فمثلاً: إذا كان هناك حاجزاً وطريقاً بين دولتين، وبغير الطريق صعب المسير؛ جبال ووديان، نتوءات ووهاد، لابدَّ من هذا الطريق المعبَّد، ولكن في هذا الطريق حاجزاً لابدَّ من إبراز الموافقة، وهذا الذي على الحاجز لا يتساهل أبداً، أنت إذا علمت أن الله موجود، ويعلم، وسيُحاسِب فلابدَّ من أن تستقيم على أمره، كن أي إنسان، لأنك تفعل هذا مع إنسان، يقول لك: حاجز، لا يوجد طريق إلا أن تكون على هذا الطريق، وأن تقف أمام هذا الحاجز، ولن يُسْمَح لك بالمغادرة إلا بالموافقة، ماذا تفعل؟ تبحث عن موافقة، مع إنسان قوي لا تغيب عن علمه، ولا تتفلَّت من قدرته، تطيع أمره قسراً، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذه الآية بهذا المعنى الدقيق..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

أن الله موجود..

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

 

العلم قيد :

 

أخواننا، إنها ثلاث كلمات فقط، الله موجود، ويعلم، وسيُحاسب، تفضل واعصِ، إنك لا تقدر أبداً، صار هناك قيداً، العلم أيها الأخوة قيد، أحياناً الإنسان يقول له طبيب: هذا الدرج يُتلِف قلبك، وأنت معرَّض إلى أزمة، فتجده من اليوم الثاني يبيع البيت، يكون باذل جهدٍ كبيرٍ بشرائه وتزيينه وتنظيمه، فيبيعه.. كما قال الغزالي: " لو أنَّ طبيباً نهانا عن أكلةٍ نحبُّها لا شكَّ أننا نمتنع، أيكون الطبيب أصدق عندنا من الله؟ إذاً ما أكفرنا، أيكون وعيد الطبيب أشدَّ من وعيد الله؟ إذاً ما أجهلنا".

هذه الآية تكفينا، وكما قال هذا الأعرابي: "كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجل".

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

يعلم كل شيء، وقدير على كل شيء، وموجود، وهو يراقبك فكيف تعصيه؟ المعصية صارت مستحيلة.

 

من كان عقله راجحاً بادر إلى طاعة الله لينجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة :

 

أيها الأخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة الطلاق تفيد أنه إما أن تطيع الله عزَّ وجل، وإما أن يأتي التأديب الإلهي.. مرَّة سألني أخ كريم فقال لي: هل على العسل زكاة؟ قلت: نعم، قال: فإن لم ندفع؟ قلت له: القُرَّاض جاهز.. هذه آفَّة تصيب النحل.. الله جعل روادع، وكل معصية وكل أمر إلهي إن لم تفعله فهناك روادع، تمتنع عن إتلاف المال فهناك ألف طريق لإتلاف المال، تمتنع عن غضّ البصر فهناك ألف طريق للشقاء الزوجي، تمتنع عن نصح المسلمين فهناك ألف طريق كي تُغَش، أي إنه موجود، ويعلم، وسيُحاسِب في الدنيا والآخرة، فكلَّما كان عقل الإنسان راجحاً فإنه يبادر إلى طاعة الله لينجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، والأكمل من ذلك أن تأتيه طائعاً مباشرةً، أن تحبَّه، إن خفت منه فهذا جيد، وإن أحببته  فجيد، كلا الحالين جيد، كلا الحالين يفضيان بك إلى الجنَّة، لابدَّ من أن تخافه..

 

ثلاثة مشاعر يجب أن يشعر بها الإنسان؛ شعور الحُبّ و الخوف والتعظيم :

 

قال: يا رب أي عبادك أحبُّ إليك حتى أحبَّه بحبِّك؟ قال: أحبُّ عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبَّني، وأحبَّ من أحبَّني، وحبَّبني إلى خلقي، قال: يا رب، إنك تعلم أنني أحبُّك، وأحبّ من يحبُّك، فكيف أحبِّبك إلى خلقك؟ قال: ذكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ".

ثلاثة مشاعر يجب أن تشعر بها: شعور الحُبّ من خلال النِعَم، شعور الخوف من خلال المصائب، شعور الخوف والحُبّ والتعظيم من خلال الآيات.. ذكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي.. فالنعماء تُحبِّب، والبلايا تخوّف، والآلاء تُعَظِّم، فالله عزَّ وجل خلق سبع سموات، إذا كان هناك مجرَّة تبعد عنَّا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، إذا كان في عينك مئة وثلاثون مليون عصيّة ومخروط , وفي بالدماغ مئة وأربعون مليار خليّة لم تُعرَف وظيفتها بعد، هذه الآلاء، أما النعماء؛ فوجودك نعمة، سمعك نعمة، بصرك نعمة، أن تمشي على رجلين نعمة، بيتك نعمة، أهلك نعمة، أولادك نعمة، عقلك نعمة، صحَّتك نعمة، النعم تُحبِّب، وتوجد أمراض خبيثة، وتوجد أمراض وبيلة، وتوجد أمراض عضالة، ويوجد فقر، ويوجد قهر، ويوجد ذل، وتوجد متاعب، فالبلايا تخوّف، والنعم تحبِّب، والآلاء تعظِّم، فلابدَّ من أن يجتمع في قلبك تعظيمٌ لله من خلال آياته، وخوفٌ منه من خلال بلائه، ومحبَّةٌ له من خلال نعمائه.

 

علة وجود الإنسان أن يعرف الله عز وجل :

 

أخواننا الكرام، آخر آية من الآيات الأساسية، علَّة وجود الكون أن تعرف الله من خلاله، علَّة وجودك أن تعرف الله وإلا هبطت عن مستوى إنسانيتك، هذه اللام ليست لاماً قالها إنسان، هذه اللام قالها خالق الكون..

﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾

أي يا عبادي، خلقتكم لتعرفوني، وإذا عرفتموني أطعتموني، وإن أطعتموني سعدتم بقربي، خلقتكم لتعرفوني فتطيعوني فتسعدوا بقربي.

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

العبادة طاعة أساسها معرفة تنتهي بسعادة، العبادة هي الأساس، المعرفة هي السبب، السعادة هي النتيجة، تعرفه، تطيعه، تسعد به في الدنيا والآخرة، هذه الآية يجب أن نحفظها، وأن تكون في قلوبنا، وفي أذهاننا دائماً وأبداً، مخلوقٌ من أجل أن تعرفه، ثم تطيعه، ثم تسعد بقربه، الله موجود ويعلم وسيُحاسِب.

 

من يعصي الله مدموغ بالغباء و بالحُمق و بالجهل :

 

والله الذي لا إله إلا هو، إنسان واحد قوي، عنده إمكان أن يكشف الأخطاء كلَّها، ولم يسامح أحداً، فإنك لا تجد واحداً يعصيه، وهذه المجتمعات أمامك أينما ذهبت، إنسان واحد قوي، عنده وسائل يكشف معصيتك، وسائل.. مثلاً الطريق مراقب..

كنت مرَّة في الخليج، السرعة فوق السرعة المقرَّرة، اثنان وتسعون، خمسمئة درهم، أي سبعة آلاف ليرة، تجد السيارات كلَّها تسير دون الثمانين، لأن واضع القانون وضع جهازاً يكشف السرعات الزائدة، ويسجِّلُها، والضريبة بالغة، سبعة آلاف ليرة للمخالفة.. مثلاً.. فإنك تجد طريقًا طويلاً بين دبي ورأس الخيمة، وكل الناس متقيّدون بالسرعة النظامية، ذلك لأن واضع القانون يوجد عنده جهاز يكشف المخالفة، ولا يرحم، وليس هناك إعفاء، حينما تُصوَر السيارة أنها متجاوزة السرعة يجب عليه أن يدفع خمسمئة درهم، لا يوجد شك أبداً، هذا مثل بسيط، إنسان عادي لكنه قوي، وضع أجهزة حديثة لكشف المخالفات، وإنه لن يعفي أحداً، فانتهت العملية، مع إنسان قوي يضبط أخطاءك، ولن يعفيك من العقاب تطيعه أشدَّ الطاعة، والذي وجودك بيده، واستمرار وجودك بيده، وسمعك بيده، وبصرك بيده، وكل إمكاناتك بيده، وهو يعلم السر وأخفى، وبيده كل شيء، وسيُعاقِب، وتوجد عنده جهنَّم، ونعصيه؟..

تعصي الإله وأنت تُظهرُ حبَّهُ        ذاك لعمري في المقالِ بديعُ

لو كان حبُّك صادقاً  لأطعته        إن المحبَّ لمن يحبَّ  يطيعُ

***

أخواننا الكرام، الذي يعصي الله مدموغ بالغباء، مدموغ بالحُمق، مدموغ بالجهل، لأنك تعصي من لا يغفل عنك، وكل أمرك بيده، مالك بيده، صحَّتك بيده، أعداؤك بيده، أصدقاؤك بيده، زوجتك بيده، أولادك بيده، نجاح عملك بيده، كل شيءٍ بيده.

درسنا كان في ثلاث كلمات، الله موجود، ويعلم، وسيُحَاسِب، تفضل واعصِ، أنت مع إنسان لا تفعل هذا، فكيف مع الواحد الديَّان؟

والحمد لله رب العالمين



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب