سورة الطلاق 065 - الدرس (4): تفسير الأيات (04 – 05) العدة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الطلاق 065 - الدرس (4): تفسير الأيات (04 – 05) العدة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">

 


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج نماذج إبداعية من السيرة النبوية: نماذج ابداعية من السيرة النبوية-18-اكتشاف المواهب3           برنامج الله في حياتي: الله في حياتي-26-الغني ج1           برنامج على التقوى من أول يوم: على التقوى من اول يوم-المهر-23-04-2017           برنامج تفسير القرآن الكريم: تفسير النابلسي 1017 - هود 088 - 095           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة-فوائد وعبر من رحلة الاسراء والمعراج           برنامج تفسير القرآن الكريم: تفسير النابلسي 1016 - هود 086 - 087         

New Page 1

     سورة الطلاق

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الطلاق ـ الآيات: (04 - 05) - العدة

01/01/2014 16:26:00

سورة الطلاق (065)

الدرس(4)

تفسير الآيات: (4-5)

العدة

 

لفضيلة الدكتور

محمد راتب النابلسي

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

الدين عقيدةٌ وعبادة :

 

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع من سورة الطلاق، ومع الآية الرابعة وهي قوله تعالى:

﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

أيها الأخوة الكرام، لابدَّ من بعض الحقائق أضعها بين أيديكم ونحن في صدد شرح آيات التشريع.

الدين عقيدةٌ وعبادة، الدين حقائق نؤمن بها، وأوامر ونواهٍ نعمل بها، فكل من غلَّب جانباً على جانبِ آخر ضلَّ سواء السبيل، الإنسان بالكون يعرف الله، لكنه بهذا القرآن يعبده، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

[ سورة الأنعام: 1 ]

الكون يدُّل على الله، لكن بعد أن عرفت الله، بعد أن آمنت بوجوده، بعد أن آمنت بوحدانيته، بعد أن آمنت بأنه لا إله إلا هو، كيف تتقرَّب إليه؟ بطاعته، كيف تطيعه؟ أول شيءٍ في طاعته أن تعرف أمره، لذلك وردت تفاصيل دقيقة جداً في شأن الزواج والطلاق، وكسب المال وإنفاق المال، فالذي لا يعبأ بهذه التفاصيل فإن شطراً من إيمانه قد ضاع منه، إيمانك يقتضي أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن تعمل بأمره ونهيه، فلذلك أخوةٌ من المؤمنين ينشدُّون إلى آيات التكوين.. الآيات الكونية.. ولا يكترثون كثيراً بالآيات التشريعية، الآيات التشريعية لا تقلّ في دلالتها على عظمة الله عن الآيات التكوينية..

 

مصادر معرفة الله عز وجل :

 

الآن سؤال يطرح نفسه علينا: هذا الذي يعيش مع زوجته في تفاهم ووئام، يمحضها ودَّه، وتمحضه ودَّها، وليس بحاجةٍ إطلاقاً إلى أن يطلِّقها، لماذا تعنيه آية الطلاق؟ الجواب: أن الله سبحانه وتعالى تعرِفه مِن خَلقه..

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

 [ سورة آل عمران : 190-191]

ثانياً: وتعرفه من فعله، الحوادث التي تجري إنما هي من أفعال الله .

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 11 ]

يمكن أن تعرفه من خَلقه عن طريق التفكُّر، ويمكن أن تعرفه من أفعاله عن طريق النظر، ويمكن أن تعرفه من كلامه عن طريق التدبُّر..

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[ سورة محمد: 24]

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾

[ سورة النساء: 82 ]

إذاً ثلاثة مصادر لمعرفة الله: خَلْقه الكون، أفعاله الحوادث، كلامه القرآن الكريم، لو أن الإنسان على وفاقٍ تام مع زوجته، ولا يفكِّر إطلاقاً أن يطلِّقها، إذا تأمَّل في آيات الطلاق يجد عظمة الخالق في تشريعه، عظمة الخالق في أمره ونهيه، عظمة الخالق في رحمته، عظمة الخالق في عدله، فالإنسان ينبغي أن يُمْعِن النظر في هذه الآيات التشريعية.

 

البيت أُضيف إلى المرأة إضافة تشبُّث أو إضافة إشراف أو إضافة استقلال :

 

أيها الأخوة الكرام، في الدرس الماضي بيّنت لكم أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾

كيف أن هذا البيت أُضيف إلى المرأة، قلت لكم في الدرس الماضي أو قبل الماضي: إنه أضيف إضافة تشبُّث، أو إنه أضيف إضافة إشراف، وهناك معنى ثالث لهذه الآية وهو أنه أضيف إضافة استقلال، أي كمال الزواج لا يتحقق إلا ببيتٍ مستقلّ تنفرد فيه الزوجة والزوج وأولادهما، فهذا من الإشارات اللطيفة التي تَشِفُّ عن هذه الآية الكريمة، هذا البيت بيتك، وفي السجلاّت الرسمية هو باسمك، لكنه في هذه الآية هو بيتها، أي عليها أن تتشبَّث به، فلا تخرج منه، وهو في الآية القرآنية بيتها من حقِّها أن تشرف عليه تأكيداً لشخصيتها.

والمعنى الثالث: أنه بيتها على وجه الاستقلال من أجل أن يسعد الزوجان، هناك أنواعٌ كثيرة من الزواج تُخْفِق للاختلاط والمداخلات بين الأسر وبين الزوجين، على كلٍّ هذا استنباط ظنِّي.

 

المرأة التي لا تحيض كيف تُحسَب عدَّتها ؟

 

نعود إلى الآية الكريمة:

﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ﴾

بعد أن حدَّثنا ربنا جلَّ جلاله عن عِدَّة المرأة التي تحيض، طلاقها، وإرجاعها، وفراقها، وعدَّتها، في الآيات السابقة، الآن لابدَّ من معرفة المرأة التي لا تحيض كيف تُحسَب عدَّتها؟ يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ﴾

أي أن المرأة بعد ردحٍ من الزمن ينقطع عنها الحيض فتُسمَّى الآيسة من الحيض، هذا من حكمة الله جلَّ جلاله، ففي مبيض المرأة عددٌ محدود من البويضات، فإذا انطلقت آخر بويضةٍ من المِبيض إلى الرحم عندئذٍ تدخل المرأة  في سنَّ اليأس، وهي بخلاف الرجل، فبإمكانه أن يُنجِب في أي عمرٍ كان، ولو كان في التسعين، ولو كان في المئة، بينما المرأة لا تحمل إلا إذا كان في مبيضها بويضة، أما إذا انطلقت كل البويضات من المِبْيَض تنقطع عنها الدورة، وينتهي الحيض، وتدخل سنَّ اليأس.

وفي هذا أيها الأخوة حكمةٌ بالغة، تصَّور امرأةٌ عمرها مئة عام تحمل، إنه شيء غير معقول إطلاقاً، حكمة ربنا في خَلقه لا حدود لها، الرجل ينجب، لكنه لا يحمل، أما التي تحمل فلا يستطيع جسمها تَحَمُّل هذا الحمل، ولا إمداده بحاجات الوليد، لذلك جعل الله في مبيض المرأة عدداً محدوداً من البويضات، فإذا انطلقت هذه البويضات في الأربعين، في الخامسة والأربعين، في الخمسين وانتهت، دخلت سنَّ اليأس وانقطع حيضها، وأصبح لها في الشرع حكمٌ آخر.

 

المرأة التي لا تحيض عدَّتها أن تُمْضي ثلاثة أشهر :

 

الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ ﴾

ما عدَّتهن؟ قال:

 

﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾

أي إن شككتم في عدَّة هذه المرأة التي يئست من المحيض، فما عدَّتها؟

﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾

أي إن شككتم، والعلماء يقولون:

﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾

أي إن تيقَّنْتُم، هذه من ألفاظ التضاد، كأن تقول: شرى أي باع، واشترى:

﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾

[سورة يوسف:20 ]

أي باعوه بثمنٍ بخس، كأن تقول: المولى، المولى هو الَسيّد، والمولى هو العَبد، هي من ألفاظ التضاد، كأن تقول: الجول وهو الأبيض والأسود، وفي اللغة العربية بعض ألفاظ التضاد التي تعني معنيين متعاكسين في وقتٍ واحد، فظنَّ بمعنى حَسِبَ، وبمعنى أيقن..

﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾

[سورة البقرة:46 ]

أيقنوا.

﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 12 ]

بمعنى حَسِبَ، أيضاً ارتبتم بمعنى تَيَقَّنْتُم، أو شككتم، هنا لا تعرفون حكم المرأة التي انقطع عنها الحيض، فما عدَّتها؟..

﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾

قال تعالى:

﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ﴾

خرجن من عدة القُرء الطهر أو الحيض إلى عدَّة الزمن، فاللاتي يئست من المحيض دخلت في سنِّ اليأس، وانقطع حيضها، ولم تعد من النوع الذي تأتيه الدورة، فإن هذه المرأة عدَّتها أن تُمْضي ثلاثة أشهر.

 

الله عز وجل أمر المرأة أن تعتدَّ من طلاقٍ أو من وفاة :

 

هناك حالة ثانية: امرأةٌ بلغت سنَّ اليأس، أي انقطع حيضها فعدَّتها ثلاثة أشهر، امرأةٌ لا تدري ما إذا كان هذا الدم دم استحاضةٍ أم دم حيضٍ، هذه أيضاً عدَّتها ثلاثة أشهر..

﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ﴾

لأن النبي عليه الصلاة والسلام حين يروى عنه يقول:

 ((لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ...))

[أحمد عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ]

بلاغةٌ نبويةٌ رائعة، ليس المقصود أن النبي عليه الصلاة والسلام يمنعنا أن نسقي أرض جيراننا بمائنا، ليس هذا هو المقصود، لكن القضية دقيقة جداً وخطيرة ومتعلِّقة بالأنساب، لماذا أمر الله المرأة أن تعتدَّ من طلاقٍ أو من وفاة؟ لأن هذا الرحم قد يكون فيه من ماء الزوج المتوفَّى، أو من ماء الزوج المُطَلِّق، فإن لم نراع أحكام العدَّة دخل ماءٌ على ماء، واختلطت الأنساب، فقد تنجب ولداً من زوجها الأول، وتُلحِقُه بالزوج الثاني، وكلكم يعلم ما في أخطار زواج الأقارب من التحريم ومن الضرر، فلو أن المرأة لم تهتم بهذه القضايا لاختلط ماء الرجلين، الرجل المُطَلِّق والرجل المتزوّج، فلذلك هناك دقَّةٌ بالغة في أحكام الطلاق، ولاسيما في أحكام العدَّة، لئلا يسقي الرجل ماءه زرع غيره..

﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾

أي امرأة تجاوزت سنَّ اليأس، أو امرأة اختلط عليها نوع الدم، أهو دم حيضٍ أم  دم استحاضة؟ إنها على مشارف سنِّ اليأس، فإن هذه المرأة عدَّتها ثلاثة أشهر ..

﴿ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾

 

المرأة الحامل إن طُلِّقت فعدَّتها أن تضع حملها :

 

الفتيات الصغيرات اللواتي تزوَّجن وطُلِقن ولم يحضن، قال تعالى:

﴿ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾

أي إن المرأة الحامل لو أنها طُلِّقت فعدَّتها أن تضع حملها، المرأة التي تجاوزت سنَّ اليأس، والتي لم تبلغ سِنَّ الحيض هذه عدَّتها ثلاثة أشهر، أما اللاتي حملت فعدَّتها أن تضع حملها.

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

أي حينما تهتم اهتماماً بالغاً بهذه القضايا فإن الأنساب لا تختلط، وماء الرجل الأول لا يسقي زرع غيره.

﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾

 

من يتوهَّم أن لا مخرج له فعليه بطاعة الله :

 

بيّنت لكم في درسٍ سابق أن قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾

والآية الثانية:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

والآية الثالثة:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾

هذه الآيات الثلاثة أيها الأخوة دقيقةٌ جداً في هذه السورة بالذَّات، حينما تضيق الأمور، وحينما تتوهَّم أنه لا مخرج عليك بطاعة الله، عندئذٍ يفتح الله لك مخرجاً واسعاً..

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾

وبيّنت لكم في درسٍ سابق أن مثل هذه الآية يمكن أن تنزِعها من سياقها، يُكتَبُ حولها مجلَّدات، ويمكن أن تبقى في سياقها فتفيد أنه من يتقِ الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى استرجاعها، طلَّقها طلاقاً سُنِّياً، ولم يطلِّقها طلاقاّ بدعياً، إذاً بإمكانه أن يسترجعها.

الآية الثانية:

 

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

أي أن الله عزَّ وجل جعل للتيسير والتعسير قوانين.

 

من آمن بأحقِّية هذا الدين و اتقى أن يعصي الله فله الجنة :

 

ينقلنا هذا إلى آيةٍ أخرى توضِّح هذه الحقيقة أشدَّ إيضاحاً:

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

 [ سورة الليل: 5-7 ]

هذا الذي آمن بأحقِّية هذا الدين، وأنه خيرٌ مطلق، وأن هذا الدين يفضي بنا إلى الجنَّة- الجنة هي الحُسنى- لقوله تعالى:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

[ سورة يونس: 26 ]

الله عزَّ وجل عَبَّر عن الجنَّة بالحُسنى، وأنت خُلِقت من أجل الجنَّة:

﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل:5-6 ]

أي أنه آمن بأحقِّية هذا الدين الذي ينتهي بالإنسان إلى الجنَّة، الإنسان خُلِقَ للجنَّة، ثم أعطى، واتقى أن يعصي الله عزَّ وجل، اتقى أن يُغضِبَه، اتقى أن يسخطه، اتقى أن يقع في مُحَرَّم، اتقى أن يقع في شُبهة، اتقى أن يكسب مالاً حراماً، اتقى أن يحيد عن منهج الله، ثم أعطى، جعل قربَته إلى الله في العطاء..

﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل:5-6 ]

هذا كلام خالق الكون.

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

 

وليس من شعورٍ أحبُّ إلى النفس من التيسير:

((اللهمَّ لا سَهْلَ إلا ما جعلتَه سهلاً))

[ ابن حبان عن أنس]

والإنسان حينما تيسَّر أموره يشعر وكأن الله راضٍ عنه، التيسير له ثمن، ادفع الثمن ودونك التيسير، ثمنه أن تؤمن بالله، أن تصدِّق بكتابه وبنبيّه، وأن تصدِّق باليوم الآخر، ثم من ثمنه أن تستقيم على أمره، ومن ثمنه أن تُنفق ما آتاك الله في سبيله..

﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل:5-6 ]

 

من كان صادقاً في محبَّته للنبي الكريم فلابدَّ من أن يُنفِق ماله :

 

أحدهم قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، والله إني لأُحِبُّك.. كلام طيّب.. قال: انظر ما تقول؟ قال: والله إني لأُحِبُّك، قال: انظر ما تقول؟ قال: والله إني لأُحِبُّك، فقال عليه الصلاة والسلام للمرَّة الثالثة: انظر ما تقول؟ قال: والله يا رسول الله أنا أحِبُّك، قال: إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك.

وقف بعض الناس أمام هذا الحديث وقفةً متأنّية، كيف؟ هل يكون الفقر جزاء من أحبَّ رسول الله؟ مستحيل، فأين الآية التي تقول:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل:5-7 ]

لكن شُرَّاح الحديث قالوا: إن كنت صادقاً في محبَّتك للنبي فلابدَّ من أن تُنفِق مالك، هذا الفقر الذي يصنعه الإنسان بيده حينما يُنفِق، هذا هو الفقر الذي ذكره النبي e، هذا الذي يَكْنِزُ المال ولا يُنفِقه، هذا الذي يستأثر به ولا يبذله، هذا لا يحبُّ رسول الله، لأنه إن كان صادقاً فيما يقول فلابدَّ من أن يُنفِق ماله في سبيل الله، عندئذٍ يبدو فقيراً بمعنى من المعاني، لم يعد يوجد تكديس أموال، صار هناك إنفاقاً، وأساساً إن أردت أن تعرف ما إن كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فانظر ما الذي يسعدك أن تأخذ المال أم أن تنفقه؟ لذلك قال له النبي: انظر ما تقول.. المرَّة الأولى.. والثانية: انظر ما تقول؟ والثالثة: انظر ما تقول؟ قال: والله إني لأحِبُّك، قال: إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك، إنك إن أحببتني اتبعت سنَّتي، ومن سنَّتي إطعام الطعام، ومن سنَّتي الإنفاق، وبعضهم يتوهَّم ونحن على أبواب رمضان أن الإنفاق متعلِّق بالزكاة فقط، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((في المال حقٌّ سوى الزكاة))

[ الطبري عن فاطمة بنت قيس]

انظروا إلى قوله تعالى:

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾

[ سورة البقرة: 177 ]

إما على حبِّ المال، يحبّه فأنفق منه، وبذلك يرقى، أو آتى المال على حبِّ الله عزَّ وجل، محبَّةً لله .

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾

[ سورة البقرة: 177 ]

الزكاة شيء مفروض، وإيتاء المال على حُبِّ الله شيءٌ مندوب، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((في المال حقٌّ سوى الزكاة))

[ الطبري عن فاطمة بنت قيس]

 

من آمن بالدنيا استغنى عن طاعة الله وبنى حياته على الأخذ :

 

  نعود:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل:5-7 ]

بالمقابل:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ﴾

[ سورة الليل:8]

لم يُنفِق لا من وقته، ولا من جهده، ولا من ماله، ولا من خبرته، ولا من علمه، استأثر بكل شيء، يُنْفِق بأجرٍ باهظ، أما أن ينفق في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله.

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴾

[ سورة الليل:8]

عن طاعة الله..

﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل:9]

لم يعبأ بأحكام هذا الدين، ولم يعبأ بالجنَّة التي وعد الله بها المتقين، قال تعالى :

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل:10]

 

التيسير أحبّ شعور إلى الإنسان :

 

ذكرت هذه الآية التفصيلية تعقيباً على قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

وما من شعورٍ أحبُّ إلى الرجل أو إلى الإنسان من التيسير، الأمور ميسَّرة، من هنا كان عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول:

 ((اللهمَّ لا سَهْلَ إلا ما جعلتَه سهلاً))

[ ابن حبان عن أنس]

أحياناً الإنسان تيسَّر له سبل عمله، عمله ميسَّر، زواجه ميسَّر، بيته ميسَّر، رزقه ميسَّر، هذه من علامات الرضا:

((اللهمَّ لا سَهْلَ إلا ما جعلتَه سهلاً))

[ ابن حبان عن أنس]

وحينما تتعقَّد الأمور، وحينما توصد الأبواب، وحينما تسدُّ السُبُل، وحينما تأتي الأمور على غير ما تشتهي، لعلَّ هناك خلل، لعلَّ هناك تقصير، لعلَّ هنالك عدوان، لعلَّ هناك ظُلم، لعلَّ هناك انحراف، هذا قانون التيسير والتعسير.

 

إن تتق الله يجعل لك مخرجاً :

 

لكن هنا:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

والله أيها الأخوة لو لم يكن في كتاب الله عزَّ وجل إلا هذه الآية لكَفَتْ..

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

قبلها:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾

التي بعدها:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾

ثلاث آيات.. إن تتق الله يجعل الله لك مخرجاً.. والحقيقة أن من حكمة الله عزَّ وجل أن الإنسان أحياناً يُضيّق عليه، الحلقات تتحكَّم به، استحكمت الحلقات حوله، الشدائد سيقت إليه من كل جانب، هذه مرحلةٌ لابدَّ منها يُمتًحَنُ فيها الرجل، فإن بقي على استقامةٍ وعلى حسن ظنٍّ بالله نجح في الامتحان، عندئذٍ يفرِّج الله عنه كربه، وييسِّر أمره، ويحلّ عقدته، ويوفّقه، وينصره، ويحفظه، ويُظهِرًه على أعدائه، أما حينما تضيق به الأمور فيكفُر، تضيق به الأمور فيعصي، نحن ممتًحنون، ما منَّا واحدٌ إلا والله يمتحنه كلّ يوم..

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 2-3 ]

نحن مفتونون، نحن ممتحنون، نحن في دار ابتلاء.. إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء.. نحن في دار امتحان:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

 

المؤمن الصادق ما من شيءٍ يحرص عليه بعد معرفة الله كأن يستقيم على أمره :

 

لكن هل بإمكاننا أن نفعل كما فعلنا في الآية السابقة وأن ننزعها من سياقها؟ وأن ندرس شمولها؟ في عملك التجاري لو اتقيت الله عزَّ وجل في شرائك وبيعك، وألزمت نفسك المنهج الصحيح؛ لم تكذب، ولم تدلِّس، ولم تغش، ولم تحتكر، ولم تفعل شيئاً مخالفاً لمنهج الله في البيع والشراء يجعل الله لك من أمرك يسراً، تيسِّر أمورك، أما الإنسان إذا بنى تجارته على الكذب، أو على الغش، أو على الاحتكار، أو على العمل الذي لا يُرضي الله عزَّ وجل، أو كانت البضاعة التي يتعامل معها ليست مباحة في التعامل، أو أن الطريقة التي سلكها ليست صحيحة، عندئذٍ سيجد الإفلاسات، والمصادرات، والشيء لا يتحمَّله..

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

في كل جوانب الحياة، إن اتقيت الله في تربية أولادك جعل الله لك من أمرك يسراً في قطف ثمار البنّوة الصالحة، في أي مجالٍ أنت مع هذه الآية.

أيها الأخوة الكرام، مرَّة ثانية، الفرج محبَّب، والتيسير محبَّب، وتكفير السيئات محبَّب، وثمن تكفير السيئات، وثمن الفرج، وثمن التيسير أن تتقي الله عزَّ وجل، لذلك المؤمن الصادق ما من شيءٍ يحرص عليه بعد معرفة الله كأن يستقيم على أمره، ما من شيءٍ يحرص عليه بعد معرفة الله إلا أن يستقيم على أمره:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

هنا نقطة دقيقة، الناس يفعلون كل المعاصي، والمؤمن يستقيم، وقد يبدو أمامهم ضَيّق الأفق، ما الذي حصل؟ نحن نفعل هكذا، نفعل ما نريد، أنت تضيّق على نفسك، لكن هذا كلَّه في حساب.

 

للإنسان منهجٌ يحكم تصرُّفاته :

 

أيها الأخوة الكرام، أقٌول لكم الآن كلمة: الدين كلَّه قيود، فيه محرَّمات، فيه منهيات، فيه قيود، فيه حدود، فيه سدود.. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ))

[ أبو داود وأحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أنت لست مخيّراً أن تفعل ما تريد، هناك منهجٌ يحكم تصرُّفاتك، لذلك هذه القيود، وهذه الحدود، وهذه السدود التي تراها في بداية الطريق عبئاً عيك وتقييداً لحرٍّيتك هي ثمنٌ لحرٍّيتك التي تنالها بعد هذا التقيد.

الآن دققوا، مثل موضَّح جداً قريب وهو بين أيديكم: إنسان لم يخالف القوانين ولا الأنظمة، فهو حُر، له أن يذهب إلى أي مكان، وله أن يسكن في أي بيت، وله أن يسافر إلى أي بلد، وله أن يفعل ما يشاء، يتمتَّع بحرّيته، لأنه مطبقٌ للقوانين والأنظمة، لو أن إنسانًا ارتكب جريمة هل يملك حرّيته؟ هو فعلها بداعٍ أنه حر، فلمَّا خالف المنهج فقد حرّيته، دائماً التقييد يؤدِّي إلى الطلاقَة، والطلاقة في البداية تؤدّي إلى القيد، من هنا قال الله عزَّ وجل:

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

[ سورة البقرة: 5  ]

الهدى رَفَعَهُم وأعلى شأنهم، وأعلى مقامهم، وحقق أهدافهم وأمانيّهم.

 

الضلال كلُّه تفلُّت وتحرُّر :

 

أما:

﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة الأحقاف: 32  ]

هناك شيء ضمن شيء، الضلال كلُّه تفلُّت، وكلُّه تحرُّر، وكلُّه حرّية، هذا الانطلاق العشوائي في الحركة أوصله إلى كآبةٍ، وإلى مرضٍ نفسي، أو إلى سجنٍ، وإلى فقدِ حرٍّية..

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

 

قيمة الأمر من قيمة الآمر :

 

الحياة أحياناً أيها الأخوة تنقلب إلى جحيم، لا تغترَّ بالصور الظاهرة، لا تغترَّ ببيتٍ فخم قد يكون جحيماً لأهله، لا تغترَّ بدخلٍ كبير قد يكون وبالاً على أصحابه، لا تغترًَّ بقامةٍ مديدة قد تكون مغموسةً في الأوحال، العبرة بطاعة الله، فأنت إن اتقيت الله عزَّ وجل يجعل الله لك من أمرك يسراً..

﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾

هذا أمر خالق الكون، والحقيقة لا تعرف قيمة أمر الله إلا إذا عرفت الله، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر، وقيمة المُرْسَلِ من قيمة المُرْسِل، قيمة الأمر من قيمة الآمر، فكلَّما كنت أعلى معرفةً بالآمر كان تعظيمك للأمر أكبر، من هنا قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾

[ سورة الحج : 32]

﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾

لهذا قالوا: " لا تنظر إلى صِغَرِ الذنب ولكن انظر على من اجترأت "، وإذا عرفت الآمر وعرفت الأمر تفانيت في تطبيق الأمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفنَّنت في التفلُّت من الأمر، لذلك الدعوات الإسلامية لا تنجح إلا إذا سارت في خطِّين متوازيين، التعريف بالخالق والتعريف بأمره، فلو اكتفينا بأمره نتفلت من هذا الأمر، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر، فقبل أن - لا سمح الله ولا قدَّر - يفكِّر الإنسان في مخالفة أمر الله فليعُدَّ للمليون..

تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه     ذاك لعمري في المقال بديعُ

لو كان حبُّك صادقاً لأطعـتهُ     إن المحبَّ لمن يحبُّ  يطيعُ

***

من يطبِّق أمر الله فيما هو قادرٌ عليه كفاه الله ما ليس قادراً عليه :

 

والحقيقة أيها الأخوة نحن بحاجةٍ ماسَّة إلى حسابٍ دقيق، لنحاسِب أنفسنا، أي أن الله عزَّ وجل قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11 ]

الإنسان محاط بقوى كبيرة لا قِبَل له بها، وتوجد منطقة في حياته تحت إمرته، دائرة يملكها، ودائرة لا يملكها، أنت إذا أقمت أمر الله في الذي تَقْدِرُ عليه كفاك ما لا تقدر عليه، هذه قاعدة أساسية، ولو عرفها المسلمون اليوم لكانوا في حالٍ غير هذا الحال، الواحد منَّا ألا يملك بيته؟ إذا دخلت إلى بيتك، وأغلقت الباب من يملك أمر هذا البيت غيرك؟ ألا تستطيع أن تقيم أمر الله في بيتك؟ ألا تستطيع أن تأمر أهلك بالصلاة وأن تصطبر عليهم؟ ألا تستطيع أن تلزم بناتك اللاتي هنّ من صلبك أن يقمن أمر الله في خروجهن؟ وفي سلوكهن؟ ألا تستطيع أن تُطعم أهل البيت اللقمة الحلال؟ هذا كلَّه في إمكانك، ألا تستطيع أن تمنع كل نافذةٍ يأتي منها الفساد؟ تستطيع لأن هذا في إمكانك، أنت إن فعلت هذا، إن طبَّقت أمر الله فيما أنت قادرٌ عليه كفاك الله ما لست قادراً عليه، وهذه الآية من أدقِّ الآيات:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾

[ سورة الرعد: 11 ]

هذه الدائرة الكبيرة التي فيها قوى لا تستطيع أن تقابلها، هذه الدائرة الكبيرة التي فيها قوىً لا تستطيع أن تجابهها، أنت حينما تطبِّق أمر الله فيما أنت قادرٌ عليه كفاك الله في ما لست قادراً عليه..

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11 ]

هذه الآية يجب أن تكون واضحةً لكل المسلمين:

((يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

[مسلم عن أبي ذر]

 

من عظّم الله عظّم أمره :

 

أيها الأخوة:

﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾

أنت تعظِّم أمر الله بقدر ما تعظِّم الله، فكلَّما كان الله عظيماً عندك عظَّمت أمره، أما هذا الذي لا يعبأ، ولا يدقِّق، ولا ينتبه للمعاصي والآثام التي يرتكبها فهو بالتأكيد لا يعظِّم أمر الله، وهو بالتأكيد لا يعرف الله..

﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾

دائماً وأبداً هذه الآيات تطمئن التائب، الماضي ليس مشكلةً، الماضي يكفَّر عنه، الماضي تغفَر ذنوبه، الماضي صفحةٌ وطويَت..

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾

أرأيتم إلى هذا العَرض المُغري؟ أي ما عليك إلا أن تتوب والماضي يُغفَر كلُّه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

((يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر: 53]

بل إن الله سبحانه وتعالى أشدُّ فرحاً حينما يتوب عبدُّه إليه من الضالّ الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد.

 

كثرة التوبة من الخصائص اللصيقة بالمؤمن :

 

إذاً المؤمن من خصائصه اللصيقة به كثرة توبته إلى الله..

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة الزمر: 21]

كثير الإياب إلى الله، يرجع إليه كثيراً، كلَّما زلَّت قدمه، كلَّما غفل، كلَّما انحرف سريعاً ما يعود إلى الله، الخطورة أيها الأخوة أن يطول عليك الأمد، فإن طال عليك الأمد قسا قلبك..

﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

 [ سورة الحديد: 16 ]

والتوبة التي يُرجى خيرها هي التوبة التي بينها وبين الذنب وقتٌ قصير..

﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾

[ سورة النساء: 17 ]

﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأنعام: 54 ]

التوبة من قريب، أي بين الذنب وبين التوبة يجب أن يكون الوقت قليلاً، تُبْ إلى الله من تَوِّك..

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾

 

المصائب التي تصيب المؤمن هي تكفيرٌ له من ذنوبه السابقة :

 

تكفير السيِّئات له أنواعٌ كثيرة، قد يصاب الإنسان بمحنة، قد يصاب ببلاء، قد يصاب بمصيبة.

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 155]

كل أنواع المصائب التي تصيب المؤمن هي تكفيرٌ له من ذنوبه السابقة:

(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتْ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ))

[مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

المصائب مكفِّرة، وعزَّتي وجلالي، لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبُّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةً في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شدَّدت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه، أنت حينما تدخل في حَيِّز الإيمان فاعلم علم اليقين أن المصائب تغدو مكفِّرةً لك، ما من عثرةٍ، ولا اختلاج عرقٍ، ولا خدش عودٍ إلا بما قدَّمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾

 

مرحلة التكريم تأتي بعد مرحلة التكفير :

 

بعد أن تتوب إلى الله، ويمحو الله عنك كل الخطايا والآثام فهناك مرحلة تكفير، ثم تأتي مرحلة التكريم:

﴿ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾

إذاً نحن كما ترون لسنا مخيّرين أمام هذا العطاء الكبير، اتّقِ الله يجعل لك مخرجاً، اتّقِ الله يجعل لك من أمرك يسراً، اتقِ الله يكفِّر عنك سيئاتك، معناها أن الأبواب الموصدة تُفتَح، والطرق المسدودة تُفتَح، والشيء المُعَسَّر يُيَسَّر، والضيق يصبح فرجاً، هذا إذا اتقيت الله، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسعدك بالتيسير، إن الله عزَّ وجل كيف يشعر عبده المخلص المؤمن الصادق أنه يحبَّه؟ عن طريق التيسير، كيف يشعر عبده المنيب الراجع التائب أنه قبله؟ عن طريق التيسير، وعن طريق تفريج الهموم، وعن طريق التوفيق في الأعمال.

 

المعية العامة و المعية الخاصة :

 

لذلك العلماء قالوا في قوله تعالى:

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 123  ] 

أي معهم بالتوفيق والتأييد، والنصر والحفظ، هذه المعية الخاصَّة، معهم بالتوفيق، ومعهم بالتأيّيد، ومعهم بالحفظ، ومعهم بالنصر، أما إذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

 [ سورة الحديد: 4  ]

هذه معية العلم، وهذه عامَّة لكل الناس، حتى ولو كان كافراً..

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

 [ سورة الحديد: 4  ]

معكم بعلمه، أما:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾

[ سورة الأنفال:  19 ]

أي معهم حفظاً وتأييداً، ونصراً وتسديداً .

﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾

والحمد لله رب العالمين



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب