سورة التغابن 064 - الدرس (5): تفسير الأيات (12 – 14)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة التغابن 064 - الدرس (5): تفسير الأيات (12 – 14)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">

 


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج اقرأ- أ. أسامه ملحس: إقرأ-ح02           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-08-مدرسة السياقة والتامين           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-07-دورية السلامة على الطرق           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-06-الشرطي الصغير           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-05-دور جهاز الشرطة في الحد من حوادث السير           برنامج تمهل ..محمد ملاح: تمهل-04-دور الاعلام في الحد من حوادث السير         
New Page 1

     سورة التغابن

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة التغابن ـ الآيات: (12 - 14)

30/12/2013 14:53:00

سورة التغابن (064)

الدرس(5)

تفسير الآيات: (12-14)

 

لفضيلة الدكتور

محمد راتب النابلسي

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

طاعة رسول الله عين طاعة الله وطاعة الله عين طاعة رسول الله :

 

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الخامس وربما الأخير، ومع الآية الثانية عشرة، يقول الله عز وجل:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾

الحقيقة أن هذه الآية تعد أصلاً في وجوب طاعة رسول الله مع طاعة الله، لأن الله عز وجل أنزل القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام، وأمره أن يبّين، ويفصّل، قال تعالى:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

فمن استنكف عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يستنكف عن طاعة الله، ويقول الله عز وجل:

﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾

[ سورة النساء: 80]

طاعة رسول الله عين طاعة الله، وطاعة الله عين طاعة رسول الله، وإرضاء رسول الله عين إرضاء الله، وإرضاء الله عين إرضاء رسول الله:

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾

 [ سورة التوبة: 62]

بضمير المفرد الغائب:

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾

[ سورة ا النساء: 65]

﴿ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

[ سورة ا النور: 63]

إذاً الله جل جلاله أمرنا أن نطيع رسوله، وطاعة رسول الله طاعة لله عز وجل.

 

النبي الكريم عصمه الله عز وجل من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره :

 

 وفي آية أخرى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾

[ سورة ا النساء: 59]

أولي الأمر هم العلماء والأمراء، فإن تنازعتم في شيء مع علمائكم وأمرائكم فردوه إلى الله في كتابه، وإلى الرسول في سنته، قال عليه الصلاة والسلام:

(( تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ))

[الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

(( وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ...))

[أحمد عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ]

النبي صلى الله عليه وسلم عصمه الله عز وجل من أن يخطئ في أقواله، وأفعاله، وإقراره، وأحواله، وأمرنا أن نطيعه، ولولا أنه معصوم لكان في أمر الله لطاعته أمراً بمعصية، لكن الله عز وجل عصمه، وأمرنا أن نطيعه، لأنه معصوم ولأنه يوحى إليه.

 

أي دعوة إلى نبذ السنة هي دعوة إلى نبذ الدين :

 

إذاً.. هناك دعوة للاكتفاء بالقرآن الكريم، و نبذ السنة، وعدّ السنة فهماً مرحلياً فهمه النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهت هذه المرحلة، ينبغي أن نفهم القرآن فهماً آخر، هذه دعوة مغرضة، لأنهم لم يستطيعوا مواجهة الإسلام مواجهة صريحة، فسلكوا طرائق ملتوية لتفجير الإسلام من داخله، فأي دعوة إلى نبذ السنة هي دعوة إلى نبذ الدين، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾

يجب أن تطيع الله في قرآنه، وأن تطيع النبي في سنته، السنة مبينة ومفصلة، تقيد المطلق، وتخصص العام، توضح المجمل وتفصّله، فالسنة مصدرٍ ثانٍ للشريعة الإسلامية، وعلماء الأصول قالوا: "هناك وحي متلو هو القرآن الكريم، ووحي غير متلو هو السنة المطهرة"، بل إن الله جلّ جلاله أراد أن يثبت محبته بطاعة رسوله قال:

﴿  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ  ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

إذاً الدعوة التي تقوم على الاكتفاء بالقرآن الكريم هذه دعوة باطلة مخالفة لنص القرآن الكريم، لأن الله يأمرنا أن نأخذ ما أمرنا الرسول، وأن نترك ما نهانا فقال:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

بعضهم فهم هذه الآية على أن ما أتاكم من غنائم فخذوها، كلمة نهاكم تشعر أن الإيتاء هو الأمر، وليس الغنيمة، أمركم ونهاكم، أتاكم وأمركم:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

بل إن الذين يخالفون عن أمره توعدهم الله عز وجل بعذاب في الآخرة، بل إن طاعة رسول الله هي عين طاعة الله.

 

النبي حجم مهمته كقدوة أكبر بكثير من حجم مهمته كمبلّغ :

 

النبي عليه الصلاة والسلام فضلاً عن أنه مبلغ هو قدوة، بل إن حجم مهمته كقدوة أكبر بكثير من حجم مهمته كمبلغ، لأن الإنسان لا يقبل منهجاً إلا بِمَثَلٍ مطبق لهذا المنهج .

أنت يمكن أن تذهب إلى طبيب، وتعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا الطبيب ليس مستقيماً على أمر الله، بل إنه متفلت منه، لكن اختصاصه من أعلى مستوى، أنت تسلّمه نفسك، ولا تلقي بالاً إلى فسقه أو فجوره، هذا يمكن أن يكون في الطب، أو الهندسة، إلا في الدين، لا يمكن أن تقبل عالماً غير مطبق لما يقول، حينما لا يطبق ما يقول تسقط قيمة علمه، وتسقط أسوته، فالنبي عليه الصلاة والسلام حجة على الناس جميعاً، لأنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر، انتصر على نفسه، وكان سيد البشر:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾

 

أوامر النبي ونواهيه ليست من خبراته و لا من تجاربه إنما هي وحي يوحى :

 

أيها الأخوة، حينما تعتقد أن النبي إنسان عبقري، وإنسان ذكي جداً، وإنسان استوعب ثقافة عصره، واستطاع أن يجمع العرب، وأن يوجههم لهدف واحد فأنت بهذا لا تدري أنك تتابع المستشرقين الذين ينفون عن النبي نبوته ووحيه، أوامره ونواهيه ليست من خبراته، وليست من ذكائه، وليست حصيلة تجاربه، إنما هي وحي يوحى.

قضية دقيقة، أعداء الإسلام ينفدون إلى الإسلام من باب أن النبي عبقري، وأنه أكبر مصلح اجتماعي استوعب معطيات العصر، وجمع الناس، واستمال قلوبهم، ووجههم إلى هدف واحد، هذا كلام مرفوض، النبي عليه الصلاة والسلام نبي مرسل، ويوحى إليه، وما نطق كلمة من ثقافته، ولا من معطياته، ولا من خبرته، فالذي قاله النبي حق لا محالة فيه، حتى في شؤون الدنيا، وكلما تقدم العلم التقى مع أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك ليحذر أحدنا أن ينساق وراء من يمجدون النبي، ويضفون عليه العبقرية والقوة في شخصيته، هؤلاء لا يريدون أنه نبي، هو نبي مرسل، يبلغ الناس ما أوحي إليه، يعطي ما يأخذه من ربه، كلامه تشريع.. أعماله تشريع.. إقراره تشريع.. أحواله تشريع.. صفاته تشريع، عصمه الله من أن يخطئ في أقواله وأفعاله، وإقراره وصفاته، أمرنا أن نأخذ عنه كل أوامره، وأن ننتهي عمّا نهانا، جعله الله لنا قدوة وأسوة، فقال:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

فالنبي عليه الصلاة والسلام له مهمتان: مهمة التبليغ، ومهمة القدوة والأسوة، بل إن قوة تأثيره صلى الله عليه وسلم في المؤمنين لا لأنه بلغهم بل لأنه كان أسوة لهم، ما قال شيئاً إلا طبقه.

 

النبي الكريم انتزع إعجاب أصحابه من خلال تطبيقه لما يأمرهم به :

 

النبي عليه الصلاة والسلام انتزع إعجاب أصحابه من خلال تطبيقه لما يأمرهم به، كان إذا أمرهم بأمر كان أولّ من ائتمر به، وإذا نهاهم عن أمر كان أولّ من ينتهي، كان قدوة كاملة. 

مرة جاءه صحابي جليل مهاجر، استطاع هذا الصحابي أن يَعِدَ الذين اعترضوا على هجرته ألاّ يقاتلهم، وانضم هذا الصحابي إلى النبي، وعاش في المدينة، وبعد حين كانت غزوة بين المسلمين والكفار، فإذا بهذا الصحابي الجليل يندفع ليغزو مع رسول الله، يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: ارجع، ألم تعاهدهم؟

الشيء الذي يلفت النظر، والشيء الذي ينتزع الإعجاب أن أصحابه الكرام رأوا كل فضائله رأيّ العين، رأوا تواضعه، وورعه، وجهده، ورحمته، تعلقوا به لا لأن أقواله مقنعة فحسب، بل لأنهم رأوا قرآناً يمشي، السيدة عائشة رضي الله عنها سئلت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام قالت:

 (( كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ ))

[مسلم عن عائشة]

بعضهم قال: القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.

كان مع أصحابه، وأرادوا أن يعالجوا شاة، قال بعضهم: عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: عليّ جمع الحطب، واختار أصعب مهمة، قيل له: يا رسول الله نكفيك هذه المهمة؟ فقال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً عن خَلْقه .

(( دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ، قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عَلَيْهِ إِزَارٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبهِ، وَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَقَرَظٍ فِي نَاحِيَةٍ فِي الْغُرْفَةِ، وَإِذَا إِهَابٌ مُعَلَّقٌ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَالِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَلِكَ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمْ الدُّنْيَا؟ قُلْتُ: بَلَى ))

[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

كان يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد.

 

النبي عليه الصلاة والسلام أسوة لنا ذاق طعم :

 

1 ـ  القهر :

 

 كان عليه الصلاة والسلام قدوة وأسوة، ذاق القهر في الطائف فقال:

(( إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك لي أوسع ))

[الجامع الصغير عن عبد الله بن جعفر بسند ضعيف]

 

2 ـ  النصر :

 

وذاق النصر في مكة، فحنى رأسه تواضعاً لله عز وجل، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله، وشكراً على نعمة الفتح.

ذاق ألم الجوع، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))

[الترمذي وابن ماجه عَنْ أَنَسٍ]

 

3 ـ الجوع :

 

ذاق طعم الجوع، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ:

 (( يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ... ))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

 

4 ـ الغنى :

 

وذاق الغنى، فقيل له: لمن هذا الوادي؟.. واد من غنم.. قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله، إنما هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر .

 

5 ـ موت الولد :

 

ذاق موت الولد، وموت الولد صعب جداً ذرفت عيناه قيل له: أتبكي يا رسول الله؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))

[البخاري عن أنس ]

 

6 ـ الانتزاع من بلده :

 

ذاق الانتزاع من بلده، والإنسان قوي في بلده، في بيته، في عمله، انتزع من وسط مكة، فقال: "اللهم إني خرجت من أحبّ البلاد إليّ فأسكني أحبّ البلاد إليك".

دخل إلى المدينة غريباً، سكنها، وأحبّ الأنصار وأحبّوه، ذاق الهجرة، ذاق موت الولد، ذاق أن يقال عن زوجته السيدة عائشة ما قيل في حديث الإفك، ومع ذلك كان صابراً، وانتظر الوحي أربعين يوماً حتى نزلت براءة السيدة عائشة، وفي هذه الأيام كيف كان حاله؟ ماذا يقول والناس كلهم يتحدثون عن زوجته أنها قد زلت قدمها ويعرفها طاهرة عفيفة؟ هذه محنة ذاقها النبي عليه الصلاة والسلام، ذاق محنة تزويج البنات، زوج ابنته زينب لأبي العاصي، رآه أسيراً مع الأسرى، جاء ليقاتله، وهو صهره، فأثنى عليه أنه صهر ممتاز، وقال: والله ما ذممناه صهراً.

لأنه ذاق كل شيء جعله الله أسوة لنا، لو أنه ذاق الغنى، ولم يذق الفقر، وأمَرَ الفقراء بالصبر لما صدقّه الفقراء، ولكن جاع مثلهم، وتمنى المال مثلهم، هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾

 

ثقة النبي الكريم بالله عز وجل :

 

سار النبي صلى الله عليه وسلم في مضائق صعبة جداً، حينما ائتمروا على قتله في مكة، حينما أخرجوه من مكة، حينما أهدر دمه، حينما وضعوا مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، محنة الهجرة محنة عصيبة، إنسان مهدور دمه، وملاحق، أي إنسان ألقى القبض عليه نال مئة ناقة، تبعه سراقة، وغاصت قدما الخيل في الرمال مرة أو مرتين أو ثلاثاً، حتى شعر أن هذا الإنسان ممنوع منه، فقال الرسول: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟ ما هذه الثقة بالله عز وجل؟ يا رسول الله، أنت ملاحق ومهدور الدم تَعِدُ سراقة بأن يلبس سواري كسرى؟‍‍! ما هذه الثقة بنصر الله لك؟! معنى ذلك أنه سيصل إلى المدينة سالماً، وسيؤسس دولة عظمى، وستحارب الفرس والروم، وسيأتي قواده من بعده بتاج كسرى، وسيلبس سراقة سواري كسرى، في عهد عمر جاءت الغنائم، فإذا فيها تاج كسرى وقميصه وسواريه، قال سيدنا عمر: أين سراقة؟ استدعى سراقة، وألبسه سواري كسرى، وقال: بخ بَخ، أعرابي من بني مدلج يلبس سواري كسرى، تحققت النبوة .

التقى بِعَدِيّ فقال: لعله يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم؟ - الصحابة كانوا فقراء جداً - فو الذي نفس محمد بيده ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، سيدنا سعد فيما أذكر، أو سيدنا معاذ أرسله عمر رضي الله عنهم إلى اليمن، فبعث إليه بنصف الزكاة، وقال: والله ما وجدت أحداً في الأعوام القادمة بعث إليّ الزكاة؟ قال: والله ما وجدت أحداً يأخذها مني.

ولعل إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف .

ولعل إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، كما هي الحال الآن، فو الذي نفس محمد بيده ليوشك أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت عليهم.

 

دليل محبتنا لله هو طاعتنا لرسوله :

 

أيها الأخوة، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، لأن خلاصنا بطاعة رسولنا، وبالصلح مع ربنا، خلاصنا بالسير على منهج الله ومنهج رسوله، بل يجب أن نعلم علم اليقين أن دليل محبتنا لله هو طاعتنا لرسوله:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾

الإنسان مخير، بإمكانه أن يطيع الله ورسوله وبإمكانه أن يعصيهما، هو مخير.

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾

الله عز وجل قال له:

﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾

[ سورة الغاشية: 22]

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة: 272]

 

الإنسان مخير :

 

الإنسان مخير، الذي يشاء الهدى يهتدي، والذي يشاء الضلالة يضل، فلست مسؤولاً عن هدايتهم، وإنما عليك أن تبلغ فقط، وانتهت مهمتك، لكنهم مخيرون، إما أن يستجيبوا، وإما ألا يستجيبوا، والآية الكريمة تقول:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة القصص: 50]

أليس في هذه الآية تكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إنهم إذا استجابوا لك استجابوا لله، إن طاعتهم لك طاعة لي.

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾

الإنسان مبلَّغ، وأقيمت عليه الحجة بهذا الإبلاغ، بقي أن يستجيب.

 

مراحل السير إلى الله عز وجل :

 

ذكرت لكم في دروس سابقة أن الإنسان يمر بثلاث مراحل في سيره إلى الله، الإنسان يدعى إلى الله دعوة بيانية بالكلام، يسمع خطبة أو درساً أو شريطًا، أو يقرأ كتاباً، هذه دعوة بيانية، ينبغي أن يستجيب لله وللرسول، فإن لم يستجب يدخل في مرحلة أخرى، مرحلة التأديب التربوي، تساق إليه الشدائد من أجل أن يصطلح مع الله.. من أجل أن يساق إلى باب الله.. من أجل أن يصحو من غفلته.. من أجل أن يردع نفسه عن سهوته، الأَولى إذا دخل في مرحلة التأديب التربوي أن يتوب إلى الله، فإن لم يتب دخل في المرحلة الثالثة قبل الأخيرة، المرحلة الثالثة يكرم إكراماً استدراجياً:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

الأَولى مع هذا التأديب الاستدراجي أن يتوب ويشكر، الأولى مع الدعوة البيانية أن يستجيب ويؤمن، ومع التأديب التربوي أن يتوب ويؤمن، ومع الإكرام الاستدراجي أن يشكر ويؤمن، فإن لم يؤمن لا بالدعوة البيانية ولا بالتأديب التربوي ولا بالإكرام الاستدراجي فلا بدّ من القصم، عندئذ يقصمه الله عز وجل، وينتهي الأمر:

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾

 

من دعي إلى الخير و استجاب لله فهو الرابح الأول :

 

إذا دعي الإنسان إلى الخير، وتولى مَن يضر؟ يضر نفسه، إذا صنعت الأم طعاماً نفيساً جداً ودعت أولادها ليأكلوا من هذا الطعام، وأحد أولادها ركب رأسه فاستنكف عن تناول الطعام أضرّ من؟ أضرّ نفسه:

﴿ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾

[ سورة يونس: 108]

﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾

[ سورة محمد: 38]

﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ  ﴾

[ سورة الحجرات: 17]

إذا أصغيت إلى الحق وإن استجبت له فأنت الرابح الأول، لا تمنّ على الله هذا الإسلام، بل الله يمنّ عليك أن أسمعك الحق:

  ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 23]

هذه بشارة لنا جميعاً.

 

من أسمعه الله الحق فهو من المهتدين و المقربين :

 

 إذا استمعنا إلى الحق فلعل الله علم فينا خيراً، هناك مئات الملايين يعبدون البقر، هناك من يعبد الجرذان، هناك من يعبد موج البحر، هناك من يعبد النار، هناك من يعبد الشمس، هناك من يعبد آلهة من بني البشر، يعبدونهم من دون الله، إذا أسمعك الله الحق، وأذن لك أن تعبده فأنت من المهتدين، وأنت من المقربين:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

 [ سورة التوبة: 38]

لأنه يحبكم، ولأنه يربيكم، ولأنه رحيم بكم، ولأنه حريص على سعادتكم:

﴿ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾

 [ سورة التوبة: 39]

 

الله مع الإنسان في كل مكان يعلم ما يفعل :

 

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

الله لا إله إلا هو، أينما ذهبتم لو أطعتم غير الله كان مصيركم إليه، وأمركم بيده، ورزقكم بيده، وحياتكم بيده، وشؤون حياتكم كلها بيده، لا مسيّر، ولا خافض ولا رافع، ولا معطي ولا مانع، ولا معين إلا الله، إذا تولى إنسان عن الله إلى أين سيذهب؟ الله معك في كل مكان يعلم ما تفعل.

الإنسان أحياناً يترك بلداً، ويذهب إلى بلد آخر، القائمون في البلد الذي تركه لا سلطان لهم على البلد الثاني، لذلك يسمونه لاجئًا، يحتمي بالبلد الثاني، أما أنت فمع الله، هل تستطيع أن تفر من ملكه؟ لا ملجأ منه إلا إليه.

سأل رجل أحد العارفين بالله، قال: أريد أن أعصي الله، قال: اعصه إذا توافرت خمس خصال، قال: ما هي؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه، قال: وأين أسكن إذاً؟ قال: تسكن أرضه وتعصيه؟! قال: هات الثانية، قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل من رزقه، قال: آكل ماذا؟ قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه؟! قال له هات الثالثة، قال: إذا أردت أن تعصيه فاعصه في مكان لا يراك فيه، قال: هو معي أينما ذهبت، قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه، وهو يراك؟! عجبت لك، قال: هات الرابعة، قال: إذا أردت أن تعصيه وجاء ملك الموت فلا تذهب معه، قال: لا أستطيع، قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه، وهو يراك، ولا تستطيع أن تعارض ملك الموت إذا جاء ليأخذك؟! قال: هات الخامسة، قال: إذا جاءك الزبانية ليأخذوك إلى النار فلا تذهب معهم، قال: لا أستطيع، قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه، وهو يراك، ولن تستطيع أن تمتنع لا عن ملك الموت ولا عن زبانية جهنم، وتبقى تعصيه؟!  فقال الرجل: كفيت.

ليس هناك جهة تنتقل من مكان إلى مكان من دون أن يراك، أنت في قبضته، لو أنك توليت عنه فرزقك وصحتك وقلبك وكل شيء في يده، هل تملك أن هذه الخلايا لا تورم ورمًا خبيثًا؟ من منّا يملك ذلك .

 

من ازداد توحيداً ازداد إيماناً وثقة بالله عز وجل :

 

الله لا إله إلا هو، هذا هو التوحيد، الدين كله توحيد، ألاّ ترى مع الله أحداً، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، حياتك، ورزقك، وأهلك، وتوفيقك، وإخفاقك بيده، وكلما ازددت توحيداً ازددت إيماناً وثقة بالله عز وجل.

﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾

إلى أين أنتم ذاهبون؟ أنتم في قبضة الله، هل تستطيعون أن تتفلتوا من قبضته؟ هل تستطيعون أن تتلافوا قضاءه وقدره؟ هل تستطيعون أن تنجوا من عقابه؟

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

ومادام الله هو كل شيء، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، هو السميع البصير، العزيز المتين، إذًا:

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 

ما من عبد يعتصم بي من دون عبادي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السموات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، شتان بين من يعتصم بالله، ومن يعتصم بأحد من خَلقه.. وشتان بين من يجعل كل همّه إرضاء الله عز وجل و بين من يجعل كل همّه إرضاء فلان أو علان، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ))

[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 

أنواع الخوف :

 

مرّ بنا اليوم في الخطبة أن هناك خوفان: خوف إيجابي وخوف سلبي، الخوف الإيجابي أن تخاف من الله، فإذا خفت من الله وحده أمّنك، تخاف لتأمن، والخوف السلبي أن تخاف من غير الله، فإذا خفت من غير الله اضطربت، وانقلبت حياتك إلى شقاء.

الله لا إله إلا هو، بيده كل شيء، فالأَولى لكم:

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

لكن غير المؤمن لا يستطيع أن يتوكل على الله، أما المؤمن فبإيمانه واستقامته وطلب رضوان الله عز وجل بإمكانه أن يتوكل على الله، يا أبا الدرداء احترق محلك؟ قال: ما كان الله ليفعل، قالوا: احترق محلك، قال: اذهبوا وتأكدوا لم يحترق محلي، فلما ذهبوا إلى محله وجدوا دكان جاره قد احترقت، فلما عادوا إليه قال: أعلم ذلك.

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 

من كان مع الله كان الله معه :

 

الحسن البصري، وقد ذكرت ذلك في الخطبة اليوم أدى أمانة العلم، فأغضب الحجاج، فأمر بقتله، فجيء بالسياف، ومدّ النطع - رداء ليحفظ المكان من دماء المقتول - واستدعي الحسن البصري ليقتل، فلما دخل عرف ماذا ينتظره، فحرك شفتيه بكلمات لم يفهمها أحد، فما كان من الحجاج إلا أن وقف له، واستقبله، وقربه من سريره، وأجلسه على سريره، وقال: يا أبا سعيد، أنت سيد العلماء، وعطره، واستفتاه، وأكرمه، وودعه، أما الرجلان اللذان لم يفهما ما حصل فهما السياف الذي استدعي ليقتله، والحاجب، تبعه الحاجب فقال: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت قبل أن تدخل؟ قال: قلت يا مؤنسي في وحشتي.. يا ملاذي عند كربتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.

أنت بيد الله عز وجل، والحجاج بيد الله، وكل شيء بيد الله، فإذا كنت مع الله فمن عليك؟ وإذا لم تكن مع الله فمن معك ؟

 

عموم القصد في الآية التالية :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾

طبعاً ( مِن ) للتبعيض أي إن بعض أزواجكم، وإن بعض أولادكم عدوٌّ لكم، قال بعض العلماء: ليست عداوة حال، وإنما عداوة مآل.

فرضاً أنت لك شريك أشار عليك أن تتاجر ببضاعة ممنوعة قانونياً، وأغراك بربح وفير، ومنّاك الأماني العريضة، فصدقته، وأحببته، وسمعت نصيحته، فلما وقعت في قبضة العدالة رأيته عدواً لك، متى رأيته عدواً لك؟ بعد أن وقعت في قبضة العدالة.

فالإنسان يحب زوجته، ويحب أولاده، ولكن حينما تقول البنت يوم القيامة: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأنه ما علمني، وما حفظني، وما عرفني بك، أطلق لي العنان، خرجت كما أريد، زلت قدمي فلم يحاسبني، لم يعترض على خروجي، ولا على طريقة خروجي، ولا على ثيابي، ولا على صلاتي، ولا على ديني، طبعاً هو في الدنيا عليه ضغط من زوجته ليغير هذا البيت، ويطليه، إلى آخره، وليس معه دخل، فاضطر إلى كسب المال الحرام ليرضي زوجته، يوم القيامة حينما يرى أنه في قبضة الله، وسيواجه عذاب النار يرى أن أعدى أعدائه زوجته التي استجاب لها، وعصى الله من أجلها، لذلك كانت الصحابية الجليلة تقول: يا فلان، اتق الله بنا، نحن بك، إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، نصبر على الجوع، ولا نصبر على الحرام.

المرأة المسلمة لا تحمل زوجها فوق ما يطيق، لا تكلفه ما لا يطيق، المرأة من شأنها أنها تحب المظاهر، فإذا دفعت زوجها لكسب مال حرام كانت عدوة له:

﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عدُوًّا لَكُمْ ﴾

هذا عموم القصد في الآية.

 

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :

 

أما خصوص السبب فكان بعض المؤمنين في مكة المكرمة أرادوا أن يهاجروا مع رسول الله، لكن أزواجهم وأولادهم حالوا بينهم وبين الهجرة، أين ستتركنا؟ عندك هنا بيت وتجارة، فهؤلاء الأزواج والأولاد حملوا أزواجهم على ترك الهجرة مع رسول الله، فخسروا خسارة كبيرة جداً، فهؤلاء يوم القيامة تتضح عداوتهم، إنما هي عداوة مآل، وليست عداوة حال، فكل زوج يطيع زوجته ويعصي الله.. يرضي زوجته بسخط الله.. يعطيها رغباتها على حساب طاعته لله.. أو يرضي أولاده على حساب طاعته لله فسيرى زوجته وأولاده أعداء ألداء له يوم القيامة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾

قالت له: يا فلان أعطني.. افعل كذا، افعل كما يفعل فلان، قال: يا أمَة، إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك، هكذا وقف أحد الصحابة.

صحابي آخر قالت له أمه: إما أن تكفر بمحمد، وإما أن أدع الطعام حتى أموت، قال يا أمي: لو أن لك مئة نفس فخرجت واحدة وَاحدة ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئت أو لا تأكلي.

الحق ليس فيه مساومة، الحق ليس فيه رضا وغضب، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق:

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾

[ سورة لقمان: 15]

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[سورة الكهف:28]

﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾

أحيانا الإنسان يجد معارضة من بيته، من زوجته، من أولاده، من أقرب الناس إليه، المؤمن الصادق لا يعبأ:

﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 91]

 

حياة المؤمن مبادئ وقيم ومُثل عليه أن يحافظ عليها :

 

الله ربي.. الله قصدي، لا إله سواه، المؤمن عنده مواقف قوية.. عنده مواقف مبدئية.. عنده قضايا لا تقبل المساومة، ماذا يريد فتًى من فتيان قريش؟ لو أردت ملكاً لملّكناك علينا، لو أردت الجمال لزوجناك أجمل نسائنا، لو أردت المال لجعلناك أغنانا، قال:

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ))

[ السيرة النبوية لابن هشام]

يوجد في حياة المؤمن مبادئ وقيم ومُثل، والأهم منهج، يناور بما هو مباح، يتساهل بما هو مقبول ومشروع، ولكن عنده خطوط حمر لا يتجاوزها.

 

المؤمن كيّس فطن حذر :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾

دقة الآية بكلمة ( من )، ليس كل الزوجات أعداء لأزواجهم، ( إن من ) أي بعض الزوجات المتعلقات بالدنيا.. الراغبات في المظاهر، هؤلاء يدفعن أزواجهن إلى أن يعطيهن شيئاً من الدنيا تفوق طاقته، يحملنه على معصية الله، يدفعنه إلى أكل المال الحرام.

أنا أعرف رجلا شابًّاً في مقتبل الحياة يعمل في محل جملة، فاكتشف صاحب المحل نقصاً في الغلة والبضاعة، أرسل له في غيبته من يشتري منه حاجة، وسأل هذا الموظف حينما قدِم هل جاء أحد؟ فقال: لا، أمر هذا الذي اشترى الحاجة أن يرجعها بوجوده، فلما أرجعها كشفت خيانته، ففصله من عمله، فصار يتوسل إليه أن يبقيه في عمله، واعتذر بأن زوجته طلباتها كثيرة لا يقوى على تلبيتها، فسلك هذا السلوك.. خسر سمعته وعمله لأنه استجاب لزوجته.

الله جل جلاله ما كلف المؤمن ما لا يطيق، أمرك النبي عليه الصلاة والسلام أن تطعم أهلك مما تأكل، وأن تلبسهم مما تلبس فقط، ما كلفك ما لا تطيق، لذلك الطلبات التي لا تستطيعها، والتي لا تتحقق إلا بالدخل الحرام اركلها بقدمك، ولا تعبأ، واللهُ في عون العبد إذا كان مع الله عز وجل.

 ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾

المؤمن كيّس فطن حذر، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا ﴾

أي طلبتْ شيئًا لا تقوى على تأمينه، لا ينبغي أن تحقد عليها، هي أرادت أن تسرك في الدنيا، لكن هذا لا يتيسر إلا بدخل حرام، فلا تعبأ بطلبها.

 

على الإنسان أن يكون صريحاً حتى لا يتحمل من الأعباء ما لا يطيق :

 

الحقيقة أن الآية لها خصوص سبب وعموم قصد، خصوص السبب بعض نساء المؤمنين في مكة منعن أزواجهن من الهجرة مع رسول الله، وفوّتن عليهم خيراً كثيراً، فلما علم أزواجهن ما ناله أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين هاجروا معه تألموا ألماً شديداً، وحقدوا على أهليهم وأولادهم، فقال الله عز وجل:

﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

أنت مادمتَ لم تنفذ فلا تعبأ بهذه الأقوال، طبعاً هذه المشكلة يعاني منها أكثر المسلمين، المرأة تظن الرجل على كل شيء قدير، هو لا يملك شيئاً، قد يدبر مصروفه بصعوبة بالغة جداً، تظن أن معه الشيء الكثير، والإنسان إذا صارح أهله بإمكاناته أولى من أن يخفي عليهم حجمه المالي، تظن أن معه المال الوفير، وهو ليس معه، فالأولى أن يكون صريحاً حتى لا يتحمل من الأعباء ما لا يطيق.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

 

من يمنعك من العمل الصالح لا ينفعك يوم القيامة :

 

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا﴾

  [ سورة الكهف: 46]

الباقيات الصالحات الأعمال الصالحة، النبي عليه الصلاة والسلام جاءته شاة فوزع معظمها، ولم يبقَ إلا كتفها:

(( أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا، قَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا ))

[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]

كتفها الذي سنأكله هو الذي لم يبقَ، فلذلك الإنسان يجب أن يعمل صالحاً، ولا يلتفت إلى أحد، ولا يستأذن أحداً، ولا يطلب رضاء أحد، لأن الذي يمنعك من العمل الصالح لا ينفعك يوم القيامة.

شاب عليه زكاة مال محدد، فزوجته عملت على إقناعه بعدم دفع الزكاة، وأن تنفق على إصلاح البيت، بعد ضغط شديد استجاب لها، ولم يدفع زكاة ماله، وأنفق هذا المال على طلاء البيت، ثم فوجئ أن سيارته ضربت، الشيء اللطيف أنّ إصلاحها كلّف تماماً ما يساوي الزكاة التي لم يدفعها، حق الله أحق أن يؤدى، افعل الخير ولا تعبأ بأحد.

 

كل شيء تنفقه في سبيل الله يخلفه الله عز وجل :

 

ثماني آيات في كتاب الله عز وجل تؤكد أن كل شيء تنفقه في سبيل الله يخلفه الله عز وجل، وأن كل شيء تنفقه يعلمه الله، أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، عبدي أنفق أُنفق عليك.

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾

الإنسان يمتحن بالمال، قد يقول قائل: والله لو أن الله أغناني لأنفقنّ على الفقراء والمساكين، وسأبني مسجداً، وميتماً، ومستوصفاً، وسوف أدخل الفرحة على قلوب الناس،  فإذا اغتنى أراد أن ينفق المال على متاعه، وعلى رفاهته، وعلى مآربه الدنيوية، هذا المال كان فتنة له فرسب.

أما الذي يؤتيه الله مالاً فينجح فهو الفائز، قال لي أحدهم: أنهيت الخدمة الإلزامية، ولا أملك من الدنيا قرشاً واحداً، أخذت من أختي ثمن سوارها، واشتريت بها بطاقة طائرة إلى الخليج- هذه قصة قديمة جداً- قال لي: والله وأنا في الطائرة خطر لي ولم أهمس ببنت شفه أن الله إذا أكرمني سأبني له مسجداً، بعد عشرين عاماً عاد إلى بلده، وبنى مسجداً، وصليت في المسجد، وذكر لي صاحبه هذا قصته مع الله عز وجل.

هناك إنسان يطلب المال من الله، الله يعطيه مالاً، ويحقق هو كل وعوده لله، بعضهم سأل النبي الغنى، وهي رواية ضعيفة فقال: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي شكره، ألح عليه فدعا الله له بالغنى فاغتنى، أرسل له من يأخذ زكاة ماله فقال: قل لصاحبك ليس في الإسلام زكاة، لم تقل: قل لرسول الله، بل قل لصاحبك، هؤلاء الذين وعدوا الله أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله، ثم أخلفوا ما وعدوا الله عز وجل، فأخلفهم، وأعقبهم في قلوبهم نفاقاً إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه.

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾

 

امتحان الإنسان بالولد و المال :

 

أحياناً الإنسان يقول لك: هذا الابن سأخرجه عالماً، يأخذ مجموعاً عاليًا كبيرًا، لا نريد، الطب أحسن، كنت تريده عالماً داعياً إلى الله عز وجل، وبإمكانه أن يدخل المعاهد الشرعية والكليات، أراده طبيباً، ولم يرده عالماً.. أراده لوجاهته، ولم يرده لدعوة الله عز وجل، إذا لم يربِّ الإنسان أولاده أن يكونوا دعاة ماذا يفعل؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

لو أنك أنفقت مالك في سبيل الله.. لو قدمت مالك أمامك لسرك اللحاق به، أما إذا أنفقته على مباهج الدنيا ثم جاء ملك الموت فوالله إن نزع الروح أمر صعب جداً.

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾

أي تمتحنون بهما، أنت ممتحن بالمال إن أوتيته، وبالمال إن حرمته، ممتحن بالولد إن رُزقته، وبالولد إن حرمته.

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

      

والحمد لله رب العالمين



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب