سورة التغابن 064 - الدرس (3): تفسير الأيات (07 – 08) الإيمان باليوم الآخر أهم أركان الإيمان

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة التغابن 064 - الدرس (3): تفسير الأيات (07 – 08) الإيمان باليوم الآخر أهم أركان الإيمان

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">

 


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج في القلب أنتم -- 1438 هـ: في القلب انتم-42-مباشر           برنامج في القلب أنتم -- 1438 هـ: في القلب انتم-41-مباشر           برنامج في القلب أنتم -- 1438 هـ: في القلب انتم-40-مباشر           برنامج في القلب أنتم -- 1438 هـ: في القلب انتم-39-مباشر           برنامج في القلب أنتم -- 1438 هـ: في القلب انتم-38-مباشر           برنامج في القلب أنتم -- 1438 هـ: في القلب انتم-37-مباشر         

New Page 1

     سورة التغابن

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة التغابن ـ الآيات: (07 - 08) - الإيمان باليوم الآخر أهم أركان الإيمان

28/12/2013 16:05:00

سورة التغابن (064)

الدرس(3)

تفسير الآيات: (7-8)

الإيمان باليوم الآخر أهم أركان الإيمان

 

لفضيلة الدكتور

محمد راتب النابلسي

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

أهم أركان الإيمانِ الإيمان باليوم الآخر :

 

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث من سورة التغابن، ومع الآية السابعة وهي قوله تعالى:

﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

أيها الأخوة الكرام، أحد أكبر وأهم أركان الإيمانِ الإيمانُ باليوم الآخر، والله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة قرن الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر، فحينما يعتقد الإنسان أن الدنيا هي كل شيء، وأن السعيد فيها من كان غنياً، وصحيح الجسم، وعالي الشأن، وأن من فقد هذه المقومات عاش في شقاء، وأن الموت نهاية كل شيء، ولا شيء بعد الموت، فهذا المنطق يقتضي أن تنكب على الشهوات فتعبّ منها، هذا المنطق يقتضي أن تؤمِّن المال من أي طريق، لأنه مادة الشهوات، هذا المنطق يقتضي أن تفعل كل شيء بغير حساب، ودون تأمل، وتبصر.

لذلك ربنا سبحانه وتعالى يبين لنا أن الكفر وما يتبعه من انحراف خطير بسبب أن الكافر توهم أنه لن يبعث، فمادام الإنسان يعمل عملاً، ولا يسأل عنه، لا على نتائجه الإيجابية، ولا السلبية، فمستحيل أن ينضبط، إن رأيت إنساناً لا ينضبط فاعلم علم اليقين أن اليوم الآخر لم يدخله في حساباته إطلاقاً، وترى أناساً كثيرين لهم انتماء إلى الإسلام بشكل أو بآخر، يرون أنهم إذا كسبوا مالاً حراماً فقد حققوا شيئاً ثميناً، ويغيب عنهم أن الله سيحاسبهم، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

 

من لم يدخل مراقبة الله في حساباته فقد كفر باليوم الآخر :

 

هؤلاء الذين كفروا.. كفروا بماذا؟ كفروا باليوم الآخر، الدنيا كلها أكبر همهم ومبلغ علمهم، الدنيا هي كسبهم الوحيد، لذلك معهم الحق، انطلاقاً من تصوراتهم الموهومة أن ينكبوا على الدنيا بكل ما أوتوا من قوة، بحسب تصوراتهم عليهم أن ينغمسوا في كل الملذات، لأنها جنتهم الوحيدة، الإنسان حينما ينحرف، ويتحرك حركة عشوائية، وحينما يبحث عن المال بأي طريق، وحينما لا يعبأ بمنهج، ولا دستور، ولا نظام، ولا قانون، وحينما لا يدخل مراقبة الله في حساباته يكون قد كفر باليوم الآخر.

لا يمكن أن تجد إنساناً يؤمن باليوم الآخر ثم ينحرف، حساب دقيق، فكلمة زعم هذه مطية الكذب، كلمة زعم قبل أن نقرأ ما بعدها تعني الكذب:

﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ﴾

هل معهم الدليل؟ الإنسان أحياناً يؤمن بأفكار دون دليل، لكنها تطمئنه طمأنة ظاهرية، إذا اعتقد أنه ليس هناك بعثاً، ولا نشوراً، ولا حساباً، ولا عذاباً، يتحرك حركة عشوائية كما يحلو له، أما إذا أيقن أن هناك حساباً دقيقاً فلا يمكن أن يتحرك هكذا.

إذاً... هؤلاء الذين كفروا، أو كذبوا، إما أن الكفر كفر بكل شيء، أو ببعض الأشياء، إلا أن معظم أهل الأرض لو سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن: الله، هم يعتقدون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض، ولكن لا يعتقدون أنه معهم، أنه في السماء إله، وفي الأرض إله، لا يعتقدون أنه مسير لشؤونهم كلها، أنه سيحاسبهم على أعمالهم كلها.

 

من يعلم أن الله يعلم ويحاسب ويعاقب يجد نفسه مستقيماً على أمره :

 

أيها الأخوة، من المناسب هنا أن نذكر آية لها علاقة مسيسة بهذه الآية، وهي قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12]

ربنا سبحانه وتعالى اختار من أسمائه اسمين، اسم العليم والقدير، أنت متى تستقيم؟ إذا أيقنت أنه يعلم ما تفعل، وأنك بقبضته، وسوف يحاسبك، وهو قادر على أن يحاسبك أشد الحساب، لو أردنا أن نكون واقعيين، أنت مع إنسان أقوى منك لا تستطيع أن تتفلت من ضبطه، ولا من علمه، ولا من عقابه، لا بدّ من أن تطيعه، تطيع إنساناً من جلدتك، لكنه أقوى منك، بإمكانه أن يضبط حركتك، وبإمكانه أن يعاقبك، إذاً تطيعه. 

فالنقطة هنا متى يعصي الإنسان ربه؟ الإنسان يعصي ربه إذا ظنّ أن علم الله لا يطوله، أو ظنّ أن قدرة الله لا تطوله، أما يكفي أن تؤمن بثلاث كلمات: إنه يعلم، وسيحاسب، ويعاقب، وهو قدير على أن يفعل بك كل شيء، لمجرد أن تؤمن أنه يعلم، ويحاسب، ويعاقب، وأنك في قبضته تجد نفسك مستقيماً على أمره.

 

من كان عمله موافقاً للمنهج الإلهي فلا يعبأ بالناس :

 

فيا أيها الأخوة الكرام، هذا سؤال دقيق، إن رأيت انحرافاً في سلوكك - لا قدّر الله- أو تهاوناً في كسب مالك، أو تهاوناً في إنفاق المال، أو عدم انضباط في علاقاتك الاجتماعية، فاعلم علم اليقين أن هذا من نقص إيمانك، إما بعلم الله أو بقدرته، أما إذا أيقنت أن الله قدير، وأنه سيحاسب، ويعاقب لا يمكن أن تتفلت من قبضته، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ﴾

كلمة ( زعم ) تعني أن هذا ادعاء كاذب، وأنهم لن يبعثوا، وأن هذه حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وهل تصدقون أن أربعة أخماس أهل الأرض يعتقدون ذلك جميعاً، ولا شيء غيره، لذلك يعملون فيها عمل الجبابرة من أجل أن يستمتعوا بها، لأنها جنتهم الوحيدة، والموت عندهم نهاية كل شيء، اذهب إلى قارات الأرض الخمسة تجد معظم الناس هذه عقيدتهم، لذلك يتفلتون، فتأتيهم الأمراض، والانحرافات، والجرائم، واغتصاب الأموال، والعدوان على قدم وساق، لأنهم لا يعتقدون أن هناك إله سيحاسبهم، أما المؤمن - والله الذي لا إله إلا هو - قبل أن ينطق بكلمة، وقبل أن يقف موقفاً، وقبل أن يصل إنساناً، وقبل أن يقطع إنساناً، وقبل أن يعطي إنساناً، وقبل أن يمنع إنساناً، وقبل أن يغضب، وقبل أن يرضى، وقبل أن يتحرك، وقبل أن يسافر، وقبل أن يتاجر، وقبل أن يسكن، وقبل أن يتزوج يطرح على نفسه هذا السؤال: ماذا أجيب الله يوم القيامة عن هذا التصرف؟ هيئْ لله جواباً، وافعل ما تشاء، إذا لم تستحِ من الله فافعل ما تشاء، إذا كان عملك موافقاً للمنهج الإلهي، إذا كان عملك يرضي الله عز وجل، فلا تعبأ بالناس، لا يعبأ بالناس إلا ضعاف العقول والدهماء من الناس، لكن العباقرة المؤمنين لا يعبؤون إلا بخالقهم، فقد يقفون موقفاً يسبب لهم متاعب كثيرة، لكن أرضوا بذلك خالقهم.

 

المؤمن الصادق لا يشغله شيء إلا أن يتعرف إلى منهج الله :

 

إذاً:

﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي ﴾

يقول الله عز وجل: يا محمد، قل لهم، وأقسم لهم بربك، طبعاً الإنسان متى يقسم؟ لو أن إنساناً قال لك: كم الساعة الآن؟ هل يعقل أن تقول: والله العظيم الساعة السابعة، هو ما كذبك؟ تقسم له إذا كذبك، إذا سألك إنسان سؤالاً طبيعيّاً فليس من البلاغة أن تقسم له، أما حينما تقسم له فمعنى ذلك أنك تكذب، فهؤلاء لأنهم يكذبون اليوم الآخر، وأن الله سيبعثهم من قبورهم، وأنه سيحاسبهم حساباً دقيقاً، فقد أقسموا.

تروي بعض الآثار أن الأغنياء يحشرون يوم القيامة أربع فرق، فريقاً جمع المال من حرام، وأنفقه في حرام، يقال: خذوه إلى النار، حسابه سريع جداً، وفريقاً جمع المال من حلال، وأنفقه في حرام، يقال: خذوه إلى النار، وفريقاً جمع المال من حرام، وأنفقه في حلال، يقال: خذوه إلى النار، أما الذي جمع ماله من حلال، وأنفقه في حلال فيسأل: هل تاه بماله على عباد الله؟ هل ترك فرض صلاة؟ هل قصّر في طاعة الله؟ هل قال جيرانه: يا رب أغنيته وهو بين ظهرانينا فقصّر في حقنا؟ ومن بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: تركته ومازال يسأل ويسأل.

أخواننا الكرام... لو أن الواحد منّا قبل أن يفعل شيئاً تصور أنه بين يدي الله عز وجل، لماذا فعلت كذا؟ لماذا اغتصبت هذا المال؟ لماذا أخرجت شريكك من هذه الشركة؟ لماذا طلقت فلانة؟ إذا تصورت أن الله سيسألك عن كل شيء هيئ الجواب، وافعل فعلاً مغطًّى بجواب يقبله الله، فلذلك المؤمن في مثل هذا الموضوع وقّاف عند كتاب الله، المؤمن الصادق لا يشغله شيء إلا أن يتعرف إلى منهج الله، إلى الأمر والنهي، ماذا يرضي الله وماذا يغضبه؟ ما الحلال والحرام؟ ما الحق وما الباطل؟ ما الخير وما الشر؟ ماذا يمكن أن يكون وما لا يمكن أن يكون؟ بعد أن يعرف المؤمن ربه لا شيء يشغله إلا معرفة الأمر والنهي، لأنه الآن سيتحرك.

 

الإيمان الكامل إيمان يتبعه طاعة لأوامر الله عز وجل :

 

هناك نقطة مهمة جداً الله جل جلاله ذكرها كثيراً، أنت حينما تؤمن بالله تظن أن هذا الإيمان هو نهاية المطاف، تأتي بآيات قرآنية، تأتي بأحاديث، تأتي بحوادث كونية تؤكد أنك مؤمن، لا، هذا ليس نهاية المطاف، إنه بداية المطاف، بعد أن آمنت بالله ماذا فعلت؟ لأن الله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

الآن أنت إذا آمنت أن الله إله واحد، ماذا عليك أن تفعل؟ لو أنك آمنتَ أن الله موجود، هو موجود، لو أنك آمنت أن الله واحد، هو واحد، لو أنك آمنت أن الله كامل، هو كامل، لو أنك آمنت أن القرآن كلامه، هو كلامه، لو أنك آمنت أن الإسلام حق، الإسلام حق فعلاً، أي شيء آمنت به، ولم يتبع هذا الإيمان حركة وموقفاً وانصياعاً وطاعة فلا قيمة له، لأن إبليس قال:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة ص: 82 ]

﴿ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾

[ سورة التوبة: 54 ]

يصلون، وينفقون، وهم عند الله كافرون، إذاً هذه النقطة الأساسية أن الإنسان قد يقرأ كثيراً، قد يستمع إلى أشرطة، قد يستمع إلى دروس علم، إذا كان في بيته هوَ هو، في عمله هو هُو، في علاقاته، وفي كسبه للمال وإنفاقه، في أوقات فراغه، في أفراحه وأتراحه، في علاقاته الاجتماعية لا يأتمر بما أمر الله، ولا ينتهي عما نهى الله عنه، لكنه مغرم بدروس العلم، ومعرفة الحق، هذا الإيمان سماه بعض العلماء إيماناً إبليسيّاً، لا يقدم ولا يؤخر.

 

التطبيق هو الذي يصل الإنسان بالله و يجعله يتألق :

 

من أجل أن تكسبوا أوقاتكم، من أجل أن تتحركوا حركة صحيحة لا بدّ من أن تطبقوا، فلذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

آمنت أن الله موجود، ألا تحب أن تلتقي به؟ ألا تحب أن تصل إليه؟ ألا تحب أن تكسب رضاه؟ ألا تحب أن يحبك الله؟ ألا تحب أن يشملك الله برحمته وعنايته وتوفيقه؟ ألا تحب أن تسعد بقربه؟ عليك أن تطيعه، من هنا كانت الطاعة هي الفوز، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

لا تقيّم نفسك لا في ضوء أفكارك، ولا في ضوء كتبك، ولا في ضوء طلاقة لسانك في الإسلام، لا تقيّم نفسك إلا من خلال مدى تطبيقك لما جاء في الكتاب والسنة، التطبيق هو الذي يرفعك.. التطبيق هو الذي يصلك بالله.. التطبيق هو الذي ينعشك.. التطبيق هو الذي يجعلك تتألق، إذاً:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

[ سورة الكهف: 110]

 

القلب معقد الآمال :

 

قال لي كثيرٌ من الأخوة: أشكو من فتور في قلبي، أشكو من ضعف في صلاتي، أشكو من جفوة في قراءتي للقرآن، أقرأ فلا أشعر بشيء، أصلي فلا أشعر بشيء، أذكر الله فلا أشعر بشيء، إن لم تشعر بشيء لا في صلاتك، ولا في ذكرك، ولا في تلاوتك، فهناك مشكلة كبيرة، معنى ذلك أن هناك حجاب بينك وبين الله، هذا الحجاب بسبب معصية، أو مخالفة، أو سوء ظن بالله، أو انحراف، أو تعلق بالدنيا، فالإنسان يجب أن يكون حكيم نفسه، وطبيب قلبه، والقلب هو معقد الآمال، لقول الله عز وجل:

﴿  يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 

بطولة الإنسان أن يتعامل مع الواقع :

 

إذاً:

﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ﴾

هذا زعمهم، إذا نفى إنسان الامتحان فهل نفي الامتحان يلغي الامتحان؟ لا، في العلوم شيء دقيق هو قانون السقوط، سقوط الأجسام له قانون، لو أن الإنسان أراد أن يهبط من الطائرة، إما أن يحترم قانون السقوط، فيتخذ مظلة يهبط بها، فيغدو سالماً في الأرض، وإما أن يحتقر هذا القانون، فلا يستخدم هذه المظلة، فيلقي بجسمه من الطائرة فيأتي ميتاً، وحين لم يحترم هذا القانون، أو كذب به، فهل معنى ذلك أن هذا القانون توقفت قواعده؟ لا، القانون مطبق تطبيقاً حتمياً، أعجبك أم لم يعجبك، آمنت به أم لم تؤمن، فرحت به أم لم تفرح، القانون مطبق.

إذا زعم إنسان أن ليس هناك جنة ولا نار هل بهذا الزعم ألغى الجنة والنار؟ لا والله، الجنة موجودة، والنار موجودة.

أعرف رجلاً أسرف على نفسه بالشهوات إسرافاً غير معقول، وكان في الثامنة والثلاثين من عمره، أصيب بمرض خبيث في دمه، حينما جاءه المرض ظنه عارضاً، وهو مرح جداً، ويستقدم إلى بيته ما لا يرضي الله عز وجل، فحينما علم أنه مصاب بهذا المرض الخبيث، وأن بينه وبين الموت زمناً قصيراً بدأ يصاب بنوبات هستيرية، يقول: لا أريد أن أموت، فلما جاءه ملك الموت صرخ بصوت ما بقي في البناء كله إنسان إلا وسمع الصوت.

إذا أنكر إنسان الآخرة هل معنى ذلك أنه ألغى الآخرة؟ إذا أنكر الموت هل معنى ذلك أنه ألغى الموت؟ شيء مستحيل، فالبطولة أن تتعامل مع الواقع.. أن تتعامل مع قوانين الله، البطولة ألا تندم، لأن الندم تفسيره أنك لم تُعِمل عقلك، فالإنسان عندما يتحرك حركة خاطئة سيندم، وهذا الندم دليل أنه لم يستخدم عقله، إذاً يقول الله عز وجل:

﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾

 

الموت ليس نهاية الحي لأن حياة الإنسان أبدية :

 

نحن جميعاً سوف نموت، شئنا أم أبينا، وسوف ندخل القبر، وسوف نبعث من القبور، لأن الموت ليس نهاية الحي، حياة الإنسان أبدية، والقبر ليس آخر بيوته، القبر يزوره زيارة، والدليل أن الله عز وجل يقول:

﴿  أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ ﴾

[ سورة التكاثر: 1ـ2]

لماذا قال: ﴿ زُرْتُمُ ﴾؟ لأن الإنسان يزور القبر، ثم يخرج منه ليبعث حياً، ليحاسب عن كل أعماله صغيرها وكبيرها، أحياناً يطلق الإنسان لابنته العنان، تتحرك كما تشاء، وترتدي أي ثياب، لا يمنعها إن أبدت مفاتنها للناس، بل يطرب لذلك، قد تأتي يوم القيامة تقول: يا رب، لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي.

إذا أيقن الإنسان أنه سيحاسب، والله لخرج من جلده خوفاً، لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت لما أكلتم طعاماً عن شهوة، ولا دخلتم بيتاً تستظلون به، ولذهبتم إلى الصعدات تبكون على أنفسكم.

أحياناً يقال لإنسان: تعال الخميس راجعنا، لا ينام الليل، لأنه يتوقع ألف سؤال وألف مشكلة، فكيف إذا دعاك الله عز وجل الواحد الديان ليسألك عن كل شيء؟

 

الذكي من أطاع الله عز وجل :

 

أخواننا الكرام، لا أتمنى على الله من هذا الدرس إلا فكرة واحدة، أنه قبل أن تتحرك، وتصل وتقطع، وقبل أن تعمل أي شيء، فكر بماذا تجيب الله يوم القيامة عن هذا العمل؟ إذا أخطأ إنسان معك في الحساب، هل تفرح؟ إن فرحت فلا تعرف الله، يجب أن تؤدي له الحساب، أناس كثيرون يرون أن كسب المال الحرام ذكاء، إنسان بموقع دقيق يبتز أموال الناس، يرى نفسه ذكياً، عاش في بحبوحة، وأتى لأهله بأطيب الطعام، وبأجمل اللباس، سكن أجمل بيت، لأنه قوي، واستطاع بقوته أن يبتز أموال الناس، وأن يخيفهم، يظن نفسه أنه ذكي، وأنه عاقل.. لا، ما دام هناك بعث ونشور، وحساب وعذاب، وجنة ونار، الذكي من أطاع الله، كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله.

 

من اليسير على الله أن يسجل على الإنسان كل أعماله وحركاته وسكناته :

 

﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾

تبعثنّ من قبوركم:

﴿ قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾

[ سورة يس: 123 ]

﴿ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

شيء يحير، الإنسان الآن وصل إلى أشياء مذهلة بعقله، يمكن أن يضع خمسين ألف كتاب في قرص، ويقرأ مليوني حرف في ثانية، من اليسير على الله أن يسجل عليك كل أعمالك وحركاتك وسكناتك:

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

[ سورة الإسراء: 14 ]

 

الله عز وجل قدراته مطلقة ليس له حدود :

 

أنت في الدنيا لك سرّ وعلانية، لك باطن ولك ظاهر، لك خلوة ولك جلوة، لك بيت تأوي إليه، تفعل ما تشاء، أما إذا خرجت من البيت فتظهر بأجمل مظهر، لكن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية لا في السموات ولا في الأرض، فهذا النبأ هو عملك الحقيقي، خلفيته، أهدافه، بواعثه، حجمه، نواياه المنطوية تحته، هذا كله عند الله عز وجل:

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً  ﴾

[سورة الإسراء :17]

يمكن أن تعمل عملاً صالحاً، وهو عند الله ليس بصالح، يمكن أن تعمل عملاً صالحاً في ظاهره، وفي نيتك أن تنتزع إعجاب الآخرين:

(( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ، لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

﴿ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

فعلت كذا بنية كذا، بالباعث الفلاني، بالهدف الفلاني، بالحجم الفلاني، بالخلفية الفلانية، تحليل دقيق جداً لعمل الإنسان.

﴿ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

الله عز وجل قال عن نفسه: إنه سريع الحساب، أحيانا يمكن أن يقرأ الإنسان في بعض الحواسيب المركزية أربعمئة مليون حرف في ثانية، إذا كانت هذه سرعة حاسب الإنسان فكيف بالله عز وجل؟ لا يوجد زمن إطلاقاً، كن فيكون، لأن الله عز وجل قدراته مطلقة، مطلق في قدرته، مطلق في علمه، ليس له حدود، الإنسان له حدود.

 

الإيمان المنجي هو الإيمان الذي يحمل الإنسان على طاعة الله :

 

إذاً:

﴿ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

آمن بالله الإيمان الصحيح، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله لا فائدة منه، هذا إيمان إبليس، الإيمان الذي يجعلك تغض بصرك عن محارم الله هو الإيمان الذي أراده الله، الإيمان الذي يجعلك تقول: أين الله؟ قال: بعني هذه الشاة، وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إني لأشد الحاجة لثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟

الإيمان الذي ينجيك هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، هذا كلام مختصر ودقيق:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم]

﴿ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

آمنوا بالله من خلال آياته الكونية.. من خلال آياته القرآنية.. من خلال آياته التكوينية، وآمنوا برسوله من خلال سنته القولية، والفعلية، والإقرارية، إذا آمنت بالله من خلال كتابه، وآمنت بالله من خلال خلقه، وآمنت بالله من خلال أفعاله، وآمنت بالنبي عليه الصلاة والسلام من خلال سنته القولية والعملية والإقرارية، وحملك هذا الإيمان على طاعة الله فهذا هو الإيمان الذي يريده الله عز وجل.

 

الله عز وجل خلق الكون و نوره بالقرآن :

 

﴿ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ﴾

أي بهذا الكتاب، لأن الله عز وجل قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12]

إذاً ﴿ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ﴾ أي هذا القرآن:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

[ سورة الأنعام: 1]

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة الكهف: 1]

الكتاب يعادل الكون، الكون خلقه وهذا كلامه، خلق الكون، ونوّره بهذا النور..

 

معرفة حقيقة الدنيا و حقيقة الإنسان :

 

بهذا الكتاب الذي فيه إيضاح لكل شيء، في هذا الكتاب فلسفة الوجود.. في هذا الكتاب فلسفة الحياة وحقيقتها.. في هذا الكتاب فلسفة الإنسان، قال تعالى:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة: 36]

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 115]

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[ سورة المعارج: 19]

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[سورة النجم:39]

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

ينبغي أن تعرف حقيقة الإنسان من خلال هذا الكتاب، لأنه نور، وأن تعرف حقيقة الدنيا:

﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ ﴾

[ سورة الحديد: 20]

 

الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف :

 

إن الحياة دار ابتلاء، الحياة دار انقطاع، الحياة دار تكليف، الحياة دار عمل، الحياة دار سعي، الحياة دار معرفة الله، الحياة مكان للعمل الصالح، هذه حقيقة الحياة، أكثر الناس يتوهمون أن الحياة شيء آخر، لا بد أن تعيش في بحبوحة، تتنعم، تأكل، تشرب، تستعلي على الناس، تعيش بأجمل بيت، تركب أفخم سيارة، هذا هدف الناس، لأنهم ما عرفوا حقيقة الحياة الدنيا.

إذا جلس طالب في الامتحان، أو جلس في مدرسته، همه مكان قريب من النافذة ليتسلى، همه مجلة يتسلى بها أثناء إلقاء الدرس، همه طعام يأكله أثناء إلقاء الدرس، همه أن يضطجع لينام في أثناء إلقاء الدرس، هل عرف حقيقة المدرسة؟ ما فهم حقيقة المدرسة، دخل الامتحان يكتب خطوطاً للتسلية على ورق الامتحان، دون أن يقرأ الأسئلة، معنى ذلك أنه ما عرف حقيقة الامتحان.

فالمشكلة أن الناس يجعلون الدنيا دار نعيم لا دار عمل، الدنيا دار عمل، والآخرة دار نعيم ودار جزاء، الدنيا دار تكليف، والآخرة دار تشريف، الدنيا دار سعي، والآخرة دار مكافأة.

 

الخبرة أعمق من العلم :

 

أنت من خلال النور تعرف حقيقة الكون:

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان: 20 ]

تعرف حقيقة الإنسان، تعرف حقيقة الحياة الدنيا، هذا الذي سماه الله نوراً.

﴿ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

﴿ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، هنا: ﴿ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، الخبرة أعمق من العلم، يعلم الله ما كان، وما يكون، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لأنه خبير.

﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾

 

معنى التغابن :

 

أيها الأخوة، هذه السورة سميت سورة التغابن، لأن أحد أسماء يوم القيامة هو التغابن، الإنسان يكتشف أنه مغبون، إذا باع الإنسان بيتاً؛ قيمته ثلاثون مليوناً، باعه بثلاثة ملايين،  كان مسافراً عشر سنوات، وعاد، ودخل عليه إنسان، عرض عليه ثلاثة ملايين، وجده مبلغاً كبيراً، فباعه، وكتب عقداً، وطوّب، ثم اكتشف أن البيت ثمنه ثلاثون مليوناً، ألا يتألم أشدّ الألم؟ في الدنيا هذا اسمه الغبن، أن تعطي شيئاً ثميناً بشيء بخس، أو أن تشتري شيئاً سخيفاً بثمن باهظ، البائع قد يكون مغبوناً، والمشتري مغبون.

ربنا عز وجل أراد الدنيا قضية مبادلة و معاوضة، فالإنسان ضحى بالدنيا من أجل الآخرة.. آثر الآخرة على الدنيا، اشتروا الضلالة بالهدى، فالكافر اشترى الدنيا، وباع الآخرة، أما المؤمن فضحى بالدنيا، وسعى للآخرة، فهذا اليوم يوم التغابن كل الناس يحسون بالغبن، إلا أن الكافر يحس بغبن كبير، أما المؤمن فيتمنى لو لم ينفق من عمره ساعة إلا في ذكر الله، وطاعته، والعمل الصالح، الغبن أن تكون في غرفة، وبإمكانك أن تأخذ منها كل شيء ثمين، وأخذت الشيء الخسيس:

﴿ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾

أي الناس يغبن بعضهم بعضاً، المؤمن يشعر بالغبن، لأنه ضاع من وقته بعض الوقت لم يكن في ذكر الله، ولا في طاعته، مع أنه نجا، ودخل الجنة، لكن لا يندم المؤمن على شيء فاته من الدنيا إلا ساعة مرت عليه لم يذكر الله فيها، هذا أكبر ندمه، الكافر ضيع الآخرة من أجل الدنيا.

 

الغبن أن تبيع الشيء الثمين بالسعر البخس :

 

والحقيقة أن الغبن لا يحتمل، من أشد أنواع الشعور الممتد أن تشعر أنك مغبون، أحيانا الزوج يشعر أنه مغبون مع هذه الزوجة، كان بإمكانه أن يأخذ أفضل منها بكثير، والزوجة تشعر أنها مغبونة مع زوجها، و أحياناً التاجر يشعر أنه مغبون مع شريكه، والبائع كذلك، والشاري كذلك، فالغبن هو أن تبيع الشيء الثمين بالسعر البخس، أو أن تشتري الشيء الخسيس بالثمن الباهظ، والآخرة تجارة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ﴾

 [ سورة الصف: 10-11 ]

 

من أنفق ماله و صحته و حياته و فراغه في طاعة الله فقد ربح الدنيا و الآخرة :

 

رأسمالك حياتك، وفراغك، وصحتك، ومالك، فإذا أنفقت المال والحياة والصحة والفراغ في طاعة الله كسبت السلامة في الدنيا، والجنة في الآخرة، هذه هي التجارة الرابحة، قال تعالى:

﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

هذا طريق النجاة، ومن يؤمن بالله الإيمان الصحيح، ويعمل صالحاً، مؤكداً إيمانه الصحيح يكفِّر عنه سيئاته، أي أن ماضيه مغطًّى بالمغفرة:

﴿ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

 

الفوز العظيم أن تؤمن إيماناً صحيحاً وأن تعمل صالحاً كي تفوز بالجنة :

 

بعد هذا البيان الإلهي وهو:

﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

مقياس الفوز عندك ماذا؟ لو سألت آلاف الأشخاص: ما مقياس الفوز عندكم؟ قد يقول لك الحقيقة: المال.. الغنى.. الصحة..العلو في الأرض، لكن الله في هذا القرآن الكريم يقول: الفوز العظيم أن تؤمن إيماناً صحيحاً، وأن تعمل صالحاً كي تفوز بالجنة.

﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

 [ سورة البقرة: 39 ]

أصبح هناك وضوحاً تاماً، يوم التغابن يوم الحساب، ما من إنسان إلا ويصاب بالغبن، حتى المؤمن يتمنى لو لم يتهاون ثانية من عمره، أما غبن الكافر فكبير، لأنه في النار، المؤمن في الجنة، لكن يتمنى أن يكون في أرقى درجاتها، كيف ضيع هذه السهرة؟ كيف ضيع هذا الوقت؟ كيف أنه لم يحافظ على ما أمره الله تماماً، يشعر بالغبن أحياناً، أما الكافر فيشعر بغبن شديد جداً.

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

في الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

والحمد لله رب العالمين



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب