سورة التغابن 064 - الدرس (2): تفسير الأيات (05 – 06)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة التغابن 064 - الدرس (2): تفسير الأيات (05 – 06)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">

 


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب: أنت تسأل والمفتي يجيب-الدكتور حسين الترتوري-حلقة: 17-04-2017           برنامج نماذج إبداعية من السيرة النبوية: نماذج ابداعية من السيرة النبوية-16-اكتشاف المواهب           برنامج الله في حياتي: الله في حياتي-24-المجيب ج1           برنامج تفسير القرآن الكريم: تفسير النابلسي 1015 - هود 085 - 086           برنامج اخترنا لكم (محاضرة الأسبوع): اخترنا لكم-الإسراء والمعراج-طارق سويدان           برنامج أحباب الله: احباب الله= الاسراء والمعراج = المدرسة الاسلامية- 21- 04-2017         

New Page 1

     سورة التغابن

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة التغابن ـ الآيات: (05 - 06)

26/12/2013 16:34:00

سورة التغابن (064)

الدرس (2)

تفسير الآية: (5 - 6)

 

لفضيلة الدكتور

محمد راتب النابلسي

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

من تتبع أفعال الله في خلقه استنبط قوانينه :

 

أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من سورة التغابن، ومع الآية الخامسة، وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

أيها الأخوة الكرام، قبل أن نقف عند دقائق هذه الآية لا بدّ من حقيقة نلقي الضوء عليها، هذه الحقيقة هي أننا في العلوم نبحث عن القانون، والقانون هو العلاقة الثابتة بين متغيرين، هذه العلاقة الثابتة تفيدنا في معرفة المستقبل، أوضح مثل على ذلك: أننا إذا جئنا بعشرات المعادن، وسخّناها، فتمددت، استنبطنا قانوناً: أن المعادن تتمدد بالحرارة، فإذا أردنا أن ننشئ جسراً نقيم فواصل تمددٍ لئلا يتصدع الجسر، القانون أفادنا للمستقبل، نحن استقرأنا أحوال معادن كثيرة فوجدناها جميعها تتمدد بالحرارة، فقلنا: المعادن تتمدد بالحرارة، هذا القانون هو العلاقة الثابتة بين متغيرين يفيدنا في التنبؤ للمستقبل، لا نقيم بناءً إلا مع فواصل التمدد، لا نقيم جسراً إلا مع فواصل التمدد.

أيها الأخوة، الآن الإنسان يرى فعل الله بالناس، يستطيع الإنسان من خلال فعل الله بالناس أن يكتشف قوانين، مثلاً المال الحرام يذهب من حيث أتى، هناك مليون قصة تؤكد هذه الحقيقة، الذي يعفّ قبل الزواج يسعد بعد الزواج، والذي ينحرف قبل الزواج يشقى في الزواج، أنت إذا تتبعت أفعال الله في خلقه استنبطتَ تلك القوانين، وأنت مأمور بذلك.

 

فائدة قوانين الله عز وجل :

 

قال تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 11]

إن تتبعت أفعال الله في خلقه استنبطت عشرات القوانين، هذه القوانين ما فائدتها؟ أنها تفيدك في المستقبل، فإذا علمت أنه من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكاً، هناك آلاف القصص، كل إنسان أعرض عن ذكر الله سيذوق المعيشة الضنك، وكل إنسان آمن بالله، واستقام على أمره فله قانون، وهو قوله تعالى:

 ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ 

[ سورة النحل: 97 ]

نحن نريد من هذه الآيات أن نعرف أنّ أيّ إنسان انحرف عن منهج الله.. كفر بالله.. كفر بكتابه.. لم يعبأ بمنهج الله، هذا الإنسان سوف يدفع الثمن باهظاً.

 

الإنسان إما أن يقرأ في كتاب الله أو ينظر في أفعاله :

 

إذا نظرنا في منهج الله كيف يعامل عباده لاستنبطنا قوانين، وإذا قرأت القرآن لوجدت هذه القوانين، إما أن تستنبطها من أفعال الله، وإما أن تعرفها من كلام الله:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

هذا قانون، تحب أن ترى المرابين ما مصيرهم؟ دقق، وابحث، وانظر، تحب أن ترى المتصدقين ما مصيرهم؟ سلامة، وسعادة، وغنًى، والذين يعملون في كسب المال حراماً هم في شقاء، ودمار، هم وأموالهم.

فأنت إما أن تنظر، وإما أن تقرأ، إما أن تقرأ في كلام الله القوانين التي يتعامل بها مع خلقه، وإما أن تنظر في أفعال الله فتستنبط هذه القوانين.

مثلاً: طالب جلس في الصف ما سمع أي تعليمات من أستاذه، لكنه رأى أن الأستاذ يعاقب كل من لم يكتب الوظيفة، والذي كتبها يكافئه، من خلال عشرين حالة يستنبط قانوناً أن هذا الأستاذ يحب المجتهد، ويكره الكسول، ثم يكافئ المجتهد، ويعاقب الكسول، فإنك إما أن تنظر في أفعال الله فتستنبط من معاملته لعباده قوانين تهديك في علاقتك مع الله، وإما أن تقرأ كلامه فتقرأ القوانين التي ذكرها في كتابه الكريم فتستفيد منها في علاقتك مع الله.

 

قوانين الله عز وجل تطبق على المجموع وعلى الأفراد :

 

هذه المقدمة تفسر قول الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ﴾

يا كفار مكة، طبعاً قد تتجه الآية إلى أشخاص معينين، لكن خصوص المناسبة لا يلغي عموم اللفظ.

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾

هذا التاريخ أمامك، اقرأ تاريخ الأمم والشعوب، هل هناك أمة تفلتت، وانحرفت، وطغت، وبغت، إلا وانتهت إلى الدمار، والتحلل، والتفكك، والانهيار الاجتماعي والاقتصادي؟  أبداً، هذا قانون لله عز وجل يطبق على المجموع، وعلى الأفراد، فالإنسان الوحيد إذا انحرف عن منهج الله فلا بدّ من عقاب، ومن تربية، ومن تذكير، لا بدّ من صدمة كي يصحو بها، والمجموع إذا انحرفوا:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النحل الآية : 112]

 

الإنسان إما أن يؤمن بالله وعدالته وإما ألا يؤمن به :

 

إذاً الإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))

[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة]

انظر هل تفلت واحد من الناس من منهج الله ولم يعاقب؟ هل كسب واحد من الناس المال الحرام ولم يدمر؟ هل تفلت واحد من الناس في علاقته مع النساء ولم يشق في زواجه؟ أبداً، قال تعالى:

 ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ 

[ سورة النحل: 97 ]

بل إنه يستحيل عند الله، إما أن تؤمن بالله وعدالته، وإما ألا تؤمن به، ولا بعدالته، قال تعالى:

 ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

 

الكفر موقف وسلوك :

 

الآن ربنا عز وجل يقول:

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ﴾

معنى كفروا أيْ أعرضوا عن الله عز وجل، معنى كفروا كذبوا، إما أن توسع الدائرة أي كذبوا بوجود الله، أو كذبوا بأسمائه الحسنى، وكذبوا رحمته، وكذبوا عدله، وكذبوا تشريعه، أو كذبوا رسالة رسوله وبعثة الأنبياء، أو كذبوا قرآنه، هذا التكذيب يضيق ويتسع، يتسع حتى يشمل كل شيء، ويضيق حتى يبقى محدوداً بشيء، على كل حال كذبوا.

الحقيقة أن الكفر في شيئين، هناك موقف، وهناك سلوك، الموقف تكذيب، أما السلوك فإعراض عن الله عز وجل، أحياناً طالب في صف، الأستاذ أمامه ملء السمع والبصر، لكنه لا يعبأ بدرسه، يتشاغل بورق وألعاب لينشغل عن درس الأستاذ، هو لا يكفر بوجوده، بل يكفر بقيمة علمه، فالكفر أنواع، لمجرد أن ترد آية ربنا عز وجل حينما يقول:

﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 221 ]

ويبحث إنسان عن امرأة جميلة لا يعبأ بدينها أبداً، هذا الإنسان كذب كلام الله، قال الله عز وجل:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

لو أن إنساناً أكل الربا، ولم يعبأ بهذه الآية، معنى ذلك أنه كفر بهذه الآية وكذبها، فالتكذيب والكفر يلتقيان.

 

أخطر شيء في حياة الإنسان أن يكفر بالله عز وجل :

 

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾

كل إنسان كفر ذاق وبال أمره، الوبال التبعة.. الشيء الثقيل الذي يكون بسبب أمرٍ من الأمور، مثلاً إنسان خالف الأنظمة الاقتصادية، يحكم عليه بعشرين سنة، العشرون سنة وبال أمره، إنسان أهمل صحته، عانى من مرض عضال، المرض العضال وبال أمره، إنسان أهمل تربية أولاده، فانحرفوا، حينما كبروا ذاق وبال أمر انحرافهم، إنسان مدّ يده إلى الحرام، فكشف، وسيق إلى السجن، وأمضى فيه سنوات عدة، هذا ذاق وبال أمره.

الوبال الشيء الثقيل الذي هو بسبب انحراف خطير، هذا هو الوبال، وهل من شيء أخطر من أن يكفر الإنسان بالله عز وجل؟

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ﴾

إذاً هؤلاء الذين كذبوا كلام الله، وحاربوا النبي عليه الصلاة والسلام، أين هم الآن؟ أبو جهل، وأبو لهب، وصفوان بن أمية، أين هم الآن؟ في مزبلة التاريخ، أما الذين صدقوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، فهم في أعلى عليين، وهذا التاريخ بين أيديكم، تاريخ الأمم والشعوب، أي فرد، أو أي جماعة، أو أي أمة استقامت على منهج الله وصلت إلى الخافقين.

ذهب إنسان إلى فيينا، ورأى في متحفها صورة زيتية لطيفة جداً، الجنود المسلمون الذين فتحوها يشترون العنب من فتيات فيينا، ويغضون أبصارهم عنهن، يدفعون الثمن ووجوههم إلى الجهة المقابلة، هكذا فتحت فيينا من قِبَل المسلمين، والمسلمون حينما وصلوا قرب باريس باستقامتهم والتزامهم، أما حينما تفلتوا، وانصرفوا إلى اللهو والمجون والجواري والموشحات والخمور، قالت امرأة لأخرى حين خرجوا من الأندلس:

ابكِ مثل النساء ملكاً مُضاعاً       لم تحافظ عليه مثل الرجال

***

من رحمة الله بنا أن الله يذيقنا وبال أمرنا :

 

الله عز وجل له قوانين، حينما استقمنا على أمر الله وصلنا إلى أطراف الدنيا، فلما تفلتنا من منهج الله عز وجل ضعفت كلمتنا، هذا الذي نريد أن نقرره، هناك قوانين يمكن أن نستنبطها، إما من أفعال الله، وإما من كلام الله، وسيان بين أن تستنبط آلاف القوانين من أفعال الله بالتأمل و التتبع والبحث والدرس، أو لك أن تأخذها جاهزة من كلام الله عز وجل.

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾

وإنّ لكل سيئة عقاباً، لما قال ربنا عز وجل:

 

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

الحقيقة من رحمة الله لنا أن الله يذيقنا وبال أمرنا، لماذا؟ كي نتوب، وكي نرجع قبل فوات الأوان، لو أن الله سبحانه وتعالى لا يذيقنا وبال أمرنا نسترسل في المعاصي والآثام، إلى أن يأتينا ملك الموت، ونحن هلكى، لكن هذه المتابعات، وهذه الشدائد، وهذا الوبال إلى الآن العالم يعاني من مرض الإيدز، هذا الموضوع عالجته مرات عديدة، كلما عدت إلى موضوع سابق وجدت الرقم مضحكاً، أول ما عالجته كان بالألوف، آخر معالجة كانت خمساً وثلاثين مليون مصاب، في عام ألفين كان هناك مئة وعشرين مليون مصاب، والعدد يتفاقم بسلسلة، كانوا يقولون: بسلسلة حسابية، وهناك سلسلة هندسية، والآن بسلسلة انفجارية:

﴿ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾

طبعاً هناك تراجع للفساد، شيء ثابت في العالم كله، في بلدٍ من البلاد ثلاث عشرة محطة إباحية، الآن ثلاث فقط، لأنهم ذاقوا وبال أمرهم، فتراجعوا، من حكمة الله البالغة، ومن نعمه الباطنة غير الظاهرة أنه يذيق الإنسان وبال أمره ليتوب، يأكل مالاً حراماً فيدمر بعض ماله، فيتوب، فيستقيم على أمر الله، فينجو، لولا أن الله أذاقه وبال أمره لما استقام على أمر الله، ولما تاب.

 

من ذاق وبال أمره و لم يتب إلى الله انتهى أمره :

 

إذاً كما قال الله تعالى:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان: 20 ]

الظاهرة الخيرات التي نراها، والباطنة المصائب التي تعد سبب رجوعنا إلى الله عز وجل، فالآية الكريمة:

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾

إذا ذاقوا وبال أمرهم ولم يتوبوا انتهى الأمر:

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

في الآخرة، ذاقوا وبال أمرهم في الدنيا، ولهم عذاب أليم في الآخرة، أما إذا استقمت على أمر الله أذاقك الله نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وجعل نعم الآخرة متصلة بنعم الدنيا، ليس على الله بعزيز أن تذوق نعم الدنيا مع نعم الآخرة، أن تعيش حياة هانئة، ويأتي الموت فتنتقل إلى جنة عرضها السموات والأرض، ليس ذلك على الله بعزيز، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147]

  الله عز وجل لا ينتفع بعذابنا، بل يعذبنا ليرحمنا.

 

الخسارة الحقيقية أن تخسر الآخرة :

 

لذلك النقطة الدقيقة أن علماء التوحيد رفضوا أن تقول: الله ضّار، هو ضّار لكنه الضّار النافع، يضّر لينفع، الله عز وجل يذل، لكن لا ينبغي أن تقول: هو المذل، تقول: يذل ليعزّ، الله جل جلاله يخفض، لكن ليرفع، يقبض ليبسط، يأخذ ليعطي، لذلك الإنسان يجب أن يفقه حقيقة أفعال الله حتى يحبّه، وحتى يتعامل معه بصدق وإخلاص:

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

إن لم يتوبوا، هناك إنسان مستقيم في الدنيا مطمئن بها، يأتيه ملك الموت، ينتقل إلى عالم البرزخ، وقبره كأنه روضة من رياض الجنة، فإذا جاء يوم القيامة دخل الجنة، فحياته سلسلة مسرات، وهناك إنسان يعاني شقاء الدنيا والآخرة، شقاء الدنيا، وعذاب القبر، ولهيب النار، لأنه تاه عن الله عز وجل، وخرج عن منهجه، هذا الموضوع خطير، موضوع سعادة الأبد، هناك قضايا لو خسرتها تعوض، أو لا تعبأ بفقدانها، لكن ثمة أشياء أساسية، لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾

[ سورة الزمر: 15 ]

الخسارة الحقيقية أن تخسر الآخرة، الشيء الدقيق سوف أضعه بين أيديكم لو أنك تريد أن تسافر من دمشق إلى حلب، هناك عدة سيارات، اخترت أسوأ سيارة، تتألم ألماً شديداً وقت السفر، أما حينما تصل فينتهي الموضوع، فأنت لا تندم على شيء طارئ فاتك، بعد أن وصلت انتهت المشكلة، انزعجت أم لم تنزعج، القضية انتهت، ووصلت إلى حلب، أما حينما يفوتك شيء أبدي فهذا هو الذي يسحق الإنسان، الشيء الطارئ لا قيمة له.

 

الدنيا كلها هي أصغر من أن تكون عطاء لله :

 

بالمناسبة الدنيا كلها بكل ما فيها من خيرات، وبأموالها الطائلة، بعزها، بجاهها، ببيوتها الفخمة، بمركباتها الفارهة، بأراضيها، بمزارعها، بكل ما فيها من جمال، من نساء وأولاد، من الأموال الطائلة، الدنيا كلها هي أصغر من أن تكون عطاء لله، السبب: لأنها مؤقتة، هي أصغر وأحقر من أن تكون عطاء لله، وهي أصغر وأحقر أن تكون عقاباً للكافرين، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

بكى عمر بن الخطاب يوماً لأنه يرى النبي عليه الصلاة والسلام ينام على الحصير، وقد أثّر في خده الشريف، سيد العالمين.. سيد ولد آدم.. حبيب الله.. سيد الرسل بلا وسادة، ولا فراش مريح، قال عمر:

(( رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟! قال: يا عمر أفي شك أنت؟ إنما هي نبوة، وليست ملكاً، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة))

[الأدب المفرد للبخاري، والجامع الصغير للسيوطي عن عمر بسند صحيح]

هذا نبي الله غرفته صغيرة، وبيته صغير، حياته خشنة، وكان يقول كما في الحديث عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً، وَأَمِتْنِي مِسْكِيناً، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[الترمذي عَنْ أَنَسٍ ابن ماجه بإسناد صحيح]

كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً، كان إذا دخل عليه الغريب قال: أيّكم محمد؟ ليس له مقعد خاص، ولا جلسة معينة، كان مع أصحابه، أيّكم محمد؟ مرة قال له صحابي: ذلك الوضيء، ومرة قال له النبي: أنا، قد أصبت، ليس له شيء متميز، قال:

(( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً، وَأَمِتْنِي مِسْكِيناً، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

 

بشارات ذكرها النبي الكريم لعدي بن حاتم :

 

جاءه عدي بن حاتم، وكان ملكاً، التقى به، ورحب به، وأخذه إلى بيته، يقول عدي ابن حاتم: أنا أعلم أنه ملك فلما استوقفته امرأة ضعيفة وقف معها طويلاً يكلمها في حاجتها، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك، ما هكذا شأن الملوك، ثم دخلت إلى بيته، فقذف إليّ وسادة من أدم جلد محشوة ليفاً، قال: اجلس عليها، قلت: بل أنت، قال: بل أنت، قال: فجلست عليها، وجلس هو على الأرض، ليس له وسادتان، عنده واحدة، في بعض البيوت عشرة أطقم أرائك، أربعمئة متر، كل غرفة نوع، هذه شرقي، وهذه غربي، هذه مدّ عربي، هذا أمريكي، ليس عنده غير وسادة واحدة من أدم محشوة ليفاً، فقلت: والله ما هذا بأمر ملك، قال: إيه يا عدي ابن حاتم.

ذكر له أشياء كثيرة، ولكن استوقفني في هذه القصة ثلاث عبارات، قال: أولاً: لعله يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم.. أصحابي فقراء.. وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، تأتي الدنيا وهي راغمة، أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه.

ثانياً: ولعله يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، المسلمون ضعفاء فقراء ومستضعفين، قال تعالى:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ  ﴾

[ سورة القصص: 5 ]

قد لا يكون لك شأن عند الناس، شخص عادي جداً، بوظيفة عادية جداً، ودكان صغيرة، بدخل صغير، وبيت خشن ضيق، وقد تكون عند الله كبيراً، وقد تكون عَلماً في السماء، وقد قال عليه الصلاة والسلام لأحد أصحابه الفقراء: "أهلاً بمن خبرني بقدومه جبريل، قال: أو مثلي، قال: نعم يا أخي، في الأرض خامل، لكنك في السماء علم"، ولعله يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، المسلمون فقراء، وضعاف، والله ليوشكن أن تسمع القصور البابلية قد فتحت لهم.

ثالثاً: ولعله يا عدي إنما منعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، العالم كله ضد الإسلام أينما ذهبت، وايم الله لتوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج هذا البيت على بعيرها لا تخاف، ولقد عاش عدي حتى رأى كل هذا البشارات بعينه.

 

ما من حدث من أحداث الحياة إلا وله دلالة كبيرة :

 

إذا مشيت أنت مع الله عز وجل فالله كبير، كل شيء بيده، لكن يريد أن يمتحن صِدقك، يريدك أن تطيعه دون أن تطمع بنواله في الدنيا، أطعه وكفى، لا تنظر إلى نواله في الدنيا، اجعل همك أن تطيعه، والله عز وجل هو يتولى أمرك، إذاً:

﴿ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

أخواننا الكرام، لا تمر على الأحداث مرور الكرام، ما من حدث وإلا له معنى كبير ومعنى خطير، ما من حدث من أحداث الحياة، ما من فعل من أفعال الله إلا وله دلالة كبيرة، تأمل، تبصر، كما تدين تدان، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، فالإنسان عندما يتعظ من أفعال الله- هذا إذا كان ينظر- أو يتعظ من قوانينه في القرآن ينجو، أما من لا يقرأ القرآن، ولا يتعظ، ولا ينظر إلى أفعال الله، فأنى له أن يفهم؟!

قرية على الساحل الأطلسي، كل أنواع المعاصي والآثام المقبولة وغير المقبولة، طبعاً كلها غير مقبولة، لكن هناك شيء غير معقول، ترتكب في هذه المدينة، وهي من أجمل المدن على الساحل الأطلسي، وفيها فنادق من أرقى مستوى، أصابها زلزال دمرت على آخرها خلال ثلاث دقائق، أكبر فندق كانت تجري فيه المعاصي والآثام، هذا الفندق ثلاثون طابقاً، غاص كله في الأرض، وبقي الطابق الأخير، ولوحته الشهيرة، وكأن هذه اللوحة شاهدة دفنه، الحدث هذا يفسر تفسيراً أرضياً، أن هناك زلزال، أي القشرة الأرضية اهتزت، واضطربت، وهناك تفسير إلهي، أنهم ذاقوا وبال أمرهم.

مرض الإيدز، هذا أليس وبال الفسق والفجور؟ قد لا تصدقون أن هناك ألوف المليارات تنفق على البحث عن مصل مضادٍ له.

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

 

من نِعم الله الكبرى أن تفهم على الله أفعاله :

 

الآن هذا العذاب الأليم بلا تعليل لا ينفعنا، لو أن أباً ضرب ابنه، ولم يهمس ببنت شفة، الابن لا يعلم، لماذا ضربتني؟ ماذا فعلت؟ لكن ربنا عز وجل برحمته وحكمته وربوبيته إذا ساق عذاباً لإنسان يعلمه بشكل أو بآخر، أحياناً يسوق العذاب موافقاً للذنب، فالمسرف يدمر الله له ماله، والذي يعتدي على أعراض الآخرين يُعتدَى على عرضه، والمتكبر يهان، هناك نماذج كثيرة جداً لمصائب جاءت موافقة للذنوب، فهذا تعريف من الله.

أذكر إنساناً زكاة ماله تقدر بإحدى عشرة ألفاً و ثلاثمئة و خمسين، زوجته ضغطت عليه، على أن ينفق هذا المبلغ في إصلاح البيت، وتجديد أثاثه، فيبدو أنه استجاب لها، ولم يعبأ بدفع الزكاة، عنده مركبة أصيبت بحادث، كانت كلفة التصليح إحدى عشرة ألفاً و ثلاثمئة و خمسين بالضبط، توافق المبلغين رسالة من الله.

شخص يمضي أغلب أوقاته في الصيف في التجول بالطرقات المزدحمة بالنساء، هذه متعته الوحيدة، عنده خمس بنات متزوجات، متعته الوحيدة أن يغدو في الطرقات المزدحمة ليمتع عينيه بالنساء الكاسيات العاريات، أصيب بمرض نادر جداً، اسمه ارتخاء الجفون، لا يستطيع أن يرى إلا إذا أمسك جفنه بيده وفتحه، هذا واضح وضوحاً شديداً أن هذا المرض بسبب هذه المعصية، والشرح يطول، وفهمكم يكفي .

كل ذنب له عقاب من جنسه، إنسان أصيب بمرض خبيث في العضو الذي عصى الله به.

فالحالة الأولى أن الله سبحانه وتعالى إذا ساق مصيبة يسوقها من جنس الذنب الذي اقترفه الإنسان، فهذا شرح من الله عز وجل لهذا الإنسان، هذه حالة  .

الحالة الثانية: أن الله يلقي في روعه، قال تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾

 [ سورة التغابن: 11 ]

إلى حكمتها، لعلتها، فالإنسان يشعر دون جهد أن هذه المصيبة من أجل كذا، يقول: فهمت.

أحد الأخوة الأكارم جاءه شخص ليشتري حاجة من حاجات معمله، هو يبيع بأعداد هائلة، رأى أن هذه الصفقة مزرية، فقال له: لا أبيع مفرقاً، فخرج هذا المشتري كسيف القلب، يقول لي هذا الأخ: ما دخل ثلاثين يوماً زبون إلى محلي، فهِم على الله، هذه مقابل هذه، من نِعم الله الكبرى أن تفهم على الله أفعاله، فإما أن تفهم على الله أفعاله، وإما أن يأتي العقاب مشابهاً للذنب، وإما أن يلقي الله في روعك، وإما أن يسخر من يخبرك أن هذا الذنب عقابه كذا.

 

الرسول من بني البشر تجري عليه كل خصائص البشر ليكون حجة على البشر :

 

 الآن ربنا قال:

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

ذنبه هؤلاء قال :

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾

الأنبياء معهم الكتب، والأدلة، والبراهين، والعلامات الدالة على وجود الله، وعلى عظمته .

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ﴾

كفروا بنبوة الأنبياء، توهموا أنه لا يليق بإنسان أن يكون رسولاً، لكن لو جاءك ملك رسول، وقال لك: غض بصرك عن النساء، تقول: هذا ملك، ونحن بشر، يجب أن يكون الرسول من بني البشر تجري عليه كل خصائص البشر، وليكون حجة على البشر، لا يمكن إلا أن يكون النبي والرسول بشراً من أجل أن يرسخ المبادئ التي جاء بها، أنت كمبادئ نظرية سهلة، لكن ما الذي يمنعك من تطبيقها؟ الدوافع الكامنة في نفسك، فإذا رأيت بشراً مثلك يطبقها فهو حجة عليك، لذلك قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا ﴾

كفروا بنبوة الأنبياء، وكفروا برسالة الرسل:

﴿ وَتَوَلَّوْا ﴾

 

الله عز وجل غني عن عباده كلهم :

 

طبعاً الكفر تكذيب وإعراض، لم يعبأ بالصلاة، ولا بالزكاة، ولا بالحج، و لا بالصيام، ولم يعبأ بتعلم العلم ولا تعليمه، ولا بالقرآن وتفسيره، ولا بالحديث:

﴿ وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ﴾

الله عز وجل غني عن عباده كلهم:

((... يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً... ))

[ رواه سلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

غني عنّا، لكن لا يعاملنا إلا بما يحمد عليه، قد تستغني عن إنسان فتهمله، قد تستغني عنه فلا تنصحه، قد تستغني عنه فلا تؤدبه، قد تستغني عنه فلا تعطيه، لكن الله سبحانه وتعالى مع أنه غني عنّا فلا يعاملنا إلا بما نحمد عليه، لذلك ورد في الأثر: "يا داود، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين؟".

لذلك قالوا: " إذا قال العبد: يا رب وهو راكع قال الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال: يا رب وهو ساجد قال الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال: يا رب وهو عاصٍ قال: لبيك.. لبيك.. لبيك".

 

الله عز وجل مع أنه استغنى عن الناس لا ينساهم بل يؤدبهم ويعالجهم :

 

ربنا ينتظرنا، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، وأنت حينما تتوب إلى الله يفرح الله، والدليل:

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد))

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

وحينما تتوب إلى الله، وتصطلح معه، كيف أن البدوي الذي فقد ناقته، فأيقن بالهلاك، فجلس يبكي حتى أدركه النعاس، فاستيقظ فرأى الناقة أمامه، من شدة فرحه اختل توازنه قال: يا رب، أنت عبدي وأنا ربك، قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 (( للَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ))                                                 

[ متفق عليه واللفظ لمسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ]

أما إذا أصرّ الإنسان:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ﴾

ولكن الله مع أنه استغنى عنهم لا ينساهم، بل يؤدبهم، ويعالجهم، ويسوق إليهم الشدائد:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ﴾

غني عنّا، ويحمد على أفعاله كلها، وفي درس آخر نتابع هذه الآيات.

والحمد لله رب العالمين



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب