سورة الحشر 059 - الدرس (5): تفسير الأيات (22 – 24)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الحشر 059 - الدرس (5): تفسير الأيات (22 – 24)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">

 


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب: أنت تسأل والمفتي يجيب-الدكتور حسين الترتوري-حلقة: 17-04-2017           برنامج نماذج إبداعية من السيرة النبوية: نماذج ابداعية من السيرة النبوية-16-اكتشاف المواهب           برنامج الله في حياتي: الله في حياتي-24-المجيب ج1           برنامج تفسير القرآن الكريم: تفسير النابلسي 1015 - هود 085 - 086           برنامج اخترنا لكم (محاضرة الأسبوع): اخترنا لكم-الإسراء والمعراج-طارق سويدان           برنامج أحباب الله: احباب الله= الاسراء والمعراج = المدرسة الاسلامية- 21- 04-2017         
New Page 1

     سورة الحشر

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الحشر ـ الآيات: (22 - 24)

11/11/2013 16:01:00

سورة الحشر (059)

 

الدرس (5)

 

تفسير الآيات: (22- 24)

 

 

لفضيلة الأستاذ

 

محمد راتب النابلسي

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس والأخير من سورة الحشر ، ومع الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(22)هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(23)هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) ﴾

( سورة الحشر )

 

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ

 

 

 1 ـ هُوَ اللَّهُ

 

أيها الإخوة الكرام ، قد تسأل إنساناً : من فلان ؟ يقول لك : هو زيد ، هو مبتدأ ، وزيدٌ خبر ، سألته : من هو ؟ فقال : هو فلان ، أما في هذه الآية حينما يبدأ الله عزَّ وجل تلك الآية بقوله تعالى :

 

﴿ هُوَ اللَّهُ

 

الله خالقُ الكون :

 

معنى ذلك أن هناك سؤالاً : إذا فكَّر الإنسان في خلق السماوات والأرض رأى كوناً لا نهاية له ، فآخر الإحصاءات أن في الكون ما يقترب من مليون مجرة ، وأن في المجرة الواحدة ما يقترب من مليون نجم ، وأن هذه النجوم متفاوتةٌ تفاوتاً كبيراً في حجومها ، وفي عددها ، وفي صفاتها ، فلو أن واحداً سأل نفسه : مَن خلَق هذا الكون ؟ هذا سؤال وجيه ، من جعل هذا النظام البديع فيما بين الكواكب والمجرات ؟ هذا التوازن الحركي ، قانون الجاذبية ، هذه الكتل الهائلة من أين جاءت ؟ أين كانت قبل أن تخلق ؟ من أوجدها من العدم ؟

إذا نزلنا إلى الأرض ، مَن أعطاها حجمها المناسب ؟ مَن جعلها تدور حول نفسها بمحورٍ مائلٍ على مستوى دورانها حول الشمس ؟ ينشأ عن هذا الميل الفصول الأربعة ، وعن هذا الدوران الليلُ والنهار ، من جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ؟ من جعل الأرض مفتتةً من أجل أن تزرع .

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11) وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) ﴾

( سورة الطارق )

الأرض تتشقق عن النبات ، والسماء تتشقق عن المطر ، هذا عمل مَن ؟ عقل الإنسان أثمن شيءٍ فيه ، عقل الإنسان جهازٌ قوة إدراكية لا تفهم ما حوله إلا وفق ثلاثة مبادئ ، العقل البشري لا يفهم الواقع إلا وفق سبب ، ولا يفهمه إلا من أجل غاية ، ولا يقبل التناقض ، فالإنسان ذو التفكير الحر ، ذو العقل السليم ، ذو الفطرة السليمة  .

 

الله خالق الإنسان :

 

نحن فيما بيننا أيّ آلةٍ يجب أن تعتقد أن لهذه الآلة مصنعاً ، وأن في هذا المصنع مصممين ، ومهندسين ، ومنفذين ، ومواد أولية ، وآلات متنوعة ، ومراقبة ، هذه آلةٌ صغيرة !! والإنسان أعقد آلةٍ في الكون ، مَن خَلَقه ؟ مَن الذي أخرج من الرَّجُل خمسمئة مليون حوين ؟ واحدٌ من هذه الخمسمئة مليون يلقِّح البويضة ، كيف أن بويضةً ملقحةً بعد تسعة أشهرٍ أصبحت طفلاً ؟ مئة وأربعون مليار خلية في الدماغ ، وأربعة عشر مليار خلية قشرية ، والعصب البصري تسعمئة ألف عصب .

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8) ﴾

( سورة البلد )

مئة وثلاثون مليون عُصَيَّة ومخروط في شبكية العين ، الشبكية عشر طبقات ، العصب البصري تسعمئة ألف عصب ، ولكل عصب ثلاثة أغمدة .

 

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)

هذه العين ترى الشيء بحجمه الحقيقي ، وبألوانه ، وتدركه إدراكاً فورياً دون تحميض ، من صمم العين ؟ من أجرى فيها المُطابقة أنك بعد دون ستين متراً الشيء المتحرك كأن جهةً ثالثة تقيس المسافة بينك وبينه ، وتضغط على الجسم البلوري ضغطاً ميكرونياً كي يزداد احديداب العدسة ، كي يقع الخيال على الشبكية ، كي تدرك ، يد من ؟ تصميم من ؟ تنفيذ من ؟ حكمة من ؟ روعة من ؟ هذا سؤال .

والسمع : أصواتٌ لا تعد ولا تحصى ، كيف تأتي هذه الأصوات بلا أذنين ؟ لأن هناك أذنين تعرف جهة الصوت ، ولأن الدماغ حينما يأتيه صوتٌ من الخارج يحسب حساباً دقيقاً تفاضلَ وصول الصوتين إلى الدماغ ، والتفاضل هو واحد على ألف وستمئة وعشرون جزءًا من الثانية ، من حساب هذا التفاضل يعرف الإنسان جهة هذا الصوت ، من صمم هذه الأذن .

من صمم هذا اللسان ؟ كل حرف تسهم فيه سبع عشرة عضلة ؟ مَن صمم اللسان ؟ من صمم الحبال الصوتية ؟ من صمم الرئتين ؟ من صمم القلب والرئتين ؟ الجواب : هو الله ، مليون مليون مليون مليون سؤال يطرحه الإنسان على نفسه والجواب : هو الله .

 

الله خالق النباتات :

 

هذه الأزهار البديعة من أعطاها ألوانها ، أشكالها ، روائحها الفوَّاحة ؟ هذا النبات الذي تأكله من صممه ؟ من صمم نظام البذور ؟ بعض البذور تعطي مليوني ضعف ، الطماطم ، من صمم البذور ؟ من جعل هذا الرشيم ؟ وهذا السويق ؟ وهذا الجذير ، وهذه المحفظة الغذائية ؟ وهذه الخصائص التي لا تعد ولا تحصى ؟ كلها مبرمجة في النويَّة ؟ شيء لا يصدق ؟ هو الله ، كلما قرأت :

﴿ هُوَ اللَّهُ

فهناك سؤال : من جعل الجميل جميلاً ؟ من جعل القوي قوياً ؟ من جعل هذا العلم العظيم ؟ من العالِم ؟ هو الله ، من المصمم ؟ هو الله ، من الموجد ؟ هو الله ، من المنظِّم ؟ هو الله ، من المسير ؟ هو الله ، أنت تسأل والله يجيب .

 

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(14) ﴾

( سورة طه )

كأن الله سبحانه وتعالى يجيب كل سائل : أن هذا الكون وما فيه من عظمة الذي صممه ، وخلقه ، وأبدعه ، وبرأه ، وصوَّره هو الله ..

أيها الإخوة الكرام ، لا سبيل إلى معرفة الله بالحواس ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ

( سورة الأنعام : آية 103)

ولكن العقل إذا أعملته في الكون عرف الله ، والعقل أداة معرفة الله ، وهو الأداة الإدراكية الذي كرَّم الله به الإنسان ، فالإنسان مدرك ، وكأن العقل خُلِقَ كي يعرف الله ، وأشقى الناس من استخدم عقله على خلاف ما خلق له .

أيها الإخوة ، الله سبحانه وتعالى له أسماؤه الحسنى وصفاته الفضلى ، أما كلمة ( الله  ) فهي علَمٌ على الذات ، الاسم الجامع من للأسماء الحسنى كلها وللصفات الفضلى كلها هو الله :

وفي كل شيءٌ له آيةٌ    تدل على أنه واحد

أيها الإخوة ، إن أسعد الناس هو الذي يُعمِل عقله فيما خَلَق الله عزَّ وجل ، والأمر لا يحتاج إلى تعقيد .

﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)

(سورة عبس )

 

الله خالق كل شيء :

 

عاهد نفسك أن تنظر في طعامك ، فيما تأكل ، تأكل أنواعًا منوَّعة من الخضراوات ، والفواكه ، والمواد الدسمة ، ومشتقَّات الألبان ، تشرب الماء الزلال الذي كان ملحاً أجاجاً ، كأس الماء يدلك على الله ، ورغيف الخبز يدلك على الله ، وكأس الحليب يدلك على الله ، والشيء الذي تُعَمِّقُ في التفكير به يوصلك إلى الله ، وعدد الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق .

كأن كلمة : ( هو الله ) جواب لمليار مليار سؤال : من صمم ؟ من خلق ؟ من صوَّر ؟ من أبدع ؟ من أعطى الشيء الجميل جماله ؟ من أعطى الشيء اللطيف لُطفه ؟ من أعطى الشيء القوي قوته ؟ ماذا أقول لكم ؟

الحوين الذي ذكرته قبل قليل هو خلية ، أصغر خلية ، والخلية لها غشاء خارجي ، ولها هَيولى ، ولها نواة ، على النواة .. وأنا لا أقول رقماً لست متأكداً منه .. على النواة خمسة آلاف مليون معلومة مبرجمة ، على نواة الحوين المنوي الذي يلقِّح البويضة خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة تتحرك وفق برنامجٍ زمني ، كل صفات الإنسان مكتوبٌ على هذه النويَّة على شكل أوامر مبرمجة ، فأنت أمام خلقٍ معجز .

إن نظرت إلى الشمس والقمر فهما شيءٌ لا يصدق ، تبعد الشمس عن الأرض مئة وستةً وخمسين مليون كيلو متر ، يقطعها الضوء في ثماني دقائق ، بينما هناك نجومٌ في بعض الأبراج تتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، هذه الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة ، أحدث مجرة كُشفت رصدتها مركبةٌ فضائية بقيت تطير في الفضاء الخارجي ستة سنوات ، رصدت مجرةً تبعد عنا ثلاثة آلاف مليون سنة ضوئية ، أرقام يصعب على العقل البشري أن يصدِّقُها .

       أيها الإخوة الكرام ، حينما تقرأ قوله تعالى :

 

﴿ هُوَ اللَّهُ

أي سؤالٍ تطرحه : من خلق ؟ من صمم ؟ من أوجد ؟ من صوَّر ؟ من برأ ؟ ما هذا العلم ؟ ما هذه الدقة المحكمة ؟ فلو أن إنسانًا له عينان ذهب إلى القطب الشمالي حيث الحرارة سبعون تحت الصفر ، كل شيءٍ جامد ، بردٌ لا يحتمل ، فالإنسان يغطي يديه ، يغطي رجليه ، يلبس ثياباً ثقيلة ، يضع على رأسه صوفاً ، أيستطيع أن يضع على عينيه شيئاً كي يقي عينيه من البرد والتجَمُّد ، في العينين ماء ، وهذا الماء مُعَرَّض للتجمد ، مَن وضع في ماء العين مادةً مضادةً للتجمد ؟ هو الله .

تطابق العينين ، تطابق الأذنين ، نطق اللسان ، الإحساس باللمس ، هذا الجلد الغلاف الرائع .

     أيها الإخوة ... لو ذهبنا نعدد آيات الله في خلقه لوجدنا العجب العجاب ، هو الله ، الشيء الدقيق في الآية أن الله لا إله إلا هو ، لا توجد جهة ثانية تفعل فعلاً .

 

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

 

2 ـ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

 

       فالإله هو المعبود ، تعبد من ؟ تعبد الذي يخلق ، تعبد الذي يرزق ، تعبد الذي يتصرَّف ، تعبد الذي يحيي ، تعبد الذي يميت ، تعبد الذي يعطي ، تعبد الذي يمنع ، تعبد الذي يعز ، تعبد الذي يذل ، تعبد الذي بيده كل شيء ، الإله لا معبود بحقٍ إلا الله ، الإنسان بفطرته يعبد الذي خلقه   .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة : آية 21)

الإنسان بفطرته يعبد الذي يُحْيي ، الإنسان بفطرته يعبد الذي يميت ، الذي يرزق ، الذي يعز ، الذي يذل ، الذي يرفع ، الذي يخفض .

 

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

أما قولنا : ( لا إله إلا الله ) ، فهذه كلمة الإسلام ، هذا شعار التوحيد ، الإسلام كله مضغوطٌ بهذه الكلمة ، الإسلام كله في هذه الكلمة ، لا إله إلا الله ، لا مسيِّر إلا الله ، لا معطي إلا الله ، لا مانع إلا الله ، لا خافض إلا الله ، لا رافع إلا الله ، لا قابض إلا الله ، لا باسط إلا الله، لا معز إلا الله ، لا مذل إلا الله ، لا مسعد إلا الله ، لا مُشقي إلا الله ، لا معطي إلا الله .

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

 

التوحيد ينافي الشرك ، والشرك ينافي التوحيد :

 

حينما نصل أيها الإخوة إلى الإيمان بلا إله إلا الله نصل إلى كل شيء ، تنقطع كل آمالنا بالخلق ، وترتبط بالحق ، وحينما ييأس الإنسان من الخلق يتوجَّه إلى الحق ، حينما ييأس من أهل الأرض يتوجه إلى السماء ، حينما يقطع الأمل مما سوى الله يتوجه إلى الله ، ما دام هناك شرك فالطريق إلى الله ليس سالكاً ، وفي الحديث قدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى :

(( أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ )) .

[ مسلم ]

العمل المشترك لا يقبله الله عزَّ وجل ، والقلب المشترك لا يقبل عليه ، الله عزَّ وجل لا يَقْبَل ولا يُقْبِل ، لا يقبل عملاً مشتركاً ، ولا يُقبل على قلبٍ مشترك ، وما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه .

الحديث عن ( لا إله إلا الله ) حديثٌ يطول ، لأنه الإسلام كله ، بل لأن التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء ..

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

حينما ترى أن رزقك بيد الله لا تعصيه إذاً ، سلامة جسدك بيد الله ، لا تعصه إذاً ، نجاحك في الزواج بيد الله ، فلا تعصه إذاً ، نجاحك في العمل بيد الله ، لا تعصه إذاً ، سعادتك بيد الله ، شقاءك بيد الله ، رفعتك بيد الله ، عزَّتُكَ بيد الله ، سلامتك بيد الله ..

 

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

هو الذي خلق الكون ، أبدع الوجود ، هو الواحد ، هو الموجود ، هو الكامل ..

      

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ﴾

 

3 ـ معنى : عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ

 

المعنى الأول :

الشهادة ما تراه عيوننا ، والغيب ما لا نراه  ..

 

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ(38)وَمَا لا تُبْصِرُونَ(39) ﴾

( سورة الحاقة )

       الكون شيءٌ تبصره ، وشيءٌ لا تبصره ، كأس الماء ماذا ترى فيه ؟ ماءً صافياً ، عذباً زلالاً ، لو أخذت نقطة ماءٍ ، ووضعتها تحت مجهر لرأيت من المخلوقات التي في الماء ما لا يعد ولا يحصى ، فالماء الذي يبدو لك صافياً ﴿ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴾ .. والذي تراه تحت المجهر ﴿ مَا لا تُبْصِرُونَ ﴾ .

هذه الأذن لها عتبةٌ للسمع ، الأذن تستمع من ست عشر اهتزازة في الثانية إلى عدد لا أذكره الآن ، ( عشرون ألف ذبذبة في الثانية ) ، بينهما عتبة السمع ، هناك أصوات لا نسمعها ، هذه ما لا نسمعها ، دون وبعد ، فللسمع عتبه ، وللبصر في عتبه ، للإحساس عتبة ، فالكون بمجمله بعضه مدرك ، بعضه غير مدرك ، بهذه العين ترى الأرض ، هل ترى ما في الأرض ؟ ما في أعماق الأرض ؟ ما في نواة الأرض ؟ ما في مركز الأرض ؟ .

 

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾

هو عالم ما تشاهده ، وعالم ما لا تشاهده .

 

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ(38)وَمَا لا تُبْصِرُونَ(39) ﴾

       ما تراه عينك وما لا تراه عينك ، ما تسمعه أذنك ، وما لا تسمعه أذنك ، ما يدركه عقلك، وما لا يدركه عقلك .

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾

هذا المعنى الأول .

 

المعنى الثاني :

 

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ

الشهادة ما كان ، الماضي ، والغيب ما سيكون  .

 

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾

ما كان وما سيكون ، لا يعلم الغيب إلا الله .. " علم ما كان ، وما سيكون ، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون " ..

إذاً المعنى الأول : ما نراه ، وما لا نراه ، ما كان ، وما سيكون .

 

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ

 

المعنى الثالث :

 

وبعضهم قال :

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾

عالم الدنيا وعالم الآخرة ، الآخرة عالَم قائم بذاته ، الله جل جلاله عليمٌ بما في الدنيا ، عليمٌ بما سيكون في الآخرة ، لكن هذا الإله العظيم ذو العلم المُطْلَق ، علمه يتعلَّق بكل ممكن ، وبكل موجود ، هذا الذي يعلم كل شيء ، هل يمكن أن تعصيه ، وأن تتفلت من قبضته ؟! الإنسان بفطرته الذي يراقبك لا يمكن أن تعصيه ، هو معك في سرِّك وجهرك ، في خلوتك وجلوتك ، في إقامتك وسفرك ، في بيتك وخارج البيت .

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ

 

4 ـ  هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ

 

أحياناً  الإنسان يرتكب مخالفة ، يساق ليحقق معه ، حينما يصل إلى المحقق ، المحقق إنسان ، لكن الموقف مخيف ، أما إذا وصلت إلى أمك ، ماذا تنتظر من أمك ؟ الرحمة ، الحب ، الحنان ، العطاء ، الطمأنينة ، الأمن ، فالعلاقة بين الله وعباده علاقة رحمة ، علاقة عطاء لا علاقة تخويف .

أحياناً الأم تربي ابنها ، أما الأصل أن الأم للرحمة ، الله عزَّ وجل ينزل مصائب ، وهذا الكون بُنِيَ على الرحمة ، تقول :

 

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(1)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(3) ﴾

( سورة الفاتحة )

 

الإنسان خُلق للرحمة :

 

الأصل أن الإنسان خُلق ليرحمه الله ، الأصل أن الإنسان خلق ليسعده الله ، الأصل أن الإنسان خلق ليسلم من أي شقاء ، الأصل هكذا ، فمثلاً المركبة الأصل فيها أنها تسير ، صممت من أجل أن تسير ، أصل تصميمها من أجل أن تسير ، تشتريها من أجل أن تسير ، أي مركبةٍ فيها مكابح ، المكابح تناقض عِلَّةُ وجودها ، علة وجود المركبة أن تسير ، والمكابح تناقض علة وجودها من أجل سلامتها ، فالأصل أن هذا الكون من أجل الرحمة ..

 

﴿ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود : الآية 119 )

 

المصائب تأديبٌ من الله وتربية منه للعباد :

 

إذا رأيت في الكون مصائب ، ومتاعب ، وهموما ، ونقصا في المواد أحياناً ، هذا كله تأديبٌ من الله عزَّ وجل .

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12) ﴾

( سورة نوح )

في الأثر : " يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين لا يمشي إلى أحدٍ بسوء أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي ، قال : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي " .

       ذكرهم بآلائي ، بآياتي العظيمة ، ونعمائي بنعمي ، وبلائي بالمصائب ، ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، ذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، ذكرهم ببلائي كي يخافوني .

الأصل أن هذه المركبة صممت لتسير ، وفيها مكابح من أجل سلامتها ، الأصل أن هذا الخلق الذي خلقه الله عزَّ وجل من أجل أن يسعد ، وهناك أشياء تشقي حينما يخرج المخلوق عن منهج الخالق .

كلمة مختصرة : أنت مخلوقٌ كي تسعد في الدنيا والآخرة ، وكل أنواع الشقاء بسبب شركٍ أو معصيةٍ .

﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213) ﴾

( سورة الشعراء )

       أو معصيةٍ  .

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

( سورة الشورى )

 

آيتان عظيمتان :

 

أما الآية التي ينبغي أن لا تنساها إطلاقاً فهي قوله تعالى :

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾

( سورة النساء )

هذا كلام الله ، فاطمئن .. ﴿ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ ، لماذا العذاب ؟

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82) ﴾

( سورة الأنعام )

والله أيها الإخوة ، لو لم يكن في كتاب الله إلا هاتان الآيتان لكفتا :

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ

( سورة النساء )

 

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)  ﴾

( سورة الأنعام )

      

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ

في الفاتحة في الصلاة كل ركعة يجب أن تقرأ فيه الفاتحة ، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ )) .

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3) ﴾

[ الفاتحة  الآية : 2 ـ 3 ]

الأصل في علاقة الأم بابنها علاقة عطاء ، علاقة إسعاد ، لا يهدأ لها بال إلا إذا كان صحيحاً ، لا يهدأ لها بال إلا إذا أكل ، إلا إذا نام نوماً عميقاً ، إلا إذا كان جسمه سليماً ، إلا إن كانت نفسه مشرقةً ، سعادة الأم من خلال سعادة ابنها ، أصل العلاقة بين الأم وابنها علاقة رحمة ، علاقة عطاء ، علاقة إسعاد ، ويجب أن تعلم علم اليقين ولله المثل الأعلى أن أصل العلاقة بين الله وخلقه أن يسعدهم ، أن يسعدهم إلى أبد الآبدين ، وما الحياة الدنيا إلا إعدادٌ لحياةٍ أبدية ، الحياة الدنيا حياة محدودة ، سنوات تنقضي ، أما ثمن الطاعة في هذه السنوات المحدودة فسعادةٌ في جنةٌ عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين ..

 

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(22)هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ

 

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ

 

الله هو الملِك إيجادًا وتصرفا ومصيرا :

 

الملك ، هناك من يملك ولا ينتفع ، مثلاً : تملك بيتاً ، ولا تنتفع به ، مؤجر على النظام القديم ، هناك من ينتفع ولا يملك ، هناك من يملك وينتفع ، ولكن ليس له النصيب ، قد ينَّظم هذا البيت ، قد يستملك ، قد يشق شارع فيهدم ، لكن الله سبحانه وتعالى إذا قال :

 

﴿ هُوَ الْمَلِك

     يملك كل شيء إيجاداً ، وتصرُّفاً ، ومصيراً ، فإذا اشترى الإنسان بيتًا جاهزا فلا يكون مثلَ الذي عمّر بناء ، وهو الذي اشترى الأرض ، هو الذي بنى الأساسات ، هو الذي أقام البناء ، وهو الذي كساه ، يملك إيجاداً وتصرفاً ومصيراً .

      

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ

الملكية الحقيقة لله عزَّ وجل ، الله عزَّ وجل مالكٌ لِما مَلَّكَنَا ، أعطاك سمعًا ، هو يملكه ، وفي أي لحظةٍ يأخذه منك ، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً ، أعطاك عينًا هو الذي يملكها ، وفي أية لحظةٍ تفقدها .. لا سمح الله ..

هناك رجل يحمل أعلى شهادة فقَدَ بصره ، يحتل أدق منصب ، وبالطبع خلال شهر بدأ يوقِّع المعاملات بالشرح ، هذه المعاملة يقول صاحبها كذا وكذا ، إذاً أوافق ، بعد ذلك سُرِّحَ من عمله ، قال لصديقه : والله يا فلان ، أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس ، وليس على جسدي إلا هذا المِعْطَف ، وأن يرد لي بصري .

من منا يملك عينه ؟ الله هو مالكٌ لما ملَّكنا .

من منا يملك عقله ؟

أحياناً يفقد الإنسان عقله ، أقرب الناس إليه ، وعن الطريق واسطة كبيرة جداً يرسلونه إلى مستشفى المجانين ، أقرب الناس إليه ، ابنه ، زوجته ، أنت مكانتك في البيت ، لأن لك عقلا ، فلو ذهب هذا العقل فليس عندك مكانة على الإطلاق ، هو الذي يملك ما ملّكك به ، أعطاك عقلا ، أعطاك سمعا ، أعطاك بصرا ، أعطاك حركة ، لو أن الذي ملك الحركة سلبها منك ، أول أسبوع خدمة ممتازة ، لأن هذا الشيء جديد ، الثاني أقلّ ، بعد شهر يتمنى أقرب الناس إليك أن تموت ، تجد من يخدمه يقولون : الله يخفف عنه يا أخي ، لا نقدر أن نتحمَّله ، لأنه سلب منك الحركة فقط ، لكن الإنسان يقوم بنفسه ليقضي حاجته ، يمشي بنفسه ، هذه نعمةٌ لا يعلمها إلا الله ، فهو مالكٌ لما مَلَّكَنا ، هذه الفكرة دقيقة .

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 26 )

 

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ

( سورة الملك : الآية 1 )

الله مالك ، مالك السمع والبصر ، مالك العقل ، مالك الحركة ، مالك العِلم ، والإنسان أحياناً يفقد ذاكرته ، فإذا كان طبيبا انتهى طبه ، أو مهندس ذهبت شهادته ، لأن كل المعلومات في الذاكرة ، إذا فقد ذاكرته فقدَ كل شيء .

دققوا في هذه الكلمة : الله قادر في خلال أربع ثوانٍ أن يجعل أكبر بناء أنقاضاً فوق أصحابها .. هكذا حدث في زلزال القاهرة .. بناء من اثني عشر طابقاً ، وفي ثوانٍ معدودة أصبح كوما من الأنقاض ، هذه الطوابق ، وما فيها من تحف ، وأثاث ، وممتلكات ، وذهب ، وسكَّان ، ومطابخ ، وغرف استقبال ، وغرف نوم ، وستائر جميلة ، ومرافق ، في يد مالك الملك ، الأرض مستقرة ، مَن ملك استقرارها ؟ الله عزَّ وجل .

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا ﴾

( سورة النمل : الآية 61)

هو الله ، بحركة بسيطة يصبح لا شيء بزلزال ، مدينة تصبح أثراً بعد عين ، إعصار يتحرك نحو بلد لا يبقي ولا يذر ، لا  بيت ، ولا شجرة ، ولا معمل ، ولا حقل ، إذا كانت السرعة ثمانمئة فما فوق فلا يبقي ولا يذر ، من المالك ؟ هو الله .

إنسان في أعلى قوته ، نقطة دم كرأس الدُّبوس تتجمد في أحد أوعية دماغه يفقد الحركة ، يقول لك : خثرة دماغية ، جلطة دماغية ، انتهى ، صار عبئاً على أسرته ، فإذا تحرك الإنسان ، وإذا كانت كليتاه تعملان بانتظام فمن يملك الكليتين ؟ الله عزَّ وجل ، اسأل الأطباء ، الفشل الكلوي حتى الآن لا أحد يعرف سببه ، الكليتان تكفَّان عن العمل فجأةً ، فإلى أن يموت هذا المريض يحتاج إلى غسيل كلية كل أسبوع مرتين ، وكل مرة ثماني ساعات ، هذا غير الأجر المادي ، ثماني ساعات وهو جالس كي يصفى دمه ، يغسل دمه بكليةٍ صناعية ، ويبقى بالمئة عشرون من آثار البولة في الدم ، من الذي يملك الكلية ؟ من الذي يملك دسَّامات القلب ؟ من الذي يملك مرونة الشرايين ؟ من الذي يملك ضبط النمو بالخلايا ، حتى الآن لا أحد يعلم ما أسباب المرض الخبيث ؟ لكل الأعمار ، بالجلد ، بالأحشاء ، بالأعصاب ، بالدم ، حركة عشوائية في نمو الخلايا انتهى الإنسان .

      

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ

 

 

 

الْقُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ

 

1 ـ الْقُدُّوسُ

 

فهو منزهٌ عن كل نقص  .

 

﴿ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ﴾

أي منزهٌ عن كل نقص ، ومقدَّس ، القدوس الذي لا يليق به نقصٌ إطلاقاً  .

      

﴿ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ﴾

 

2 ـ السَّلَامُ

 

مدلولات اسم السلام :

 

لهذه الكلمة معانٍ عدة :

السلام هو الذي يمنح السلام ، يمنح سلاماً لك مع نفسك ، تجد المؤمن معنوياته عالية ، أما الإنسان حينما يعصي الله يحتقر ذاته ، ولا يحترمها ، ولو استطعت أن تنزع إعجاب الناس ، وهناك أعمال قذرة يفعلها الإنسان ، يفقد احترامه لذاته ، فلذلك يعيش مع نفسه في صراع ، يقول لك : توبيخ الضمير ، وخز الضمير ، الشعور بالنقص ، عقدة النقص ، أما حينما تستقيم على منهج الله عزَّ وجل يمنحك الله سلاماً مع نفسك ، وسلاماً مع الخلق ، لك سمعةٌ طيبة ، ولك مكانةٌ متألِّقة ، ولك حبٌ في قلوب الخلق ، وإذا أحب الله عبداً جعل قلوب الخلق تميلُ إليه .

السلام أي سلم من كل عَيْب ، والسلام هو الذي سلم عباده من الظلم ، والسلام هو الذي منحك السلام مع نفسك ، ومع الخلق ومعه ، ويهديهم سُبُلَ السلام ، فالإنسان يحب أن تسلم حياته من كل نغص ، ولن تسلم من كل نغص إلا إذا اصطلحت مع الله ، إن اصطلحت معه سلَّمك من كل نغص ، من كل شقاء ، من كل خوف ، من كل قلق .

إذاً :

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ ﴾

أي أن الله جل جلاله يهب الإيمان ، قال في كتابه كلاما إذا طبقته ، وإذا طبقت كلامه رأيت من أفعاله ما يحملك على مزيدٍ من الإيمان ، فقال الله عزَّ وجل :

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل : الآية 97 )

حينما تحيا حياةً طيبة يزداد إيمانك بهذه الآية ، من الذي منحك الإيمان بهذه الآية ؟

 

3 ـ المُؤْمِنُ

المؤمن الذي وهبك الإيمان .

 

﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾

( سورة التحريم : الآية 8 )

إذا اعتقدت بشيء ، وطبَّقته ، ولم تقطف ثماره اهتزَّت ثقتك بهذا الشيء ، ولم تؤمن به ، أما إذا طبقته ، وجاءت الأحداث تؤكد النتائج التي وصفت من قبل تزداد يقيناً بهذا ، هو مؤمنٌ بذاته ، يمنح الإيمان لعباده ، لا يخزيهم حينما يُنْجِزُ وعده معهم ، حينما يقع وعده ووعيده .

﴿ المُهَيْمِنُ

 

4 ـ المُهَيْمِنُ

 

أي : المسيطر ، كلمته هي العليا ، حكمه هو النافذ ، يحكم ولا مُعَقِّبَ لحكمه ، الله جلَّ جلاله ليس في الكون كله من يستطيع أن يُعَقِّبَ على حكمه ، أما أكبر قاضٍ يحكم ، وهناك قاضي النقض ينقض حكمه ، و قاضي الاستئناف ، والله يحكم لا معقب لحكمه .

 

﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

( سورة الأعراف : الآية 54 )

 

﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62) ﴾

( سورة الزمر )

      

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ(22)هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ

 

الله وحده المهيمن ، فلا تبحث عن غيره :

 

أنت تحب أن تقيم علاقة متينة مع المهيمن في أي مجال ، من القوي في هذه الدائرة ؟ تبحث عن علاقة إيجابية مع جهة قوية من أجل أن تركن إليها ، أن تعتمد عليها ، أن تحميك ، أن تغطِّيك ، هذا هو منطق الناس ، فإذا علمت علم اليقين أن الله وحده هو المهيمن ، هو المسيطر ، الآن الناس يتهافتون على الأقوياء ليأخذوا منهم أمناً وطمأنينةً، وتغطيةً ، ودعماً ، أما حينما تعلم أن الله هو المهيمن كلمته هي العليا .

 

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(16) ﴾

( سورة البروج )

       ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

 

﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

( سورة الأعراف : الآية 54 )

 

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)

( سورة الكهف )

      

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ

 

الْعَزِيزُ

 

 

معنى العزيز :

 

الشيء الذي يندر وجوده يسمى عزيزاً ، وتشتد الحاجة إليه فيسمى عزيزاً ، ويَصْعُبُ الوصول إليه فيسمى عزيزاً .

الله عزَّ وجل واحدٌ لا شريك له ، إذاً : هو عزيز ، تشتد الحاجة إليه ، ويحتاجه كل شيءٍ في كل شيء ، يستحيل أن تحيط به ، لكن يمكن أن تصل إليه بمنهج ، فالله هو العزيز ، لا ينال جانبه .

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ ﴾

 

معنى الْجَبَّارُ

 

المعنى الأول :

 

يجبر الخواطر الكثيرة ، ويُجْبِرُ الظالم .

والجبَّار الشيء العالي نقول : نخلةٌ جبارة أي شامخة ، عالية .

أحياناً يكون الإنسان مهيض الجناح ، مظلوما ، له أب قاسٍ ، أعطى ولداً ، ولم يعط آخر ، فالذي لم يعطه فهو مكسور ، يجبره الله ، يعطيه ويكرمه ، هذا من معاني الجبار .

الجبار يجبر الكسر ، يجبر الضَعْف ، يجبر التذلل ، فالله سبحانه وتعالى جبار ، بمعنى أن عبداً من عبيده أصابه ضعفٌ فيجبره ، يخلق من الضعف قوةً ، ومن الفقر غنى ، ومن الحيرة وجداناً .

 

المعنى الثاني :

 

لكن الجبابرة من أهل الدنيا يقصمهم الجبار ، وهو الذي ينهيهم بالموت ، لأنه جبار .

الجبّار له معنيان : مهيض الجناح جبره بأن يقوِّيه ، والقوي الطاغي جبره بأن يقصمه ، فهو جبارٌ لكلا الطرفين ، جبارٌ للضعيف وللقوي .

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾

 

المتكِّبر :

 

 

التكبُّر في حق الله كمال ، وفي حق الإنسان نقص :

 

التَكَبُّرُ في حق الله كمالٌ ، وفي حق الإنسان نقصٌ ، الإنسان بالأساس ضعيف ، في الأصل الإنسان ضعيف ، فإذا تكبَّر تَكبَّر بغير حق ، أما ربنا عزَّ وجل كبير ، عطاؤه كبير ، كماله عظيم ، منحته لا حدود لها ، فإذا ذَكَّرنا بعطائه الكبير فهذا كمالٌ فيه .

إذاً : المتكبر لا نهاية لعظمته ، لا نهاية لكرمه ، لا نهاية لجوده ، لا نهاية لعطائه ، في حق الله كمال ، وفي حق العبيد نقص ، لأنه تكبرٌ بغير حق .

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

 

سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ

 

 

1 ـ سببُ ذكرِ الشرك بعد أسماء الله الحسنى :

 

إذا اعتقدت أن في الكون جباراً غير الله فقد أشركت ، وإذا رأيت كبيراً غير الله فقد أشركت ، أو مهيمناً غير الله فقد أشركت ، أو عزيزاً غير الله فقد أشركت ، أو ملكاً غير الله فقد أشركت ، أو قُدُّوسا غير الله فقد أشركت .

﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ

الله عزَّ وجل وحده .

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ

تنزهت أسماؤه .

﴿ عَمَّا يُشْرِكُونَ

2 ـ معنى التسبيح :

 

سبحان الله ، التسبيح والتنزيه والتمجيد هو بعيدٌ عن أن يتمثَّل بنقصٍ ، ذاته منزهةٌ عن كل نقصٍ ، وعن كل ضعفٍ ، وكماله لا حدود له ، فإذا قلت : سبحان الله ، فأنت تنزهه وتبجِّله .

آيةٌ ثالثة :

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ

 

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ

 

بين الخالق والبارئ :

 

أحياناً المهندس يصمم على الورق بناء ، ثم ينفذ هذا البناء ، فتراه أمامك بثلاثين طابقا  ، العلماء قالوا : الخالق هو الذي صمم ، والبارئ هو الذي نَفَّذ .

 

﴿ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ

 

الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ

 

المصوِّر : هو الذي أعطى كل شيءٍ صورته .

      

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ

خلق أي صمّم ، برأ أي نَفَّذ ، فهو مصِّور أعطى لكل شيء صورة ، المصور داخل في البارئ والخالق ، وكل شيءٍ أوجده له صورة ، الحصان له صورة ، الجمل له صورة ، الفواكه له صوَر ، والإنسان له صورة .

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى

 

لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى

 

لو أن الله عزَّ وجل قال : الأسماء الحسنى له ، لما أفادت القصر ، له وحده الأسماء الحسنى ، أسماؤه كلها حسنى ، لذلك أي تفسير لأسماء الله الحسنى لا يليق بكماله فهو تفسيرٌ باطل ، لأن أسماءه حسنى ، فكلمة : منتقم ينبغي ألا نفهمها بالمعنى الذي بين الناس ، المنتقم هو الذي يُوقف المعتدي عند حده ، هذا هو المنتقم ، المتكبِّر هو الذي يظهر ما عنده من خير كي يطمع عباده به ، فينبغي أن تفسَّر أسماء الله تعالى تفسيراً يتناسب مع هذه الآية  .

﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

 

يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

 

كل ما خلق الله سبحانه وتعالى يسبِّح له  .

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾

( سورة الإسراء : الآية 44 )

 

﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

أليس عاراً على الإنسان أن يغفل عن الله ، وكل الكون يسبح له ويقدس له !! لذلك : " ابن آدم ، إنك إن ذكرتني شكرتني ، وإذا ما نسيتني كفرتني " .

لمجرد أن تذكر الله فهذا أحد أنواع الشُكْر .

 

﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

 

وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

 

كل ما أراده الله وقع ، وكل ما وقع أراده الله ، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق  .

 

والحمد لله رب العالمين



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب