سورة الحديد 057 - الدرس (8): تفسير الأيات (28 – 29) - جزاء المؤمنين في الدنيا والآخرة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الحديد 057 - الدرس (8): تفسير الأيات (28 – 29) - جزاء المؤمنين في الدنيا والآخرة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 39 - الحب علاقة جميلة خالدة           برنامج درب الصـــاحات:  درب الصالحات - 12 - انقلاب المشاعر           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 384- اسم الله الرقيب 1           برنامج الكلمة الطيبة: حملة مكارم - الكلمة الطيبة - 32- الجوال اداب وتنبيهات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0203 - سورة الانعام 061 - 068           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 38 - ما الحب الا للحبيب الاول         

New Page 1

     سورة الحديد

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الحديد ـ الآيات: (28 - 29) - جزاء المؤمنين في الدنيا والآخرة

22/10/2013 16:07:00

سورة الحديد (057)

 

الدرس (8)

 

تفسير الآيتان: (28-29)

 

جزاء المؤمنين في الدنيا والآخرة

 

 

 

لفضيلة الدكتور

 

محمد راتب النابلسي

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً ، وأَرِنا الحق حقاً  وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

بسم الله الرحمن الرحيم

       أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثامن والأخير من سورة الحديد ، ومع الآية الثامنة والعشرين ، وهي قوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

[سورة الحديد]

تقسيم الناس عند الله تعالى :

     يُخاطب الله سبحانه وتعالى عامَّة الناس بأُصول الدّين ، بينما يُخاطب المؤمنين بِفُروع الدِّين ، فالله تعالى يقول :

" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) " .

[سورة البقرة]

      وقال تعالى :

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) " .

[سورة البقرة]

       و الإيمان هو أعلى مرتبة يمكن أن ينالها الإنسان ، فالناس رجلان ؛ مؤمن وغير مؤمن ، وقد يكون الإنسان كافراً أو ملحداً أو مشركاً أو منافقاً ، لكن الأصحّ أن نقول : هناك مؤمن وغير مؤمن ، وهناك تقسيمات كثيرة يمكن أن يقسم الناس بها ، فهناك الانتِماء والانتِساب والأعراف والأجناس والملَلِ والنِحَل والمذاهب والطوائف و المكانة والإنتاج والاسْتِهلاك والغِنى والفقر والأعِراق ، فهناك العرق الأبيَض والعِرق الملوَّن ، وهناك أهل الجنوب وأهل الشرق ، وهذه التقسيمات كلُّها ما أنزل الله بها من سلطان ،و التقسيمان الحقيقيان هما : (المؤمن وغير المؤمن !) ولن تجد تقسيماً ثالثاً ، فالمؤمن عرف الله ، وبحث عن منهجه ، وطبَّقه وتقرَّب إليه واتَّصل به ، وأحْسَنَ إلى خلقِهِ ، فسَعِدَ في الدنيا والآخرة ، وغير المؤمن غفَلَ عن الله ، وتفلّت من منهجه، وأساء إلى خلقِهِ ، وانقطع عن الله فَشَقِيَ في الدنيا والآخرة ، ويؤكِّد هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام :

" فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ  *" .

[رواه الترمذي]

فإذا قال الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا

[سورة الحديد]

       فهو يُخاطب ِمن خَلْقه مَن عرفهُ فآمن بِوُجوده ووحْدانِيَّته وكماله و سِرَّ وُجوده ، وغاية وُجوده ، فهذا الذي عرف الله هو المَعْنِيُّ بالخِطاب ، ولذلك أود أن أُزجي نصيحةٌ لإخوتنا المؤمنين فأقول لهم : قبل أن تُعرِّفوا الناس بأمر الله ؛ عرِّفْوهُم بالآمر ، وقبل أن تُعرِّفوهم بِتَفاصيل الدِّين ،عرِّفوهم بأُصول الدِّين ، لأنَّ تفاصيل الدِّين لا معنى لها إن لم نؤمن بِأصول الدِّين ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا

 

[سورة الحديد]

        التَّقوى : مِن وقى ، والوِقاية لا تكون إلا من شيء مُخيف ، فيا من آمنتم .. إن إيمانكم لا معنى له إن لم تتَّقوا الله ، و هو لا يُجدي و لا ينفع إن لم تُطيعوا الله وتستقيموا على أمره ، وإيمانكم لا يقدِّم ولا يؤخّر إن لم تعتمدوا منهج الله في حياتكم ، فهناك أربعة ملايين من الناس يطوفون حول الكعبة كل عام ، و‍ هذا شيء جميل ، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يقول :

" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ " .

[رواه الترمذي]

علاقة جدلية :

   يقول الله تعالى :

 

" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم " .

[سورة النور]

هناك علاقة جدليَّة بين الإيمان والاستخلاف ؛ فإن كنت مؤمناً كما أراد الله تعالى اسْتخْلفَكَ الله في الأرض ، وهذا ليس نادراً ، بل هي سنَّة الله و قانونه في خلقه ، فإن لم نُسْتخلف ولم تكن كلمتنا هي العليا ، فمعنى ذلك أنَّ في إيماننا خلل وخطأ ، كما يعني أننا لسنا في المستوى الذي ينبغي أن نكون عليه ، فالقضيَّة دقيقة أيها الإخوة ، وقد يسأل سائل فيقول : ألم يقل الله عز  وجل في كتابه الكريم :

" وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين .." .

كما أنه قال :

" إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(160)".

[ سورة آل عمران ]

وقال :

" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم " .

[سورة النور]

 الإيمان الحقيقي :

     أريد هنا أن أقول لكم كلمة مختصرة : إن الإيمان الذي لا يَحْمِلُكَ على طاعة الله  والخوف منه ، ولا يجعلك تقف على الحلال والحرام ، لا جَدوى منه إطلاقاً ، فإقرارك بأنَّ الله خلق الكون قد أقرَّهُ إبليس من قبل ، كما أن إقرارك بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الخالق قد أقرَّ به كلّ الكفار ، فهم عبدوا الأصنام وقالوا كما في قوله تعالى :

" مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ(3) " .

[ سورة الزمر ]

       فالعِبرة أن تضَعَ يَدَك على جَوْهر الدِّين ، وأن تؤمن الإيمان الذي ينبغي أن يكون ، فإن آمنْتَ الإيمان الصحيح قطفت ثِمارَهُ ، و لمستَ نتائجهُ .

قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا

 

[سورة الحديد]

       أي : أطيعوه ... و إني أريد أن  أقفُ هُنَيْهةً عند هذه الآية ..

   لقد قال : " اتَّقوا الله !" ، فكيف تطيع الله إن لم تعْرفْهُ ؟ و كيف تُطيعه إن لم تعرِف أمرَهُ ؟ فمن أجل أن تتَّقي معْصِيَتَه وغضبَهُ و سَخَطه و نارَهُ ينبغي عليك أن تُطيعه ، و إنك لن تُطيعهُ قبل أن تعرفَهُ ، فسَلْ نفْسَكَ هذا السُّؤال : كم من الوقتٍ تخصص من الصَّباح حتَّى المساء لِمَعرفة الله ؟! إنَّك إن حضرْت مجلسَ العِلم وأصْغَيْت فيه إلى الآيات فراجعتها و دقَّقْت فيها وتأمَّلْتها انْعَكَسَ هذا على سُلوكك طاعةً لله تعالى ، فهذه المعرفة تجعلك تضَبط جوارحك وبيتك وعلاقاتك ، فلا شكّ أنَّ هذه المعرفة أثْمرت طاعة ، والإنسان يَقُرَّ عَيْنًا بهذه الطاعة  ، أما إن لم تكن هناك طاعة ،وكان هناك كسبٌ حرام وعلاقات اجْتِماعيَّة غير منضبطة أو كان هناك انْحِرافات وتعلُّق بالشَّهوات ، فلن يؤتي الإيمان  ثماره ، و الله تعالى قال :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا

 

[سورة الحديد]

    فلا ينبغي أن يكون للمؤمن همٌّ أكبر من أن يعرف الله تعالى  ، ويعرف منهجه ، فهذا الأمر لا يعلو عليه أمر آخر مهما بدا لك مهِمًّاً ، " يا ابن عمر دينَكَ دينَكَ إنَّه لحمكَ ودَمُك ، وخُذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا ‍! " وإنَّك ما لم تأخذ موقفًا عمليًّاً لم تكن مؤمنًا ، قال أحدهم  :

وعالم بِعِمله لم يعْملنْ مُعبَّد من قبل عُبَّاد الوثَن

      فإذا لم تُحرِّر دخْلك من الحرام و لم تُقِم الإسلام في بيتك و لم تجعل علاقاتك إسلاميَّة ؛ فتلتزم بالصدق والأمانة وإنجاز الوعد وصيانة العهد والحكمة والكرم ، إن لم تفعل كل هذا لم تكن مؤمنًا ، لأنَّ الخُلق ذهَب بِكُلّ الخير ، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقاً ‍‍.

مكانة السنة المطهرة في التشريع الإسلامي :

      إن في القرآن الكريم أمْرٌ ونهْيٌ ، و قد جاءت السنّة مطهَّرة بشيء من التفصيل  ، والله تعالى يقول :

" وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7) " .

[ سورة الحشر ]

      فيجب علينا أن نبحث عن الأمر التَّفصيليّ في سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، فالقرآن الكريم فيه أوامر إجْماليَّة ، كـ (أقيموا الصلاة) ، ولكن القرآن لم يفصّل كيفيةَ الصلاة وأوقاتِها وعددَ ركعاتها وفرائضَها وواجباتِها وسننَها ومكروهاتِها ونواقضَها!!  وهذا كلّه موجود في سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، كما نجد في السنة المطهرة كيفية البيع والشراء والتجارة ، فقد جاء فيها أن أطْيَب الكسب كسْبُ التُّجار ، الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يُخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا اشْتروا لم يذُمُّوا ، وإذا باعوا لم يُطروا ، وإذا كان لهم لم يُعسِّروا ، وإذا كان لهم لم يُمطِلوا .. فالقرآن الكريم فيه مبادئ كُبرى ، فقد أمرك الله تعالى في القرآن أن تؤتي الزَّكاة ، لكنه لم يبين نِصاب الزَّكاة ، و زكاة الذَّهب والفضَّة ، وزكاة عروض التِّجارة ، وزكاة الإبل ، وزكاة البقر وزكاة الحليّ ، وزكاة العسل ، وزكاة الإنتاج الزراعي ، فمِن أين سنأخذ تفاصيل هذه الأحكام ؟! من السنة النبوية الشريفة ، فمن يقول لك : أنا أكتفي بِكِتاب الله فقط يكون مُخالفاً لكتاب الله تعالى نفسه ، لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول :

"وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)" .

[ سورة الحشر ]

فأنت مُكَلَّف أن تأخذ ما آتاك الرسول صلى الله عليه وسلم .

      و القرآن أيها الإخوة ، قَطْعِيُّ الثُّبوت ، وقطعيّ الدلالة وظَنِيُّها ، أما الحديث الشريف فهو ظنيّ الثبوت ، وظنيّ الدلالة وقَطْعِيُّها ، فالقرآن الكريم كلُّه ثابت عن الله عز وجل ، أما السنَّة فهي تحتاج إلى تدقيق في صِحَّتها ، فهناك الحديث المتواتر ، والحديث الصحيح والحسن والضعيف ، وهناك الحديث الموضوع ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " .

طلب العلم فريضة :

   إن الله تعالى يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا

 

[سورة الحديد]

     لا بدّ لي من معرفة منهج اله حتى أتمكن من تقوى الله بمعرفة أوامره ونواهيه ، ومن هنا كان طلب العلم حتماً و فريضة واجبة ، فإنك إن أطَعْت الله فُزْتَ فوزاً عظيماً ، وإن لم تُطِعْهُ خَسِرْت خسارةً عظيمة ، و مِن لوازم طاعة أمر الله عز وجل أن تتعرَّف إلى الأمر ، فمَجلس العلم فرض عيْنٍ على كلّ مسلم ، ومن خلاله يمكنك التعرف إلى أحكام الإسلام ، كأحكام الزَّواج ، والطلاق ، وأحكام البيع والشِّراء والمساقاة والمزارعة والمضاربة ، والأمانة والهبة والقرض والدَّين والحوالة والوصيّة ، و هناك آلافٌ وآلاف من الموضوعات في العلاقات المالية والاجتماعية ؛ و هذه كلها لها أحكام تفصيليَّة ، فإن لم تعرف هذه الأحكام لم تستطع أن تتَّقي الله تعالى ، وإن مِن لوازم هذا الأمر أن تعرف منهج الله ، وأن تعرف الحلال والحرام ، فما من شيءٍ في الحياة الدنيا إلا وتُسْحَبُ عليه أحكام خمسة ؛ فرض وواجب ، وسنة مؤكِّدة ، و سنة غير مؤكدَّة ، ومباح ، ومكروه ، وحرام ، فأيّ نشاط إنساني يتراوح بين الفرضِيَّة والحُرْمة ، وبينهما الواجب والسنة والمكروه والمباح والحرام ، فينبغي عليك أن تسأل : ما حُكم هذا الشيء؟ وما حُكم هذا البيع ؟ وما حُكم هذا الطلاق ؟ وما حكم هذا    الزَّواج ؟ وما حُكم هذه الزِّيارة ؟ وما حكم هذه النُّزْهة ؟ وما حكم تلْبيَة هذه الدَّعوة ؟ وما حكم التِّجارة بِهذه البِضاعة ؟ فَمِن علامة إيمانك أن تبْحث عن أمر الله تعالى ، لأنَّ هناك قاعدة تقول : (ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب) ، فقوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا

 

[سورة الحديد]

      وإن من لوازم هذا الأمر أن تعرف أمر الله ، فأنت مأمور أن تُطيع الله تعالى ، فالذي يريد أن يتقي الله وهو لا يعرف الحلال والحرام لديه مشكلة كبيرة ، فعليك قبل أن تأكل أن تعرف ماذا تأكل ، كما يحب عليك قبل أن تتكلَّم أن تعرف ماذا تتكلَّم ، فلا تتكلم كلاماً فيه غيبة و نميمة و اسْتِعلاء و كِبر وعُجب ، ومن هنا كان طلب العلم حتماً لازماً على كلّ مسلم، فِحُضور مجالس العلم ينير القلب ، ويُجنَّب الإنسان كل ما لا يُسْعِده ، فإذا كان الإنسان لا يعرف أصول القيادة ، ثم ركب في سيارة واقفاً أو مستريحاً على وِسادة فليست لديه مشكلة ، أما إن كان وراء المِقْوَد ، وكانت المركبة مُتحرِّكة بسُرعة فائقة ، وهو لا يعرف كيف يوقفها، ولا كيف ينحرِفُ بها يَمنةً ويسْرةً ، فإنه يكون بفعله هذا منْتحِراً ، فمعرفة قِيادة المركبة وإيقافها وتحريكها والانعطاف بها يَمنةً ويسْرةً من الأشياء المفروضة على قائد المركبة ، وإلا كان الهلاك مصيره ، والإنسان كائنٌ متحرِّك أودِعَت فيه اَّلشهوات من حبّ المال والنِّساء ، والعلو في الأرض ، فإذا كان عندك زوجة وأولاد ، فربما كان لزوجتك طلبات مخالفة للشَّرع أو موافقة له ، فلا بدّ لك من معرفة الله لتستقيم على منهجه في كل تفاصيل حياتك ، فتخالفها في كل ما يخالف الشرع ، فهناك إنسان حجّ بيت الله الحرام ، فرأى ازدحاماً غير معقول ، فقد كان هناك أربعة ملايين ، فنزل في أحد الأيام لِيطوف فلم يَجِد أحداً !! فقال : يا الله ، أين الناس ؟ لمَ لم يأتوا لِيَطوفوا معي في هذا الوقت المُريح ، فإذا باليوم هو يوم عرفات ، وهو لا يعرف ذلك !! فهذا مثَل لِواقِع الناس اليوم ، فمن الناس من يكون بيته متفلتاً ، وزوجته وبناته سافرات ، وأهل بيته يفعلون المعاصي ليل نهار ، ثمّ يقول لك : أنا مسلم ! فأين منهج الله تعالى ؟ قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا

 

[سورة الحديد]

      هذا أمر إلهي معناه : اتَّقِ يا عبدي غضبي وسَخطي ومعصِيَتي  وناري ،  لأنّ هذه الأشياء خطيرة ، وعليك أن تتَّقِيَها ، فإذا لم تعرف هذا الأمر والنهي فكيف تتَّقيه ؟! فَمن لوازم الأمر بِتَقوى الله عز وجل أن تتعرَّف إلى أمر الله ونهْيِه ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ ﴾

[سورة الحديد]

  إن الإنسان يستطيع بِعَقله أن يصل إلى الله تعالى ، وذلك عن طريق التّفكّر بالكون ، لكنه لا يستطيع أن يُحيط بالله ، بل يصل إليه فقط ، فأن تصل إليه شيء ، وأن تُحيط به شيء آخر ، قال تعالى :

" وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(255) " .

[ سورة البقرة ]

      فيُمكن لعقلك أن يوصِلَك إلى الله تعالى ، عن طريق الكون الذي هو مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، فإذا عرفْت أنَّ لهذا الكون خالقاً عظيماً فعليك أن تعلم أيضاً أن من لوازم الخالق أن لا يضَعَ عباده في غفْلة عنه ، فلا بدّ من إنزال الكتب ، ولا بدّ من إرسال الرسل ، وإن أيّ رسول يرسه الله لِبني البشر يُعطى بيّنةً تؤكِّد أنَّه رسول ، وهذا شيء ثابت ، وهذه البينة إما أن تكون معجزة حِسيَّة ؛ كأن يصبح البحر طريقا يبساً ، أو أن تصبح العصا ثعباناً مبيناً ، أو أن يحيي البشر الموتى كما فعل سيّدنا عيسى ، أو أن تخرج الناقة كما في معجزة سيدنا صالح ، فهذه الأشياء لا يستطيعها البشر ، بل هي من فعل خالق البشر ، والله سبحانه وتعالى يُجري على هذا الإنسان المعجزات التي تدل أنَّه رسول الله ، فمن خلال المعجزة تؤمن أنَّه رسول ، و نبيُّنا عليه الصلاة والسلام معجزته القرآن الكريم ، و إعجاز هذا الكتاب هو أحد أكبر الدلائل التي تثبت أنَّه من عند الله تعالى ، ومن مظاهر هذا الإعجاز،  إعجازه البياني ، وإعجازُهُ التشريعي ، وإعجازه التربوي ، وإعجازهُ الإخباري .

" وما ينطق عن الهوى " :

    والآن دخلنا في النقطة الثانية في الدرس  وهي أنَّ حديث رسول الله تَشريع ، فإذا نطق ، أو فعَل ، أو أقرّ كان كل نطقه وفعله وإقراره تشريعاً ، والنبي عليه الصلاة والسلام مشرِّع ،  فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ، وأقواله وأفعاله وإقراره وصِفاته لها حكم الأمر والنَّهي ، ومن هنا جاء قوله تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ

[سورة الحديد]

      إن آمنتَ أنَّ هذا رسول الله ، فيجب عليك أن نؤمن أن الله عصَمَهُ من الخطأ في أقواله وأفعاله وإقراراته وصِفاته ، وأنه لا ينطق إلا بِالحقّ ، ومن هنا قال سيّدنا سَعد بن أبي وقَّاص: ( ثلاثة أنا فيهنّ رجل ، وفيما سِوى ذلك فأنا واحِدٌ من الناس ، ما سمِعتُ حديثاً من رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا أيْقنتُ أنَّه وحي من الله تعالى وحق ، وما صلَّيْتُ صلاة فَشُغِلَت نفسي بغيرها حتَّى أنْصرِف منها ، ولا سِرْتُ في جنازةٍ فحدَّثتُ نفسي بِغير ما تقول حتَّى أنْصرِف منها ) .

    فهذا رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول : " مُصُّوا الماء مصاً ولا تعبُّوه عبّاً ..." وقد اتَّضِح بعد ألف وخمسمائة عام أنَّ هناك عصباً اسمه العصب الحائر أو العصب المبهم ، وهو بين القلب والرِّئتين والمعدة ، التأثير الشديد جِدًّا قد ينتقل هذا إلى القلب نهْيًا عن نبْضِهِ ، فمن شَرِب الماء عَبّاً -مرَّةً واحدة من دون تمهّل- عَرِّض نفسَهُ لأخطار ، وقد اكتشفوا ذلك في أيامنا هذه ، فكلام النبي حقّ من الله تعالى ، فهو الذي لا ينطق عن الهوى ، و هناك آلاف الأحاديث التي فيها من الحقائق العِلْمِيَّة ما لا يمكن لعصر النبي ، ولا لمن عاصر النبي ، ولا للحضارات التي عاصَرت النبي ، ولا الحضارات التي جاءت بعد ألف وأربعمائة عام أن ِتَفسرها ، و َمُعظم أحاديث رسول الله تدلّ على أنَّه نبي ، فإن آمنتَ بالله خالقاً ومُربِّياً ومُسيِّراً وموجداً وواحداً وكاملاً ، وآمنتَ أنَّه لا بد من إرسال الرُّسل وإنزال الكتب وأن ذلك من كمال الله ، و آمنت أنّ هذا الكتاب كلامه ، وعَلِمتَ أنَّ الذي جاء بهذا الكتاب هو رسول الله ، عندئذ  تؤمن أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم  تشريع ، يقول الله تعالى :  

" وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7) " .

[ سورة الحشر ]

وقال تعالى :

" وما ينطق عن الهوى "

[سورة النجم]

     فقد عصمه الله في كلّ أقواله وأفعاله ، و السؤال الآن : أين أمرُ الله ونهْيُه ؟ إن أمْرُ الله ونَهيه هو سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، والدليل الأقوى قوله تعالى :

" قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(31) " .

[ سورة آل عمران ]

     لذلك كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلَّم عَيْنَ طاعة الله تعالى ، فهي مُتطابقة مع طاعة الله تطابقًا تامّاً ومن هنا قال الله عز وجل :

" وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ(62) " .

[ سورة التوبة ]

بِضَمير المفرد ، لأنَّ إرضاء رسول الله عين إرضاء الله تعالى .

مظاهر رحمة الله :

   ثمّ يقول الله تعالى :

﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

[سورة الحديد]

      و هذا هو الجزاء ، و (الرحمة) : كلمة واسعة ينضَوي تحتها عطاء الله كلِّه ! والرحمة شيء مُريح للإنسان ، ولها مظاهر كثيرة ، فالصِّحة ، والكفاية ، والزّوجة الصالحة ،   والأولاد الأبرار ، و سلامة الجسم ، و دِقَّة الفهم ، و السُّمعة الطيّبة والتجلي و السكينة اللذان ينزلان على قلب المؤمن ، وحِفظ الله وتوفيقه وتأييد ونصره ، وإكرامه للعبد كل هذا من رحمة الله تعالى بنا .

قال تعالى :

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

[سورة الحديد]

     ننتقل إلى فكرة أخرى ، أسأل الله عز وجل أن يوفِّقني إلى توضيحها ..

    أريد أن أسألك : هل تتصور أنَّ المؤمن الذي عرف الله ، وعرف منهجه ، وتقرَّب إليه ، واستقام على أمرِهِ وطلب رِضاه يمكن أن يُعامله الله تعالى كإنسان عادي ؛ و هل يُعامل المُتفلِّت والجاهل والمنحرف العاصي كالمؤمن المستقيم ، إذا توهمت هذا فأنت لا تعرف الله أبداً ، لأنَّ الله تعالى يقول :

" أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سـَاءَ مَا يَحـْكُمُونَ(21) " .

[ سورة الجاثية ]

       فحياة المؤمن تختلف عن حياة الآخرين ، فبيته غير بيتهم ، وسعادته غير ملذَّاتهم ، وأعماله غير أعمالهم ، وإذا لم يكن هناك تميّز صارخ بين  حياة المؤمن وحياة غيره ، كان الإيمان لا جَدوى منه .

     (الكِفْلين) : هما النَّصيبان ؛ فهناك نصيب في الدنيا ، ونصيب في الآخرة ؛ ففي الدنيا هناك نصيب مُعجَّل تشجيعي ، و في الآخرة هناك نصيب مؤجَّل تقديري ، والحقيقة أنَّ الذي يشدُّنا إلى الدِّين و الإيمان و طاعة النبي عليه الصلاة والسلام ، هو أنَّ حياة المؤمن شيء نفيسٌ جدّاً ، فالإيمان مرتبة أخلاقيَّة عِلْمِيَّة وجماليَّة ، وذوق المؤمن يختلف عن أذواق     الآخرين ،فحياته وزواجه وبيته وأولاده ، ومبادئه وتصرّفاته حتَّى لهْوُهُ كل هذا بريء ونظيف وعفيف ومنضَبِط ، فأفراحه فيها الطاعات و الدعوة إلى الله ، و أتْراحُهُ فيها الصبر والإنابة ، فإن لم يكن المؤمن صارخًا في أخلاقه وعلاقاته ومبادئِهِ وقِيَمِهِ ، فما قيمة إيمانه إذاً ؟؟ إن المؤمن الذي يعرف الله ذو قلب رحيم وعقل ناضِج وعلاقات واضِحَة ، وإن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم مجرى الدم... لكن المؤمن يوضِّح أفعاله ، فحظوظه الدنيوية كلها تحت قَدَمه ، فهذا سيّدنا الصِّديق رضي الله عنه الذي يحمل المرتبة الأولى بعد النبوَّة ، والذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام : " ما طلعت شمس بعد نبيّ أفضل من أبي بكر ..." لمَّا توفيّ النبي عليه الصلاة والسلام ، واجتَمَع أصحاب النبي في السقيفة ، وقف أبو بكر رضي الله عنه ، وقال لِعُمر: يا عمر ، مُدَّ يَدَك لأُبايِعَك!  فصُعِقَ عمر وقال : أنت أفضل مِنِّي ! فهذا تواضع وإنصاف وأدَب وتعاوُن ، فقال أبو بكر : بل أنت أقوى مِنِّي ، فما كان من عمر إلا أن قال : قوَّتي مع فضلك وأنا تحت جناحك ، وأنا وزير لك ، وقال عمر : لا أُطيق أن أكون أميراً على قوم فيهم أبو بكر ، فهذا هو الإيمان ؛ لا يوجد فيه طعن ولا تنافس ، فقوله : (يؤتِكم كِفلين من رحمته) يعني أن لك رحمة عند الله ، ولا تنس هذه الآية :

" وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) " .

[ سورة الزخرف ]

         فرحمة الله خير من ملايين الأرض ، فهي الله خير مِمَّا يجمعون ، وإن القبر صندوق العمل ، ومصيرنا جميعاً إلى القبر ، وهناك ينعدم التَّمييز ، فالموت يُنهي غِنى الغنيّ ، وفقرْ الفقير ، ويُلغي قوَّة القويّ  وضَعف الضَّعيف ، ويُلغي وسامة الوسيم ، ودمامة الدميم، ويُلغي صِحَّة الصحيح ومرض المريض فالموت يجمع الناس فيكونون سواءً .

قال تعالى

 

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

[سورة الحديد]

  فأنت محفوظ و مكفول و موفَّق ومنصور من الله عز وجل ، والله جلّ جلاله -خالق الأكوان- يُدافع عنك ، قال تعالى :

" إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38) " .

[ سورة الحج ]

ألا تتمنَّى هذه المرتبة ؟ ألا تتمنَّى أن تكون كقوله تعالى :

" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30) " .

[ سورة فصلت ]

      ألا تتمنَّى أن يُلقي الله في قلبك الرضا والسرور ؟ ألا تتمنّى أن تكون لك هَيبة ؟ لقد قلتُ لكم مرةًّ أنَّ الحجاج أراد قتل الحسن البصري فاستدعاه ، فدخل الحسن على الحجاج ، وكان السياف واقفاً ، فتكلَّم بِكَلمات لم تُفْهم ! فما كان من الحجاج إلا أن وقف له واسْتَقبلهُ وأجْلسَهُ إلى جانبه على السرير وقال له : يا أبا سعيد أنت سيّد العلماء ثم استفتاه في قضيَّة ، وطلب الدعاء منه ، وعطَّرهُ وشيَّعهُ إلى باب القصر ، فصُعِق السيَّاف وكذا الحاجب ، فلَحِقاه ، وقالا له : لقد أُتِي بِكَ لِغير ما فُعِل بك ، فماذا قلتَ لِربِّك ؟ قال قلتُ : يا ملاذي عند كربتي ، ويا مؤنسي في وحشتي ، اِجعل نقمته عليّ برْداً وسلاماً كما جعلت النار برْداً وسلاماً على    إبراهيم ، فهذه هي هَيبَة المؤمن لك ، ومن اتَّقى الله هابَه كلّ شيء ، ومن لم يتَّقه خاف من كلّ شيء  ، قال تعالى :

" فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81) " .

 (سورة الأنعام )

      والله أيها الإخوة ، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لَكَفت ، فالله عز وجل يَمْنحُكَ فيها نِعمة الأمن ، لتكون واثقاً من دون خوف ، فلا ترتعِدُ فرائصك من فلان وفلان ، لأنك مع الله ، وإذا كان الله معك فَمَن عليك وإذا كان عليك فمن معك ؟!

يا رب ، ماذا وجد من فقَدَكَ ؟ وماذا فقَدَ من وجَدَك ؟؟؟

هذا كلام خالق الكون ، وإن زوال الكون أهون على الله من أن لا يؤتِيَك كِفلين إذا كنت مؤمناً ، فالعِبرة في أن تكون مؤمنًا ، وأن تنفِّذ ما أمرك الله أن تنفِّذَهُ ، فضلاً عن هذه الرحمة التي تملأ قلبك رضىً ورحمة وسعادةً وثِقةً بالمستقبل ، قال تعالى :

" قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51) " .

[ سورة التوبة ]

        أيُّها الإخوة ... إن مستقبل الإنسان من دون إيمان مخيف ، فهناك أمراض عضالة كالأورام الخبيثة ، وهناك قهر وفقر ، أما المؤمن فهو واثق من حفظ الله له ، لقد كان هناك شيخ مؤمن في السادسة والتِّسعين من العمر ، لكنه منتصِب القامة ، حادّ البصر ، نشيط ، وأسنانه في فمه ، فقيل له : يا سيّدي ما هذه الصِّحة التي متَّعَك الله بها ؟ فقال : حَفظناها في الصِّغر فحَفظها الله لنا في الكِبر !

إن من عاش تقيًّا عاش قويّاً ، والله تعالى يمتِّع المؤمن بالصِّحة والأولاد الأبرار والزوجة الصالحة وبِدَخل يكفيه ، وكلّ وُعود الله ثمنها أن تؤمن وأن تُطيعه فقط .

الرؤية الصحيحة :

   ثم قال تعالى :

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

[سورة الحديد]

       هناك شيء آخر الدِّين غير الراحة والطمأنينة ، وهو الرؤية الصحيحة ؛ فإذا كنت مؤمناً أعطاك الله هذه الرؤية الصحيحة ، فإذا كان الناس في غفلة ، كنت في صَحو ، وإذا كانوا  في عمى كنت مُبصِراً ، وإذا كانوا في متاهة كنت على محجَّة واضِحة ، وإذا كانوا  في قلق ، كنت في طمأنينة ، فالطريق واضِح أماك ، والهدف واضح كذلك ، والدنيا ليْسَت مقرّاً ، لكنها ممرّ ، فهي حياة دنيا إعداديَّة لِحياة عليا أبديَّة ، فمركز الثّقَل عند المؤمن في الآخرة ، واهتِماماته وحِرصُه كله منصب على الآخرة .

أيها الإخوة الكرام ، قال تعالى :

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

[سورة الحديد]

      فالمؤمن يرى ما لا يراه الآخرون ، ويسمع ملا يسمعون ، فلو دقَّقْتِ في كلّ إنسانٍ يرتكب هذه الحماقة وتساءلت لماذا يرتكبها ؟ السبب أنه يرى أن هذه الحماقة لِصالِحِه ، فيرى أن الكذب مثلاً يجلب له المال ، وهو أحمق في هذا ، ويرى أنَّ هذا العمل يجلب له السرور ، وهو أحمق في هذا أيضاً ، و هذا كلهّ لأنَّه أعمى ، قال تعالى :

" وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) " .

[ سورة طه ]

       هناك خمسة آلاف مليون إنسان على وجه الأرض ، فإذا كان هناك واحد معرضاً عن ذِكر الله وهو ليس في عيشة ضنك لكانت هذه الآية ليْسَت من كلام  الله تعالى ! فهؤلاء الذين بلغوا قِمَم النَّجاح في المال هم أشقى الناس ، كذلك الذين بلغوا المراتب العليا وهم معرضون هم أشقى الناس أيضاً ، أما المؤمن فهو يتمتَّع برؤية سليمة ، فهو يرى النِّهايات والعواقب ، ويرى الأهداف لأنه يمشي على هدى ، قال تعالى :

" قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108) " .

[ سورة يوسف ]

       و النور المذكور في الآية هو نور الصلاة ، والمصلي الحقيقي هو الذي يلقي الله في قلبه الطمأنينة والرؤية الصحيحة ، قال تعالى :

" إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22) " .

[ سورة المعارج ]

فهذا مستثنى .

قال تعالى :

﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

[سورة الحديد]

         فالماضي كلّه مغطَّى بالمغفرة ، فما عليك إلا أن تصطلح مع الله ، وتتوب إليه توبة نصوحة ، فأنت إن عرفت الله وآمنت به واتَّقَيْت أن تعْصِيَهُ  كانت النتيجة أن يؤتيك كِفلين من رحمته في الدنيا والآخرة ، ويجعل لك نوراً تمشي به وهذا النور هو الرؤية الصحيحة ، وإن أكثر حماقات الناس من جهلهم وعماهم عن الدِّين ، فالإنسان إذا مشى في طريق مظلم ووعر كان الوُقوع في حقه حَتمياً ، أما الآخر الذي يمشي في نفس المكان ولكن معه مِصباح متألِّق يكشف له كلّ شيء فهو في مأمن من الوقوع والزلل ، فأنت إن اتَّصلت بالله ألقى الله في قلبك نورًا ... ثمّ يقول تعالى :

﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

 

[سورة الحديد]

الفضل بيد الله :

   الآية الأخيرة ، قوله تعالى :

 

 

﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

[سورة الحديد]

فهذا الفضل مُتاحٌ لِكُلّ إنسان كائنًا من كان ، وفضل الله عظيم ، وهو ليس لِفئة ولا لأمة ، ولا لِجيل ، قلتُ لأخٍ : إن دينُ الله كالهواء للناس ، لا يستطيع أحدٌ أن يحتكرهُ ، لا جماعة ولا فئة ولا إقليم ، فدين الله لكل الناس ، وهذا هو معنى قول الله عز وجل :

 

﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

[سورة الحديد]

قال تعالى :

 

﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

 

[سورة الحديد]

        ففضل الله ليس بيَدِ أهل الكتاب بل هو بيَدِ الله تعالى ، والجنَّة بيد الله وليس بيَدهم ، وكلُّنا عبيد ، قال عليه الصلاة والسلام : " اللهم إني عبدك وابن عبد ...ناصيتي ..." فأهل الكتاب لا يقدرون على شيء من فضل الله ، وفضل الله ليس بيدهم بل بيد الله ، قال تعالى :

 

﴿ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

[سورة الحديد]

والحمد لله رب العالمين

 

***



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب