سورة الحديد 057 - الدرس (7): تفسير الأيات (25 – 27) - شرائع الرسل ، ومنافع الحديد

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الحديد 057 - الدرس (7): تفسير الأيات (25 – 27) - شرائع الرسل ، ومنافع الحديد

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج على رواء: على رواء ح94 - 15 - 04 - 2019 - نظرة الغرب للمسلمين           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 247- اسم الله القاهر 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - ليلة النصف من شعبان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0266 - سورة الاعراف 082 - 085           برنامج كوني مريمية:  كوني مريمية - 11 - سر الصيام           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 246- اسم الله القاهر 1         

New Page 1

     سورة الحديد

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الحديد ـ الآيات: (25 - 27) - شرائع الرسل ، ومنافع الحديد

21/10/2013 16:01:00

سورة الحديد(057)

 

الدرس (7)

 

تفسير الآيات: (25-27)

 

شرائع الرسل ، ومنافع الحديد

   

لفضيلة الدكتور

 

محمد راتب النابلسي

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع من سورة الحديد ، ومع الآية الخامسة والعشرين ، وهي قوله تعالى :

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ

[سورة الحديد]

البينات :

    أيها الإخوة الكرام .. إن الحديث عن رُسل الله صَلَوات الله عليهم ، جاء بِصِيغة الجمع ، وصيغة الجمع تعني أنَّ هؤلاء الرُّسل الكرام على اخْتِلاف عُصورهم واختلاف أقوامهم يأتون بِرِسالة واحدة ، قال تعالى :

                                              ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا

 

[سورة الحديد]

      فمِن حق العباد على ربهم أن يُنَبِّهَهُم و يُحذِّرهم و يُرْشِدهم ، فالله سبحانه وتعالى أرْسَل الأنبياء والمرسلين لِيَكونوا هداةً إلى الله عز وجل ، ولا شكّ أنَّ الدِّين السَّماوي فيه منهَج وفيه أمر ونهي ، والإنسان قد يَعْجب من كثرة أتباع هذه الأديان الوَضْعِيَّة التي هي مِن صُنع البشَر، فهناك أُناسٌ يعبدون البقر! وأناس يعبدون الموج ! وأُناس يعبدون الشمس ! وآخرون يعبدون القمر والنار !! فما سِرُّ كَثْرة أتباع هذه الأديان ؟ السرّ بسيط جداً ، وهو أنَّ هذه الدَّيانات ليس لها منهَج ، بل فيها : اِفْعَل ما شئْت ! ولكن أًعْلِن ولاءك لهذا الدِّين ، وانتهى الأمر بعد ذلك ، فلا يوجد لديهم تكاليف ، لكنّ الأنبياء والرُّسُل حينما يأتون بِرِسالة من عند الله ؛ فإن مِن لوازم هذه الرِّسالة التكاليف ، وكلمة تكليف تعني أنَّه شيءٌ ذو كُلفة ، فهناك أمر بالصِّدْق والأمانة والاستقامة ، والوفاء بالعَهد ، وإنجازهُ ، وأمر بِحُسن الجِوار ، والكف عن المحارم والدِّماء ، فقد قال سيّدنا جعفر : "كنا قوما أهل جاهلية ....حتَّى بعث الله فينا ...." فحينما يُرسل رسول من عند الله تعالى يأتي ومعه منهج ؛ و هذا المنهج فيه أمْرٌ ونَهْي ، وهذا الأمر والنَّهي يُقيِّدُ حُريَّة الإنسان ، وهو ضمانٌ لِسَلامته ، ولكنَّ الكافر لا يرى هذه السَّلامة ، بل يرى في الأمر الإلهي تَقييدًا لِحُريَّتِهِ ، لذلك كان ردّ الفِعل الطبيعي للإنسان المُتفلِّت الشَّهواني المُقيم على مباهج الدنيا إذا جاءَتْهُ رِسالة سَمَاوِيَّة أن يقول لهذا الذي جاءهُ : أنت كاذِب !! .

     ولا بدَّ مِن أن يؤيِّد الله رُسلَهُ بالبيِّنات ، فحينما يقول موسى عليه السَّلام لقومه : أنا رسول الله ، ُكَذِّبوه ، فأعطاه الله معجزات ، منها أنه إذا أمْسَكَ بالعصا كانت ثعباناً ! كما أنه كان يُخرج يده من تحت إبطِهِ فإذا بيضاء للناظرين ! أما سيدنا عيسى فقد كان يحْيي الموتى بإذن الله ، ويبْرأ الأكمَه والأبرص بِإذْن الله ، وسيّدنا إبراهيم ألقِيَ في النار فكانت برْداً وسلاماً عليه !! و البيِّنات هي المعجزات ، وهي شيء خارِقٌ للعادات ، لا يستطيعهُ إلا ربّ الأرض والسماوات ، فإذا قال إنسان : أنا رسول الله ، فالأصل أن تكون لديه معجزة ، إلا أنّ معجزات الأنبياء السابقين كانت مُعْجزات حِسِيَّة ، فهي كَعُود الثِّقاب يشتعل فيتألّق ثمّ ينطفئ !! ثم يُصبِح خبراً يُصَدِّقُهُ مَن يُصدِّقه ، ويُكَذِّبُهُ من يُكَذِّبُه ، إلا أنّ معجزة النبي عليه الصلاة والسلام معجزةٌ عَقليَّة بيانيَّة ، فليس لها عُمر ، وهي قائمة إلى يوم القيامة ، فكَّما تقدَّم العِلم كشَف عن جانب من جوانب هذا القرآن العظيم ، لذا كان معنى قوله تعالى :

                                        ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ

[سورة الحديد]

إعجاز القرآن :

    ( البينات ) : هي المعجزات التي تُبيِّن للناس أنَّ هذا الإنسان رسول الله ، والنبي عليه الصلاة والسلام جاء بِكتابٍ تحدَّى الله به العرب جميعاً ، فما استطاعوا أن يأتوا بِمِثله ولا بِسُورة منه ولا بِعَشر آيات فقط ! فالبرهان القوي على أنَّ هذا القرآن هو كلام الله هو إعجازه ، ففيه الإعجاز العلمي ، والإعجاز التربوي ، والإعجاز البياني والتشريعي والإخباري،  ومثال  الإعجاز الإخباري هو قول الله تعالى :

" غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3) " .

[سورة الروم]

والإعجاز الإخباري أنواع ثلاثة : إخبار الماضي وإخبار الحاضر وإخبار المستقبل ، وهذا موضوع طويل ولا مجال للتَّوسُّع فيه ، قال تعالى :

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ

 

[سورة الحديد]

البيّنات : هي الأدلّة الواضحة على أنّ هؤلاء رُسُل من عند الله عز وجل ، قال تعالى :

" بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ(39) " .

[سورة يونس]

      لقد قال العلماء قولاً رائعاً في تفسيرهم لكلمة (التأويل) ، وهو : أن تأويل القرآن الكريم إنما هو وُقوعُ وَعْدِه ووعيده ، والله عز وجل يقول :

" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " .

[سورة النحل]

      فالشاب المؤمن الذي يصطلح مع الله يستقيم على أمره يذوق الحياة الطيّبة ، فالحياة الطيّبة هي بيّنة من الله عز وجل لهذا المؤمن تثبت له أنَّ هذا القرآن كلامه ، أما حينما يُعرض الإنسان عن الله عز وجل إعراضاً شديداً ، ويتفلَّت من منهجه ، فإن له المعيشة الضَّنك ، وهذا أيضاً هو بيّنة من الله لهذا الإنسان على أنّ هذا القرآن كلامه ، فلو أنَّ طالباً دخل إلى قاعة التَّدريس فرأى جملة مكتوبة على السبورة تقول : يوجد في الساعة الأولى من يوم الأحد مذاكرة ! فيتساءل :  يا تُرى هل هذا الكلام هو كلام الأستاذ أم أن طالباً كتبه ؟! وما الذي يؤكِّد أنَّ هذا الكلام كلام أستاذ الرياضيات ؟ فإذا جاء يوم الأحد و دخل أستاذ الرياضيات في الساعة الأولى  وقال : افتحوا أوراق الامتحان كما ذُكِر ! فهذا يؤكِّد أنّ هذا الذي كتب العبارة على السبورة هو أستاذ المادة ، كذلك كانت كلّ للأحداث الواقعة مطابقة لما في كتاب الله تعالى ، فلو أنّ أحداً سأل نفسَه : ما الذي يؤكِّد لي أنَّ هذا القرآن كلام الله ؟ نقول له : تحرَّك في الحياة كيفما تريد ، تجدْ أنَّ أحكام الله وأفعاله تزيدك إيمانًا بهذا القرآن الكريم ، فلو أنَّ أحدهم تتبَّع سلوك إنسان مؤمن ، وسلوك شاب آخر متفلِّت ، لوجد المؤمن موفَّقاً وسعيداً ومتوازناً ومطمئناًّ وراضٍياً بما قسمه الله له ، فالمؤمن يُدافع عنه الله تعالى ، فله منه  التأييد والنصْر والتطمين ؛ و هذا كلّه يلْمسُهُ المؤمن لمْس اليد ، فهو حينما يقرأ الآية الكريمة يصدِّقها ، لأنَّ الله سبحانه وتعالى بيّن لهذا الإنسان أنَّ القرآن كلامه ، فالله تعالى قد توعّد المرابي مثلاً بالمحق ، فقال :

" يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276) " .

(سورة البقرة)

       فتَدمير مال المُرابي هو بيّنة من عند الله عز وجل لقارئ القرآن تثبت أنَّ هذا القرآن كلام الله تعالى ، وهناك نقطة مهمّة جداً، وهي أنَّ كلّ أفعال الله تُطابِقُ كلامه ، ومطابقة أفعال الله لِكَلام الله تعالى هو أكبر دليل على أنّ هذا القرآن كلام الله عز وجل ، فالله تعالى يقول :

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ

 

[سورة الحديد]

     والبيّنات مستمرّة ، فالأنبياء السابقون جاؤوا بالمعجزات الحِسيَّة ، والنبي عليه الصلاة والسلام جاء بِهذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

أمثلة من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم :

     لقد قال الإمام عليّ كرَّم الله وجهه : إن في القرآن آياتٍ لمَّا تُؤوَّل بعد !

" والسماء ذات الرجع "  :

  لقد اتَّضَح الآن أنّ الكون كلَّه عبارة عن مجرَّات فيها كواكب ونجوم تدور حول بعضها ، وربُّنا عز وجل قد قال :

" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)  " .

[سورة الطارق]

       لقد أُحْدث تفسير لِهذه الآية يقول : إنَّ كلّ كوكب في الكون يدور في مسار مُغلق بِحيث يرْجع إلى مكان انْطِلاقه ! وقد اتَّضَح أنّ كلّ شيءٍ في الكون مؤلَّف من ذرات ، وهذه الذرات تحوي كهارب تدور حول نويَّات بدءاً من الذرَّة وانتهاء بالمجرَّة !! قال تعالى :

" كلٌّ في فلك يسبحون " .

[سورة يس]

 النطفة هي التي تحدد نوع الجنين :

   وقال :

" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46) " .

[سورة النجم ]

       لقد اتَّضَح الآن أنَّ نوع الجنين لا تُحدِّدُهُ البُوَيْضة بل يُحدِّدُه الحُوَين المنَوي ! ولو أنك تتبَّعْت آيات القرآن الكريم لوجَدت أن كلّ هذه الآيات تتوافقُ توافقاً رائِعاً مع مُعطَيات العِلم ، على الرغم من أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن فيه هذا التَّفوّق العلمي .

الذبح الإسلامي :

     لقد ذكرتُ مرَّة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نذبَح الذَّبيحة من أوداجها فقط دون قطْع رأسها!! وعصْرُ النبي عليه الصلاة والسلام لايسْمح بِتَفسير هذا الحديث !! فماذا يحدث لو أننا قَطَعنا رأس الدابة كما تفعل بعض المسالخ في البلاد الأوروبيّة ،حيث تُعلَّق الدواب وتُقْطعُ رؤوسها كليًّا ؟! لقد اكْتُشِفَ الآن أنَّ القلب يتلقَّى أمر ضَرباته النِّظاميَّة من مراكز كهربائيّة في القلب ذاته ، والله عز وجل أوْدَعَ في القلب ثلاثة مراكز كهربائيّة وذلك لِحِكْمةٍ بالغة ، فلو تعطَّل الأوَّل لَعِمل الثاني ولو تعطَّل الثاني لَعَمِل الثالث ! إلا أنَّ هذه المراكز لا تعطي الأمر إلا بالضربات النِّظاميَّة ، وهناك ثمانون ضربة في الدقيقة ، فإذا واجَهَ الإنسان عَدُواً أو بذل جُهداً لاحتاج إلى دم أكثر يجري في عضلاته ، فهذه المِضَّخة تعمل بشكل أكبر في هذه الحالة ، فعندئذٍ يأتي أمر إلى القلب عن طريق الدِّماغ بِرَفْع ضرباته إلى المائة والثمانين ضربة ! وهذه الضربات السَّريعة يمكن أن تُفْرِغَ الدم كلّه من الذَّبيحة ، فالإنسان إذا قَطَع رأس الذبيحة عطَّل هذا الأمر الاستثنائي ، فضربات القلب النِّظاميَّة لا تكفي لإخراج دم الذَّبيحة إلى خارِج الذَّبيحة ، أما إذا أبقى رأسَهاُ مُعَلَّقًا فإن هناك أمراً استثنائياً يأتي فيرفع النَّبضات إلى مائة وثمانين ضربة ، بحيث تكون مهمَّة القلب بعد الذَّبح إخراج الدَّم كلّه إلى خارج الذَّبيحة !

 يقول الله عز وجل :

" حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(3) " .

[سورة المائدة]

       وحينما أطعموا الأبقار في بريطانيا لُحوم الجِيَف والدِّماء المُجَفَّفة ، أُصيب البقر هناك بِمَرض جنون البقر ، وهذا المرض اقتضى منهم أن يقتلوا أحد عشر مليون بقرة قيمتها ثلاثة وثلاثون مليار جُنَيه إسترليني ! وذلك لأنَّهم خالفوا منهَج الله عز وجل فقط ، فهذه تعليمات الصانع فلا يجوز مخالفتها .

العلاقة بين الأمر الإلهي ونتائجه علاقة علمية :

     أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمَكِّنني من توضيح هذه الفِكرة التي تقول ...

    إن العلاقة بين الأمر الإلهي ونتائجه علاقة عِلْميَّة ، وهي علاقة سبب بِنَتيجة ، فأحياناً يقول الأب لابنه : اِجْلس هنا ! فيجلس الابن لِسَبب أو لآخر في مكان آخر فيبدو متحدياً لوالده ، فيؤدِّب الأب هذا الابن فيضْربُهُ ، فهل هناك من علاقة بين الضَّرب الذي تلقَّاهُ  وبين مقْعدٍ صُنِعَ لِيُجْلسَ عليه ! إن العلاقة وضعها الأب ، ونقول : هناك علاقة وَضْعِيَّة ، فالأب رأى أنَّ هذا السُّلوك يُنافي أدَب الابن مع أبيه فضَرَبَهُ ، وفي الحقيقة لا توجد هناك علاقة بين الجلوس والضَّرب ! فالعلاقة ليْسَت عِلْمِيَّة ولكن هي وَضْعِيَّة ، أما إذا قال الأب لابنه : لا تلْمِس المدفأة وهي مشْتعلة ! فلمسها هذا الابن فاحْترقَتْ يدُهُ ، فهنا نقول : هناك علاقة عِلْميَّة بين نَهي الأب والنتيجة التي آل إليها الابن ، فالعلاقة بين اللّمس والاحتراق علاقة عِلْميَّة .

        أيها الإخوة ، حينما نؤمن أنَّ العلاقة بين أمْر الله ونتائِجِه علاقة عِلْمِيَّة نكون قد  فقهْنا وفهمنا أن الدِّين ضمان لِسَلامتنا ، وليس حدًّا لِحُريَّتنا ، فحينما يحمل عمود كهربائي تياراً كهربائيّاً عالي التَّوتر يُكتب عليه : ممنوع الاقتراب ، فثمة خطر ! فإذا قال المواطن : سأصعد هذا العمود بشرط أن لا يراني أحد ، كي لا تُكتب عليّ مخالفة !! نقول له : أنت لا تفقه شيئاً،  فالتيار نفسُه هو الذي يصعقك ! فهذه علاقة عِلْمِيَّة ، وأنت حينما تقْتَنِع أنَّ هناك علاقة بين المعصِيَة ونتائجها لا ترى الدِّين تقييدًا لِحُريَّتِك و انطِلاقك ، بل تراه ضمانًا لِسَلامتك ، فالإنسان حينما يفْقهُ هذا الدِّين ينطلق إلى تطبيقه بِدافِعٍ مِن حُبِّه لِذاته ، فَمَن مِنَّا يتمنَّى الهلاك ؟ و الشَّقاء والمرض والذلّ ؟ إن الإنسان مفطور على حُبِّ ذاته ، ووُجودِهِ ، وسلامة وُجودِهِ ، واستمرار وُجوده وكمال وُجوده ، وهذا لا يتحقَّق إلا بِطاعة الله عز وجل ، لأنَّه هو الخبير ، فهناك أمراض كثيرة  يُعاني منها المُجتمع الدَّولي ؛ كمرض الإيدْز مثلاً ، ففي كلّ عشرة ثوان يموت إنسان بالإيدز ، فما هو هذا المرض ؟ إنه عِقابٌ إلهي على مُخالفة منهَجِهِ ، فالله عز وجل خلَقَ الذَّكَر والأنثى ، وجَعَل الأنثى مُهيَّأة للذَّكَر ، وجَعَل الذَّكر مُتكامِلاً مع الأنثى ، فالإنسان حينما اتَّجَهَ إلى جِنْسٍ مثلِهِ ، مُخالفاً بذلك الفِطرة التي فُطِر الإنسان بها كان مرض الإيدز عقوبةً له ! فالله تعالى يقول :

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ

[سورة الحديد]

       إن العقل يبحث عن الخالق ، وهذه هِيَ مُهِمَّة العَقل ، يقول الله تعالى :

" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(4) " .

(سورة السجدة)

     ويقول العقل لك لماذا خُلِقنا ، فيقول الله تعالى :

" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي(56) " .

[سورة الذاريات]

     ويقول لك : ماذا بعد الموت ؟ فيقول تعالى :

" تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)"

[سورة القصص]

     فالكتاب يُوضِّح تصوُّرات دقيقة عن الكون الإنسان و الحياة ، ويبين لك مَّا ينفعك وما يضرّك ، ومَّا يُسْعِدُك وما يُشْقيك ، ومَّا يضْمنُ سلامتك ، و هذا الكتاب هو القرآن الكريم ، وقد أرسل الله الرُّسل ، ومعهم أدِلَّة على رسالتهم وهي المعجزات والبيِّنات ، قال تعالى :

﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ

[سورة الحديد]

لماذا أنزل الله الميزان ؟؟

     إن الناس حين يتحرَّكون ويتعايشُون ، تتداخَلُ مصالِحُهم ، فحتى لا يخْتَصِموا ويتنازعوا ، و يعتدي بعضهم على بعض أنزل الله مع الكتاب الميزان ، والميزان هو الشَّرع ، والشَّرع يعني أن كلّ يقف إنسانٍ عند حدِّه ، فقد  قال بعض العلماء : " الشريعة عَدلٌ كلُّها ، ورحمة كلُّها ومصلحةٌ كلّها " ، فمصالحك كلها تتحقق بِتَطبيق الشريعة ، فهي ميزان وقوانين ، وذلك كأحكام الزَّواج والطلاق ، وأحكام البيع والشِّراء والإيجار والوديعة و الأمانة والعارية ، وأحكام القرض والمضاربة والمزارعة ، فكلّ نشاطات الإنسان مقننة في الشَّرْع ، فلو طُبِّق الشَّرْع لأغلقَت المحاكم أبوابها ! فما من قضيّة تُرْفع إلى القضاء إلا بسبب مخالفة منهج الله عز وجل ، فالإنسان الذي يأخذ ما ليس له يحتاج إلى أن يُشتكى عليه ، أما الوقَّاف عند حُدود الله تعالى فلا يحتاج إلى أن يُشتكى عليه ،لأنَّه يعرف ما له وما عليه ، والله تعالى قال :

﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ

[سورة الحديد]

   فإذا خطبَ الشاب فتاةً و جرى عَقدٌ بينهما ثم فُسخ هذا العقد  ، فإن كان الرجل هو الذي أراد أن يفْسَخَ هذا العقد فعليه نصف المهر إن لم يدخل ، كما أن عليه كامل المهر إن دخَل ، أما إن كانت هي من أراد فسخ هذا الزواج فليس لها شيء ، كما له أن يسْترِدّ كلّ شيء قدَّمه لها ، وهناك تفاصيل يُسمُّونها كتُب الفروع وهي دقيقة جداً ، فلمَّا وصل نابليون إلى مصْر أخذ الفقه الحنفي وترْجمه إلى الفرنْسيَّة ، فأصبح القانون الفرنسي مأخوذاً في معظَمِهِ من الفقه الحنفي !! فالشَّرع ميزان بين الزَّوجين ، وميزان بين الجارين ، وميزان بين الأب وابنه ، والأخ وأخيه ، والطبيب والمريض ، والبائع والشاري ، فالإنسان إن ترك هذا الميزان هلَكَ ، وإن طبَّق شريعة الله عز وجل فهو في سَلام وأمان ، قال تعالى :

 

" يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ " .

[سورة المائدة]

     فهؤلاء الرُّسل جميعًا أُرسلوا بالبيِّنات وبما يؤكِّد أنَّهم أنبياء ورسل ، وأنزل الله معهم الكتاب الذي يُوضِّح حقيقة الوُجود ، وغاية الإنسان ، وحقيقة الدنيا والآخرة ، وسبب السعادة ، و هذا كلهّ لِيَقوم الناس بالقِسط .

" وأنزلنا الحديد " :

     قال تعالى :

﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ

[سورة الحديد]

   ما علاقة الحديد بالميزان ؟

     إن الإنسان إذا رأى نبِيَّ الله ، أو اسْتمعُ إلى حديثه الذي جاء فيه بالبيّنات ، أو قرأ كتاب الله عز وجل – وكتاب الله فيه سِرُّ الوجود وغاية الوُجود وطريق السعادة والسلامة - فإنه سيطبق الميزان و الشريعة الإلهية في حركته اليومية مع بني جِنسِهِ ، فإن لم يخْضَع لهذا الأمر الإلهي ولم يرْتَدِع به ، كان لا بد من وجود من يرْدعُهُ ( إنّ الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن!  ) .

     أما الحديد : فقد ذَكَرْتُ لكم في الدرس الماضي أنَّ مؤتمراً لِدِراسة مخزون الحديد في الأرض عُقِدَ في عام ألف وتسعمائة وعشرة ، فَشُكِّلَت لِجانٌ لذلك ، فدرسَت كلّ أماكن التَّعدين في الأرض خِلال أشهر ، وعادت بِتَقرير إلى هذا المؤتمر يقول : إن مخزون الحديد في الأرض يكفي سِتِّين عاماً ! ثمّ اكْتُشِفَ أنَّ كميَّة الحديد في الأرض تُساوي خمساً بالمائة من وزْن القِشرة الأرضِيَّة ؛ أي : خمساً وسبعين ألف مليونِ مليون طنّ !! قال تعالى :

" وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21) " .

[ سورة الحجر ]

      فيجب علينا ألا نُصدِّق كل شيء يُقال لنا ُ ! فهناك من يقول : سوف يحدث الجفاف ، فإذا بالمطر ينهمر فيُفجِّر الينابيع ، و أنا أذكر أنَّ الله أكرمنا في بلدنا هذا بِثَلاثة ملايين طن قمحاً ، واستهلاكنا منه مليون طن فقط ، فَنَظِريَّة الانفجار السُّكاني وقِلَّة الموارد ، وقلَّة المياه ؛ هي نظريَّات ما أنزل الله بها من سلطان ، ولكنّ الله تعالى يُقنِّن ، وتقنين الله تقنين تأديب ، ولكنّ الإنسان إذا قنَّن فإنَّه يُقَنِّن تقنين عَجْز ، وشتان بين التَّقنينَين .

 

الحديد مادة أساسية في الحياة :

 

الحديد في جسم الإنسان ..

     يحوي جسم الإنسان ثلاثة غرامات من الحديد ، وهي تساوي خمساً من مائة ألف مِن وزنه ! ولولا هذه الغرامات الثلاثة لَهَلك الإنسان ، وهذا الحديد طبعاً يدخل في الهيموغلوبين ! والهيموغلوبين موجود في الكريَّة الحمراء ، وهي المادَّة التي تحمل الأُكسجين من الرِّئتين إلى الخلايا ، ولولاها لمات الإنسان ، و تُنْتِجُ معامل الكريات الدَّم الحمراء اثنين ونصف مليون كريَّة في الثانية الواحدة ، كما يموت في الثانية الواحدة العدد نفسه ، و هذه الكريات تموت لِحِكمة بالغةٍ أرادها الله تعالى ، فهي لا تُطرَحُ خارج الجسم بل يُذْهب بها إلى مقبرة ، وهذه المقبرة هي الطُّحال ! فهي تُحلَّل ، ثم يؤخَذُ الحديد منها ، ويُرْسَلُ إلى نقي العِظام وهو معمِل الكريات الحمراء ، بينما يُنقل الهيموغلوبين إلى الكبد لِيُكَوِّن الصفراء ، فالصَّفراء من كريات الدَّم الميِّتة ، والإنسان من دون حديد يموت ، و أعراض نقص الحديد عند الإنسان هي التَّعَب والإرهاق والإنهاك والأوجاع في الرأس .

الحديد في يخضور النباتات ودماء الحيوانات :

      أيها الإخوة .. النباتات كلُّها تحوي الحديد ، فإذا اصْفرَّ النبات دلّ ذلك على نقص الحديد فيه ، والحديد يدخل في المادَّة الخضراء (اليَخضور) ، وهي المادة الأساسيَّة في الورقة ، فلا يوجد مُزارِع إلا وهو في أمسّ الحاجة لإعطاء نباته مركَّبات الحديد ، وإن لم يفعل اصْفرّ النبات ومات ، كما أن الحديد يدخل في تركيب دماء الحيوان أيضاً ، فهناك من الديدان ما له دَمُ أخْضر ، ورغم ذلك يوجد فيه الحديد ، و هناك من الأسماك ما هو شفَّاف كالماء ، ومع ذلك يوجد فيه حديد ، فالحديد يدخل في تركيب الدِّماء كلِّها ، وفي تركيب الأوراق كلِّها ، فهو مادَّة أساسيَّة في الحياة .

       وإن أكثر الخضراوات يحوي الحديد ، والتُّفاح غنيّ بالحديد كذلك ، فلو قَطَعتً تُفاحَّة ثم تركتها في الهواء لاسودّت ؛ وذلك بسبب تأَكْسَدَ حديدها مع الهواء ، والحديد في الآية مقْصود منه السِّلاح ! و الله عز وجل ينَزَعُ بالسُّلطان ما لا ينزعُهُ بالقرآن ، قال تعالى :

﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ

[سورة الحديد]

منافع الحديد :

   أما المنافع فهي كثيرة ،فلا يكاد يوجد حِرفة ولا مصلحة في الأرض إلا وأدواتها مصنوعة من الحديد ؛ بدءاً بأدوات المزارع الذي يحفر الأرض ، وانتهاء بأدوات جرَّاح القلب ، قال الله تعالى :

﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ

 

[سورة الحديد]

استخدام الحديد :

       يستخدم الحديد بِنِسبة : ستّ وتسعين بالمائة من استخدام المعادن ! و هناك نباتات بحْريَّة تسْتهلِكُ من الحديد ما يوازي تقريبًا نصف مليار طنّ ! وهو يعادل ما تنتجه مناجم الحديد في العالم ، لذلك تُعد العوالق البحريَّة أسمِدةً رائعة للنباتات !

النيازك والحديد :

   إن تسعين بالمائة من وزن النيازك التي تنزل على الأرض هو من الحديد ، ولعلّ هذا النزول من السماء إلى الأرض أُشير إليه في هذه الآية ، قال تعالى :

﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ

 

 

[سورة الحديد]

       يقال : إن هناك نيزكاً نزل منه سِتِّون طنًّاً من الحديد ، وقد ترك هذا النيزك حفرة قطرها ألف ومائتان متر ، وعُمقها مائتان متر !! فلعلّ الإنزال المُشار إليه في هذه الآية هو بهذا المعنى ! لكن .. دون أن نقطع بهذا المعنى !! فالحديد كما قلنا هو السِّلاح والإنسان حينما يأبى أن يخضع لِمنهج الله ، فإنّ الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن ، والحديد فيه منافع للناس كذلك .

نصرة الله ورسوله :

    قال تعالى :

 

﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ

[سورة الحديد]

        حينما دعا النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه إلى معركة بدر ومعركة أحُد انطلق أكثرهم مع رسول الله ، و كان هناك من تقاعس وتقاعد ، فامتحنهم الله سبحانه وتعالى لِيَعلم الذين نصروا رسوله والذين خذلوه ، و الحقيقة أنّ الله تعالى لا يحتاج إلى من ينصره ، ولكنّك إن نصَرْت دينه أيَّدك الله ونصرَك وحَفظَك ، وأنت حينما تُطبِّق منهج الله عز وجل تكون ناصراً لله ، وحينما تأتَمِر بما أمرَ الله تعالى وتنتهي عمَّا نهى عنه تنصره أيضاً ، فَنُصْرة الله تأتي من تطبيق الدِّين ، فلو طبَّق التُّجار منهج الله في البيع والشِّراء لَكُنَّا في حالٍ غير هذا الحال ، ولو أنَّهم قَنِعوا وأخلصوا ، ونصحوا ، وابتَعَدوا عن الغشّ ، لكانت أفعالهم هذه نصْرٌ لِدِين الله ، فقد ورد أنَّ أطْيَب الكَسْب كسب التُّجار الذين إذا حدَّثوا لم يَكذبوا ، وإذا وعَدوا لم يُخلفوا ، وإذا ائْتُمنوا لم يخونوا ، وإذا اشْتروَا لم يذُمُّوا ، وإذا باعوا لم يُطروا ، وإذا كان لهم لم يُعسِّروا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ! فالإنسان بِتَطبيق منهج الله تعالى ينصر الله تعالى ، والله ليس بحاجة إلى أن تنصره ، ولكن الحق يتَّسِعُ بِنُصرة الدِّين ، وإذا اتسَع الحق عاشت الإنسان حياة سعيدة ، فإن أنت نصرت الحق انْكمَشَ الباطل ، وكنت أوَّل الرابحين فتسعد بذلك ، ونحن الآن نُلاحظ في دِمشق ملاحظة غريبة ، وهي أن هناك محلاّت تِجاريَّة كثيرة يذهب أصحابها إلى الصلاة دون أن تُغلق أبوابها أثناء الصلاة ، وهذا من آثار الدِّين ، قال تعالى :

" فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81) " .

[سورة الأنعام]

      فلو ربَّى الإنسان أولاده تربيَةً صالحة لقطف ثِّمار هذه التربية ، ولو أنك أحسنت لِجارِكَ لقَطَفْت ثِّمار هذا الإحسان ، ولو اخترْتَ زوْجةً صالحة لقطَفْتَ ثِّمار اختيارك ، ولو ابتعدت عن الربا وأدَّيت الزكاة لحصَّنت مالك ! قال تعالى :

" إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(7) " .

[سورة محمد]

و نصر الله يكون بتطبيق منهجه وشريعته ، وأنت الرابح من تطبيق لِدِين الله .

     كتب لي أحدهم _لا أدري من هو_ رسالة يقول فيها : إنِّي أدَّيْتُ لِوَرثةٍ مبلغاً فلكياً ، وهؤلاء الورثة ليس عندهم أيّ دليل على إرثهم ، ولا حتى ورقة إثبات ! وهذا من آثار الدِّين أيضاً ، فحين يُطَبَّق الدين يفوز المؤمنون ويسعدون ، قال تعالى :

﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ

[سورة الحديد]

       وبمُجرَّد تأدية الصلاة تكون قد نصرت الدِّين ، وإذا كنت صادقاً أمام أولادك رسَّختَ فيهم خصلة الصِّدق ، والأب مسؤول وكذا الأم ، قال تعالى :

 

 

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ

[سورة الحديد]

      لقد أرسل ربنا عز وجل نوحاً وإبراهيم ، وجعل الله في ذريَّتهما النبوّة والكتاب فمنهم المهتدي ومنهم الفاسق ، قال تعالى :

" وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(116) " .

[سورة الانعام]

       فالإنسان ينبغي أن يكون مع الحق ولو كان قليلاً ، وينبغي أن يبتعد عن الفساد ولو كان كثيراً ، فالحق والباطل لا علاقة لهما بالقلّة والكثرة !

قال تعالى :

﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً

[سورة الحديد]

      علامة المُتبِّع لهذا النبي العظيم أن يكون قلبه منطَوِياً على الرأفة والرحمة .

" ورهبانية ابتدعوها " :

     ثمّ يقول تعالى :

﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ

[سورة الحديد]

     فالله عز وجل جعل هذا الدِّين دين الفِطرة ، وركَّب في كيان الإنسان الحاجة إلى المرأة ، وجعل الزَّواج من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال عليه الصلاة والسلام  :     

 " أنا أتقاكم إلى الله ولكني أتزوج النساء وأصوم وأفطر ..."

فهم الذين حمَّلوا أنفسهم ما لا يُطيقون ، وقد أرادوا من ذلك طاعة الله ، فقد ابتدعوا الرهبانية، و ما كتبها الله عليهم ، ولأنها فوق طاقتهم ، قال الله فيهم :

 

﴿ فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ

[سورة الحديد]

أيها الإخوة ، في درس قادم نتابع تفسير هذه السورة ، و قد بقيت الآية الأخيرة وهي :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ

[سورة الحديد]

والحمد لله رب العالمين

 

***



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب