مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج شخصيات وأفكار: شخصيات وافكار-16-التربية بالقدوة-احمد السرهندي           برنامج رحلة أمل-دروس: رحلة امل-25-السيد البشبيشي-الشفاء في ماء زمزم           برنامج تفسير القرآن الكريم: تفسير النابلسي 0985 - يونس 071 - 072           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة-الالحاد           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب: أنت تسأل والمفتي يجيب-الدكتور حسين الترتوري-حلقة: 20-03-2017           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب: أنت تسأل والمفتي يجيب-الدكتور حسين الترتوري-حلقة: 20-03-2017         
New Page 1

     المسجد الأقصى

New Page 1

القدس نبذة تاريخية

08/04/2011 23:57:00

تعتبر مدينة القدس من أقدم المدن التاريخية في العالم، حيث يزيد عمرها عن (45) قرناً، وهي مهد الديانات السماوية الثلاثة، اليهودية والنصرانية والإسلام .
 
وقد عرفت القدس بأسماء عديدة على مر العصور كان أهمها، يبوس، أورشاليم، إيليا كابتولينا، إيلياء، بيت المقدس، القدس، القدس الشريف .
 
يبوس هو الاسم الأقدم الذي عرفت به القدس قبل حوالي (4500) سنة، وذلك نسبة لليبوسيين الذين ينحدرون من بطون العرب الأوائل في الجزيرة العربية، ويعتبر اليبوسيون السكان الأصليون للقدس، فهم أول من سكنها حينما نزحوا إليها مع من نزح من القبائل العربية الكنعانية حوالي سنة (2500 ق.م)، حيث استولوا على التلال المشرفة على المدينة القديمة وبنوا قلعة حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس عرفت بحصن يبوس الذي يعرف بأقدم بناء في القدس وذلك للدفاع عن المدينة وحمايتها من هجمات وغارات العبرانيين والمصريين (الفراعنة( .
 
وكما اهتم اليبوسيون بتأمين حصنهم ومدينتهم بالمياه، فقد احتفروا قناة تحت الأرض لينقلوا بواسطتها مياه نبع جيحون (نبع العذراء) الواقع في وادي قدرون (المعروفة اليوم بعين سلوان) إلى داخل الحصن والمدينة .
 
كما عرفات القدس بأورشالم نسبة إلى الإله (شالم) إله السلام لدى الكنعانيين، حيث ورد ذكرها في الكتابات المصرية المعروفة بألواح تل العمارنة والتي يعود تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد.
 
وظلت يبوس بأيدي اليبوسيين والكنعانيين حتى احتلها النبي داود عليه السلام (1409ق.م)، فأطلق عليها اسم (مدينة داود)، واتخذها عاصمة له، ثم آلت من بعده لابنه الملك سليمان وازدهرت في عهده ازدهاراً معمارياً كبيراً، وفي هذه الحقبة سادت الديانة اليهودية في المدينة .
 
وفي سنة 586 ق.م دخلت القدس تحت الحكم الفارسي عندما احتلها نبوخذ نصر وقام بتدميرها ونقل السكان اليهود إلى بابل .
 
وبقيت القدس تحت الحكم الفارسي حتى احتلها الاسكندر المقدوني في سنة 332 ق.م. وقد امتازت القدس في العهد اليوناني بعدم الاستقرار خاصة بعد وفاة الاسكندر المقدوني حيث تتابعت الأزمات والخلافات بين البطالمة (نسبة إلى القائد بطليموس الذي أخذ مصر وأسس فيها دولة البطالمة) والسلوقيين (نسبة إلى القائد سلوقس الذي أخذ سورية وأسس فيها دولة السلوقيين)، الذي حاول كل منهما السيطرة على المدينة وحكمها .
 
وفي سنة 63ق.م استطاع الرومان أن يحتلوا القدس على يدي قائدهم بومبي، وفي سنة 135 ميلادي قام الإمبراطور الروماني هادريانوس بتدمير القدس تدميراً شاملاً، حيث أقام مكانها مستعمرة رومانية جديدة أسماها (إيليا كابتولينا) .
 
وظلت تعرف القدس بإيليا أيضاً في العصر البيزنطي (330-636م)، ذلك العصر الذي اعترف فيه بالديانة المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية البيزنطية، عندما اعتنقها الإمبراطور قسطنطين، وفي عهده قامت أمه الملكة هيلانة ببناء كنيسة القيامة سنة 335 م .
 
وفي سنة 614م استولى الفرس للمرة الثانية على القدس وقاموا بتدمير معظم كنائسها وأديرتها، وظلت تحت الحكم الفارسي حتى استردها هرقل منهم سنة 627 م فظلت تحت الحكم البيزنطي حتى الفتح الإسلامي .
 
ولما كان الإسلام ديناً عالمياً لا يقتصر على العرب، فقد وقع على كاهل العرب والمسلمين نشره في كافة البلدان، فكانت الفتوحات الإسلامية وكانت فلسطين من أول البلدان التي سارت إليها الجيوش الإسلامية، وبعد هزيمة الروم في معركة اليرموك أصبح الأمر سهلاً بالنسبة للمسلمين للوصول إلى القدس وفتحها، وفي سنة 15 هجرية / 636 ميلادية دخل الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب القدس صلحاً وأعطى لأهلها الآمان من خلال وثيقته التي عرفت بالعهدة العمرية .
 
وبقدوم المسلمين إلى القدس تبدأ حقبة جديدة في تاريخها، حيث توالت سلالات الخلافة الإسلامية على حكمها تباعاً، فحكمها بعد الخلفاء الراشدين: الأمويون، والعباسيون، والطولونيون، والأخشيديون، والفاطميون، والسلاجقة .
 
هذا وظلت تعرف القدس باسم إيلياء وبيت المقدس منذ الفتح العمري وحتى سنة 217 هجرية، عندما بدأت تعرف باسم القدس لأول مرة في التاريخ الإسلامي وذلك بعدما زارها الخليفة العباسي المأمون سنة 216 هجرية وأمر بعمل الترميمات اللازمة في قبة الصخرة المشرفة وفي سنة 217هجرية قام المأمون بسك نقود حملت اسم (القدس) بدلاً من إيليا، ومن المحتمل أنه قام بذلك تأكيداً لذكرى ترميماته التي أنجزها في قبة الصخرة(2).
 
وعليه تكون القدس قد سميت بهذا الاسم منذ بداية القرن الثالث الهجري، وليس كما يعتقد البعض بأن ذلك يعود إلى نهاية الفترة المملوكية (القرن التاسع الهجري)، وتبلور فيما بعد حتى صار يعرف في الفترة العثمانية باسم (القدس الشريف).
 
وفي سنة 492هجرية / 1099 ميلادية احتل الصليبيون القدس وعاثوا فيها فساداً وخراباً دونما اكتراث لقدسيتها ومكانتها الدينية، فارتكبوا المجازر البشعة في ساحات الحرم الشريف، وقاموا بأعمال السلب والنهب وحولوا المسجد الأقصى إلى كنيسة ومكان لسكن فرسانهم ودنسوا الحرم الشريف بدوابهم وخيولهم حينما استخدموا الأروقة الموجودة تحت المسجد الأقصى والتي عرفت بعدهم بإسطبل سليمان، الأمر الذي يتناقض تناقضاً تاماً مع تسامح الإسلام الذي أكده وترجمه عمر بن الخطاب عندما دخل مدينة القدس .وما أن ظهر الحق وزال الباطل، حتى فتح الله على السلطان صلاح الدين الأيوبي بنصره على الصليبيين في معركة حطين سنة 583هجرية/ 1187 ميلادية، فحرر فلسطين وطهر القدس وخلصها من الصليبيين وردها إلى دار الإسلام والمسلمين .
 
وظلت القدس بأيدي المسلمين، تحكم وتدار من قبل السلالات الإسلامية التي جاءت بعد الأيوبيين، فكان المماليك والعثمانيون حتى سقطت بأيدي البريطانيين سنة 1917 م .
 
 
قدسية وإسلامية الحرم الشريف
ارتبطت قدسية المسجد الأقصى بالعقيدة الإسلامية منذ أن كان القبلة الأولى للمسلمين، فهو أولى القبلتين حيث صلى المسلمون إليه في بادئ الأمر نحو سبعة عشر شهراً قبل أن يتحولوا إلى الكعبة ويتخذوها قبلتهم وقد سمي أيضاً مسجد القبلتين نسبة إلى ذلك (3).
 
وتوثقت إسلامية المسجد الأقصى بحادثة الإسراء والمعراج، تلك المعجزة العقائدية التي اختصت برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال فيها سبحانه وتعالى (4):
 
{سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}.
 
فقد أسري برسول الله عليه الصلاة والسلام ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس في السابع والعشرين من رجب قبل الهجرة بعام، ومن بيت المقدس صعد النبي عليه السلام إلى السماء فكان المعراج .
 
وقد ربط الرسول عليه مكانة المسجد الأقصى بالمسجد الحرام ومسجد المدينة فقال (5):
 
{لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى}.
 
وما أن أدرك واستوعب المسلمون أهمية هذه المكانة الدينية الرفيعة للمسجد الأقصى وبيت المقدس وعلاقتهما الوثيقة بالعقيدة الإسلامية، حتى بدأوا بأسلمتهما مادياً وسياسياً .
 
فكان الفتح العمري لبيت المقدس سنة 15 هجرية/ 636 ميلادية، عندما دخلها الخليفة عمر بن الخطاب سلماً أعطى لأهلها الأمان من خلال وثيقته التي عرفت بالعهدة العم(6)، وقد جاءت هذه الوثيقة لتمثل الارتباط السياسي وحق الشرعية الإسلامية بالقدس وبفلسطين. وبعد تسلمه مفاتيح مدينة القدس من بريرك الروم صفرنيوس، سار الفاروق عمر إلى منطقة الحرم الشريف التي كانت خراباً تاماً في ذلك الوقت وزار موقع الصخرة المشرفة وأمر بتنظيفها كما أمر بإقامة مسجد في الجهة الجنوبية من الحرم الشريف. وبعد ذلك نظم شؤون المدينة فأنشأ الدواوين ونظم البريد وعين العيون وأقام يزيد بن أبي سفيان والياً وعيّن عبادة بن الصامت قاضياً فيها وعلى جند فلسطين .
 
وكما كان للخليفة عمر بن الخطاب والخلفاء الراشدون من بعده الفضل في فتح بيت المقدس وأسلمة المسجد الأقصى فعلياً وإدخالهما دار الإسلام والمسلمين سياسياً، كان للخلفاء الأمويين الفضل في تشكيل الوجه الحضاري الإسلامي لهما. ذلك أن الأمويين استطاعوا أن يفهموا المكانة الدينية والسياسية لبيت المقدس والمسجد الأقصى في ذلك الوقت خاصة في ظل انكسار القوتين العظميين الفرس والروم أمام الدولة الإسلامية الحديثة.
 
فكان لا بد لهم من ترسيخ الوجه الحضاري الإسلامي في بيت المقدس من خلال المسجد الأقصى المبارك الأمر الذي نتج عنه تعمير منطقة المسجد الأقصى المبارك تعميراً يتلاءم مع عظمة واستقرار ورخاء الدولة الإسلامية الفتية، حيث نفذ مشروع التعمير هذا في عهدي الخليفة عبد الملك بن مروان وابنه الخليفة الوليد، الذي اشتمل على بناء قبة الصخرة المشرفة وقبة السلسلة في عهد الخليفة عبد الملك، وبناء المسجد الأقصى ودار الإمارة والأبواب ومعالم أخرى عديدة (اندثرت جراء الهزات الأرضية العنيفة التي حدثت في بيت المقدس وفلسطين) في عهد الخليفة الوليد التي سنأتي على تفصيلها لاحقاً في هذا الدليل .
 
وكأن الخليفتين اتفقا على تنفيذ هذا المشروع وحدة كاملة حسب تخطيطات وتصميمات متفق عليها جاءت كلها وحدة كاملة متجانسة لإكساب المسجد الأقصى المبارك ذلك الطابع المعماري الإسلامي المميز، أمام تحديات العمارة البيزنطية في المنطقة والتي تمثلت بعمارة الكنائس وبخاصة كنيسة القيامة في القدس وكنيسة المهد في بيت لحم .
 
هذا وقد حافظ الخلفاء العباسيون قدر استطاعتهم على عمارة المسجد الأقصى المبارك، ولكن على ما يبدو دون تغيير ملموس في ذلك الطابع المعماري الذي اختطه ونفذه الأمويون، عوضاً عن الترميمات العديدة التي قاموا بها، وبخاصة مشروع ترميم قبة الصخرة الذي تم في عهد الخليفة العباسي المأمون (7) وكذلك مشروع ترميم المسجد الأقصى الذي تم في عهد الخليفة العباسي المهدي (8).
 
وكما كان للخلفاء الفاطميين أياد بيضاء في المحافظة على المسجد الأقصى المبارك وذلك من خلال الترميمات التي أنجزت في قبة الصخرة والمسجد الأقصى في عهدي الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله وابنه الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله (9).
 
وقد بدأ هذا الطابع المعماري للمسجد الأقصى المبارك بالنمو والتطور في الفترة الأيوبية، حيث قام الأيوبيون بعد تحرير وتطهير المسجد الأقصى من الصليبيين الذين عبثوا به وغيروا بعض ملامحه، بإرجاعه إلى ما كان عليه قبل الغزو الصليبي وإصلاحه وتعميره وإضافة بعض المنشآت إليه، وبذلك كانت النقلة الأولى في نموه وتطوره المعماري .
 
وقد ساهم المماليك مساهمة فعالة وقوية في إبراز الطابع المعماري الإسلامي للمسجد الأقصى المبارك، حيث على يديهم كانت النقلة الثانية في نموه وتطوره المعماري، والتي جاءت متممة لما اختطه ونفذه الأمويون وبها اكتملت صورة الحرم الشريف المعمارية التي تعكس إسلامية المسجد الأقصى المبارك عبر العصور، حيث قاموا بإنشاء أروقة الحرم الشريف والمدارس الدينية التي اكتنفتها ومآذنه وأبوابه، كما قاموا بتعمير القباب والأسبلة والمساطب والمحاريب المنتشرة اليوم في ساحة الحرم الشريف .
 
وقد تزامن مع صنع الطابع المعماري للمسجد الأقصى المبارك، تطبيق وتجسد المكانة الدينية له عند المسلمين والتي ذكرت في القرآن الكريم والحديث الشريف، فلولا تلك المكانة لما نمت وتطورت القدس معمارياً بما فيها الحرم الشريف على هذه الصورة التي نراها اليوم .
 
فلقد حرص المسلمون ومنذ الفتح العمري، على شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه ونشر الدعوة الإسلامية، حتى أن الخليفة الفاروق عمر قام بتكليف بعض الصحابة الذين قدموا معه عند الفتح (10) ، بالإقامة في بيت المقدس والعمل بالتعليم في المسجد الأقصى المبارك إلى جانب وظائفهم الإدارية التي أقامهم عليها. فكان من هؤلاء الصحابة عبادة بن الصامت (ت34 هجرية) أول قاض في فلسطين، وشداد بن أوس (ت 58هـ)، وتوفي هذان الصحابيان في بيت المقدس حتى توفيا ودفنا فيها بمقبرة باب الرحمة الواقعة خارج السور الشرقي للمسجد الأقصى (11).
 
وواصل علماء الإسلام من كل حدب وصوب شد الرحال إلى المسجد الأقصى للتعليم فيه، فكان منهم مقاتل بن سليمان المفسر (ت 150 هجرية) والإمام الأوزاعي بن عبد الرحمن بن عمرو فقيه أهل الشام (ت 157 هجرية) والإمام سفيان الثوري إمام أهل العراق (ت 161 هجرية) والإمام الليث بن سعد عالم مصر (ت 175 هجرية) والإمام محمد بن إدريس الشافعي أحد الأئمة الأربعة (ت 204 هجرية) (12).
 
كما وحرص الزهاد وشيوخ الصوفية على شد الرحال إلى المسجد الأقصى للصلاة والاعتكاف فيه والتبرك به، وذلك في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: بكر بن سهل الدمياطي المحدث (ت 289 هـ) وأحمد بن يحيى البغدادي الذي قدم إلى القدس وبقي فيها حتى توفاه الله (13).
 
وقد شهد المسجد الأقصى في القرن الخامس الهجري حركة علمية قوية، جعلت منه معهداً علمياً عالياً لعلوم الفقه والحديث. ذلك لكثرة ما وفد إليه من علماء المسلمين وأئمتهم للتدريس فيه، والذين كان أشهرهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الذي قدم إليه في سنة 488 هجرية معتكفاً ومدرساً (14) . وقد ذكر لنا حجة الإسلام أنه كان ثلاثماية وستون مدرساً في المسجد. الأمر الذي يؤكد المكانة الرفيعة التي يتمتع بها المسجد الأقصى المبارك عند المسلمين .
 
وبعد الفتح الصلاحي، عادت الحياة العلمية والدينية في المسجد الأقصى بعدما انقطعت ما يقارب قرناً من الزمن إثر الاحتلال الصليبي له. فقد عاد المسلمون على اختلاف طبقاتهم إلى شد الرحال إليه لزيارته والصلاة والاعتكاف فيه من جهة، والعلم والتدريس والمرابطة فيه من جهة أخرى، الأمر الذي نتج عنه تأليف كتب الفضائل الخاصة بالقدس والمسجد الأقصى والتي اشتهرت في الفترتين الأيوبية والمملوكية نذكر منها (15):
 
الجامع المستقصى في فضائل المسجد الأقصى : تأليف الإمام الحافظ بهاء الدين أبي القاسم بن عساكر المتوفى سنة 600 هجرية .
 
فضائل بيت المقدس: تأليف أبي المعالم المشرف بن المرجى بن إبراهيم المقدسي وهو من العلماء الذي عاشوا في القدس في القرن الخامس الهجري .
 
باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس:  تأليف الشيخ برهان الدين الفزاري (ابن الفركاح) المتوفى سنة 729 هجرية.
 
مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام:  تأليف شهاب الدين أبي محمود أحمد بن محمد المقدسي المتوفى سنة 765 هجرية .
 
إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى:  تأليف أبي عبدالله محمد شمس الدين السيوطي المتوفى سنة 880 هجرية .
 
وقد وصلت فكرة إنشاء المدارس الدينية ذروتها في العهد المملوكي، حيث عمل المماليك الذين أحبوا القدس حباً عظيماً، متمثلين بالسلاطين والأمراء والقضاة ورجالات الدولة المهمين والأثرياء الميسورين على بناء وتعمير المدارس الدينية والأربطة (جمع رباط) والزوايا (جمع زاوية) (16) في أروقة الحرم الشريف وكذلك حوله من الجهتين الشمالية والغربية، ورتبوا الوظائف فيها وأوقفوا عليها لتقوم بتمويلها والصرف عليها. هذا وقد بالغوا في حبهم لها حين أوصى بعض من مؤسسي وواقفي هذه المنشآت بأن يدفن بعد وفاته بالمبنى الذي قام بتعميره وإنشائه، حيث نجد في معظم هذه المباني غرفة الضريح التي دفن فيها صاحبها والذي نسب اسم المبنى أو المدرسة إليه تخليداً لذكراه .
 
وهكذا غدا المسجد الأقصى جامعة إسلامية عظيمة الشأن تمثل قدرة المسلمين على الإبداع والإعمار، وإشادة بنيان حضارة فريدة، وظل المسجد الأقصى يقوم برسالته العلمية والدينية في الفترة العثمانية وحتى يومنا هذا ولكن ليس بالمستوى الرفيع الذي كان يتمتع به في الفترات السابقة. هذا وقد تبلورت فكرة تقديس الحرم الشريف عند المسلمين، حتى أن بعض حجاج الشام جعلوا زيارة المسجد الأقصى وقبة الصخرة مبدأ الحج (الإهلال بالحج والعمرة) إلى الحجاز (17). ولم يقتصر الأمر على حجاج بلاد الشام وحسب بل شمل الحجاج من البلدان الإسلامية الأخرى، الأمر الذي نتج عنه فكرة القدوم للعيش والمرابطة في القدس وخير دليل على ذلك المسلمون الذين قدموا من شمال أفريقية للعيش والمرابطة في القدس (18) والمواظبة على الصلاة في المسجد الأقصى المبارك والذين ما زالوا يرابطون فيها مع إخوانهم المسلمين أحفاد أولئك الصحابة الغرّ الميامين الذين وفدوا مع الفتوحات الإسلامية، عاملين في ذلك بما جاء عن الرسول الكريم محمد صلى الله وسلم الذي قال (19):
 
{لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم كذلك، قالوا يا رسول الله، وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس}.
 
وصف عام للحرم الشريف
المقصود بالحرم الشريف تلك المنطقة التي تقوم على ربوة أو منصة شبه منحرفة الأضلاع والواقعة في الجهة الشرقية الجنوبية للقدس القديمة، حيث بلغت قياسات أطوال حدودها كالآتي (20) : (انظر خريطة الموقع)
 
الحد الجنوبي (281 م).
 
الحد الشمالي (310م).
 
الحد الشرقي (462م).
 
الحد الغربي (491م).
 
كما وأحيطت هذه المنطقة من الجهتين الجنوبية والشرقية بسور المدينة الذي يعود تاريخه للفترات الإسلامية الأيوبية والمملوكية والعثمانية، وأما من الجهتين الشمالية والغربية فقد أحيطت بأروقة تم بناؤها في الفترتين الأيوبية والمملوكية .
 
ويكتنف هذه المنطقة الصخرة الشريفة التي عرج منها الرسول محمد عليه الصلاة والسلام إلى السماوات العلى، والقبة التي بنيت فوقها (قبة الصخرة المشرفة)، والمسجد الأقصى المبارك، والمآذن والأروقة والمدارس الدينية والقباب والأسبلة والمساطب والمحاريب، والمنطقة جميعها بما فيها، مباركة لدى المسلمين بدليل قوله تعالى:
 
{سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}.
 
هذا وقد أطلق على هذه المنطقة بكاملها اسم المسجد الأقصى المبارك منذ العهد النبوي وحتى الفترة المملوكية والتي فيها أطلق عليه اسم الحرم الشريف، حيث فصل المماليك إدارة المسجد الأقصى المبارك عن القدس وعينوا عليه ناظراً خاصاً عرف بناظر الحرم الشريف، ثم ألحقوا به المسجد الإبراهيمي في الخليل حيث صار يلقب صاحب هذا المنصب بناظر الحرمين الشريفين. ذلك حسب ما ورد مراراً وتكراراً في النقوش الإسلامية المملوكية التي جاءت لتوثيق معظم المعالم المعمارية في الحرم الشريف (21).
 
وقد بقي هذا الاسم متداولاً بين المسلمين حتى يومنا هذا، مستخدمين اسم المسجد الأقصى المبارك للدلالة على القسم المغطى من المسجد الأقصى أحياناً، وللدلالة على الجزء الشريف أحياناً أخرى. كما وعرف الحرم الشريف باسم الحرم القدسي .
 
ومن الجدير بالتنويه إلى أنه لم يطرأ أي تغيير على حجم مساحة الحرم الشريف عبر فترات التاريخ الإسلامي المتعاقبة وحتى يومنا هذا .
 
وللحرم الشريف أربعة عشر باباً، أربعة منها تم إغلاقها بعد الفتح الصلاحي للقدس كإجراء أمني لحمايته وهي: باب الرحمة الواقع في الجهة الشرقية، والأبواب الثلاثة المعروفة أثرياً بالمنفرد والمزدوج والثلاثي الواقعة في الجهة الجنوبية للحرم الشريف.
 
وأما الأبواب المفتوحة فهي على الترتيب :
 
في الجهة الغربية :
باب المغاربة (المعروف أيضاً باب النبي)، باب السلسلة (المعروف أيضاً بباب داود)، باب المتوظأ (المعروف أيضاً بباب المطهرة)، باب القطانين، باب الحديد (المعروف أيضاً بباب أرغون)، باب الناظر (المعروف أيضاً بباب علاء الدين البصيري وباب ميكائيل وباب الحبس وباب المجلس)، باب الغوانمة (المعروف بباب الخليل وباب الوليد).
 
في الجهة الشمالية:
باب العتم (المعروف بباب شرف الأنبياء وباب الداودية وباب فيصل)، باب حطة، وباب الأسباط (22).
 
وللحرم الشريف أربعة مآذن هي (23):
 
مئذنة باب المغاربة الواقعة في الركن الجنوبي الغربي للحرم الشريف .
 
مئذنة باب السلسلة الواقعة في الجهة الغربية للحرم الشريف بالقرب من باب السلسلة .
 
مئذنة باب الغوانمة الواقعة في الركن الشمالي الغربي للحرم الشريف .
 
مئذنة باب الأسباط الواقعة في الجهة الشمالية للحرم الشريف .
 
وقد زود الحرم الشريف بمصادر المياه، حيث حرص المسلمون عبر التاريخ الإسلامي للحرم الشريف على حفر الآبار وبناء الصهاريج والسقايات والأسبلة المنتشرة جميعها في ساحة الحرم الشريف (24).
 
هذا وتدار شؤون الحرم الشريف الإدارية والمالية، اليوم من قبل دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في عمان، وقد ألحقت بالحرم الشريف مكاتب ومؤسسات دائرة الأوقاف الإسلامية الواقعة داخل الحرم الشريف مثل: المتحف الإسلامي ومكتبة المسجد الأقصى ومدارس ثانوية الأقصى الشرعية ودور القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وغيرها .
 
الحواشي والملاحظات
الموسوعة الفلسطينية ، ج3، ص 508-514 .
سمير شما، النقود الإسلامية التي ضربت في فلسطين، دمشق، 1980، ص 38-39.
السيوطي (1984)، ق 21، ص 183-185 .
سورة الإسراء، الآية (1).
صحيح البخاري .
نص العهدة العمرية: راجع العارف (1961)، ص 91- 98 .
راجع مبحث قبة الصخرة/ العباسيون في هذا الدليل .
راجع مبحث المسجد الأقصى /العباسيون في هذا الدليل .
راجع مبحث قبة الصخرة والمسجد الأقصى/ الفاطميون في هذا الدليل.
السيوطي (1984) ، ق 2، ص 20 – 34 .
لمزيد من الإطلاع راجع كل من الدراستين اللتين قام بهما الأستاذ فهمي الأنصار وهما بعنوان: عبادة بن الصامت – حياته وموضع قبره / شداد بن أوس – حياته وموضع قبره، والصادرتين عن قسم إحياء التراث الإسلامي، 1986 .
العسلي (1981)، ص 27-28 .
العسلي (1981) ، ص 28 .
يذكر لنا مجير الدين (1973)، ج2، ص 28 : ((أن الإمام الغزالي أقام بالزاوية الناصرية التي كانت تقوم فوق باب الرحمة والتي عرفت بعده بالغزالية .
لمزيد من الإطلاع راجع: كتاب مخطوطات فضائل بيت المقدس لمؤلفه الدكتور كامل العسلي، عمان، 1981 .
الرباط والزاوية، هي المباني التي استخدمت كدور للعبادة والتصوف وكذلك لإيواء الفقراء والمساكين في بلاد الشام، علماً أن الأربطة في شمال أفريقية كانت عبارة عن القلاع العسكرية التي كانت لمرابطة العساكر فيها مع الحرص على تعليمهم وتفقيههم بأمور الدين.
السيوطي (1084)، ق1، ص 151 – 152 .
لمزيد من الإطلاع على تاريخ المغاربة الذين قدموا مع الفتح الصلاحي لبيت المقدس وظلوا فيها مرابطين حتى هذا اليوم راجع: دراسات (1984)، 193-248، وكذلك بالنسبة للمسلمين الأفارقة في القدس، راجع الدراسة التي صدرت عن قسم إحياء التراث الإسلامي والذي قام بإعدادها حسني شاهين، 1984، والذي قال فيها: ((تلك الجالية التي قدم واستقر أفرادها في بيت المقدس في أواخر العهد التركي وما تبع ذلك من سنين، ولم يكونوا من بلد إفريقي واحد بل كانوا من بلاد أفريقية مختلفة منها ما يعرف اليوم بالسودان وتشاد ونيجيريا والسنغال وغيرها)).
الواسطي (1979)، حديث رقم 35، ص 26 .
EI (1971), III,174
راجع كل ما ورد عن المماليك في هذا الدليل .
راجع أبواب الحرم الشريف .
راجع مآذن الحرم الشريف .
راجع أسبلة الحرم الشريف
 
المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب