سورة الحديد 057 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 01) - صفتا الله عز وجل ( العزيز ، الحكيم )

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الحديد 057 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 01) - صفتا الله عز وجل ( العزيز ، الحكيم )

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 39 - الحب علاقة جميلة خالدة           برنامج درب الصـــاحات:  درب الصالحات - 12 - انقلاب المشاعر           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 384- اسم الله الرقيب 1           برنامج الكلمة الطيبة: حملة مكارم - الكلمة الطيبة - 32- الجوال اداب وتنبيهات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0203 - سورة الانعام 061 - 068           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 38 - ما الحب الا للحبيب الاول         

New Page 1

     سورة الحديد

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الحديد ـ الآيات: (01- 01) - صفتا الله عز وجل ( العزيز ، الحكيم )

25/09/2013 16:29:00

سورة الحديد (057)
 
الدرس (1)
 
تفسير الآية: (1)
 
صفتا الله عز وجل ( العزيز ، الحكيم )
 
 
لفضيلة الدكتور
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً ، وأَرِنا الحق حقاً  وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
بسم الله الرحمن الرحيم
      أيُّها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأوَّل من سورة الحديد ، قال تعالى :
 ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[سورة الحديد]
    سبَّح ؛أيْ: مجَّدَ ، و نزَّه ، و يرى ابن عبَّاسٍ أنَّ سبَّح تعني : صلَّى .
      أيها الإخوة : إن في الكون حقيقة وحيدة ؛ هي الله ، فهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، فَكلّ السعادة في القرب منه ، وكل الشَّقاء في البعد عنه ، و كلّ الخير عنده ، وكلّ الشرّ في مَعْصِيَتِهِ ، وكلّ الفوز في طاعتهِ ، وكلّ الهلاك في الخُروج عن أمره ، و ما من شيءٍ يُقَرِّبنا إلى الله تعالى إلا وقد أُمِرنا به ، وما من شيءٍ يُبْعِدُنا عنه إلا وقد نُهينا عنه ، وذلك عن طريق كتاب الله عز وجل ، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلَّم ، لذا ورد في الحديث الشريف أنْ ما بقِيَ شيءٌ يُرِّبكم إلى الله تعالى إلا وأمرتكم به ، وما بقيَ شيءٌ يُبعدكم عن الله إلا نَهَيتكم عنه ! فلو قال قائل : كيف تعتقدون أن الله ما فرّط في هذا الكتاب (القرآن) من شيء ، وهناك مليون موضوع لم يشر إليه القرآن ! فالجواب هنا : أنّ كلّ شيءٍ يُقَرِّب إلى الله ذُكِرَ في الكتاب والسنَّة مأموراً به ، كما أن كلّ شيءٍ يُبْعِد عن الله  ذكر أيضاً ولكن َمنهياً عنه ، و معنى ذلك أنَّ الذي سَكَتَ عنه القرآن لا علاقة له بالقرب من الله أو البعد عنه ، فهناك موضوعات كثيرة سَكَت عنها القرآن ، و هذه الموضوعات فعلها وتركها سواء ...
     قال الله عز وجل :
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(3).
[سورة المائدة]
فهذا الكِتابٍ من عند خالق الكون ، والله عز وجل لم يترك قضيَّة تزيدك قربًا منه - مهما بَدَت لك صغيرة - إلا أمرك بها ، كما أنه لم يترك قضيَّة تُبعِدُك عنه - مهما بَدَت صغيرة - إلا نهاك عنها ، والأمر والنهي إما في كتاب الله ، أوفي بيان كتاب الله وهو سنة النبي عليه الصلاة والسلام  ، فالله عز وجل هو بالنسبة لنا كلّ شيء ، والقرب منه هو الفوز العظيم ، والبعْد عنه هو الهلاك الحقيقيّ ، لذلك وجب عليك أن تعرفَهُ ، ومعرفته تأتي إما من خِلال خلقه جميعاً ، أو من خلال أفعاله ، أو من خلال كلامه .
 
 التسبيح :
 
    قال تعالى :
    ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44) .
[سورة الإسراء]
       يقول بعض العلماء : إنَّ هذا التَّسبيح تسبيح دلالة ، فالقِطعة المتقنَة لِسانُ حالها ينبئ أنَّ صانعها عليم ، وأنَّ صاحبها على مستوى عالٍ من الذَّوق ، لكنَّ الله سبحانه وتعالى أثبَتَ لِخَلقِهِ جميعًا تَسبيحَين ؛ تسبيح الدلالة ، وتسبيح القول ، والدليل القطعي على ذلك قوله تعالى :
                   ﴿ و َإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ .
[سورة الإسراء]
       فهذا دليل على أنّ التسبيح تسبيح قول ، فإذا كان كلّ خَلْق الله تعالى مِن جمادٍ وحيوان ونبات يُسَبِّح الله تسبيحَ قَوْل ، فما أشدَّ خسارة الإنسان حينما يغْفَلُ عن الواحد الدَّيان ، ويكتشف أنَّه هو المخلوق الأوَّل المكرَّم ، ثم يهبَط بعد ذلك بِغَفْلَتِهِ إلى أدْنى المخلوقات .
       أيها الإخوة : إنّ الإنسان بِإمكانه أن يفوق الملائكة المقرَّبين بطاعته ، أما إن خانَ أمانتهُ ، ونسيَ عهْدَهُ والتكليف الذي جاء مِن أجْلِهِ ، وغَفَل عن ربِّه ، وأساء إلى خلْقِهِ ، فإنه لا يهْبِطُ إلى أحْقر الحيوانات وحسب ، بل يهبط إلى أسفل سافلين ، والدليل قوله تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7)
[سورة البينة]
أي : إنهم خَير ما برأ الله على الإطلاق ، أما الطرف الآخر فقد قال الله تعالى قال فيهم :            
﴿ أُوْلَئِكَ هُم شرّ الْبَرِيَّةِ(7)
[سورة البينة]
       فالمَلَكُ رُكِّبَ مِن عقْل دون شَهوة ، والحيوان رُكِّبَ من شَهوة دون عَقل ، أما الإنسان فقد رُكِّبَ مِن كِلَيهما ، فإن سما عقلُهُ على شَهوتِهِ أصْبح فوق الملائكة  وإن سَمَت شَهوته على عقله أصبَحَ دون الحيوان ، قال تعالى :
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
[سورة الحديد]
سبح تسبيحاً : نزَّه تنزيهًا ،وهنا : نزِّه الله عن كلّ ما لا يليق به؛ كالظُّلم مثلاً،قال تعالى :
﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(124) .
[سورة النساء]
     و إنك لا تستطيع أن تُثْبِتَ عدالة الله تعالى بعَقلِكَ المحدود ، فذلك غير ممكن إلا في حالة واحدة وهي أن يكون لك عِلمٌ كَعِلْم الله ، وهذا مستحيل ! لكن يمكنك أن تعرف الله مِن خِلال الكون ، كما يمكنك أن تعرفه من خلال كلامه ، وأفعاله ، وقد أنبأكَ تعالى في القرآن أنَّه لا يظلِمُ أحدًا ، فقد قال تعالى :
﴿ يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16) .
 [سورة لقمان]
وقال :  
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) .
[سورة الزلزلة]
     الفتيل : خيط بين فلقتي النواة ، والنقير : أحد رؤوس النواة المدبَّب ، والقطمير : هو الغلاف الرقيق الذي يُغلِّف النواة ، فالناس لا يظلمون قدر قطمير ولا نقير ، ولا فتيل ، ولا حبّة من خردل ، يقول الله تعالى في الحديث القدسي : عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :
"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ".
[ رواه مسلم ]
الفرق بين قدرة الله تعالى ورحمته :
      قد يقول لك أحدهم : إن الله على كلّ شيءٍ قدير ، ونحن في ملكِهِ ، فله أن يضَعَ الطائِعَ في جهنَّم ، وله أن يضَع العاصي في الجنَّة فهل نستطيع أن نسأله ؟ الجواب : لا ، قال تعالى:
﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(23) .
[سورة الأنبياء]
و هذا من حيث القدرة ، أما من حيث الكمال فهذا يُنافي كمالهُ سبحانه ، فأين قوله تعالى :
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) .
[سورة هود]
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(17) .
[سورة غافر]
﴿ يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16) .
[سورة لقمان]
      فلا بدّ من التَّفريق بين قدرتِهِ تعالى وبين رحمته سبحانه ، فلو فرضْنا أنَّ أبًا لا يُنجِب ثم أنْجبَ غلامًا بعد وقت طويلٍ ، فبإمكان هذا الأب بقدرته العضلية أن يذبح ولده ، ولكن هل من الممكن أن يفْعل هذا ؟! على الإنسان أن يُفَرِّق بين طلاقة قدْرتهِ تعالى ، وعظمة رحْمتِهِ ، فرحمته سبحانه وسعت كل شيء ، وقد جاء في الحديث القدسي :
    " لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وترْك معاصيهم لتقَطَّعَتْ أوصالهم مِن حُبِّي  ولماتوا شَوقًا إليّ ، فإذا كانت هذه إرادتي بالمعرضين ، فكيف إرادتي بالمقبلين ؟! أهْلُ ذِكري أهلُ مودَّتي ، وأهل شُكري أهْلُ زِيادتي ، وأهل معصِيَتي لا أُقنِّطُهم مِن رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبْتَليهم بالمصائب لأُطهِّرهم من الذنوب والمعايِب " .
       مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه الكرام على امرأة تخبز في التنور وقد كان طفلها يجلس على طرف التنور ، وكانت تضَعُ الرغيف وتُقبِّلُهُ في كلّ مرَّة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ": أَتُلقي هذه بِوَلدها إلى النار ؟"  قالوا : معاذ الله ، فقال :" والذي نفسُ محمّد بِيَدِهِ للَّه أرحم بِعَبدِهِ من هذه بِوَلدها ! " . فقد تكون الأم مُتْعبةً تعبًا طويلاً ثمَّ تأوي إلى فراشها ، ولكنها تعاكس حاجة جِسمها إذا بكى وليدها ، فتستيقِظ من أجله ، فهناك دافِعُ النوم ، ودافع خِدمة هذا الطِّفل الصَّغير، فأيُّهما أقوى ؟! الأقوى هو دافِعُ الرَّحمة ، لذلك تتغلَّب الأم على دافِع النوم ، و هذا يعني أنَّ الرحمة شيء إيجابي ، والدليل أنَّ بعض الحيوانات في مرحلةٍ من مراحل تربيَة أولادها تُنْزعُ منها الرحمة فتأكل أولادها ، وهذا درسٌ لنا ، فإن رأيْتَ أُمًّا تعطف على أولادها ، فتجوع لِيَأكل ابنها ، وتسْهر لِيَنام ، وتمرض لِيَصِحّ ، فهذه رحمة أوْدَعها الله في قلوب الأُمَّهات ، وفي قلوب الآباء ، فكيف هي رحمتُهُ تعالى بنا ؟ لقد وردَ في الأحاديث الصحيحة أنَّ كلّ الخلق يتراحمون بِجزءٍ من مائة جزءٍ من رحمة الله عز وجل ، والدليل قوله تعالى :
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)
[سورة آل عمران]
  وفي آية أخرى قال تعالى :
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا(58) .
[سورة الكهف]
  و النبي عليه الصلاة والسلام هو أرْحَم الخلق بالخلْق ، وهذه الرحمة جزءٌ لا يُذْكر من رحمة الله تعالى ، والدليل أنَّ الإنسان قد يكون له خَصْم فيقول لك : أتمنَّى أن أقطِّعه ! وإنما يقول هذا الكلام من جرَّاء اعتِداء أو تنافس ، أما النبي عليه الصلاة والسلام حينما ذَهَب إلى الطائف فردَّهُ أهلها  وكذَّبوه وسَخِروا منه ، وأغْرَوا صِبيانه بِضَرْبِهِ ، جاءهُ جبريل وقال :"إن شئْتَ لأطْبقتُ عليهم الجَبَلَيْن" ، فقال : " اللهمّ اِهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون ، لعلّ الله يُخرج من أصلابهم من يوحِّدُه !" . فإذا كانت هذه رحمة النبي عليه الصلاة والسلام فكيف بِرَحمة الله تعالى ؟ فيا أيها الإخوة : يمكنني أن أقول لكم بِشَكلٍ دقيق : إن الإنسان حينما يُقصِّر مع الله ، ويتقاعس عن تطبيق أمره ونَهْيِهِ ، فلا يلتفِتُ إليه الالتِفات الكافي ، تكون معرفته بالله ناقصة ، و هناك عمل لا يعْلُو عليه عمل ، وهو أن تعرف الله ، فالله تعالى لا يُعْرفُ بِحَواسِّك الخمس ، ولكن بِعَقْلِكَ من خلال خلقه ، لذا كان التَّفكُّر في خلق السماوات والأرض أعلى عِبادة على الإطلاق ، قال تعالى :
﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191) .
[سورة آل عمران]
      لذلك كانت هناك دَعوة إلى معرفة الله تعالى ، مِن خِلال خَلقِهِ ، أو مِن خلال أفعاله ،     أو من خلال كلامه ، فلا بدّ من معرفَتِهِ كي تُطيعَهُ ، فحجْم طاعتِكَ له تتناسب مع حجم معرفتِك إيَّاه ، فإذا رأيْتَ الطاعة أقلّ مِمَّا ينبغي فمعنى ذلك أنَّ المعرفة أقلّ مِمَّا ينبغي ، فكلَّما ارْتَقَت المعرفة ارْتَقَت معها الطاعة ، والخَلقُ جميعًا بما فيهم الجمادات يُسبِّحون الله تعالى ، قال تعالى :
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
 [سورة الحديد [
إن الكون هو كلّ ما سِوى الله ، فالذات الكاملة واجبة الوجود ، وما سِواه هو الخلق وهو ممكن الوُجود ،فإذا كتبت مثلاً كلمة : بَحر ، ووضَعتها في جَيْبِك ! هل يبْتلّ جَيْبُكَ ؟! أما البحر الحقيقي فهو أربعة أخماس اليابسة .
 
ورود البحر في القرآن :
 
     لقد كُنتُ أُجري إحصاءً دقيقًا قبل يومين حول كلمة البحر ، فقد وردَت هذه الكلمة في القرآن بشكل عام ثمانٍ وثلاثين مرَّة ، قال تعالى :
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41) .
[سورة الروم]
ووردَت بِشَكل تَسخير البحر للإنسان ، قال تعالى :
 ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70).
[سورة الإسراء]
وورَدَت في معرض تنوّع مِياه البحر ، قال تعالى :
﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19) .
[سورة الرحمن]
و قد ورد البحر وحده ، كما ورد ( البحر المسجور) ، فمن مِنكم يُصَدِّق أنَّ الماء مؤلّف من أكسجين وهيدروجين ، و الهيدروجين من أشدّ العناصر اشْتِعالاً  والأكسجين مِن أشدِّ العناصر المُعينة على الاشْتِعال ، والماء من الأكسجين والهيدروجين قال تعالى :
﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ(6) .
[سورة الطور ]
      فبأمرٍ من الله صبح البحر نارًا ، و قد وردَت كلمة البحر في القرآن ثمانٍ وثلاثين مرَّة ، كما وردت كلمة البرّ واليابسة ثلاث عشرة مرَّة ، وعلى الأرض خمسٌ وعشرون قارة ، وخمسة وسبعون بحراً ، فَنِسبة عدد كلمات البرّ إلى كلمات البحر يُساوي تمامًا نسْبة اليابسة إلى البحر ! هذا كلام الله ، و الله سبحانه وتعالى يقول :
 
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ
[سورة الحديد]
هل هذا إخبار أم أمر ؟؟
    لو أنَّ أباً قال لابنه : إن ابن عمّك فلان يدرس ليل نهار !! فما القصد من هذا الكلام ؟!    هل يريد الأب هنا أن يخبر ابنه بهذه الحقيقة أم أنه يدْعوه إلى الدِّراسة ؟ فهناك خبرٌ يُراد به    الإنشاء، فالقرآن مثلاً يُخبرنا أنَّ من شأن الأمّ أن ترضِع ابنها حولين كاملين ، فقد قال تعالى :                                    ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ .
[سورة البقرة]
 فهذا كلام خبر ، لكن المراد منه الإنشاء ( الطلب ) ، والكلام إما خبر أو إنشاء ، فإما أن يكون المراد : (إنِّي أُعلمكم) ، فهذا خبر ، وإما أن يكون (إنِّي أطلب منكم) ، وهذا إنشاء ، فالأمر والنَّهي والتمني والحضّ والنِّداء إنشاء ، والقرآن الكريم من إعجازه البلاغي أنَّه يأتي بالخبر ويريدُ به الإنشاء ،  قال تعالى :
 
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
 
 
حليب الأم :
     بالمناسبة أيها الإخوة  ، لقد أخبرني أخٌ كريم حضَر مِن بلاد الغرب - وهو طبيب ناجِحٌ جدًّا- أنَّ أحْدث بحثٍ في شأن حليب الأمّ يقول : إنَّ أسباب القصور العقلي إنما هو حليب القوارير ، وقد ذكر على ذلك أدِلَّة قوِيَّة جدًّا ، و القرآن الكريم قال :
          ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ .
[سورة البقرة]
        فالشيء الذي لا يُصدَّق أنّ حليب الأم يتبدّل في الرَّضْعة الواحدة ! فأربعة أخماس الحليب من الماء ، و كميَّة المواد الدسمة والبروتينيّة والحموض والشحوم والدهون في حليب الأم يتناسب يوميًّا مع أجهزة هضم الولد ، أما حليب القوارير ، وحليب البقر فهو مهيَّأ للراشدين ، وهذا الحليب فيه أربعة أمثال طاقة الهضم عند الصغير ، لذا قالوا : إن بعض أمراض القلب ، وبعض أمراض الأوْعيَة ، وضَعف الذكاء ، والقصور العقلي إنما يكون بِسَبب الرضاع الصناعي ، والأم التي لا تُرْضِع ابنها من حليب ثدْيِها مجرِمَةٌ في حقِّه ! كما أنَّه أحد أسباب سرطان الثَّدي هو امتناع الأم عن إرضاع وليدها ! فنسبة الإصابة بسرطان الثدي تتضاعف مع النساء اللواتي لا يرْضِعن أولادهنّ حِفاظًا على شَكْلِهِنّ .
     أيها الإخوة ... كلَّما تقدَّم العِلم ، اقْتربَ مِن حقائق الإسلام ، و كلّ شركات الحليب بالعالم الآن مُلزمةٌ أن تكتب على عبوات الحليب لا شيء يَعدِلُ حليب الأم .
نعود إلى الآية .. وهي قوله تعالى :
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
 
[سورة الحديد]
فالقرآن الكريم قد يذكر خبراً ويريد به الإنشاء ، ف(سبَّحَ ) هنا ؛ أي : يا أيها الإنسان سبِّحْ ، و(الوالدات يرضعن أولادهن) ؛ أي : يا أيَّتها الوالدات أرْضِعن أولادكنّ ، ومن هذا الله قوله:   
 ﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(26).
[سورة النور]
أي: يا أيها الآباء والأمَّهات اِحْرصوا على أن يكون الطَّيِّبون للطَّيِّبات ، وقوله تعالى :
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ(97) .
[سورة آل عمران]
       أيْ : يا مَن تسلّمتُم أمْر بيتِ الله الحرام اِحْرصوا على أن يكون آمنًا ، فهذا خبر أريد بِه الإنشاء ، فالله سبحانه وتعالى يذكر لنا أنَّ المخلوقات كلّها تُسبِّحُهُ ، والحِكمة من هذا أن يأمُرنا الله تعالى أن نسبحه بِأُسلوبٍ لطيف وترْبوِي ، كمن يقول لابنه : يا ُبني ، ابنُ عمِّك يدرس ليل نهار ، ولا يدع الكتاب من بيد يَدَيه  ألا تغار؟ أي : اُدْرُس ، قال تعالى :
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
[سورة الحديد]
العزيز :
     إذا وصَفنا معدنًا أنَّه عزيز فمعنى ذلك أنه نادر الوُجود ، فالحديد غير اليورانيوم ، والبلاتين غير الذَّهب ، فالعزيز هو ما ندَر وُجوده ، والعزيز الذي تشْتدُّ الحاجة إليه ، والعزيز هو الذي يصْعُب الوُصول إليه ، فإذا كان الله عزيزًا ؛ أي : هو واحد ، ليس له ثانٍ ، ولا شريك ، ولا مُشابه ولا نِدَّ ، ولا كفء ، وهو الذي يحتاجهُ كلّ شيء ، ويستحيل أن تُحيط به شيء، قال تعالى :
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(255) .
(سورة البقرة)
فالله تعالى حينما قال :
﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(34) .
[سورة لقمان]
        فهو لم يقل : (مَنْ) ، ولكن قال : (ما) ، فلو قال : (مَن) لكان المعنى : يعلم المولود ؛ هل هو ذكر أم أنثى ! ولكنه قال : ما ، فالحُوَين المنوي عليه خمسة آلاف مليون معلومة مُبرمجة ، فهل استطاع العلم أن يعرف هذه المعلومات ؟ إن هذه المعلومات مُركَّزة في نُويَّة الحُوين المنوي  كما أنها مُركَّزة على نُويَّة البويْضة ، و إن خمسة آلاف المليون معلومة هذه تسْهم في تشكيل الجنين ،  فالإنسان إذا قرأ مقالةً كان عليه أن يفرِّق بِدِقَّة بالغة بين البحث العلمي و المقالة العِلْميَّة ، فقد قال العلماء : المقالة انْطِباع ، فالإنسان فيها يتخيَّل ويتوقَّع ، أما البحث العلمي فهو شيءٌ قَطعي ،  فالصحافة في العالم تبحث عن خبرٍ طريف وجديد ، من أجل أن يرتفع عدد المبيعات ، فهذه المعلومات فيها سبْق صحافي لا سبْق عِلْمي ، فلذلك كان الله هو العزيز الحكيم ، والواحد الأحد الفرْد الصَّمَد ، فهو الذي يحتاجُهُ كلّ شيءٍ في كلّ شيء ، و هو الذي يصْعُب أن تُحيط به ، قال تعالى :
 
  
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(255) .
[سورة البقرة]
حدود العقل :
      لو وقفت نملة في جبال همالايا ، فهي بحجمها الصغير وبإدراكها الذي لا يزيد عن سنتمترات ، لا يمكن لها أن تُحيط بِوَزن هذا الجبل وعُمقِهِ في الأرض ، وِحَجم كُتلته  وارتفاعه وخصائصه ، هذا مستحيل ، والإنسان إذا آمَنَ أنَّ قدراته محدودة عرف الله تعالى ،  وقد قال أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه كلمة رائِعة ،وهي : (العَجْز عن الإدراك إدراك !) فإن وقفْت على ساحل البحر المتوسِّط وسألك سائلٌ ، كم يحوي هذا البحر من لِتر ؟ وأجبْتَهُ بِرَقم !! لكان هذا دليل الجهل ، أما إن قلتَ : لا أدري ، فهذا دليل العِلم ، فيجب عليك أن تؤمن أنَّ العقل هو أعظم شيءٍ خلقهُ الله ، وأن الإنسان أعْقد مَخلوق على وجْه الأرض ، وأعْقدُ ما فيه عَقْلُهُ ، وأن العَقل له مهمَّة محدودة ، فالله تعالى أعطاك عقلاً يؤدِّي مهمَّته على أتمّ وجه ، فيجب أن  تستعمله كما أراد الله ، أما لو أردْتَ أن تعرف بهذا العقل ذات الله تعالى لهَلَكْتَ ،‍لأنَّك تكون قد اسْتَعملتَهُ لِغَير ما صُنِعَ له ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " تفكَّروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا " ، لأنَّ هذا شيءٌ فوق طاقتك ، و سأضربُ لكم بعض الأمثلة على ذلك ؛ لو فرضنا أن هناك بقالية فيها عشرة آلاف صِنف ، و أن أقلّ وزن فيها خمسون غراماً ، وأعلى وزن خمسة كيلو غرامات ، وكان لديك ميزان حساس ، إن اسْتعملته بين الغرام  وخمسة كيلو الغرام أعطاك وزنًا دقيقًا ومُذْهلاً ، فإن وزنت به سيَّارة انكسر ، فلا تقل : هذا الميزان سئّ ، ولكن قل : طريقة الاستخدام هي السيئة ، فأنت حينما تأخذ قضيَّة متعلِّقة بِذات الله ثم تريد أن تفْهمها بِعَقلِك ، نقول لك : لا ، فالشيء الذي يعْجزُ عقلك عنه أخبرك الله به ، وسوء استخدام العقل ينتج عنه الخطأ ، و مُفادُ قولي أنه لا ينبغي أن تأخذ قضيَّة إخباريَّة وتُحكِّم عقْلك فيها ، فما أخبرَكَ الله به حكَمٌ على عقلك ، وليس عقْلُكَ حكماً عليه . قال تعالى :
                              ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11) .
[سورة التغابن]
 فإذا قال لك : أنت مُخيَّر فهذا يعني أنَّك مُخيَّر ، قال تعالى :
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)
[سورة الأنعام]
        فعَقلك يدلَّك على الله ، والله جلّ جلاله يدلَّك على ذاته ، و َعَقلُك كالحِصان الذي تركبه وتذهب به إلى القصر ، فإذا وصلت إلى القصْر دخلْتَ وتركتَ الحِصان في الخارج ، أما لو أدْخلْتَ الحصان معك لكان هذا من سوء الأدب ، فلا ينبغي لك أن تُحكِّم عقْلك فيما أخبرك الله به  فالله أخبرنا مثلاً أنّ في الجنَّة حور عين ، فلا تكثر السؤال عن صفاتهنّ ، فما سكَت عنه القرآن ينبغي أن نسْكت عنه ، فليس من العقل أن تسْتخدم العقل فيما لم يُخلق له ، وكلَّما تأمَّلت في الكون زادك العقل معرفةً بالله ، وفي هذا المجال : فكِّر ولا حرج ! فمهما بالغْتَ في التَّفكير فأنت على صواب وهذا أمر يرْقى بك ، فكلّ شيء يجب أن يوضع في مكانه فيستخدم لما خُلق له ، وهذا موضوع دقيق جدًّا ، فلو أنَّك حاولْت مثلاً أن تهدِمَ بِسيَّارتك بناءً، أو أردت  أن تتنزَّه ب(التراكس) الذي يحرث الأرض لخالفت العقل ، فعندما يُستخدم العقل للمهمَّة المحدودة ينجح ، أما إذا اُستخدم للمطلق فإنَّه سيعجَز .
قال تعالى :
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
  [سورة الحديد]
       حكمة الله تعالى أعظم دليل على وجوده :
    حكمة الله أحدُ أدلّة كمال وُجوده ، وحكمة الله تعني : أنَّ الله تعالى يضَع الشيء المناسب في المكان المناسب ، وفي الوقت المناسب ، و هذا دليل من أقوى الأدلّة على وُجود الله سبحانه وتعالى ..
فلماذا يوجد مثلاً شَعر في الأنف ولا يوجد شَعر في الفم ؟! أليس في هذا حكمة بالغة ؟
ولماذا خلق الله عَينين لا عيناً واحدة ؟ من أجل البُعد الثالث ..
ولماذا خلق أُذُنين ؟ من أجل أن تعرف جِهة الصَّوت ..
ولماذا لم يجعل للشَّعر أعصابًا حِسِيَّة ؟ لو كان الأمر كذلك لاحتَجنا إلى عمليَّات جِراحِيَّة عند حَلق الشَّعر !
ولماذا جعل في الأسنان أعصاب حس ؟؟ لو لم يكن في الأسنان أعصاب حِسّ  لفَقَدَ الإنسان أسنانه في وقت مبكر، أما هذا الألم فهو عبارة عن أجهزة إنذار مُبكِّرة .
ولماذا جعل محور الأرض مائلاً ؟؟ لو كان عموديًا لما كانت هناك فصول ، فالنهار مناسب ، والليل مناسب ، والدوران مناسب ، والحر والبرد مناسبان ، فإذا برَّدْت الماء في الدرجة زائِد أربعة(+4) لازْداد حجْمُهُ ، ولولا هذه الظاهرة لما كانت حياة ! ولأصبحت البحار متجمِّدة !! فوِفق هذا المنهج في التفسير تستطيع أن تعرف الله ، فهذه بلدة (فايرلندا ) درجة البرودة فيها سبعون تحت الصِّفر !! فالإنسان فيها يلبس الصوف والواقِيَة  والجوارب ، ويمكن له أن يُغطِّي كلّ شيءٍ في جسمه إلا العَين ، فتبقى ملامسة للهواء الخارجي دون أن تتجمَّد ، لأن العين فيها ماء ، وقد أوْدَعَ الله تعالى في ماء العَين مادَّة مُضادَّة للتَّجَمُّد ، ولو ذلك لفقد الإنسان بصره في المناطق الباردة .
     أيها الإخوة .. إن دليل الحِكمة هو أعظم دليل وُجود الله تعالى ، و مجال التفكّر في آيات الله تَكشف عن حكمته الواسعة ، فهو يضَعُك أمام عظمة الله وجهًا لِوَجه ، وقد قال الله تعالى :
﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا(18) .
[سورة الكهف]
خَلق الإنسان دليل على قِدَم الله تعالى :
     إنّ لعضلات الإنسان وهيكله العظمي وزن كبير ، و هيكلهُ العظمي وعضلاته يضْغطان على العضلات التي تحت الهيكل العظمي وهو نائِم ، وهذه العضلات فيها أوْعِيَة ، وهذه الأوْعِيَة تضيقُ لمْعتها فتقلّ التروِيَة ، فيتقلَّب الإنسان في نومه ! فعلينا أن نفكِّر في خلق الإنسان الكامل ، فلو قارن الإنسان بين سيارة من سنة السبعين ، وأخرى حديثة ، لاستنبط أنَّ خِبرة الإنسان حادِثَة ! أما الإنسان فهل طرأ على خلقه تعديل ؟! هل هناك موديلات للإنسان ، هذا دليل قِدم خبرة الله تعالى ، والله تعالى لا يخلق شيئاً عديم الفائدة ، فقد قيل : إن الزائدة الدودية لا فائدة منها ، وهذا غير صحيح ، فهي تشكل خط دفاع في الجسم ، ولذلك كان لي اعتراض على قولهم (الزائدة الدوديَّة) ، و الصواب هو (الذائدة الدوديَّة ) ، لأنهاَّ خط دِفاع ، و الله تعالى لا يخلق شيئًا زائِداً في الإنسان .
      فالله تعالى في هذه الآية يأمرنا بشَكل تربويٍّ لطيف أن نتعرَّف إليه كي نُنَزِّهَهُ ونُمَجِّدَه ونتَّصِل به ، وقد قال ابن عباس : سبَّح ؛ أي : صلَّى ، فالمعرفة لها منهج ، قال تعالى:
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103) .
[سورة الأنعام ]
      فأنت لا تعرف الله جلّ جلاله إلا من خلال عقلك عن طريق الكون ، فلذلك كان التفكّر في خلق السماوات والأرض فرضٌ من أجل معرفة الله تعالى ، فأنت تعرَفُهُ فَتُطيعُهُ ، وتُطيعُهُ فَتَسْعدُ ِبقُربِهِ ، وعندئذ تُوَفَّق وتنْجح وترْقى ، وتكسبُ الدنيا والآخرة معًا ، أما إن عصيته خْسرتهما معًا ، لأن من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معًا ، وهذا القرآن الكريم مأدُبة الله ، فإذا فَهِمت كتاب الله ، وتراكم هذا الفهْم شيئًا فشيئًا جعلك هذا الفهم مستقيماً على منهج الله بعد حينٌ من الوقت وأنت لا تشعر بذلك ، وهذا مطْلبٌ لكلّ إنسان، والله غنيّ عن العالمين ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :
   " يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ "
[ رواه مسلم ]
وفي درس قادم نتابع الحديث .
والحمد لله رب العالمين
 
***



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب