سورة القمر 054 - الدرس (5): تفسير الأيات (47 – 55) - عذاب عاقبة المؤمنين و المجرمين

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة القمر 054 - الدرس (5): تفسير الأيات (47 – 55) - عذاب عاقبة المؤمنين و المجرمين

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج التفكر في الخلق والكون: التفكر في الخلق والكون - 13 - التربة - الزنجبيل           برنامج في القلب أنتم:  في القلب انتم - حلقة12 - 09 - 02 - 2020           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 81- -16 - 2-2020 هبة الفجر العظيم           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0570 - سورة النحل 077 - 078           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - اغتيال طفل - حلقة تربوية           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0569 - سورة النحل 076 - 076         

الشيخ/

New Page 1

     سورة القمر

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة القمر ـ الآيات: (47 - 55) - عاقبة المؤمنين و المجرمين

02/09/2013 18:32:00

سورة القمر (054)
الدرس (5)
تفسير الآيات: (47-55)
عاقبة المؤمنين و المجرمين
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً  وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون : مع الدرس الخامس والأخير من سورة القمر ، ومع الآية الكريمة السابعة والأربعين وهي قوله تعالى  :
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾
 
   الخاسر من خسر نفسه وانساق مع شهواته :
  
المجرم هوالذي أجرم بحق نفسه ، والخاسر هو الذي خسر نفسه ، والظالم هو الذي ظلم نفسه ، وأشد أنواع الظلم أن تظلم نفسك ، وأشد أنواع الإجرام أن تجرم بحق نفسك ، وأشد أنواع الخسارة أن تخسر نفسك في الأبد الذي خلقك الله له ، فهؤلاء المجرمون الذين ما عرفوا الله ، وبالمقابل ماطبقوا أمره ، ولا ائتمروا ، ولا انتهوا ، وابتعدوا ، وانساقوا مع شهواتهم .
 
الكافر في ضلال أفكاره مشتتة وأقواله متناقضة :
 
 هؤلاء المجرمون كما قال الله عنهم  :
﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾
الضلال هنا والسعر هنا ، عقولهم في ضلال ، وأفكارهم مشتتة ، وتصوراتهم غير صحيحة ، وأقوالهم متناقضة ، وهدفهم غير واضح ، وسر وجودهم غير مُعَرَّفلديهم ، يعيشون على هامش الحياة ، ويتحركون حركةً عشوائية ، في ضلالٍ ، مذهبٌ يأخذهم ومذهب يجلبهم ، ويتأرجحون ، ويتذبذبون ، ويتحركون حركةً عشوائية ، في ضلال ، المؤمن على خلاف ذلك ؛ عرف حقيقة الوجود ، فعرف حقيقة الدنيا ، وعرف حقيقة نفسه ، فعرف سر وجوده ، وعرفغاية وجوده ، فعرف لماذا جاء الله به إلى الدنيا ، عرف أين كان قبل أن يُخْلَق ، وما يؤول حاله بعد الموت ، وعرف الحكمة البالغة التي خلقه الله من أجلها الإنسان ، وعرف الأمانة ، والتكليف ، والمنهج ، والحلال والحرام ، والحق والباطل ، والخير والشر ، وتفاصيل المنهجالإسلامي ، في حياته الخاصة ، وفي علاقته بزوجته ، وعلاقته بجسده ، وأهله وأولاده ، وفي بيعه وشرائه ، وفي كسب المال ، و إنفاقه ، وفي كل نشاطاته ، في لهوه ، وفرحه ، وحزنه ، وعرف الله ، فعرف منهجه ، فالكافر في ضلالٍ .
 
المؤمن لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :
  
والمؤمن  :
 
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
 (سورة طه (
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه ، أما الكافر ..
                                              ﴿ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾
الآن قلبه ملتهب ، في حرقة ، يعصره الألم والقلق ، والضياع ، إنه مشتت ، مبعثر ، قلق ، متشائم ، ممزق ، فوصف ربنا عزَّ وجل جامعٌ مانع ..
 
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
 
 حياة الكافر خطأ و تشرد و عقاب :
 
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾
 
 
زواجه يشقيه ، وبيته قطعة من جهنم ، وعمله غير موفَّق ، وهو في علاقاته غير ناجح ، لأنه انحرف عن منهج الله  .
أيها الإخوة الكرام : لو أنه من الممكن أن تبتعد عن أصل الله وعن منهج الله عزَّ وجل وأن تستقيم أمورك ، إذاً لا حاجةإلى الدين ، لكن كل إنسانٍ ما عرف الله وما عرف منهجه فلابد من أن ينحرف ، ومن لوازم جهله وشروده أن يعتدي ، ومن لوازم عدوانه أن يحاسب وأن يعاقب ، ولذلك فحياة الإنسان خطأٌ وعقابٌ ،  وانحرافٌ وعقابٌ ، وتشردٌ وعقابٌ ..
 
﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾
 
صورة قدمتها الآية التالية لكنها رهيبة .
 
النار مثوى من لا يدخل الآخرة في حساباته :
 
الآن ائتِ بإنسان وقيِّد يديه واربطه من رجليه واسحبه وراء مركبةٍ في أرضٍ وعرة على وجهه ، لا يستطيع أن يتلقى الصدمات بيديه ، يداه مقيدتان ، وهو مربوطٌ من رجليه تسحبه مركبةٌ على أرضٍ وعرة فيها النتوءات ، والصخور ، والأشواك ، والنباتات ، فما حال هذا الإنسان ؟ قال :
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾
 
هذه التي كذَّبتم بها ، وهذه التي استهزأتم بها ، وهذه التي لم تدخلوها في حساباتكم إطلاقاً ، دقق في أحوال الناس ، يحسب حساباً لكل شيء ، ويخطط لكل شيء ، فهو يخطط لعشرين عاماً قادمة ، ويخطط لأولاد أولاده ، إذا بنى مسكناً ، فهذا المسكن لا يستهلكه لا هو ولا عشرة أجيال من بعده ، يخطط لكل شيء ، إلا هذا الذي وعدنا الله به أو توعدنا به أخرجه من حساباته .
﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾
 
    العاقل من استقام على امر الله :
 
لذلك  :
 
﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ* وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾
)سورة النجم (
هذه الحقائق مصيرية متعلقةٌ بمصير كل إنسان ، وبسعادته الأبدية ،  وباستحقاقه دخول الجنة أو دخول النار .
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾
 
المؤمنون لا يضل عقلهم ولا تشقى نفوسهم  .
 
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾
فالأولى بالإنسان العاقل أن يأخذ موقفًا واضحاً من هذا الكلام ، هذا كلام خالق الأكوان ، أعندك شكٌ في أنه ليس كلام الخالق ؟ ائتِ بالدليل ، إما أن تأتي بدليل إيجاب ، أو بدليل سلب ، إن أتيت بالدليل على أنه كلام خالق الكون فيجب ألا تنام الليل ، وألا تركن إلى الدنيا، وأن تدقق في كل عملٍ تفعله ، لأنّ الله سيحاسبك ، إن كنت تعتقد أن الله موجود ، ويعلم ، وسيحاسب وإن لم تستقم على أمره فلابدَّ أن في العقل خللاً .
﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾
 
   كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ : آية تدل على وجود الله وحكمته :
 
ثم يقول الله عزَّ وجل حقيقةً الكون كله ينطق بها ، بل إن هذه الحقيقة تنتظم كل ما في الوجود ، وهذه الحقيقة لو درست مئة عام ، ولو قرأت كل كتاب ، ولو انتسبت لكل الجامعات ، لا تفي كل الدراسات بحق هذه الآية ، يقول الله عزَّ وجل :
                                          ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
كلمة : بقدر دليل وجود الله ، ودليل علمه ، ودليل حكمته ، فمثل بسيط ، مفتاح الكهرباء يمكن أن يوضع في أعلى السقف ، أو أعلى الحائط ، ويمكن أن يوضع على مستوى الأرض ، وأن يوضع على ارتفاع مترين ونصف ، أو على ارتفاع متر ، فإن رأيته في مكانٍ مناسب ، في مستوى اليد ألا تستدل من هذا على أن هذا المكان المناسب مقدرٌ تقديراً حكيماً ، وأن الذي وضعه في هذا المكان إنسان عاقل ، ودرس حاجة المستعمل إليه ، فلو جعله في أعلى الحائط لاضطررت إلى استعمال السلم لإطفاء المصباح ، ولو جعلته على مستوى الأرض لاضطر صاحب البيت أن ينبطح كي يغلق المصباح ، وهذا ليس حكمةً ، أما حينما تراه في مكان مناسب ، وفي تقدير دقيق ، فمعنى ذلك أن الذي وضعه في هذا المكان حكيم ، فإذا نظرت إلى ما حولك تجد أن كل شيءٍ خلقه الله بقدر ، بقدرٍ معجز ، أي أن الكون كله مصداقٌ لهذه الآية ، وهذه الآية تنتظم الكون كله ، وهي أكبر دليلٍ على وجود الله ، وعلى حكمته ، وعلى قدرته ، وعلى خبرته ، وعلى علمه .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
القدر دليل على كمال الله ووحدانيته :
 
أما كلمة  :
 
﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾
الشيء الصغير بقدر ، والشيء الكبير بقدر ، والشيء الصامت الجامد بقدر ، والشيء المتحرِّك ، كالحيوان ، بقدر ، والشيء الذي ينمو ، كالنبات،بقدر ، والذي يفكر ، أي إنسان ، بقدر .
 
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
فالساكن والمتحرك بقدر والصامت والناطق والصغير والكبير والحاضر والغائب والمعلوم والمجهول كلها بقدر  .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
هذا القدر قدَّر حقيقته ، وقدر صفته ، وقدر مقداره ، وقدر زمانه ، ومكانه ، وعلاقاته ، وتأثُّره ، وتأثيره  .
 
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
ويكاد يكون هذا أكبر دليلٍ على وجود الله وعلى علمه وقدرته وحكمته وكماله ووحدانيته .
 
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ :
 
 
1 ـ حجم الأرض خلقه تعالى بقدر معين :
 
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
أيها الإخوة : حجم الأرض بقدر ، فلو زادت عن حجمها الحقيقي لأصبح وزن الأشياء عليها كبيراً جداً غير محتمل ، ولو قل حجمها لكان وزن الأشياء عليها غير محتمل ، والدليل أن الإنسان حينما صعد إلى القمر كانت حركته مزعجةً جداً ، فأية قفزةٍ يرتفع خمسة أمتار، لأن وزنه هناك سدس وزنه على الأرض ، ولو كان الإنسان على أرضٍ أكبر من أرضنا بضعفين لكان وزنه ضعفين .
إذاً : حجم الأرض بقدر ، ودورتها حول نفسها بقدر ، ولو أنها تدور كل ساعة ، ساعة ليل ، وساعة نهار ، فشيء غير معقول وغير محتمل ، ولو أن الأرض تدور حول نفسها كل شهرٍ مرةً ، لصار النهار شهراً والليل شهراً ، ولو أنها تدور حول الشمس كل ألف عامٍ مرةً فالإنسان يرى الربيع فقط ، أو الخريف فقط ، أو الشتاء فقط ، أما دورتها حول نفسها بقدر ، وحجمها بقدر ، ودورتها حول الشمس بقدر ، ومساحة اليابسة الخمس ، والمسطحات المائية أربعة أخماس بقدر .
2 ـ الحرارة على الأرض :
الحرارة التي عليها بقدر ، من عشر إلى أربعين يحتملها الإنسان ، ولو أن الأرض توقَّفت عن الدوران لأصبح وجهها المقابل للشمس ثلاثمئة وخمسين درجة فوق الصفر ، والذي على خلاف الشمس مئتين وسبعين تحت الصفر (أي الصفر المطلق) . أما الحرارة فمعقولة ، والمياه بقدر ، والهواء بقدر ، ولو أن الأوكسجين في الهواء زاد عن حده لاحترق كل شيء ، فنسبة الأوكسجين بقدر ، ويصبح الهواء نافعاً غير ضار .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
3 ـ دوران الأرض حول الشمس خلقه بقدر معين :
الآن دورتها حول الشمس بقدر ، وتسير بمدار إهليلجي له قطران ، قطر طويل وقطر قصير ، فإذا وصلت إلى القطر القصير ، فالمسافة قلَّت بينها وبين الشمس ، فهناك احتمال أن الشمس تجذبها ، لذلك تزيد سرعتها زيادةً ينشأ عنها قوةٌ نابذةٌ تكافئ القوة الجاذبة بقدر ، فإذا وصلت إلى القطر الأبعد وبقيت على سرعتها العالية ، فهناك احتمالٌ كبير أن تتفلت من جاذبية الشمس فتنطلق إلى الفضاء الخارجي ، ولذلك تقل سرعتها هنا ليكون جذب الشمس كافياً لربطها بمداها .
4 ـ ارتفاع سرعة الأرض بقدر معين :
الآن : ارتفاع السرعة بقدر ، فلو ارتفعت فجأةً لانهدم كل ما على الأرض ، ولو انخفضت فجأةً لانهدم كل ما على الأرض .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
فمحور الأرض مائل بقدر ، وهذا الميل نتج عنه الصيف والشتاء والخريف والربيع ، ولو كان عمودياً على مستوي الدوران لأُلْغِيَت الفصول !، لكن بقدر .
5 ـ بعد الشمس عن الأرض بقدر :
الآن : الشمس بعدها عن الأرض مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر بقدر ، فلو اقتربت لاحترقت ، ولو ابتعدت لهلك من عليها ، بعدها عن الشمس بقدر ، وعن القمر بقدر ، وحجم القمر بقدر ، والشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، بقدر .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
6 ـ الجبال موزعة بقدر معين :
الجبال موزَّعةٌ في الأرض توزيعاً دقيقاً جداً حيث إن الجبال تغدو رواسي أن تميد بكم ، لئلا تميد بكم ، وكيف أنك تضع على العجلة خمسة غراماً أو عشرة غرامات من الرصاص في مكان دقيق جداً من أجل أن لا تميد أثناء الدوران السريع ، كذلك الجبال كانت رواسي للأرض لئلا تميد بها .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
7 ـ المد و الجزر خلقه الله تعالى بقدر :
الآن : لو نزلنا إلى الأرض لرأينا الجُزُر في هذه الجزيرة لها مهمة أن تستقطب المنخفضات الجوية ، وهذهالصحراء الحارة الهواء عليها ساخن ، وإذا سخن الهواء تمدد ، وإذا تمدد تخلخل ، فالضغط منخفض هنا ، والمنطقة القطبية باردة والهواء مكثَّف ، فالضغط مرتفع ، ومن تباين الضغطين تنشأ الرياح من القطبين إلى خط الاستواء ، والأرض إذا دارت صارت الرياح مائلة من الغرب إلىالشرق ، رياح غربية تسوق السحب .
 
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
8 ـ المعصرات خلقها تعالى بقدر معين :
أما بخار الماء ، فالهواء يحمله ولكن بقدر ، وكل درجة حرارةٍ للهواء تتحمَّل كميةً من بخار الماء ، فإذا قلَّت الحرارة تخلَّى البخار عن الماء فكانت الأمطار ، فهنا سحابة مشحونة ببخار الماء فإذا لامست سحابةً باردة انكمش بخار الماء وشكَّل قطراتٍ تنعقد على ذرات الغُبار فتكون الأمطار .
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً﴾
) سورة النبأ (
سمَّاها الله المعصرات ، وكأن قماشاً غمسته في الماء فاحتمل ماءً كثيراً فإذا عصرته نزل منه الماء ، وهذه حقيقة نزول الأمطار من السحب المحملة ببخار الماء ثم لامست جبهةً باردةً فتخلَّت عن مائها ، فانقلب بخار الماء إلى قطرات من الماء فكانت الأمطار .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
9 ـ النباتات :
أما الآن النباتات ، فكل محصول له نظام ، فالقمح ينمو في وقتٍ واحد ، والمحاصيل تنمو في وقتٍ واحد ، وأما الفواكه والثمار والخضار فتنمو في فتراتٍ بعيدة ، فثلاثة أشهرٍ حقل البطيخ يعطيك البطيخ كل يوم ، وأكثر الخضراوات والفواكه مؤقتة ، فتنضج في فترة ما بين شهرٍ أو شهرين ، وبإمكانك أن تقطع من ثمار هذه الشجرة لشهرين أو ثلاثة دون أن تصاب بأذى .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
10 ـ الحيوان :
هذا هو النبات ، والبقرة من عالَم الحيوان،تعطيك من الحليب أضعاف ما تأكل ، فلو أنها تستهلك من الطعام ما يقابل ثمن الحليب لما ربَّى أحد البقر أبداً ، ولو أن الدجاجة تعطيك في الشهر بيضة واحدة فلا أحد يربي الدجاج ، بل تعطيك كل يومٍ بيضة ، ويجب أن يكون إنتاجها أكبر من مصروفها من أجل أن تقتنيها .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
وبعض الشواهد الأخرى من عالم الحيوان والنبات ، الجوارح ، فالطيور الجوارح التي تتغذَّى بصغار الطير عددها قليل ، لأنها قليلة التفريخ ، تعيش في مواطن خاصة ، ولكنها طويلة الأعمار ، فلو أن هذه الطيور الجوارح كانت تبيض كثيراً وتفرِّخ وتعيش في كل بقاع الأرض لأكلت كل الطيور ، ولكن أعمارها طويلة ، وأعدادها قليلة ، وأماكنها محدودة ، وبيضها محدود ، وتفريخها محدود .
أما الذباب فيبيض ملايين البويضات لكنه يعيش أسبوعين فقط ويموت ، فلو أن الذباب عاش شهرين أو سنتين أو عقدين لغُطِّيَت الأرض كلها بالذباب ، فنمط التوالد أيضاً بقدر .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
11 ـ الميكروبات :
الميكروبات من أكثر مخلوقات الله عدداً ، ومن أكثرها توالداً ، لكن بالمقابل من أضعفها ؛ فالبرد يقتلها ، والحر يقتلها ، وحمض المعدة يقتلها ، والمصول تقتلها ، والهواء وحده يقتلها ، فهي من أكثر المخلوقات عدداً ومن أشدها توالداً لكنها ضعيفةٌ جداً ، فهناك تناسب .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
والحيَّات الصغيرة سمها ناقع ، زعاف ، وسرعتها كبيرة وسلاحها في الهروب واللدغ ، أما الثعابين الكبيرة فسلاحها بقوة عضلاتها ، ضعيفة السُمِّيَة ولكن عضلاتها قوية .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
وهناك حيوان يدافع عن نفسه بالجري ، وحيوان يدافع عن نفسه بالتلوُّن كالحرباء ، وبعض الأسماك تطلق صعقةً كهربائية أحياناً أربعة آلاف فولط تقتل من حولها ، وبعض الأسماك يطلق سحابة سوداء حوله فيغيب عن الأنظار ، فكل حيوان له وسيلة للدفاع عن نفسه .
 
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
12 ـ البويضة في الإنسان :
البويضة في الإنسان بعد أن تلقَّح وتتجه نحو الرحم تأكل جدار الرحم ، ففيها صفة آكلة اللحوم ، وتنغرس في هذا الجدار ، بينما تتهتك جدار الرحم في مكان انفصال البويضة ، فتصبح وسط بركة من الدم هو غذاؤها .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
13 ـ طول الحبل السري :
الحبل السري للطفل طوله بحكمةٍ بالغة ، ولو كان أكثر طولاً لفسد الغذاء في داخله ، ولو كان أقل طولاً لكان الغذاء غير مناسبٍ للطفل ، فحبله مناسب جداً .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
14 ـ تركيب حليب الأم :
وكلكم يعلم أيها الإخوة أن ثدي المرأة بعد الولادة يفرز سائلاً أبيضَ مائلاً إلى الصُفْرَة وفيه كل مناعة الأم ، وفيه مادةٌ تذيب الشحم الذي داخل أمعاء الطفل ، ولذلك هذه المادة تعطيه مناعة الأم وتذيب الشحوم التي داخل الجهاز الهضمي ، وفي اليوم التالي يفرز اللبن .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
حليب الأم تتبدَّل كميته من بضع كؤوس إلى لتر ونصف إذا نضج ، فمن يحدد هذه الكمية .
 
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
تركيب حليب الأم يتبدَّل .. وقد تعجبون إنه يتبدل في الرضعة الواحدة ، فلو أخذنا الحليب في أول الرضعة لكان ماؤه كثيراً ، وفي آخرها قل ماؤه وتركزت فيه المواد الغذائية ، فيتبدل تركيب الحليب في رضعةٍ واحدة ، وكل يومٍ بحسب نمو الطفل .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
15 ـ الطحال خلقه الله له نشاطاً معيناً  :
الطحال يأخذ الخلايا الكريات الحمراء التي ماتت ، يأخذها فيحللها إلى عواملها الأولية ، حديد ، هيموغلوبين ، الحديد يعاد سوقه إلى نقي العظام ، ليعاد تصنيعه من جديد والهيموغلوبين يذهب إلى الكبد ليكون الصفراء ، وفي الثانية الواحدة يموت اثنان ونصف مليون كرية حمراء ، والطحال يأخذ هذه الكريات ويحللها فهو مقبرةٌ لها ، والطحال معمل دم احتياطي ، فلو تعطَّلت مراكز تصنيع الكريات الحمراء في نقي العظام لعمل الطحال كمعملٍ لكريات الدم الحمراء ، والطحال مستودع لكريات الدم الحمراء ، أعرف شاباً جامعياً في كلية الطب انتهى أجله بسببٍ قد لا يصدَّق ، أن هذا الطحال عمل بنشاطٍ أكبر مما ينبغي ، فصار يأخذ كريةً طيبةً فيقتلها ، مات هذا الشاب بسببٍ مرضٍ اسمه فرط نشاط الطحال ، ومعنى ذلك أن كل واحد منا لو اختل توازن الطحال أو عمل أنشط مما ينبغي له لانتهت حياة الإنسان .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
16 ـ نسبة الملح في الدم لها قدر معين :
ونسب الملح في الدم من سبع إلى ثمان بالألف ، فلو قلَّت أو زادت لمات الإنسان ، فتأتي الكلية لتعيِّر الملح في الدم ، فإن أكلت طعاماً مالحاً فالكلية تطرح الملح الزائد،ولو أكلت طعاماً من دون ملح ، فالجسم يأخذ الملح حتى من الفواكه ، فإن أكلت الملح الزائد طرحته الكلية لتبقى النسبة سبعة إلى ثمانية بالألف ، وإن لم تأكل الملح اشتقَّته الأجهزة من أي غذاءٍ آخر .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
16 ـ الغدد النخامية خلقها الله بقدر معين :
الغدة النخامية ملكة الغدد ، تسيطر على كل الغدد الصمَّاء في الجسم ، وتفرز اثني عشر هرمونًا ، وزنها نصف غرام ، ولها إفراز لو تعطل  لأمضى الإنسان الوقت كله إلى جانب الصنبور والمرحاض ، ليشرب مئات اللترات من الماء وليفرغها في المرحاض ، وهي مركز ضبط السوائل في الجسم ، ومركز الحرارة في الجسم ، ولما يكون الإنسان مضطجعاً ويريد أن ينهض ، فلو لم تكن هناك شوارد في الدم تضيِّق لمعات الشرايين فإذا وقف الإنسان يقف ويقع ، لأنه كان مضطجعاً ، فلما وقف بحكم الجاذبية  نزل الدم إلى الأسفل ، وحصل نقص تروية فأصيب بالدوار فوقع ، فحينما يزمع الإنسان أن ينهض فهذه الشوارد تنبه الأوعية وتضيق لمعتها وتبقي الدم محبوساً في القسم الأعلى .
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
17 ـ مطابقة العين :
العين ، مطابقة العين أمرٌ عجيب ، فلو أنك شاهدت سيارةً تجري في الطريق ، و أنت تراها بشكلٍ دقيقٍ دقيق في كل أحوالها ، والعدسة واحدة ، والشبكية واحدة ، ولوحة المحرق واحدة ، فكيف ينطبع الخيال على المحرق الثابت على العدسة والشيء المرئي متحرك ؟ فمعنى ذلك هناك عضلات دقيقة جداً ، وحساسة جداً ، وعالمة جداً تضغط الجسم البلوري في العين ثلاثة ميكرون من أجل أن يبقى الخيال على الشبكية ، فكيفما تحركت السيَّارة ، أو كيفما تحرَّكت الكرة تراها أنت على الشبكية بشكلٍ دقيق ، فالمطابقة التي في العين يعجز عن فهمها الإنسان ، بل إن الإنسان حينما يرى ما دون ستين متراً فالعين تجري أدق عملية مطابقة ، ولو أنّ الله سبحانه وتعالى أوكل هذه العملية إلى الإنسان لما عرف ماذا يفعل ، ولغابت عنه المشاهد والحقائق ، فالعين تطابق وأنت لا تشعر .
18 ـ القلب :
 والقلب له مطابقة ، فلو أنَّ الإنسان خُطِّط قلبه في العناية المشدَّدة لرأيت أنَّ الإنسان إذا حمل الوسادة ارتفعت نبضات قلبه ، على مستوى كيلو ، وعلى مستوى عشرين غراماً أحياناً ، و مئتي غرام ، ورأيت اللوحة تشير إلى التخطيط وعدد ضربات القلب لرأيت فرقاً واضحاً ، فالإنسان يمشي ، ويجري فترتفع نبضات قلبه ، ويصعد الدرج فترتفع ، ويبذل جهداً فترتفع ، ما هذا المُحَرِّك المتوافق مع الجهود ؟ ليس في عالَم الميكانيك محرِّك استطاعته متبدِّلة بحسب حمولته ، فهذا الشيء غير موجود ، لكن قلب الإنسان تتبدَّل استطاعته بتبدُّل الجهد المفروض عليه..
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
أيها الإخوة : عندما يشاهد الإنسان كما تعلمون شيئاً مخيفاً ، كيف  فالصورة تنتقل إلى العين ، وإلى الدماغ ، فالدماغ يأمر الغدَّة النخامية الملكة بالتصرُّف ، والغدَّة النخامية تأمر الكَظَر، والكظر يأمر القلب برفع نبضاته ، ويأمر الأوعية بتضيّيق لمعتها ، ويأمر الكبد بطرح سكّرٍ في الدم إضافي ، ويأمر الكبد بطرح هرمون التجلُّط ، ويأمر الرئتين برفع وجيبهما ، في ثوانٍ معدودة ..
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
19 ـ الأذن :
كيف يمشي الإنسان في الطريق فيستمع إلى صوت بوق سيّارة فينحرف نحو اليمين وهو لا يشعر ماذا فعل ؟ كيف أنَّ الصوت وصل إلى الأذنين معاً ، فوصل إلى الأولى قبل الثانية بجزء من ألف ومئتين وستمئة وعشرين جزء من الثانية ، وعرف الدماغ أن الصوت وصل إلى هنا قبل هنا إذا الصوت من جهة اليمين فيعطي أمراً إلى جهة اليسار ..
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
20 ـ اللعاب :
والإنسان أحياناً عند طبيب الأسنان إذا كان هناك عمل طويل يضع له أنبوباً يسحب لُعَابَه ، لماذا ؟ لأن الإنسان لا يستطيع بلع ريقه إلا إذا أغلق فمه ، فما دام الفم مفتوحاً فاللُعاب يتجمَّع ، ولكن في النوم كيف ينام الإنسان ثماني ساعات أحياناً وفمه مغلق ؟ أين اللُعاب ؟ أين يذهب ؟ كلُّما تجمَّع اللُعاب في فمِ النائم أعطى الجسم إشارةً إلى الدماغ ، والدماغ يأمر البلعوم ولسان المزمار بفتح طريق المري وإغلاق طريق التنفُّس فيبلع الإنسان لُعابَه وهو نائم ، وهو لا يشعر ..
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
   حكمة الله من تقلب الإنسان في نومه :
  
الإنسان وهو نائم هناك هيكل عظمي ، وهناك عضلاتٌ تحت الهيكل العظمي، وعضلاتفوقه ، وزن الهيكل العظمي مع وزن العضلات التي فوق الهيكل العظمي تضغط على العضلات التي هي تحت الهيكل العظمي ، فإذا ضغطت عليها فإن الأوعية الدموية تضيق لمعتها ، فإذا ضاقت ضَعُفَت التروية ، فإذا ضعفت التروية شعر الإنسان بالتنميل ، وهو نائم وهناك مراكز ضغط في الجسم تتحسَّس فتُبلِّغ الدماغ ، والدماغ يأمر العضلات بأن يقلب على الطرف الآخر ، وأنت نائم ، والإنسان النائم يتقلَّب ثماني وثلاثين إلى أربعين مرَّة ، فلو صوَّرنا إنساناً نائماً فإننا نراه يتقلَّب من ثمانٍ وثلاثين إلى أربعين مرَّة ، والله عزَّ وجل قال :
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾
 
 (سورة الكهف : آية " 18 " )
ومن إعجاز القرآن العلمي ، لو أنَّ أهل الكهف لم يتقلَّبوا لتفسَّخوا بعد شهرٍ واحد ، فبقوا في كهفهم ثلاثمئة وازدادوا تسعاً ، إذاً هذا تقليب الإنسان ..
 
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
والله أيها الإخوة : لو أمضيت الوقت كلَّه في تأمُّل بديع صنع الله عزَّ وجل ، في جسمك فقط لما وصلت إلى نتيجة ، ولما أحطت بهذه الآيات ..
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
التفكر والتامل أساس معرفة الخالق :
 
قلت قبل قليل : إن هذه الآية تنتظم الكون كلَّه ، وإن الكون كلّه مصداقٌ لهذه الآية ، وأي شيءٍ تراه عينك إنما هو من تقدير حكيم عليم ، ولذلك إذا أردت أن تعرف الله فتأمَّل في بديع صنعه ، وإذا أردت أن تعرفه حقَّ المعرفة فتفكَّر في خلق السماوات والأرض ، وانظر إلى طعامك ، قال تعالى :
 
                            ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً﴾
 (سورة عبس (
انظر إلى أصلك ممَ خُلِق ؟
﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾
 (سورة الطارق (
 
رحمة الله بالإنسان :
 
خمسمئة مليون حوين تحتاج البويضة إلى حوينٍ واحد ، فلماذا تُفرَزُ الحوينات التي عند الرجل إلى آخر أيام حياته ؟ الرجل قد يُنْجِب وهو في الثمانين وفي التسعين ، أما المرأة فبويضاتها محدودة فإذا انتهت دخلت في سنِّ اليأس ..
                                           ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
و لو أنَّ امرأةً في التسعين حملت فهذا شيء لا يُحتمَل ، ولا يُعقَل ، رحمةً بالمرأة ، فبويضاتها معدودة تنتهي في الأربعين ، أو في الخمسين ، أو في السادسة والأربعين وتدخل سنَّ اليأس ، أما الرجل فغير محدودة ..
                                           ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
و الرجل قد يفقِدُ شعره كلَّه ، لكن المرأة يقلُّ شعرها ولكن لا تفقده كلِّياً ..
                                           ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
أي أن هناك حِكَمًا بالغة يحتاج الإنسان أن يقف عندها ، وعلى كلٍّ فالموضوع طويل ، فالأطيار تحتاج إلى درس ، والأسماك إلى درس ، والجُزُر والخلجان والرؤوس ، والأمطار والسُحُب ، والرياح كل واحد يحتاج إلى درس ، وكل مخلوقٍ لو تأمَّلت صنعته ودقَّته لعرفت أن الله سبحانه وتعالى ..
                                                  ﴿ قَدَّرَ فَهَدَى﴾
 (سورة الأعلى (
 
    بين إرادة الله وأمره لا يوجد وقت أبداً :
 
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾
)سورة طه (
و لذلك فهذه الآية تعدُّ إحدى الآيات الجامعة في كتاب الله ..
 
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾
هذا تقريبٌ لنا ، لمح البصر يحتاج إلى وقت ، أما الله عزَّ وجل فالوقت من خلقه ، وبين إرادته وأمره ليس هناك زمن إطلاقاً ..
 
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾
 
أي أن الله عزَّ وجل يزلزل أعظم المدن في أربع ثوان ، مدينة عريقة ، كبيرة ، فيها ناطحات سحاب ، يمكن بسبع رختر أن تكون منتهية كلها ، أكثر من مئة عام شُيّدت فيها الأبنية فتسقط في أربع ثوان ، وأغادير أربع ثوان انتهت كلها ، فالله عزَّ وجل رحيم ، خمس وثلاث من عشر في الشام فهذه نعمة لأنه لم يحدث شيء ، وفي العقبة سبع واثنتين ، أكثر الأبنية فيها تضعضعت ، وفي القاهرة ست وثلاث ، أما سبع خالصة فعظَّم الله أجركم ، فما هذه الحياة ؟ كل منجزات الإنسان ، وعماراته ، وكل شيء بناه بسبع رختر يكون كل هذا منتهياً ..
 
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
 
إنذار الله تعالى للمنغمسين في المنهيات :
 
هذه الهزَّات الخفيفة إنذار مبكِّر ، إذا عَمَّ الفساد ، وانغمس الناسفي المُلهيات ، وأكلوا الربا ، واستباحوا المحرَّمات فأقلقهم الله عزَّ وجل ..
 
 
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾
مرَّة ضربت مثلاً أيها الإخوة هناك رافعات ضخمة في المعامل تقوم على المغنطة ، فإذا أُحيطت قطعة حديد كبيرة بوشيعة كهربائية تصبح مغناطيسية ، ويمكن لهذه الرافعة أن تحمل عشرةأطنان ، ولا يستطيع إنسان مهما كان قوياً أن ينزع منها شيئاً ، لكن الذي يعمل على هذه الرافعة لو ضغط الزر الذي يقطع الكهرباء عن هذه الرافعة ربع الميلي فإن كل شيء يقع ، فقطع الكهرباء يلغي عمل الرافعة ، وهذا مثل تقريبي ، فضغط بسيط ، عشرة أطنان حديد محمولة ملتصقة بالرافعة ، والإنسان مهما كان رياضياً لا يستطيع أن ينزع منها شيئاً ، أما العامل الذي على هذه الرافعة فضغطة أقل من عشر الميلي لقطع الكهرباء كل شيء يقع ، فكيف بخالق الكون؟..
 
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾
كن فيكون زُلْ فيزول ..
 
إهلاك الأقوام السابقة بأفعالهم :
 
 
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾
أي من كان على شاكلتكم ، ومن شايعكم ، ومن كانمثلكم  ..
 
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾
 
من قبل ، عاد وثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ..
 
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾
أي في الكتب مسجَّل كل شيء فعلوه .
 
العاقل من يتوب قبل الموت والحساب الدقيق :
 
الإنسان يوم القيامة يقول  :
 
﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾
 (سورة الكهف : آية " 49 " )
و الآن يخالف السرعة فتُرسَل له إلى البيت صورة سيارته مع رقمها ملونة ومع التاريخ والسرعة ، ويجعلونه يدفع الغرامة ، والإنسان يمكنه أن يضبط الحركات ، فيقول لك : الطريق مراقب بالرادار ، الصالة مراقبة تلفزيونياً ، والإنسان مراقب من قِبَل أخيه الإنسان فكيف من قِبَل الواحد الديَّان ؟..
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾
 
ما قولك أن يأتي الإنسان يوم القيامة وأن يشاهد أفعاله كلَّها صغيرها وكبيرها ، دقيقها وجليلها ، بوقتها ، وزمنها ومكانها ، وملابساتها ، ونياتها وكل ما يرافقها أن يراها أمامه معروضةً وينادي الحقّ جلَّ جلاله  :
 
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾
 (سورة الإسراء (
فالإنسان إذا أدخل في حسابه اليومي أن كل أعماله مُسَطَّرةٌ عليه وسوف يحاسَب عنها لابدَّ من أن يستقيم على أمر الله  ..
 
تسجيل أعمال الإنسان عليه :
 
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾
مسجَّل ..
 
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾
و الله قال  :
 
 
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾
)سورة آل عمران : آية " 181 " )
هذه سجِّلت عليهم .
 
نسيان فضل الله على الإنسان كفر به :
   
هناك كلمات فيها كفر أحياناً ، يقول  :
 
 
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
 (سورة القصص : آية " 78 " )
وأناسٌ كثيرون يقولون لك : هذا جهدي ، وهذه خبرتي ، وهذا كدّي وسَعْيي ، وينسى فضل الله عزَّ وجل ، بدل أن يقول : هذا من توفيق الله ، وهذا من فضل الله عليّ ..
 
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
 
 (سورة القصص : آية " 78 " )
أحدهم في سهرة قال : أنا لن أموت قريباً ، فسُئل ما الدليل ؟ قال : لأنني أمشي كثيراً ، وآكل قليلاً ، وأبذل جهداً ، ولا أحمل همَّاً ، ولا أُدَخِّن ، إنه قال هذا الكلام يوم السبت وفي السبت الذي يليه كان تحت الأرض ، واجتمع أصدقاؤه ولم يكن بينهم ، فعلى الإنسان ألا يتكلَّم كلاماً أكبر من حجمه ..
 
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾
 
)سورة آل عمران : آية " 181 " )
   
التوحيد يخفف من المصائب : 
 
طبعاً الإنسان يجب أن يأكل قليلاً ، وأن لا يدخِّن وأن يبذل جهداً ، ولا يتلقَّى الأمور بهمٍِّ شديد ، فالله المدبِّر ، والتوحيد يخفِّف من وقع المصائب ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ولكن أن تعتقد أن هذه الأشياء وحدها تطيل العمر فهنا الشرك ..
 
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾
 
   إكرام المؤمنين يوم القيامة إما :
 
1 ـ إكرام مادي :
الآية بدأناها ..
 
 
 
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾
 
والآن الطرف الآخر (طرف المؤمنين) قال  :
 
 
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾
هؤلاء الذين اتقوا ربهم في الدنيا ، وهؤلاء الذين التزموا أمر الله ونهيه ، والذين تقرَّبوا إليه ، وتعرَّفوا إليه ، وأقبلوا عليه ، وذكروه أناء الليل وأطراف النهار ، واستقاموا على أمره ، وخدموا خلقه ، واتقوا أن يعصوه ، أو أن يغضبوه ، اتقوا سخط الله عزَّ وجل ..
 
 
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾
 
هذا النعيم المادي .
2 ـ إكرام معنوي :
أما المعنوي  :
 
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
 
فأحياناً الإنسان يُدْعَى إلى وليمة ويكون ضيف الشرف ، فهناك إكرامان : إكرام مادي ، وإكرام معنوي ، ترحيب منقطع النظير ، وتكريم ، يوضَع في أفضل مكان ، وتُقَدَّم له آيات الاحترام والتبجيل ، فأحياناً الإنسان يجمع بين التكريم المادي والتكريم الأدبي ..
 
 
 
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾
 
ماديّاً ، أما معنوياً :
 
 
 
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
 
مركز المؤمن عند الله كبير :
 
إن  مركز المؤمن عند الله كبير ، وقد كان النبي الكريم يدعو ويقول :
((اللهمَّ اجعلني في عين نفسي صغيراً وفي عين الناس كبيراً  ((
 وهناك أشخاص عند الله كبراء ، وعند أنفسهم صغراء : أهلاً بمن خبَّرني جبريل بقدومه :
(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ )) .
( أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك)
 
 
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾
 
 
 
 
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
 
 
 
 
 
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾
 
اللهمَّ اجعلنا من هؤلاء .
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب