سورة القمر 054 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 08)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة القمر 054 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 08)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 20 - صفات الدعم ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها: مهنتي فقهها وادابها - 51 - مهنة الوظيفة العمومية5           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - القشة التي قصمت ظهر البعير           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0451 - سورة يوسف 094 - 095           برنامج بذور - برنامج زراعي:  برنامج بذور -الحلقة - 89           برنامج مهنتي فقهها وآدابها: مهنتي فقهها وادابها - 50 - مهنة الوظيفة العمومية4         

الشيخ/

New Page 1

     سورة القمر

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة القمر ـ الآيات: (01 - 08)

28/08/2013 17:24:00

سورة القمر (054)
 
الدرس (1)
 
تفسير الآيات: (1 - 8)
 
 
لفضيلة الدكتور
 
محمد راتب النابلسي
 

 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الأول من سورة القمر.
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾
 
أحد أشراط الساعة بعثة النبي الكريم:
 
 الساعة يوم القيامة، واقتربت أي اقترب مجيئها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( بعثتُ أنا والساعةَ كهاتين ))
( رواه الطبراني عن سهل بن سعد )
 أي أن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أحد أشراط الساعة، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام عن أشراط الساعة الشيء الكثير بعضها وقع وبعضها لمَّا يقع.
 
استعداد الناس لساعة الفراق :
 
 أيها الأخوة:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
 أي يا أيها العباد هيؤوا أنفسكم لهذه الساعة، ويمكن أن نفهم نحن من هذه الآية أن لكلٍ منَّا ساعة قد تأتي قبل يوم القيامة، فالأوْلى أن يستعدَّ الإنسان لساعته، ساعة فِراق الدنيا، وساعة لقاء ربِّه، وأن يستعد لهذه الساعة بمعرفة الله، ومعرفة كتابه، ومعرفة سنَّة النبي، وبالتوبة، والعمل الصالح، والبذل، والتضحية، كأن يقول إنسان ناصح لطلابه:  اقترب الامتحان، فما معنى اقترب الامتحان ؟ أي ينبغي أن نستعدَّ له بالدراسة، وإتقانها، وبالحفظ، واستغلال الوقت، وعدم تضييعه، وبالتعمُّق، والمذاكرة، والتدريب من أجل أن ننجح في الامتحان، فاقتراب الامتحان أي ادرسوا، واقتراب الساعة يوم القيامة أي استعدُّوا لهذا اليوم، يوم الدين، أو يوم الدينونة، أو الجزاء، أو الحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ويوم الحق، ويوم الفصل، وأن يأخذ كل ذي حقٍّ حقَّه، و أن تنكشف الحقائق، وتصبح واضحةً كالشمس، أي يوم تقع الواقعة:
﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) ﴾
(سورة الواقعة )
 ومن لوازم وجود الإله وهو الحقّ أن يقيم الحق، وأن تسوَّى كل الحسابات، وأن تؤدَّى كل الحقوق، وتُدفَع كل الغرامات، ويُحاسَب الإنسان عن كل أعماله، هذا هو يوم الدين.
 
الاستقامة سبب الإيمان بالحساب:
 
 أيها الأخوة: ذكرت هذا قبل درسين سابقين: وفرقٌ كبير بين أن تؤمن بالحساب وبين أن تتوهم العبثية، إن توهَّمت العبثية فلن تستقيم على أمر الله، أما إن آمنت بالحساب فلابدَّ من أن تستقيم، والله عزَّ وجل كل أسمائه محقَّقةٌ في الدنيا إلا اسم العَدل فلا تراه واضحاً جليّاً إلا يوم القيامة، فالله سبحانه وتعالى يبدأ الخلق وقد بدأه، ثم يعيده لماذا ؟
﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
(سورة طه )
 
تسجيل حركات الإنسان و سكناته يؤدي إلى انضباطه:
 
 مرَّة ركبت مع صديقٍ لي في مركبته، وقد وضع صورةً لها وقد التُقِطَت من جهاز الرادار، وأُرسِلَت له إلى البيت، أي هذا أنت، في التاريخ، والساعة، والدقيقة، والسرعة كانت كذا، وصورة المركبة ولوحتها، وهذا الشيء مُسكِت، فلا يستطيع أن يقول كلمة، ولا حرفًا، لم أكن أو كنت، في الوقت، والتاريخ، واليوم، والمكان، والسرعة، وصورة المركبة مع لوحتها، فإذا كانت كل أعمالنا عند الله هكذا، وهي أعمالنا مسجَّلة بدقائقها، وتفاصيلها، ووقتها، ومكانها، وزمانها، ويوم القيامة تُعرَض علينا.
﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾
(سورة الكهف)
 فإذا توهّم الإنسان أن جهازه الهاتفي مراقب فكيف يتكلَّم ؟ وإذا راقب إنسان إنسانًا، أي مخلوق راقب مخلوقًا فإنه ينضبط أشدَّ الانضباط، فكيف إذا أيقن أن على كتفيه ملكين يسجِّلان عليه كل حركاته وسكناته، وكل أعماله خيرها وشرِّها، صالحها وطالحها ؟
 
استعداد الإنسان ليوم القيامة بالتوبة:
 
 كأن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
 أي يا عبادي استعدّوا، استعدوا لها بالتوبة، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، فملك الموت تخطَّاكم إلى غيركم وسيتخّطى غيركم إليكم فخذوا حذركم.
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
 فإذا أردت أن تفهم الساعة على أنها يوم القيامة وهذا هو الأصل، ولكن الشيء الواقعي والقريب منَّا أنه لكل منَّا ساعته التي لابدَّ منها، وقد تأتي قبل يوم القيامة، والزمن يمضي، والإنسان في خسر لأن الزمن يستهلكه، وكلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
 
المؤشرات التي تدل الإنسان على اقتراب ساعته:
 
 أحياناً الإنسان يشيب شعره، ويضعف بصره، وسمعه، وتسقط أسنانه، وينحني ظهره، ويتألَّم في مفاصله، وتضطرب نسب دمه، وتزداد الحموض، والمواد الدسمة، فهذه المؤشِّرات تدل على أن الساعة قد اقتربت، يا عبدي لقد اقترب اللقاء فهل أنت مستعد ؟
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في الــمقال شنيع
لـو كان حبك صادقا لأطعته إن المـــحب لمن يحب يطيع
***
 إذاً الآية الكريمة:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
 أي استعدّوا لها بالتوبة:
(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد))
( أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة )
 
أبواب التوبة مفتوحة لكل الناس:
 
 الشيء لا يُصدَّق أن الماضي كلَّه يُلغى بثانية، من تاب من ذنبه كمن لا ذنب له وإذا ذهب الإنسان إلى بيت الله الحرام تائباً منيباً مخلصاً عاد من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وإذا جاءه رمضان وصام صوماً صحيحاً، صام نهاره وقام ليله وعبد ربَّه خرج من رمضان كيوم ولدته أمَّه وأعتقه الله من النار، وإذا تاب العبد، وصام، وحجَّ، وصلَّى الجمعة وتاب في أثنائها كفَّر الله كل سيئاته التي كانت قبلها، فأبواب التوبة مفتَّحةٌ على مصارعها، والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نتوب، والدليل:
 
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
(سورة النساء: آية " 27")
 و ما فتح لكم باب التوبة إلا ليتوب عليكم، وما فتح لكم باب الاستغفار إلا ليغفر لكم، وما فتح لكم باب الدعاء إلا ليستجيب لكم، قال لكم:
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
(سورة غافر: آية " 60 " )
 استغفروني أغفر لكم، توبوا إلي أتب عليكم، فماذا بقي ؟ وهذا معنى:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
 
العاقل من كسب وقته و لم يضيعه في أشياء تافهة:
 
 كأن تقول لطالبٍ في نهاية العام الدراسي: اقترب الامتحان، أي اذهب إلى النزهات ؟ أو نم إلى منتصف النهار ؟ أو تسلى بأشياء سخيفة ؟ فهل يُعقَل هذا ؟ ماذا نقصد من قولنا لطالبٍ على وشك الامتحان: اقترب الامتحان ؟ أي انتبه، و استنفر، وشَمِّر، واكسب وقتك، وإياك أن تضيعه، هذا معنى:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
 فالساعة أي يوم القيامة، والساعة ساعتنا كلُّنا، ساعتنا ساعة مغادرة الدنيا:
﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾
 
الكون أكبر معجزة للإنسان:
 
 الله عزَّ وجل كما ورد في سورة الإسراء في قوله تعالى، الله جلَّ جلاله ذكر في هذه السورة الكريمة حديثاً:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً (93) ﴾
(سورة الإسراء )
 أي أن كفَّار قريش طالبوا النبي بمعجزاتٍ حسِّية، وهذه الآيات التي تلوتها عليكم تؤكِّد هذه الحقيقة، طالبوه بمعجزاتٍ حسّية، وغاب عنهم أن القمر أعظم من انشقاقه، وأن الشمس أعظم من انطماسها، وأن نظام الكون على ما هو عليه أعظم من خرقه، ولكن الكافر يتعنَّت، و يطمس ما يوصله إلى الحقيقة، وقد ورد في الأثر: أن حسبكم الكون معجزة، الكون وحده.
 
خلق الإنسان معجزة من معجزات الرحمن:
 
 ابنك الذي أمامك كيف خُلِّق من نقطةٍ لا ترى بالعين ؟ و الخمسمئة مليون نطفة تشكِّل اثنين سنتيمتر مكعَّب، أو سنتيمتراً مكعَّبًا، والطفل خُلِّق من نطفةٍ واحدة لقَّحت بويضةً، وانقسمت إلى عشرة آلاف قسم، وتشكلَّ الدماغ، مئة وأربعون مليار خلية استنادية لم تُعرَف وظيفتها بعد، أربع عشرة مليار خلية سمراء فيها النشاط الفكري، والمحاكمة، والتصور، والتذكُّر، وأعصاب لا يعلم عددها إلا الله، مئة وخمسون ألف كليو متر من الأوعية الدموية في جسم الإنسان، ثلاثمئة ألف شعرة ولكل شعرة وريدٌ، وشريانُ، وعصبٌ، وعضلةٌ، وغدَّةٌ دهنيةٌ، وغدَّةٌ صبغيةٌ، ومئة وثلاثون مليون عصيَّة ومخروط في شبكية العين لالتقاط الصور، والقلب يضخ ثمانية أمتار مكعَّبة في اليوم الواحد، والأسرة قد تستهلك في السنة بأكملها مترًا مكعبًا وقوداً سائلاً، أما القلب ففي اليوم الواحد يضخ ثمانية أمتار مكعبة دون كللٍ ولا مللٍ، بدسَّامات، وبطينين، وأذينين، وشريان أبهر، والشرايين قلوب، فالشريان مرن، يأخذ دور القلب فإذا نبض القلب اتسع الشريان، لأنه مرن وإذا عاد إلى وضعه الطبيعي ضخَّ الدم وبالتالي، فكل شريانٍ مضخَّةٌ تعين القلب، وحينما تتصلَّب الشرايين يضعف القلب، وقد قالوا: عمر الإنسان من عمر شرايينه.
 
كل شيء في الكون يدل على الله:
 
 اكتشفوا الآن أن زيت الزيتون وحده هو الذي يقي من تصلُّب الشرايين، فالإنسان بوضعه الراهن، أي بعضلاته، وأعضائه، وعظامه، وأعصابه، وجهاز الدوران، وجهاز الهضم، وجهاز التصفية والإخراج
فالإنسان وحده معجزة، والتفَّاحة معجزة، والقمح معجزة، ونزول هذه الأمطار معجزة، وهل يوجد عندنا شيء يتحرَّك بلا صوت، بربكم ؟ فطائرة تحمل خمسمئة راكب تملأ الدنيا ضجيجاً.
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾
( سورة النمل: 88)
 بلا صوت:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
(سورة النمل: آية " 88 " )
 فالحقيقة الإنسان إذا نما عقله يرى أن كل شيءٍ في الكون يدّل على الله، وعلى وجوده، وعلى وحدانيته، وعلى كماله، أما الذين يطلبون خرق النواميس فهؤلاء ما عرفوا حقيقة الكون، ولو عرفوها لذابوا إعظاماً لله عزَّ وجل، لا على خرقه للنواميس بل على خلقه المتقن وصنعته المتقنة:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)﴾
(سورة الملك )
 
 
وَانْشَقَّ الْقَمَرُ: آية لها عدة تفسيرات:
 
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾
 كلمة انشقَّ القمر العلماء فسَّروها تفسيرات عديدة، منهم من قال: " القمر انشق حقيقةً مرَّتين في عهد النبي، وانشقاق القمر من معجزاته الحسّية "، إذْ علَّق كفَّار مكة إيمانهم على آيةٍ حسيّة فقد جاءت هذه الآية الحسيّة وانشقَّ القمر، وبعضهم قال: " اقتربت الساعة واقترب انشقاق القمر "، واقتربت الساعة تُشْبِهُها آيةٌ كريمة وهي:
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
(سورة النحل: آية " 1 " )
 ومعنى هذا أنه لم يأت، ولكن الإله إذا قرَّر شيئاً فكأنه وقع.
 
الله تعالى وحده يستخدم الفعل الماضي ليعبر عن المستقبل:
 
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117)﴾
( سورة المائدة )
 هذا الشيء لم يقع بعد، فلماذا عبَّر الله عنه بالفعل الماضي ؟ قالوا: هذا الماضي الذي عبَّر الله به عن المستقبل لتحقُّق الوقوع، والإنسان مهما كان قوياً، ومهما كان متمكِّناً فإنه يقول لك: سأفعل كذا بعد أسبوع، وقد يموت قبل أن يفعل، ولا توجد جهة في الكون تستطيع أن تجزم بفعلٍ شيءٍ قبل وقوعه إلا الله، ولذلك فربّنا وحده إن عبَّر عن المستقبل يستخدم الفعل الماضي.
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّه﴾
 إنه لم يأتْ بعد، والدليل:
﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
 فالله جلَّ جلاله إذا وعد بشيء وقع.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
(سورة يس )
 
انشقاق القمر من المعجزات الحسية للنبي الكريم:
 
 إما أن نفهم الآية على أن القمر انشقَّ حقيقةً، وهو من المعجزات الحسيّة للنبي عليه الصلاة والسلام، كما قال كفَّار قريش: يجب أن تأتينا بالملائكة قبيلاً، وأن تفجر الأرض ينبوعاً.. إلخ، فكانت هذه الآية إجابةً لطلبهم كي يؤمنوا، وبعضهم قال: " انشقاق القمر لم يقع بعد لقوله تعالى:
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾
(سورة الرحمن )
 والقمر من السماء، فإما أن نعتقد أن القمر لم ينشقَّ بعدُ، وإما أن نعتقد كما قال بعض المفسِّرين: إنه انشق.
 
انغماس الكفار في شهواتهم و عدم إصغائهم إلى الحق:
 
 على كلٍ العبرة فيما يلي:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) ﴾
 وهؤلاء الكفَّار الذين انغمسوا في شهواتهم إلى قمَّة رؤوسهم، وأرادوا الدنيا، وأرادوا مالها، ونساءها، وزينتها، ومباهجها، و متعَها الرخيصة، فهؤلاء لا يستطيعون أن يصغوا إلى الحق لأنهم إن أصغوا إليه قيّدهم وألجمهم، وحدَّد حركتهم، فالذين ينغمسون في ملذَّاتهم إلى قمَّة رؤوسهم، فهؤلاء الذين يردّون الحق، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( الكبِرْ بطَرُ الحقِّ، وغمطُ الناس ))
( أخرجه مسلم و الترمذي عن عبد الله بن مسعود )
 بطر الحقِّ أي ردُّ الحق، تأتيه آيةٌ كالشمس في رابعة النهار، فيركب رأسه وينكرها، ويأتي زلزال واضح جداً فيقول لك: اضطرابٌ في القشرة الأرضية، ولا يقبل أن تُفسَّر الأشياء تفسيراً سماوياً، ولا يقبل إلا التفسير الأرضي:
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾
(سورة الزمر: آية " 45 " )
 أما إذا فسَّرت الأمور تفسيرًا أرضيًا شركيًا فيقبلونه.
 
الآيات الكونية و التكوينية و القرآنية تدل على الله:
 
 إذاً:
﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً﴾
 آيةً كونيةً، وما أكثر الآيات الكونية، فالله عزَّ وجل ونحن تحت سمعنا وبصرنا نرى بلاداً أصابها الجفاف سنواتٍ عِجافاً أكلت الأخضر واليابس، ونرى بلاداً أصابتها أعاصير فدمَّرت كل شيء، وبلاداً أُهلِكَت بالفيضانات، وبلاداً أُهلِكَت بحروبٍ أهلية، فالله جلَّ جلاله يقول:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
(سورة النحل )
 إنه شيء مخيف، فالآيات تتلى، وهي بين أيدينا، نصغي إليها صباحاً ومساءً فمركبةٌ فضائية سمَّوها المتحدّية احترقت بعد سبعين ثانية وعليها سبعة روَّاد فضاء وفيهم امرأة، يتحدّون من ؟ أحياناً توضع الثقة كلّها بشيءٍ فيأتي إعصارٌ يدمّره، أو زلزالٌ يهدمه، فهذه آيات، والذي فعله الله بالأقوام السابقة آيات، وهناك آياتٌ كونية، فالشمس والقمر آيتان، الليل والنهار آيتان، والسماوات والأرض آياتٌ تدل على عظمة الله عزَّ وجل، فخلق الإنسان آية، وطعامه وشرابه، والأسماك، و الأطيار، والهواء، والماء، هذه آياته الكونية تدل عليه، وكتابه آياتٌ قرآنية، وأفعاله آياتٌ تكوينية، فأنت بين آياتٍ ثلاث: بين آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، فالكون خلْقه، والقرآن كلامه، والأحداث أفعاله، وكل هذا يدلّ عليه.
 
معاني كلمة مستمر:
 
﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ﴾
 سُحِرنا.
﴿مُسْتَمِرٌّ﴾
 فهي معانٍ ثلاثة، مستمر أي محكم، و متقن، ودائم، فكثيراً ما يأتي الناس بمثل هذه الأقوال، سحر دائم، أو ذاهب لا قيمة له وسوف ينقضي، فهو إما ذاهب، أو مستمر، أو محكم.
﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾
 فهم كالنعامة تماماً حينما تواجه الحقيقة تغرس رأسها في الرمل وتتوهَّم الحمقاء أنها نجت، لكنها لم تنجُ، أن تغمس النعامة رأسها في الرمل متوهِّمةً أنها ناجيةٌ من الخطر القريب منها فهو منتهى الحمق والغباء، ولذلك فبعض الكفَّار كالنعامة يغرسون رؤوسهم في الرمال ويتعامون عن الحقائق الدينية الباهرة على توهّم أنهم سينجون.
 
لن تكون في مأمن من عذاب الله إلا إذا كنت على منهجه:
 
 النقطة الدقيقة جداً التي أُلِحُّ عليها في هذه المناسبة، أنه إذ لم تؤمن أنت بقانون فلا تستطيع أن تمنع وقوعه، فقانون السقوط إن لم تعبأ به ونزلت من طائرةٍ بلا مظلَّة فإنك لا تنجو من أن تقع مكسَّر الأضلاع، لأن القانون قائم وواقع آمنت به أو لم تؤمن، قدَّسته أو لم تقدِّسه، قَبِلْتَهُ أو لم تقبله، فالقانون واقع، فسنَّة الله ساريةٌ في عباده انَتبهوا إليها أو لم ينتبهوا، وأيقنوا أو لم يوقنوا، فلا يمنعك من الله إلا أن تكون على منهجه في أمره ونهيه.
﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا ﴾
 دقِّقوا:
﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾
 
العلاقة بين إتباع الهوى و التكذيب:
 
 لماذا كذَّبوا ؟ لأنهم اتبعوا أهواءهم، ولماذا اتبعوا أهواءهم ؟ لأنهم كذَّبوا، ماذا نقول في العلاقة بين الكلمتين ؟ نقول هناك علاقةٌ ترابطية، لأن الإنسان حينما يكذِّب بالآخرة فالشيء الطبيعي جداً أن يتبع هواه باعتقاده لا توجد آخرة، ولا حساب، ولا مسؤولية، والقضية عنده عبث، والإنسان يُترَك سُدى، والخلق خَلْقُ عبث أي لا غاية له، فلو آمنت هكذا فيجب أن تتبِع الهوى، وهذا شيء طبيعي، أما إذا آمنت أن الإنسان لن يُترَك سدى، وأن الله سبحانه وتعالى لم يخلقنا عبثاً، وأننا سوف نُسأل وسنًحاسَب، وسوف يُقتصُّ منَّا واحداً واحداً، وسوف تسوَّى الحسابات، وتؤخذ الظلمَات، ويدفع الثمن أصحابها غاليا، وعندئذٍ يستقيم على أمر الله.
﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾
 وهذا المعنى تؤكِّده آيةٌ أخرى، فالله عزَّ وجل قال:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾
(سورة النور: آية " 55 " )
 
العلاقة بين إضاعة الصلاة و إتباع الشهوات:
 
 قد يسأل سائل ما الوضع ؟ نحن أين موقعنا من هذه الآية ؟ موقعنا هو قوله تعالى:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
( سورة مريم )
 لماذا أضاعوا الصلوات ؟ لأنهم اتبعوا الشهوات، ولماذا اتبعوا الشهوات ؟ لأنهم أضاعوا الصلوات، علاقةٌ ترابطية بين إضاعة الصلاة وإتباع الشهوات.
﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾
 آيةٌ ثالثة:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
(سورة القصص)
 
الاستقرار على الحق أساس كل شيء:
 
 أما الآية الدقيقة:
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾
 الأمور تستقرُّ على الصحيح، فالباغي تدور الدوائر عليه، والمُخادِع يخدع نفسه، والذي يمكر لا يمكر إلا بنفسه، والذي يستهزئ، يستهزئ بنفسه، فالإنسان مهما تحرَّك فالأمور تستقر على الحق، فتصوّر كرة وألصق في جدارها الداخلي قطعة رصاص ودحرجها فإنها لا تستقر إلا والرصاصة على الأرض.
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾
 الاستقرار على الحق، فالله عزَّ وجل يدمِّر الظالم، وينصر المستقيم، ويرفع مكانة الأمين، ويفضح الخائن، ويدعم الصادق، و يفضح الكاذب، وكل أمرٍ مستقر.
﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾
 
سنة الله في خلقه:
 
 (( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل كما شئت، كما تدين تدان ))
( أخرجه عبد الرزاق في الجامع عن أبى قلابة )
 لأن الله موجود، ولأن الأمر كله بيده، ولأنه الفعَّال لما يريد، والقاهر فوق عباده، وهو على كل شيءٍ وكيل، فالبرُّ لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديَّان لا يموت، والمستقيم له معاملة، وله مصير رسمه الله له، في تأييد ونصر وحفظ، فالمنحرف له معاملة، فينكشف انحرافه ويلقى جزاء عمله، والغاشّ للمسلمين له معاملة، إذ يفضحه الله ويخسر المال الذي جمعه من غِشِّه، فيفضحه الله على رؤوس الأشهاد ويخسر المال بل أضعاف المال الذي جمعه من الغِشّ، والنصوح يرفع الله اسمه ويدعم عمله.
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾
 والرحيم يتجلّى الله عزَّ وجل على قلبه:
((الراحمون يرحمهم الله))
( أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص )
 فكل أمرٍ مستقر، والغاش يُكشَف غشّه، والمنافق يُكشَف نفاقه، والمُحتال يُكشَف احتياله، والأمور لا تستمر على وضعها غير الصحيح، وهذه سنَّة الله في خلقه، فإنسان يحتال على الناس، لابدّ من أن يفضحه الله، وإنسان يكذب، لابدَّ من أن يُكشَف كذبه، والأمور لا تستقر، فالحائط لا يستقر إلا إذا بني على شاقول، فإذا بني من دون شاقول أصبح مائلاً ولابدَّ من أن يقع، ووقوع البناء دليل أنه لم يكن صحيحاً، وثبات البناء دليل أنه بني صحيحاً.
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾
 زوجان بَنَيا زواجهما على طاعة الله، فهذا الزواج يستقر ويتنامى، وزوجان بنيا زواجهما على معصية الله، فهذا الزواج يتصدَّع وينهار.
 
الأمور التي يفعلها الله تعالى مبنية على علم منه:
 
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾
 يوجد معنى آخر لهذه الآية: فالأمور التي يفعلها الله عزَّ وجل مبنيةٌ على علم، واستقرار الشيء دليل إتقان صنعته، فأحياناً تكون المنضدة قد صُنِعَت بشكلٍ سريع غير متقن، فهي غير مستقرَّة، بل تتحرَّك، أما إذا كانت مستقرَّة فمعنى هذا أنها متماسكة، ومتوازنة، ومدروسة، فالاستقرار معناه إتقان الصنعة، وكل أمرٍ خلقه الله عزَّ وجل مستقرٌّ على علمٍ، و حكمةٍ، وعدلٍ، ورحمةٍ، وعدالةٍ، وهذا المعنى الثاني.
﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ(4)﴾
 
قصص الأقوام السابقة زجر للمنحرفين:
 
 هذا كتاب الله فيه قصص الأقوام السابقين ؛ قوم عادٍ وثمود، وقوم تبَّع، وأصحاب الأيكة، وقوم نوح، ولوط، وإبراهيم كيف أنهم كذَّبوا فأهلكهم الله عزّ وجل، هؤلاء.
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) ﴾
(سورة المطففين )
 هؤلاء يحاسَبون، فالقرآن فيه قصص الأقوام السابقة، أليست هذه مزدجراً للمنحرفين ؟ ففي القرآن الكريم آياتٌ كثيرة.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
(سورة النحل )
 أليست هذه الأنباء كافيةً كي تزجر المنحرفين ؟ ففيه قصص الأنبياء السابقين، أو أقوامهم المكذّبين، وفيه آيات الحلال والحرام، والحقّ والباطل، والخير والشر، ومشاهد يوم القيامة وما يتعذَّب فيه الكفَّار في النار، وما يتنعَّم فيه المؤمنون في الجنة.
 
عدم نفع النذر عند تعطيل العقل:
 
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾
 في هذا الكتاب.
﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾
 ومع ذلك لم يزدجروا، فقد يأتيك طبيب بإحصاءات مذهلة أن نسب الذين يصابون بأمراض القلب من بين المدخّنين عشرة أمثال، فطبيبٌ جرَّاح للقلبٍ قال لي بالحرف الواحد: والله أنا أجري عمليات قلب مفتوح منذ سبع سنوات في هذه البلدة، وما دخل إلى غرفة العمليات مريضٌ واحد إلا وهو يدخِّن، تعطيه أمثلة، وشواهد، وأدلَّة، وأٌقوال، وورماً خبيثاً في الرئة، والحنجرة، واللسان، واحتمال الغرغرين.. ومرض الموات. وتصلُّب الشرايين، وضعف القلب، وتسرُّعه، والجلطة، وإنك تعطيه الأدلَّة الكافية ومع ذلك يدخِّن، الأمر عجيب:
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) ﴾
 فالإنسان إذا عطَّل عقله فالنذُر لا تنفعه.
 
الإنسان يملك باعثين: العقل و الشهوة:
 
 الإنسان له باعثان: باعث العقل، وباعث الشهوة، فإن استجاب لباعث الشهوة فإنه يمشي في طريق الهلاك، أما إذا استجاب لباعث العقل فهو في طريق النجاة، وإن استجاب لباعث إرضاء الله فهو في طريق السعادة، أما إذا استجاب لباعث إرضاء الذَّات فهو في طريق الشقاء، إن استجاب لباعث العمل للآخرة كسِبَ الدنيا والآخرة، وإن استجاب لباعث العمل للدنيا خسِر الدنيا والآخرة، فيوجد باعثان وليس هناك باعثٌ ثالث، بل حتميّة الباعثين.
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾
(سورة القصص: آية " 50 " )
 
الإنسان إن لم يعرف الله و يطلب الحقيقة لا ينفعه شيء:
 
 لذلك:
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾
 فالإنسان أحياناً يجب أن يقف موقفًا جريئًا، فهذا كلام الله، وهل هناك شك ؟ لا، فالله عزَّ وجل يَعِد العصاة بالنار، فما موقفك ؟ وهل أنت مصدِّقٌ لهذا الوعيد أم لست مصدِّقاً له ؟ فالطبيبُ إذا منعك أكلةً تحبُّها فإنك تمتنع عنها، وأنت تحبها جداً، أيكون وعيد الطبيب أشدَّ من وعيد الله ؟ أتصدِّق الطبيب دون أن تصدِّق الله عزَّ وجل ؟ فالإنسان حينما يعصي الله فهو محاصر، وموضوع في زاوية ضيّقة، ومتَّهم بالغباء، وبالكُفْرَان.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) ﴾
 أي أن الإنسان إن لم يتخذ قراراً بمعرفة الله وطلب الحقيقة من أعماق أعماقه فلا ينفعه شيء، ولو أنَّ الآيات حوله من كل جانب، لو أنَّ الأحداث كلَّها تؤكِّد حقيقة الدين فلا ينتفع بها، أما إذا أراد أن يعرف الله فإن كل شيءٍ في الكون يدلُّه على الله، كونه، وأفعاله، وكلامه.
 
اختيار الإنسان لطريق الحق أو الباطل:
 
﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾
 إن الإنسان مخيّر، وإذا أراد أن يهتدي تعرَّف إلى الله من خلال عقله، أو فطرته، أو الأحداث التي حوله، أو كتابه، أما إذا أراد أن يتَّبع شهوته فلو أنَّ الأمور كلها تنطق بحقائق الدين ما استمع إليها.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾
 دعهم لي، هذا كلام فيه تهديد، دعهم يا محمد لقد أصمَّوا آذانهم، حبهم للدنيا أعماهم وأصمَّهم، دعهم لي، إن لم يستجيبوا لك فتولَّ عنهم.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾
 ليومٍ عسير:
﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) ٌ﴾
 
خيارنا مع الإيمان خيار وقت فقط:
 
 إخوانا الكرام: الحقيقة خطيرة جداً، أنت خيارك مع الإيمان خيار وقت (دقّقوا فيما سأقول)، إن لم تؤمن الآن وأنت صحيحٌ، قويٌ، غنيٌ، حي، فهذا أخذته من قول النبي الكريم
(( اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك ))
( أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس، و أحمد عن عمرو بن ميمون )
 فإن لم تؤمن وأنت شاب، صحيح، غني، فارغ، حَيّ، فلابدَّ من أن تؤمن بعد فوات الأوان، ففرعون قال:
﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾
(سورة يونس: آية " 90 " )
 قيل له:
﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾
(سورة يونس: آية " 91 " )
 ما نَفْعُ إيمانك الآن ؟ نحن مع الإيمان ليس خيارنا خيار قبول أو رفض، بل خيار وقت فقط.
 
الحقائق التي يعرضها القرآن ستراها إن لم تؤمن بعد مغادرة الدنيا:
 
 ذكرت هذا في الأسبوع الماضي: أن الفرق بين المصاب بالإيدز والحامل لهذا الفيروس ليس فرقاً في النوع لكنه فرقٌ في الوقت فقط، فالمصاب ظهرت عليه أعراض الإيدز المرعبة، وأما الحامل أعراض الإيدز المرعبة ففي طريقها إلى الظهور، إنها لم تظهر بعد، فالقضية قضية وقت بينهما، وليس هناك فرقٌ نوعي بل فرق زمن، ونحن إن لم نؤمن فلابدَّ من أن نؤمن، وجميع الحقائق التي يعرضها القرآن الكريم سوف ترونها رأي العين عند مغادرة الحياة.
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
(سورة المؤمنون )
 غير الذي كنت أعمل، وغير الذي كنَّا نعمل.
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾
(سورة فاطر: آية " 37 " )
 يوجد نذير.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً (29) ﴾
( سورة الفرقان )
 
أهوال يوم القيامة:
 
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾
 هذه كلمة مخيفة جداً، أي إن لم يستجيبوا لك يا محمد دعهم لي، دعهم ليومٍ تشيب فيه الولدان، وليومٍ لا يُنْسَى فيه شيء إنه يوم الهول الأعظم، قال عليه الصلاة والسلام:
(( يحشر الناس يوم القيامة حفاةً، عراةً، غرلاً ))
(مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن عائشة)
 أي بغير ختان، فقالت يا رسول الله: هكذا يرى بعضنا بعضاً بلا ثياب ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
(( يا أمَّ المؤمنين الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك))
 لشدَّة الهول لا يعنيهم ذلك، فأحياناً تقول الأم لابنها وقد وقعت عينها على عينه يوم القيامة، تقول: " يا ولدي لقد كان بطني لك وعاءً، وصدري سقاءً، وحجري وطاءً، فهل من حسنةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم؟ قال: ليتني أستطيع ذلك يا أماه إنني أشكو مما أنتِ منه تشكين "، هذا هو يوم القيامة، كل شيء فعله الإنسان سيُحاسَب عليه، فإذا لم تستجب الآن ونحن أصحَّاء، أشدَّاء، أحياء، وعندنا وقت فراغ، إن لم نستجب الآن يقول الله لنبيّه:
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) ﴾
 
محاسبة النفس قبل فوات الأوان :
 
﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ﴾
( سورة المدثر )
 دقِّقوا أيها الأخوة وتوبوا إلى الله قبل فوات الأوان، واصطلحوا مع الله قبل أن يأتي يومٌ لا نستطيع ذلك، فعالجوا أنفسكم، وحاسِبوها قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، فهذه الآيات أيها الأخوة في درسٍ قادمٍ إن شاء الله نتابع تفسيرها مبتدئين بقوله تعالى:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾
 
والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب