سورة النجم 053 - الدرس (8): تفسير الأيات (42 – 49) - محاسبة الله للإنسان

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة النجم 053 - الدرس (8): تفسير الأيات (42 – 49) - محاسبة الله للإنسان

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج خطبة الجمعة: خطبة جمعة - مكانة المسجد الأقصى في الإسلام - الشيخ عكرمة صبري           برنامج اخترنا لكم من أرشيف الإذاعة: اخترنا لكم - المسجد الأقصى حقائق وأوهام - د. بسام جرار           برنامج أحباب الله - المرحلة الثالثة: احباب الله = ح208= ارشيف مشاركات القدس = 19- 08= 2022           برنامج خواطر إيمانية: خواطر إيمانية - 465- د. محمد حافظ الشريدة- من فضائل المسجد الأقصى المبارك           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1479 - سورة القمر 047 - 055           برنامج من كنوز النابلسي 2: من كنوز النابلسي - 79- تاخر النصر         

الشيخ/

New Page 1

     سورة النجم

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة النجم ـ الآيات: (42 - 49) - محاسبة الله للإنسان

26/08/2013 17:50:00

سورة النجم (053)
 
الدرس (8)
 
تفسير الآيات: (42-49)
 
محاسبة الله للإنسان
 
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
 
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً  وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام : مع الدرس الثامن من سورة النجم ، ومع الآية الثانية والأربعين وهي قوله تعالى :
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
محاسبة الله كل غنسان على عمله :
 
نهاية العباد ، ومصيرهم ، ومرجعهم ، ومآلهم إلى الله ، وسوف يحاسبهم ، فلو أن الإنسان آمن بالله ، فسينتهي إليه ، وسيكافئه على إيمانه واستقامته وعمله الصالح ، ولو أنه كفر بالله وأساء إلى الخلق فسينتهي إليه وسيحاسبه على كفره وإساءته وتفلته ، ولو أنه فعل ما فعل من إيذاء الخلق فسينتهي إلى الله وسيحاسبه ، ولو أنه أحسن فسينتهي إلى الله وسيحاسبه ، لو اتصل بالله وعرفه حقًّا فسينتهي إليه وسيكافئه ، لو ترك الصلاة فسينتهي إليه وسيعاقبه .
تصور ساحة فيها عشرات بل مئات الطرق ، وهذه الطرق تبدو متباعدة ، لكن في النهاية كلها تصب في شارع عريض واحد ، افعل ما شئت ، لك أن تؤمن ، ولك ألاّ تؤمن ، لك أن تشكر ، ولك أنتكفر ، لك أن تستقيم  ، ولك ألاّ تستقيم ، لك أن تحسن ، ولك أن تسيء ، لك أن تخلص ، ولك أن تخون ، لك أن تعفو ، ولك أن تنتقم ، لك أن تنفع ، ولك أن تؤذي ، افعل ما شئت ، اعملوا ما شئتم ، لابدَّ من أن تنتهي إلى الله ، فليس من طريق آخر ، كل الطرق تنتهي إلى الله،والله سيحاسب كل إنسانٍ على عمله .
 
كل الطرق تنتهي إلى المولى سبحانه :
 
فيا أيها الأخوة الأكارم : لو أن الإنسان عرف هذه الحقيقة في بداية حياته لشكل حياته على نسق خاص ، ولضبط سلوكه وفق هذه الفكرة الخطيرة ، فإذا سافر الإنسان إلى أي مكانٍ فإنه سوف يعود به إلى بلده وسيحاسب عن كل كلمةٍ قالها ، لو أيقن هذا فلن يتكلم كلمة خلاف الأصول ، فالمؤمن ، والكافر ، والمُلحد ، والفاجر ، والفاسق كلٌّ إلينا راجعون ، آمنت أو لم تؤمن ، قلت : الدين لا علاقة له بالحقيقة ، قل ما شئت فلابدَّ من أن تنتهي إلى الله وأن يحاسبك الله على كل أقوالك وأفعالك .
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
تحرَّك ، ربنا عزَّ وجل قال :
﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
 (سورة القلم (
 
الإنسان في قبضة الله ولو ذهب إلى أي مكان :
 
المتانة صفة تؤكد مقاومة قوى الشد ، أما القساوة تؤكد قوى الضغط ، الألماس قاسٍ جداً ، أما الفولاذ المضفور أمتن معدن في الأرض ، لذلك : المركبات التي تمشي على أسلاك يستخدمون لسيرها الفولاذ المضفور ، فالفولاذ المضفور أمتن معدن ، والألماس أقسى عنصر ، فقوى الضغط تقابلها القساوة ، وقوى الشد تقابلها المتانة ، فربنا عزَّ وجل قال :
﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
 
 (سورة القلم (
فالإنسان مربوط وفي أية لحظةٍ هو في قبضة الله ، اذهب إلى أي مكانٍ شئت .
لا تأمن الموت في طرفٍ ولا نفس    وإن تمنَّعــت بالحجاب والحرس
فما تزال  سهـــام الموت نافذة    في جــنب مدَّرعٍ منها و متَّرسِ
أراك لســـت بوقَّافٍ ولا حذر     كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكـها     إن السفينة لا تجري على اليبــس
*  *  *
إلى أيّة مكانةٍ ارتقيت ، وفي أي مكانٍ كنت يأتي بك الله عزَّ وجل ، والآية الكريمة :
 
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾
 (سورة البقرة : آية " 148 " )
      
معرفة الإنسان بأن مرجعه إلى الله دليل استقامته : 
 
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
 (سورة الغاشية (
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
اذهب يميناً ، يساراً ، شمالاً ، جنوباً ، اركب الطائرة ، كن وسط أعماق البحار ، اصعد إلى القمر ، أسس شركات ، اجمع الأموال ، افعل ما تشاء .
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
سوف تحاسب على كل كلمةٍ ، وعلى كل همسةٍ ، وعلى كل سكنةٍ ، وعلى كل تصرفٍ صغيراً كان أو كبيراً .
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
هذه الحقيقة لو أيقن بها لكانت حياتنا غير هذه الحياة ، ولاستقام الجميع على أمر الله ، لسلكوا منهج الله ، لطبَّقوا شرع الله ، لخافوا من الله ، إذ هناك حساب دقيق ، الإنسان في الدنيا أحياناً يحسب حساباً لكل كلمة يقولها ، لأنه يعلم أنه سيحاسب ، فكيف برب العالمين الذي يقول :
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
 
 (سورة الغاشية (
      
لا مفر للإنسان من الله إلا إلى الله : 
 
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
إليه ينتهي كل الخلق على اختلاف أعمالهم ، ينتهي إليه أهل الجنة ، وأهل النار ، والكفار ، والمؤمنون ، والملحدون ، والعصاة ، والطائعون ، والفجَّار ، الناس جميعاً ، كل الخلق ينتهون إلى الله،هذه هي الحقيقة ، هذه الآية وحدها لو أيقنا بها لاستقمنا على أمر الله ، إلى أين تفرُّون ؟ اعملوا ما شئتم ، فأنتم إلى الله راجعون ، وإليه تنتهون ..
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
 
 (سورة الغاشية (
هذا هو معنى الآية ، فيا أيها الإنسان أين تفرُّ ؟ لا مفر من الله إلا إلى الله ، ولا ملجأ منه إلا إليه ..
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾
 (سورة الغاشية(
 ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
      
على الإنسان أن يعلم أن كل شيء محاسب عليه قبل فوات الأوان : 
 
ساحة عامة فيها مئة طريق ، يمين ، يسار ، شمال ، جنوب ، طريق مزدان بالأزهار ، طريق مليء بالأشواك ، افعل ما شئت ، اسلك أيَّ طريقٍ شئت ، كل هذه الطرقسوف تلتقي في نقطةٍ واحدة عند هذه النقطة تحاسب على كل أعمالك ، أنت الآن مخير ، لكن بعد أن يأتي يوم الدين ، يوم الدينونة والجزاء ، يوم الحساب ، تحاسب على كل شيء ، هذه الحقيقة لابدَّ من أن ندركها ، لكن قد ندركها بعد فوات الأوان ، بعد أن نصل إلى الله ، وبعد أن ننتهي إليه ، ثم نَلْقَى الحساب الدقيق ، وقد علِمنا علم اليقين أن كل صغيرةٍ وكبيرةٍ محاسبون عليها ، والإدراك في هذه اللحظة لا جدوى منه ، إدراكٌ جاء متأخراً ، جاء بعد فوات الأوان ، العبرة أن تعرف الحقيقة في الوقت المناسب ، من أجل أن تستفيد منها ، وقد أنبأنا الله بهذه الحقيقة في وقت مبكِّر ، وقبل فوات الأوان .
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
النهاية إلى الله لا محالة ، تجد شاباً وافاهُ الموت وهو في ريعان شبابه ، إلى أين سيذهب ؟ إلى الله ، إنسان مُعَمِّر وافته المنيةُ فإلى أين سيذهب ؟ إلى الله ، هذه الجنائز التي ترونها كل يوم إلى أينتصير ؟ إلى القبر ، وماذا في القبر ؟ حسابٌ دقيق ، مَن ربك ؟ ما دينك ؟ مَن نبيك ؟ لمَ فعلت ؟ لمَ لم تفعل ؟ هذا بعض الحساب .عدلٌ من الله ، واستسلام مع العبد .
      
مصير الإنسان متعلق بإخلاصه في عمله :
 
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾
 
 (سورة الغاشية (
دققوا ، فالإنسان قد يسافر ، يركب طائرات ، ينتقل من قارة إلىقارة ، ثم يموت ، قد يعود إلى مسقط رأسه وقد لا يعود ، على كلٍ  :
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
 
 (سورة الغاشية (
فما دام المصير إلى الله والمنتهى إليه فلا بدَّ من الصلح معه في الوقت المناسب ، إذا كان المصير إلى الله ، فالعاقل هو الذي يتوافق مع هذه الحقيقة ويعمل لها ، مِن تعريف الذكاء : التلاؤم ، القدرة على التكيُّف ، فإذا أيقنت أن المصير إلى الله ، وأن المنتهى إلى الله ، وأن المرجع إلى الله ، وأن المآل إلى الله بالقبر فأخلص العمل ، قد يعيش المرء في أفخر بيت ، فيُلَفُّ في أرخص أنواع الأقمشة ، يلف ويوضع في حفرةٍ ، لا ضوء ، ولا نور ، ولا ماء، ولا شيء من هذا القبيل ، فالحفرة من تراب والمهاد من تراب ، ويغلق عليه القبر وينتهي الأمر " عبدي رجعوا وتركوك " رجعوا وتقاسموا الإرث " وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك،  ولم يبق لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت " .
      
العاقل من يتكيف مع لقاء الله عز وجل :
 
أيها الأخوة الأكارم : مِن أدق الحقائق هذه الحقيقة  .
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
تاجر أسس معملاً فاغتنى ، وجَمَّع ثروة هائلة ، ثم اشترى أفخر بيت في المدينة ، كما اشترى أفخر بيت في المصيف ، ركب أفخر سيارة ، قام برحلات بعيدة جداً ، نزل بأفخر الفنادق ، ثم ماذا ؟ لابدَّ من الموت ، أو دعا إلى الله ، بذل جهداً جهيداً في خدمة الخلق ، طلب العلم ، علَّم العلم ثم ماذا ؟ لابدَّ من اللقاء مع الله عزَّ وجل ، هذا هو اللقاء الحَتْمِيّ ، فالعاقل هو الذي يتكيَّف مع هذا اللقاء ، يتكيف معه بالاستقامة ، يتكيف معه بالعمل الصالح .
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
 
ما من طريق سالك لغير الله عزَّ وجل ، لو كان هناك طريق آخر لاجتازه فلان ، أو قل : نفد فلان ، بالتعبير العامي : ( دَبَّر حاله ) ، لكن ليس من طريق آخر ، وليس من مصير آخر ؟ وليس من إله آخر تلجأ له ؟ في الدنيا قد يعتبر لاجئًا،أحياناً الإنسان يضغط عليه فيلجأ إلى بلد آخر ، يقبلونه لاجئًا ، ويكرمونه ، لكن هل من إله آخر تلجأ له ؟
 
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
 
 (سورة الغاشية (
    
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
      
الموت والحساب نهاية الخلق :
 
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾
 (سورة البقرة : آية " 148 " )
 في أي مكانٍ كنت ، وفي أية مكانةٍ كنت ، الملوك يموتون ، والأنبياء يموتون ، والأغنياء يموتون ، والفقراء يموتون ، والأصِّحاء يموتون ، والمرضى يموتون ، طبيب ألَّف كتاباً جمع فيه مقالات متناثرة في عشرات المجالات ؛ فوائد هذا الغذاء ، كيف يجب أن تنام ، كمساعة ينبغي أن تنام ، نصائح لا تعد ولا تحصى ، في الحياة اليومية ، في تناول الأغذية ، في الرياضة ، ثم يفاجأ الإنسان أن هذا الطبيب الذي قدَّم مئات النصائح ، بل آلاف النصائح مات ، فالأطباء إذًا يموتون ، وأطباء القلب يموتون ، وأطباء الجهاز الهضمي يموتون بأمراضهضمية أحياناً ..
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
 
 (سورة الغاشية (
فيا أيها الأخوة : هذه حقيقة ، مهما أنكرناها فهي واقعةٌ بنا ونحن إليها مآلنا ، وهناك نقطة مهمة جداً ، فمثلاً : إنكارك للشيء لا يُلْغي فاعليته ، إذا أنكرنا هذه الحقيقة فالحقيقة باقية ، الآية مطبقة علينا ، اعترفت بها أو لم تعترف ، آمنت بها أو لم تؤمن .
 
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى : آية لها عدة معان :
 
1 ـ المصير و المرجع و الحساب إلى الله تعالى :
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
 
المصير إلى الله ، المرجع إليه ، المآب إليه ، النهاية إليه ، عنده الحساب ، وعنده الجزاء ، وعنده جنةٌ ، وعنده نار ، والجنة لمن أطاعه ، والنار لمن عصاه ، وهذا الكلام علينا أن نعرفه في الوقت المناسب ونحن أحياء ، وفي حياتنا بقية ، وقلبنا ينبض ، ونحن أصحاء فتنتفع به ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( اغتنم خمسا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك)) .
( أخرجه الحاكم ، والبيهقي عن ابن عباس ، أحمد عن عمرو بن ميمون )
إذاً العقل كل العقل ، والذكاء كل الذكاء ، والفلاح كل الفلاح ، والفوز كل الفوز ، في التكيّف مع هذه الآية ..
 
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
 
 (سورة الغاشية (
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
هذا معنى أوّل .
2 ـ على الإنسان ألا يفكر في ذات الله سبحانه :
وهناك معنى آخر للآية ، النبي عليه الصلاة والسلام تلا هذه الآية وقال فيما يروى عنه : " لا فكرة في الرب " . أنت يمكن أن تفكر في مخلوقاته ، فكر ما شئت ، كلما فكرت في خلق الله ازددت معرفةً به ، وازددت تعظيماً له ، وخشيةً له ، لكنك إذا وصلت إلى الخالق فلا ينبغي أن تفكر في ذاته ، عندئذٍ تهلك ، لأنهم : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهَ عِلْماً ، وقال أيضاً :
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
 (سورة البقرة : آية " 255 " )
مستحيل أن تحيط بالله عزَّ وجل ، لك أن تفكر في خلقه ، وليس لك أن تفكر في ذاته ، لأنك لن تصل إليه ، فلا تعمل عقلك في ذاته لأن هذا مهلكةٌ لك ..
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
الهلاك مصير التفكير في ذات الله :
 
إذا ركبت مركبة ، هذه المركبة ممكن أن تصل بك إلى ساحل البحر ، لكن هذه المركبة ليست مائية لتمخر بها عباب الموج ، إذًا تغرق ، مركبة أرضية تنقلك إلى الساحل ، وليست مجهَّزة أن تخوض بها أعماق البحر ، فالإنسان يفكِّر في مخلوقات الله ، لكن لا ينبغي أن يفكر في ذاته فيهلك ، وكل إنسان فكر في ذات الله أهلكه الله ، لأن هذا شيء غير معقول، فتصور ورقة دخينة ، وهو يصنع من أرق الورق ، ألقيتها في فرن لصهرِ الحديد ، تقول : ما مصيرها ؟ من الوهج تلاشت ، تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ، لذلك " لا فكرة في الرب " فلن تصل إلى شيء ، ومثلك كما قال الشاعر :
كناطح صخرة يوماً ليوهنها     فما وهنت وأوهى قرنه الوعلُ
*   *   *
من خصائص العقل الإيمان بالله ورسله وكتبه :
 
قالوا : العقل حصانٌ ينقلك إلى قصر السلطان ، فإذا دخلت القصر تركت الحصان خارج القصر ، بالمناسبة ما دام الموضوع قد طرحناه ، فعقلك مهيأ أن تصل به إلى أن لهذا الكون خالقاً واحداً ، إلهاً كاملاً موجوداً ، وعقلك مهيَّأٌ أن تصل به إلى أن هذا الخالق العظيم لا يمكن أن يدع خلقه من دون توجيهٍ كريم ، لابدَّ من كتاب أنزله ، وعقلك قادرٌ على أن يصل إلى أن هذا الإنسان الذي جاء به هو رسول مِن عند الله ، فالإيمان بالله وبرسوله وبكتابه ، من خصائص العقل ، لكن بعد أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً ، وأن هذا كلامه ، وأن هذا الإنسان رسوله ، الآن عليك أن تتلقى ، بحثت فوصلت ، بقي عليك أن تتلقى عن الله ما جاء في كتابه .
 
إخبار الله للإنسان لا يمكن أن يكون عقله حكماً عليه :
 
أما إذا أعملت عقلك في ذات الله ، أو في كلامه اعتراضاً ورفضاً ، أو في كلام النبي تساؤلاً واستخفافاً ، فأنت إذًا قد هلكت ، كإنسان مصاب بآلام حادة في المعدة ، بحث عن أفضل طبيب ، طبيب اختصاصي ، نزيه ، مُخْلِص ، صادق ، أمين ، له خبرات واسعة ، له يد طويلة في شفاء المرضى ، فلما فكر هذا المريض وفكر وفكر وسأل وبحث ودرس دُلَّ على طبيب تتوافر فيه هذه الصفات ، دخل إلى العيادة انتهى دور العقل ، الآن ينبغي أن يأخذ عن هذا الطبيب ، لو أنه اعترض عليه معنى ذلك أن بحثه كان غير صحيح ، ما دام البحث صحيحاً ، فالآن دور التلقِّي ، كنت تبحث ، والآن تتلقى ، فإذا آمنت بالله الإيمان الصحيح ، وآمنت بكتابه الإيمان الصحيح ، وآمنت برسوله الإيمان الصحيح ، فالآن دورك دور التلقِّي ، الذي أخبرك الله به لا يمكن أن يكون عقلك حكماً على ما أخبرك الله به ، فلذلك الله جلَّ جلاله يقول :
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
 
مصيرنا إليه وهو سيحاسبنا .
 
 الله تعالى وهب الإنسان خاصة الضحك والبكاء :
 
ثم يقول الله عزَّ وجل  :
     
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
 
مَن خلق في الإنسان خاصة الضحك ؟  الله جلَّ جلاله ، وخاصة البكاء ؟ الله جلَّ جلاله ، يروي بعض العلماء أن القِرد وحده هو الذي يضحك من بين الحيوانات ولكن لا يبكي ، وأن الجمل وحده يبكي ولا يضحك ، وما سوى ذلك لا يبكي ولا يضحك ، أما الإنسان يضحك ويبكي،فمن خلق في الإنسان خاصة الضحك ؟ ومن خلق في الإنسان خاصة البكاء ؟ الله جلَّ جلاله ، ثم من خلق أسباب الضحك ، وأسباب البكاء ؟ يرزق الإنسان فيضحك ، إذا أقام الإنسانُ ميزانية ووجد أن ربحه كبيراً ، تجده في وضع متميِّز ، تألَّق ، عيناه زئبقيَّتان ، تورَّد خده،شعر بنشوة ، فالنجاح مسعد ، أخذ شهادة ، نجح بدرجة ممتازة ، يظل شهر متألِّقاً ، واختلف كلامه ، واختلف تعامله ، وتغيَّرت مشيته ، وتغيَّرت أناقته ، فالنجاح مسعد ، من الذي أعطاك أسباب الضحك ؟ الله جلَّ جلاله ، من الذي سمح لك أن تضحك ؟ الله جلَّ جلاله .
 
الله عزَّ وجل خلق أسباب الضحك وأسباب البكاء :
 
إنسان متزوج زوجته مخلصة ، جلس مع أهله وأولاده ، جرى حديثاً لطيفاً فضحك ، هذا الضحك سببه أن لك أهلاً ولك أولاداً ، وبينكما مودة ومحبة ، ولا عداء ، ولا دعاوى في المحاكم ، بل إخلاص ومحبة ، من يسَّر لك أسباب الضحك ؟ هو الله عزَّ وجل ، الصحة طيبة ، فلو جاء في أي تقرير أنك مصاب بورم ، ما أحسنتَ ضحكاً على الإطلاق ، انتهى ، فشل كلوي مثلاً ، فلن تضحك أبداً ، تشمع كبد فلن تعرف سبيلاً للضحك ، وكذلك إذا كانت خثرة بالدماغ فلن تضحك البتة ، أليس كذلك ؟ ما دام هناك معافاة في الصحة ، معنى ذلك أنَّ الضحك موجود ، يضحك الإنسان ، وتجده مرحاً ، إذا كان آمناً في سربه ، معافىً في جسمه ، عنده قوت يومه ، يضحك ، إذا ذكرت طرفة مضحكة يضحك من أعماقه ، فالله عزَّ وجل خلق أسباب الضحك ، خلق خاصة الضحك ، وأضحك أناساً ، وأبكى أناساً .
الآن حدثٌ شخصاً يضحك منه إنسان ويبكي منه إنسان ، قابلة دخلت إلى بيتٍ لتولِّد امرأةً فجاءها مولودٌ ذكر فصاح الجميع بالبكاء ، عندها سبع ذكور وهي تنتظر أنثى ، فذهبت إلى بيتٍ آخر في اليوم نفسه وجاء المولود ذكراً فضج البيت بالفرح والضحك ، عندهم سبع بنات فجاءهم ذكر ، فالمولودان ذكران ، في بيت خيَّم الحزن ، وفي البيت الأخ شاع الفرح ، إذاً شيء واحد يضحك ويبكي ، أحياناً إنسان يتعيَّن في منصب ، تجد البيت قاعة استقبال وتهانٍ ، وإنسان فَقَدَ نفس المنصب تجد البيت غمره حزنٌ وكآبة ، يضحك أناس ويبكي أناس ، أحياناً تضحك من شيءٍ بكيت منه بالأمس ، فالمتصرف هو الله ، أحياناً قد تواجهك مشكلات ظاهرها مشكلة معقَّدة ، لكن باطنها نعمة ، فالله عزَّ وجل قال :
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
 (سورة البقرة (
 
الضحك الحقيقي للإنسان أن يصل إلى الجنة : 
 
الذي أبكاك بالأمس أضحكك اليوم ، والذي أضحكك بالأمس أبكاك اليوم ، فيمكن للحدث الواحد أن يضحك منه إنسان ويبكي منه إنسان آخر ، ويمكن أن تضحك مما بكيت منه ، ويمكن أن تبكي مما ضحكت منه ، والمؤمن يضحك في الجنة الضحك الحقيقي ، والعبرة : مَن يضحك آخراً ، الضحك الحقيقي ، الفرح الحقيقي ،  الفوز الحقيقي ، النجاح الحقيقي ، الفلاح الحقيقي ، أن تصل إلى الجنة ، لذلك :
﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
 
 (سورة يونس (
 
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾
 (سورة الزمر (
فالضحك الحقيقي أن تصل إلى الجنة .
 
البكاء الحقيقي خسران الإنسان لآخرته :
 
البكاء الحقيقي أن يخسر الإنسان آخرته ، هذا الحزن المطلق ، والضحك المطلق ، وربنا عزَّ وجل قال  :
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾
 (سورة المطففين (
لكن الذي كفروا في الدنيا يضحكون من المؤمنين ، يتهمونهم بالسذاجة ، والخوف غير المعقول .. إذاً :
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
 
الضحك نعمة على الإنسان أن يذوب حباً لله على هذه النعمة :
 
صدقوني أيها الأخوة لمّا أرى إنسانًا يضحك أقول : لو عرف نعمة الله عليه حتى جعله يضحك لذاب حباً لله عزَّ وجل ، الضحك نعمة ، وليس من السهل أن تضحك ، مرة كنا مدعوِّين في بستان ، دخل صاحب البستان ولم يسلم على الحاضرين إطلاقاً ، فسألت قريبه : ما شأن هذا ؟ قال : كان في غسيل كليته ، لا يرى أمامه أحداً ، الإنسان لمّا يأتيه شيء عُضال ينتهي الضحك من حياته كلياً ، إذا كان الإنسان في صحة طيبة ، أجهزته سليمة ، أعضاؤه صحيحة ، حواسه في عافية ، له مأوى ، وله زوجة ، وله أهل ، وله دخل محدود يغطي حاجاته ، فسهر سهرةً وضحك ، يجب أنْ يسجد لله شاكراً : يا رب لك الحمد فأنت أضحكتني ، سمحت لي أن أضحك ، هناك إنسان يبكي ، والله عزَّ وجل قادر على أن يبكَيِّ الرجال الأشداء الأقوياء ، فالله جبار وقهار ، فلا تخدعنَّ أحدًا صحَّتُه أو قوّتُه .
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
 (سورة البروج (
 
من استقام واتبع سنة النبي يضحك في الدنيا والآخرة :
 
قال لي رجل : أعاني من مرضين : في المعدة والقلب ، أدوية المرض الأول تؤذي المرض الثاني ، وأدوية المرض الثاني تؤذي المرض الأول ، فهو إذا مستسلم بلا دواء ، أحياناً تُجرى للإنسان عملية بلا مخدِّر ، قلبه لا يحتمل المخدر ، الآلام لا تطاق ، فالله عزَّ وجل أضحك وأبكى ، فإذا الإنسان استقام على أمره ، واتبع سنة نبيه ، وتقرب إليه بالعمل الصالح ، فأغلب الظن أنّ الله يضحكه في الدنيا ، له في الدنيا جنةٌ خاصة ..
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾
 (سورة الرحمن(
الله عزَّ وجل يضحك ويبكي ، إذا ضحك أحد فلا يظن أنه ضحك بذكائِهِ ، لا ، بل الله سمح له أن يضحك ، وإذا بكي فلعلَّ البكاء فيه رحمة .
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
 
الضحك المطلق والفرح المطلق لا يكون إلا في الجنة : 
 
بعضهم قال : أضحك الأرض بالنبات ، وأبكى السماء بالمطر ، بعضهم قال : أضحك الشجرة بالزهر ، شجرة الربيع ضاحكة ، في الشتاء باكية ، الأرض أحياناً كلها أزهار ونباتات ، وكأنها عروس ترتدي أجمل ثيابها ، طبعاً هذه معانٍ مجازية ، لكن المعنى الأساسي أن الضحك الحقيقي والمطلق يكون في الجنة ، فبعد دخول الجنة لا يوجد قلق ، ولا خوف ، ولا شقاء ، في الدنيا لو ضحك الإنسان فقد ينتظره شيء يُبكيه ، لا يدري ما سيأتي ، أما الضحك المطلق والفرح المطلق في الوصول إلى الجنة ، لذلك ربنا عزَّ وجل قال :
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
 (سورة يونس : آية " 58 " )
ينبغي أن تفرح بفضل الله لأنك عرفت الله ، لأنك استقمت على أمره ، لأنك عملت الصالحات ، لأن الله سمح لك أن تذكره ، سمح لك أن تعرفه ، قدَّر على يديك الخير ، اصطفاك من بين العصاة ، هذا الذي ينبغي أن نفرح له .
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
 
الله وحده الذي يضحك الإنسان والذي يبكيه :
 
لو أن الله عزَّ وجل قال : وأنه أضحك وأبكى ، لاختلف المعنى ، معنى ذلك أن هناك إله آخر يضحك ويبكي ، أما حينما قال الله عزَّ وجل : ﴿وأنه هو أضحك وأبكى ﴾ ، أي وحده ، الله وحده الذي يضحك ، ووحده الذي يبكي ، ولا إله آخر ، هو وحده يضحك أو يبكي ، تجد أحياناً إنسانًا بغير الضحك والبكاء يشعر بانقباض ، وأحياناً بانشراح أيضاً :
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ ؟ فَقَالَ إِنَّ
 
الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَلِّبُهَا وَأَشَارَ الْأَعْمَشُ بِإِصْبَعَيْهِ ))
( أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك )
أحياناً يحس بانقباض لا يدري له تفسيراً ، وأحياناً يحس براحة وبانطلاقة وببشر ، وهو لا يدري لها تفسيراً ، فقلب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن .
 
العبرة بخواتيم الأمور لا ببداياتها :
 
 ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
 
خلق خاصة الضحك والبكاء ، ثم خلق أسباب الضحك وأسباب البكاء ، ثم جعل ما تضحك منه اليوم تبكي منه غداً ، وما تبكي منه اليوم تضحك منه غداً ، والعبرة : الضحك الأخير ، أحياناً تقبِل الدنيا فتجد شخصاً من شدة فرحه اختل توازنه ، يا ترى : أهذا الضحك بعده بكاء ؟ قد يكون بعده بكاء شديد ، فالعبرة بخواتيم الأمور ، العبرة للنهايات ، العبرة لختام العمر ، " اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا " .
 
الله عز وجل خلق الموت والحياة : 
 
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾
 
طبعاً حينما ينفخ الله في النطفة من روحه تحيا ، صار مولوداً ، يتكلم ، يضحك ، يبكي ، يأكل ، يشرب ، ينمو ، وقد يموت هذا المولود ، فالذي خلق الموت والحياة هو الله ، والعلماء أضافوا لهذا المعنى : أن الإنسان يموت قلبه بالبعد عن الله ، ويحيا بالاتصال به ، والدليل :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
 (سورة الأنفال : آية " 24 " )
وقال تعالى  :
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
 (سورة فاطر (
 
وصف الكافر بالموت والمؤمن بالحياة :
 
قال تعالى  :
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾
) سورة النحل : آية " 21( "
فالله عزَّ وجل وصف الكافر بالموت ، ووصف المؤمن بالحياة ، فهناك حياتان حياة الجسد وحياة القلب ، وهناك موتان موت الجسد وموت القلب ، الكفار وهم في أوج حياتهم موتى ، " يا بني مات خُزَّان المال وهم أحياء " ، بينما الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات وهم في قبورهم أحياء ..
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
 (سورة آل عمران (
 فالإنسان يحيا ويموت،يحيا جسمه ويموت جسمه ، ويحيا قلبه ويموت قلبه ..
      
 
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾
 
لذلك " كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تُقَرِّب أجلاً " ..
 
 تحديد جنس المولود متعلق بالنطفة لا بالبويضة :
 
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾
هذه الآية فيها إعجاز علمي ، طبعاً بعد تقَدُّم العلوم الطبية تبيَّن أن جنس المولد ذكراً كان أو أنثى لا تحدده البويضة بل تحدده النطفة ، ولهذا البحث تفصيلات طويلة ، هناك في العُرى الملونة عروة شكلها إكس ، وعروة شكلها وأي ، فالنطفة وحدها تحدد ما إذا كان المولود ذكراً أو أنثى ، فهذا الذي يغضب من زوجته إذا أنجبت له الأنثى جاهل ، جاهل لا يفقه شيئاً ، الذكر منه والأنثى منه ..
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾
والأصح من ذلك  :
﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾
 (سورة الشورى (
أن يكون الأولاد كلهم ذكوراً من الله ، أن يكون الأولاد كلهم إناثاً من الله ، أن يكونوا ذكوراً وإناثاً من الله ، أن يكون الإنسان عقيماً من الله ، هذا كلام الله عزَّ وجل ..
 
عظمة خلق الله عز وجل :
 
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾
في اللقاء الواحد بين الزوجين خمسمئة مليون حوين تختار البويضة أقوى هذه الحوينات ، والحوين عليه خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة ، هذا اسمه علمالوراثة الآن ، وهو الآن العلم الأول في العالم ، فالمعلومة مبرمجة ، وكذلك البويضة ، وحينما تلقَّح البويضة يبدأ الانقسام ، في طريق البويضة من المبيض إلى الرحم تنقسم هذه الخلية الملقَّحة إلى عشرة آلاف قسم دون أن يزيد حجمها ، والموضوع طويل ، وعلم الأجنة يقدِّم لنا حقائق مذهلة عن عظمة الخلق ..
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾
سيعاد خلقنا من جديد ، وسينفخ في بقية أجسامنا التي في القبور ، وسوف يعاد خلقنا لنحاسب على أعمالنا كلها ..
 
إعادة خلق الإنسان من جديد لمحاسبته :
 
﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ﴾
 
الله عزَّ وجل إذا جاءت على متعلقةً بذاته جلَّ جلاله يقولون : تفيد الإلزام الذاتي .
 
﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾
سوف يعاد خلقنا مرةً ثانية لنحاسب على أعمالنا كلها .
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى* وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾
هو الذي يغني ، هناك أذكياء جداً ، كل ذكائهم لم ينفعهم في أن يغتنوا ..
ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجا              هلكنَ إذاً من جهلهن البهائم
*   *   *
الله يغني ويفقر  .
 
 أَغْنَى وَأَقْنَى : آية لها عدة معان :
 
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾
بعض العلماء قالوا : َأَقْنَى أفقر ، أي أغنى وأفقر ، أضحك وأبكى ، أمات وأحيا ، وبعضهم قال : َأَقْنَى من القُنْيَة أي أعطاه أشياء ثمينة ، ملَّكه أشياء ، بعضهم قال : َأَقْنَى أَخْدَمَ ، أغناك وجعل قلوب الخلق تميل إليك هذا من فضل الله عزَّ وجل ، بعضهم قال : َأَقْنَى أخدم وأرضى ، أحياناً الله يعطي إنسانًا مالاً كثيراً وهذا الإنسان لا يرضَى عن الله ، تجد رجلاً أعطاه شيئًا قليلاً وهو راضٍ عن الله ، فالعبرة أن ترضى عنه لا أن يرضى عنك ، العبرة أن ترضى عنه أنت أولاً ، أن ترضى عنه هو سر الإيمان به ، هذا رجل يطوف حول الكعبة يقول : " يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ " ووراءه الإمام الشافعي قال له : " يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى هو يرضى عنك ؟ " قال : " يا سبحان الله من أنت يرحمك الله ؟ " قال : "أنا الشافعي محمد بن إدريس " ، قال : " كيف أرضى عنه وأنا أتمنَّى رضاه ؟ " قال : " يا هذا إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله " .
فبعضهم قال : " أغنى أي جعلك غنياً " وبعضهم وسَّع هذه الآية قال : أغناك بالعلم ، أغناك بالحكمة ، أغناك بالرضا ، أغناك بالعمل الصالح ، أغناك بمعرفته ، أغناك بالجنة ، فهذه الآية واسعة سعة كبيرة ، قد يغنيك بالمال ، وقد يغنيك براحة البال ، ﴿ فيهديهم ويصلح بالهم﴾ ، راحة البال ثمينة جداً ، وقد يغنيك بالسمعة الطيبة ، وقد يغنيك بالحكمة ، وقد يغنيك بالعلم ، وقد يغنيك بمحبة الخلق ، وقد يغنيك بالعمل الصالح ، يجري على يديك أعمالاً كبيرة جداً .
 
كل المسلمين في صحيفة النبي الكريم إلى يوم القيامة :
 
عدد المسلمين هذه الأيام يبلغ مليار ومئتي مليون مسلم ، وكلُّ هؤلاء في صحيفة النبي عليه الصلاة والسلام ، إلى أيِّ مكان ذهبت في العالم فكلُّ المسلمين في صحيفة النبي ، في خلال ربع قرن غَيَّر وجه الأرض ، سيدنا عمر قال : " أنا ؛ ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر " ، أنا كلِّي ، عملاق الإسلام حسنة من حسنات أبي بكر .
مرة قال له واحد : " ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله " ، فأحدّ فيهم النظر ، فخافوا فقال أحدهم : " لا والله ؛ فقد رأينا من هو خيرٌ منك ؟ " قال له : " من هو ؟ " قال : " أبو بكر " ، قال: " لقد كذبتم جميعاً وصدق هذا ، فعَدّ سكوتهم كذباً . قال : والله كنت أضل من بعيري وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك " ، ولما وقف على المنبر نزل درجة ، تعجبوا !! قال عمر رضي الله عنه : " ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر " ، سيدنا عثمان لم ينزل درجة ، ولحكمةٍ بالغة ، فلما سئل بعض خلفاء بني أمية عن السبب : " لما لمْ ينزل عثمان درجة ؟ " قال :" والله لو فعلها لكنت الآن في قعر بئر " ، هذه أيضاً حكمة فلو نزل عثمان درجة أخرى ، وسيدنا علي لو نزل درجة لصار مقامه على الأرض ، فالذي بعده  تُحفر له الأرض لينزل درجة ، فانظر لو تتابعت سُنة عمر في نزوله درجة !!
 
مجالات الإغناء : 
 
العبرة أن الله سبحانه وتعالى (أغنى) : سنعدِّد مجالات هذا الإغناء : أغناك بالمال ، أغناك بالعلم ، أغناك بالحكمة ، أغناك براحة البال ، أغناك بالسمعة الطيبة ، أغناك بأولاد أبرار ، أغناك بزوجةٍ صالحة ، أغناك بعملٍ صالحٍ كبير ، أغناك بالجنة ، هذا معنى :
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى ﴾
 
 مجالات الإفتاء :
 
أمَّا : (أَقْنَى) ، أولاً أرضاك بما أعطاك ، السعادة هي : لا أن تأخذ الكثير بل أن ترضى بالقليل ، أحد أسباب السعادة الرضا ، أغنى وأقنى أرضى ، أغنى وأقنى : فهناك شيء غير الغنى المادي ، فإذا كان الخلق قد تعلقوا بك وأحبوك هذه ثروة كبيرةجداً ، فالإنسان كان محبوباً فهذه ثروة كبيرة جداً ، وإذا الإنسان كان محبوباً فهذا عطاء إلهي كبير ، يعيش بين أحباب ، الكل يتمنى أن يلتقي معه ، الكل يتمنى أن يخدمه ، هذا من فضل الله علينا ، لمَّا مُدِحَ سيدنا الصديق قال : " يا رب أنت أعلم بي من نفسي ، وأنا أعلم بنفسي منهم ، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون " .
 
الجنة أوسع شيء في الغنى :
 
الله أحياناً يعطيك محبة الناس ، يعطيك ثقة الناس ، هذا عطاء كبير جداً ، أحياناً يملِّكك الرقاب ، والناس لا يحبونك ، أحياناً يملكك القلوب وهذا هو العطاء الحقيقي ، الأقوياء ملكوا الرقاب لكن الأنبياء ملكوا القلوب ، وفرقٌ كبير بين أن تملك الرقاب وأن تملك القلوب ، أغنى وأقنى ، المحبة ، الرضا ، الخدمة ، وبعضهم قال : أفقرَ ، فأغنى وأقنى : أغنى وأفقر، والغنى أوسع شيء فيه الجنة .
 
تنبيه الله عز وجل للعرب بأن الشعرى مربوباً وليس رباً :
   
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾
قال : الشِعْرَى أبعد من الشمس بمليون ضعف ، بعد الشمس عن الأرض مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر اضربها بمليون ، يعطيك بالكيلومترات بُعدَ نجم الشعرى عن الأرض ، وقال : قوة إضاءته خمسون ضعفًا ، وكتلته عشرون ضعفًا عن الشمس ، والعرب كانوا يعبدونه من دون الله ، فربنا نَّبَهُهم بأنّ هذا النجم الذي تعبدونه مربوب وليس رباً ، قال سبحانه :
   
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾
ثم يقول الله عزَّ وجل  :
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾
 
الله رب كل شيء وإليه يرجع كل شيء : 
 
كان درسنا اليوم  :
     
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
بمعنيين ..
 
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾
 
وهناك درس أخير إن شاء الله ، فإنْ أَحْيانا الله سنتابع تفسير الآيات المتبقية ، وبه تنتهي سورة النجم  .
والحمد لله رب العالمين

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب