سورة الذاريات 051 - الدرس (7): تفسير الأيات (50 – 60) - علة وجود الإنسان في الأرض عبادة الخالق

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الذاريات 051 - الدرس (7): تفسير الأيات (50 – 60) - علة وجود الإنسان في الأرض عبادة الخالق

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج خطبة الجمعة: خطبة جمعة - مكانة المسجد الأقصى في الإسلام - الشيخ عكرمة صبري           برنامج اخترنا لكم من أرشيف الإذاعة: اخترنا لكم - المسجد الأقصى حقائق وأوهام - د. بسام جرار           برنامج أحباب الله - المرحلة الثالثة: احباب الله = ح208= ارشيف مشاركات القدس = 19- 08= 2022           برنامج خواطر إيمانية: خواطر إيمانية - 465- د. محمد حافظ الشريدة- من فضائل المسجد الأقصى المبارك           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1479 - سورة القمر 047 - 055           برنامج من كنوز النابلسي 2: من كنوز النابلسي - 79- تاخر النصر         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الذاريات

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الذاريات ـ الآيات: (50 - 60) - علة وجود الإنسان في الأرض عبادة الخالق

13/08/2013 18:43:00

سورة الذاريات (051)
الدرس : (7)
تفسير الآيات: (50-60)
علة وجود الإنسان في الأرض عبادة الخالق
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً  وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع و الأخير إن شاء الله تعالى من دروس تفسير سورة الذاريات ، ومع الآية الخمسين و الواحدة و الخمسين .
 
تذكير بالسابق وربط باللاحق :
 
أيها الأخوة ، في الدرس الماضي كانت الآياتُ و هي قوله تعالى :
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
 [ سورة الذاريات]
معناه أن هناك علاقة بين الآيات الثلاثة الأولى و بين الآية الرابعة ، قال تعالى :
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
 [ سورة الذاريات]
 
   التفكير في آيات الله تؤدي إلى معرفة الله عز وجل :
 
الإنسان لا سبيل له لمعرفة الله إلا عن طريق معرفة آياته ، و أيُّ توهُّمٍ أنه يمكن أن تعرف الله من دون التفكِّر في آياته ، فهذا الإنسان يمشي في طريق مسدود ، السبب أن الله يقول :
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
 [ سورة المرسلات]
أي ليس هناك حديث يقرِّب الناسَ من معرفة الله إلا التفكُّر في آياته ، و قد كان الدرس الماضي في مجمله حول آيات الله في السماء ، و حول آيات الله في الأرض ، و حول أن الله سبحانه و تعالى خلق من كلِّ شيءٍ زوجين اثنين ، هذه الآيات كافيةٌ كي تؤمن أن لهذا الكون خالقاً و مربياً و مسيِّراً  و أن لهذا الكون إلهاً موجوداً و واحداً و كاملاً ، و أن أسماء الله تعالى كلَّها حسنى و أن صفاته كلَّها فُضلى ، و أنك إذا عرفته زهدت فيما سواه .
 
الإسراع إلى الله واتباع منهجه ثمن معرفته :
 
أيها الأخوة الكرام ، المحصِّلة و النتيجة و الشيء الذي يلزم هذه المعرفة أن تفِرَّ إلى الله ، و أقف الآن هنا قليلاً ، المعلومات و الأفكار و الدروس و الخطب و المطالعات ، هذه القوة الإدراكية التي أودعها الله فيك ، و هذه المُدرَكات التي ملأتَ بها ذاكرتك ما الجدوى منها ؟ و ما فائدتها إن لم تتحوَّل إلى عمل ؛ و إن لم تتحول إلى سلوك ؟ فالإنسان كاد يموت عطشاً يبحث عن الماء ، ثم عرف الماءَ ، إن لم يتجِّه إليه ما قيمة هذه المعرفة ؟ إن لم يتحرك إلى الماء ما قيمة هذه المعرفة ؟ رغم أنها معرفةٌ مصيرية ، لكن ما قيمتها إن لم تتحرك نحو الماء ؟ دقِّقوا في قوله تعالى :
 
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
 [ سورة الكهف]
 
انفصال الفكر عن السلوك أخطر مرض أصاب المسلمين في العصر الحديث :
   
نحن الآن عندنا مرضٌ خطير يصيب المسلمين هو انفصال الفكر عن السلوك ، يألف أن يستمع و أن يحضر مجالس العلم و أن يستمع إلى الخطباء و أن يقرأ المقالات و الكتب ، هذا كلُّه ألِفه ، و صار من عاداته اليومية لكن تجد حياته في وادٍ و فكرَه في وادٍ آخر ، هذا الانفصال خطير جدًّاً يصيب شخصية الإنسان ، و انفصال الفكر عن السلوك هذا أخطر  فتجد المسلمين يعيشون في ثقافة إسلامية و مشاعر إسلامية ، إذا دخلتَ إلى بيوتهم فلن تجد إسلاماً ، و إذا نظرتَ إلى أهلهم فلن تجد إسلاماً ، و إذا دخلت في أعمالهم فلن تجد إسلاماً ، لذلك هان أمرُ الله عليهم ، فهانوا على الله ، و ربُّنا سبحانه و تعالى يقول :
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
 [ سورة النساء]
فما قولكم أن للكفار على المؤمنين ألف سبيل و سبيل ، معنى ذلك صار هناك انفصام في الدين ، و مرض الانفصام في الدين أخطر من مرض انفصام الشخصية ، الفكر في وادٍ و السلوك في وادٍ ، لذلك الحلّ كما قال عليه الصلاة و السلام :
(( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة]
و لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها  فكيف صلح أوَّلها ؟ بطاعة الله عز وجل .
  
 لا يرقى الدين إلا بإنسان يخشى الله في الغيب : 
 
نحن لسنا بحاجة إلى متكلِّمين و لا إلى متفقهين و إلى متنطِّعين و لا إلى متقعِّرين في الكلام ، و لا إلى خطب رنَّانة و لا إلى كلام بليغ و لا إلى مؤلَّفات ، نحن بحاجة إلى تطبيق ، سيدنا عمر رأى راعياً يرعى شِياهاً ، قال له : لمن هذه الشياه ؟ قال ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، أو خذْ ثمنها ، قال : و اللهِ إني بحاجة إلى ثمنها و لو قلتُ لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني و إني عنده صادق أمين ، و لكن أين الله ؟ هذا الأعرابي وضع يدَه على وجه الدين ، و لو أن المعلومات الدينية قليلة جدًّاً فهو كبير عند الله ، لأنه خشِيه ، وهو كبير عند الله لأنه استقام على أمره و أنه خافه بالغيب ، نحن نريد مثلَ هذا الراعي ، هذا الذي يعجن العجين في الليل و دخل إلى دورة المياه و خرج و آثار النجاسة على يديه ، أيتابع عملَه و يقول : لا أحد يراني ، أم يخاف على غذاء المسلمين ؟
نريد إنساناً يخشى اللهَ بالغيب ، نريد إنساناً يخشى الله من دون أن يكون مُداناً في الأرض ، بهذا الإنسان تصلح الأمة و ينتشر الدينُ ، و بهذا الإنسان يدخل الناس في دين الله أفواجاً ، بهذا الإنسان يرقى الدينُ .
 
أصل الدين أن يكون طاهراً نقياً لا حرفة أو صنعة :
 
كنتُ اليوم قبل أن آتيَ إليكم في عقد قران ، أخٌ كريم تقدَّم فخطب قبلي ، و تكلّم كلاماً طيِّباً و جيِّداً و رائعاً إلا أنه قال : إذا رأيت داعيةً لم تجد سلوكه مطابقاً لقوله فلا تعبأ بذلك ، خُذ قولَه و دعْ سلوكَه ، فلما جاء دوري في إلقاء الكلمة قلتُ : المدعو إن رأى المرء الذي يدعوه لا يطبِّق منهج الله هناك سؤالان خطيران ؛ أوَّل سؤال : هذا المنهج يبدو أنه غير واقعي لأن الذي يتحدَّث عنه لا يصدِّقه ، و إذا كان واقعياً المتحدِّث مقصِّر ، و في كلا الحالين سقطتْ الدعوة ، لا يمكن أن تصغي إلى إنسان لا يطبِّق كلامه ، ومثل هذا الإنسان لا شأن لك عنده إطلاقًا ، وهذا الإنسان لا يستأهل أن تُصغي له ، ولا أن تأتي بيته ، ولا أن تأتي مسجده ، لأنَّه يُتاجِرُ بالدِّين والإمام الشافعي يقول : لأَن أرْتزق بالرَّقص ، أهْونُ مِن أن أرتزق بالدّين  ، فلا تجعل الدِّين حرفة أو صنعة أو مهنةً ، ولكن دَع الدِّين نقيًّاً طاهراً في السماء .
   
 تطبيق آيات القرآن الكريم سبب ارتقاء الإنسان عند ربه :
 
فيا أيها الأخوة ؛ هذا كلام مفيد ، وكلام مُلخَّص ، إذا أردْت أن ترقى ، فَدَعْك من القيل والقال ، والخِلافيَّات ، ودَعْك من الحِوارات ، وطبِّق آية تعرفها ، فهذا رسول الله لما قال له ذاك الأعرابي عظِني وأوْجِز تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام آيتين ، وهو قوله تعالى :
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
 [ سورة الزلزلة]
و القرآن ستُّمئة صفحة من آيات ، وأحكام ، ووعد ووعيد ، وأمر ، ونهي  ، وغيب الحاضر ، وغيب الماضي ، وقصص السابقين ، ولكنّ هذا الأعرابي اكتفى بآيتين فقط ،  وقال الأعرابي : كُفيت ، فقال عليه الصلاة والسلام : فقُهَ الرجل .
والله الذي لا إله إلا هو ، لا نحتاج إلا إلى آية واحدة ؛ إقبال على معلومات كثيفة وغزيرة ، وتنوّع وخِلافيات وموازنات ، ورأي الفقهاء والمفسّرين ، ورأي الشافعيّة والمالكيّة والحنابلة والحنفيّة ، ورأي الصوفيّة والسَّلفيّة ، وهذا الأعرابي اكتفى بهذه الآيتين .
 
   التوبة أساس الإيمان : 
 
أيها الأخوة ، نحن بِحاجة إلى إنسان مسلم ، وإلى بيت مسلم ، وإلى عمل مسلم ، وإلى حِرفة إسلاميّة ، وإلى تربية إسلاميّة ؛ هذا الذي نحن بِحاجة إليه ، أما التّخمة بالكلام ، فلِذلك الله عز وجل :
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
 [ سورة الذاريات]
النتيجة الحتْمِيَّة هي التوبة إلى الله .
 
   فرّوا : كلمة لها عدة معان :
 
والآن نقف عند كلمة فِرُّوا :
1 ـ فرار الإنسان من الشيء المخيف :
الإنسان يفرّ مِن الشيء المُخيف ، ويفرّ من الوحش ، ومن المرض ، ومن الفقْر ، ومن الذلّ ، ومن الهَول .
2 ـ الفرار من الشهوات :
المعنى الجديد اليوم ، فأنا قد ذكرتُ لكم في الدرس الماضي فِرُّوا من شَهوات الدنيا ، ومن الشَّهوات الأرضيَّة ، ومن الشَّهوات المنْحطَّة ، ومن قيود الأرض ، ومن كلاليب الأرض .
3 ـ الفرار من عقاب الله إلى طاعته :
ولكن هناك معنى آخر ؛ وهو فرُّوا من عِقابه إلى طاعته ، ومن عِقابه إلى ثوابه ، ومن معْصِيَتِهِ إلى طاعته ، ومن الشِّرْك إلى التوحيد ، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن الخوف إلى الورع ، فِرُّوا من التوكّل على غيره إلى التوكّل به فهناك شيئان : فِرارٌ من شيء ، و فرار إلى الشيء :
(( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ قُلِ : اللَّهُم أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ، اللَّهُ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ ، قَالَ : فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ ، قُلْتُ وَرَسُولِكَ قَالَ لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ))
[ رواه البخاري عن البراء بن عازب]
هو واحدٌ إن عَصَيتَهُ ينتظرك عقابه ، فإن فررْت من معصيتِه إلى طاعته نجَوْت من عقابه وأصبحت في رحمته ، إن عصَيتَهُ ينتظركَ عِقابه ، فإن فررْتَ من معْصيَتِهِ  والْتَجَأت من طاعته ، نجَوْت من عقابه ، ودخلْت في رحمته هذا هو المعنى ، اللَّهمّ أنا بكَ وإليك ، فالإيمان واحد ؛ عنده عِقاب ، وعنده ثواب ، وعنده توفيق ، وعنده تَعسير ، وعنده صِحّة ، وعنده مرض ، وعنده عِزّ ، وعنده ذلّ ، وعنده غِنَى ، وعنده فقْر ، وعنده راحة نفْسِيَّة ، وعنده ضيقٌ نفسي  فالذين ينتحِرون كيف يَنْتَحِرون ؟ بلغَ ضيقهم النفسي مرتبة لا تُحْتمَل ، قال تعالى :
 
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
 [ سورة طه]
فَمَعنى فِرُّوا إلى الله تعالى ؛ فِرُّوا مِن معْصِيَته إلى طاعته ، وفِرُّوا من الإشراك به إلى الإيمان به ، و فرُّوا من عِقابه إلى طاعته ، ومن عِقابه إلى ثوابه ، ومن معْصِيَتِهِ إلى طاعته ، ومن الخوف إلى الورع ، فِرُّوا من التوكّل على غيره إلى التوكّل عليه .
 
طاعة الله عز وجل حصن الإنسان من عذاب الله : 
 
قال تعالى :
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
 [ سورة الأنعام]
هذه فِطرة الإنسان ، والله أيها الأخوة لو أنَّك أحْببْتَ ذاتَكَ وحْدها ، وبالغْتَ في حُبّ ذاتك ، ولو أنَّك كنتَ كما يقول : أنانِيًّاً ، والتركيب غلَط ، وهو شائع ، لأنّ أنا و غير لا يؤخذ منها مصدر ، والصواب الأثرة و المؤاثرة ، فبالتعبير المألوف عندكم : لو كنت أنانيًّاً عليك بِطاعة الله لأنّ طاعة الله حِصنٌ لك وأساس التوفيق .
لذا المؤمن يبحث عن أمر الله ، وعن منهجه ، وعمَّا يُرضيه ، وعن الحُكم الشّرعي في كلّ شيء ، فَبَعْدَ أن تعرف الله ليس هناك موضوع أخْطر من أن تعرف أمرَهُ كي تُطيعهُ ، لأنَّ إذا عرفْتَهُ شَعَرتَ بِدافعٍ لا يوصَف إلى التَّقرّب إليه عن طريق طاعته ، أين أمرهُ ؟ عليك أن تحضر مجالس العِلم .
 
 لكل حسنة ثواب ولكل سيئة عقاب : 
 
الخُطب أيُّها الأخوة تقريباً كالبِضاعة المعروضة على واجِهة المحلّ ، وهذه البِضاعة هي من أجل أن تجلب إلى الدخول إلى المحلّ ، فإن لم تدخل فما اسْتفَدْت شيئًا ، والخُطبة مهمّتها أن تُقْنِعَك بِأَحَقِّيَة الدِّين ، وبِطاعة الله ، وبالعمل للآخرة ، ولكنَّك إذا اقْتَنَعْتَ تريد التَّفصيلات ، وتريد مجلس عِلم ، هناك منهج مُفصَّل ، مجلس عِلْم لِمَعرفة الحديث الشريف ، وآخر للتَّفقه ، ومجلس للتفسير والسيرة ، فأنت إن اقْتَنَعْت بالدِّين وأردْت أن تصْطلِحَ مع الله فالآن تحتاج إلى تفصيلات .
لذا الخطبة لا يُستغنى بها عن دروس العلم ، فهي تُقْنِعُك بالدِّين ، أما دروس العِلم ففيها تفصيلات الشرع ، وتفصيلات كتاب الله تعالى ، وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، لذا فَفِرُّوا إلى الله ، وهذه الكلمة لو أنَّ شخصاً خائفاً من شيء ، المعْصِيَة من لوازمها العِقاب ، وإنّ لكلّ حسنة ثواباً ، وإنّ لكلّ سيّئة عِقاباً .
الشيء الآخر إن عرفْت أو لم تعْرف ، إنّ عرفتَ أنّ لكلّ حسنة ثواباً ، وأنّ لكلّ سيّئة عِقاباً ، أو لم تعرف ، للحسنة ثوابها ، وللسيّئة عِقابها ، قال : يا رب ، عصيْتُ ولم تُعاقبني ، فقال الله : يا عبدي عاقبْتُك ولم تدْر ، فأنت إن عرفْت أو لم تعرف فالعِقاب حاصِل ، ولو دقَّقت لوجدت أنّ أفعال الله كلّها حِكمةٌ ما بعدها حِكمة ، وعَدل ما بعدها عدل ، ورحمة ما بعدها رحمة ، فإما أن تعرف وإما أن تجْهل  ولكنَّك إن جَهِلت فليس معنى هذا أنَّ الحسنة ليس لها ثواب ، وأنّ السيّئة ليس لها عِقاب ، فالعِقاب واقِع ، والثَّواب واقِع ، قال تعالى :
 
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
 [ سورة الذاريات]
 
خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :
 
مرَّة أخرى أيها الأخوة ؛ أُعيذ هذه الفِكرة مئات المرات خِيارُك مع الإيمان ليس خِيار قَبول أو رفض ، ولكن خِيار وقت فقط ، الشيء الذي لا تعرفه ، أو الشيء الذي عرفْته وأنكرتهُ ، أو الشيء الذي صَدَدْت عنه ، لا بدّ أن تؤمن به عند لِقاء الله عز وجل ، والدليل أنّ أكفر كُفَّار الأرض حينما قال : أنا ربكم الأعلى ، لمَّا غرق قال كما حكي عنه تعالى :
 
﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
 [ سورة يونس]
فإما أن تؤمن ، وأنت في بَحبوحة ، وفي صِحَّتك ، وشاب ، وغنيّ ، وإما أن تؤمن بعد فَوات الأوان ، فليس المقولة تؤمن أو لا تؤمن ، لا ، لا بدّ من أن تؤمن ، ولكن حينما تؤمن بعد فوات الأوان تندم أشدّ النَّدَم ، فالآن نحن في بَحبوحة ، وباب الصّلح مع الله تعالى مفتوح ، وباب التوبة والاستغفار مفتوح ، وباب إصلاح الأخطاء الماضيَّة مفتوح ، وباب أداء الحقوق مفتوح ، وباب الاستِسْماح مِمَّن اغْتبْته مفتوح ، الأبواب الآن كلّها مفتوحة ، ولكن حينما يأتي ملك الموت الأبواب كلّها تغلق ، قال تعالى :
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
 [ سورة المؤمنون]
 
باب التوبة مفتوح أمام الإنسان مادام في الدنيا :
   
قال تعالى :
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾
 [ سورة المؤمنون]
فنحن الآن في بحبوحة ، فلا تقل : غداً ، وورد في الأثر أنْ هلكَ المُسَوِّفون فلا تقل حتى أفعل كذا ، وسوف أفعل ، فهذه مِن سِلاح إبليس ، فإبليس يستخدم سوف ، فالله تعالى :
﴿فَفِرُّوا﴾
 [ سورة الذاريات]
الآن  وما مضى فات والمؤمّل غيب ، ولك الساعة التي أنت فيها ، ونحن لا نمْلك إلا هذه الساعة ، فهؤلاء الذين يموتون فجأةً في ذِهْنهم سيَعيشون عشرين عاماً قادِماً ، فإذا بهم بعد ساعة ينتهون ، أحدهم كان جالساً مع أصدِقائه ، فقال : أنا لن أموت ، فسأله أحدهم لماذا ؟ فقال : أنا رشيق ، وصحَّتي جيّدة ، ولا أُدخِّن ، تكلَّم بهذا الكلام يوم السبت ، وفي السبت القادم كان تحت التراب ، سبعة أيام فقط ، فلا أحَدَ يملك المستقبل ، ما مضى فات والمؤمَّل غيب ، ولك الساعة التي أنت فيها ، اِعْقِد العزمَ على التوبة الآن  وإصْلاح ما مضى ، والآن ممكن أن تُحلّ المشكلات بالأموال ، ولكن بعد الموت لا ينفع إلا العمل الصالح .
 
حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله مبنية على المسامحة :
 
في الدنيا كلّ شيء يُحلّ ، وكلّ شيء له حلّ ، لكنّ المشكلات مع الله تعالى هي المعاصي ، ولأنّ الله تعالى يقول :
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾
 [ سورة النساء]
فهذا ذنب لا يُغفر ، وهناك ذنب لا يُتْرك وهو ما كان بينك وبين العباد ، تصوّر إنسانًا خاض معركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي أشرف معركة ، مات شهيداً في الأرض المعركة ، ولما دُعِيَ النبي عليه الصلاة والسلام لِيُصَلِّيَ عليه قال : هل عليه دَين ؟ فقالوا : نعم ، فقال : صَلُّوا على صاحبكم :
(( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ ))
[ رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
قدَّم روحه ، لماذا ؟ لأنَّ حقوق العباد مَبْنيَّة على المُشاححة ، بينما حقوق الله تعالى مَبْنِيَّة على المُسامحة .
 
عدم قبول الله أي عمل للإنسان إذا أشرك معه إلهاً آخر :
 
أيها الأخوة الكرام ، قال تعالى :
 
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
 [ سورة الذاريات]
لأنَّ الله سبحانه وتعالى إن أشْركتَ به لا يقبل عملكَ كُلَّه ، والله تعالى يقول في الحديث القدسي :
(( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة]
فالعمل المُشترك لا يقبله ، والقلب المشترك لا يُقبِلُ عليه ، قال تعالى :
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
 [ سورة الشعراء]
 
الاعتماد على غير الله ذل وضلال :
 
إذا أرادْت عذاب الدنيا فادْعوا مع الله إلهاً آخر فالإنسان أوَّلاً ضعيف ، وثانياً عِلمهُ مَحدود ، وثالثاً قد لا يُحِبّك ، قال تعالى :
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
 [ سورة فاطر]
كُن مع الذي يسْمعُ دعاءك في أيّ مكان ، قد يُعيك رقم هاتفه ، ولكنّ الهاتف مقطوع ، وأنت بأمسّ الحاجة إليه ، فَكن مع الذي إن دَعَوتهُ أجابك ، وإن سألْتهُ أعطاك ، وإن استغفرته غفر لك ، وإن تبتَ إليه تاب عليك ، وكُن مع الذي لا يغيب علمه عنك إطلاقًا ، وربنا عز وجل غَيور ، فإن جَعَلتَ معه إلهاً آخر لا بدّ أن يُخيِّب ظنَّك فيه ، قال تعالى :
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
 
 [ سورة الشعراء]
فلا تعتمد لا على ابنك ، حبَّهُ في الله ، وأكرمهُ ، وأحِبَّ زوجتك لله ولا تعتمد عليها ، ولا تعتمد على شريك ، ولا على أخ ، ولا على زوجة ، ولا على ابن :
(( لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا ))
[ رواه مسلم عن أبي الأحوص]
اِعْتَمِد على الله تعالى ، يا رب ماذا فقَدَ من وجدَك ؟ وماذا وجد من فقدَكَ ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ إنسانٌ حصَّل ثروة طائلة ، وكانت له زوجة جيّدة جدًّاً وكان اعتِمادُه عليها ، أُصيب بِشَلل فلم تحْتَمِلهُ إلا أيَّاماً معدودة ، وكان في البناء قَبو جعلتْهُ في الطابق السفلي ، وكلّما طلب زوجته تأتيه بعد أيام ، وبِكَلماتٍ قاسيَة وبازْدِراء ، ثمّ نقلتْهُ إلى بناءٍ آخر بعيد كي تستريح منه ، فَمَن اعْتَمَد على غير الله تعالى ذلّ وضلّ .
 
على الإنسان أن يكون مع الله لأن كل شيء بيد الخالق :
 
هذا الحسن البصري كان عند والي البصرة  فجاء توجيه من يزيد بن معاوية ، ويبْدو أنّ هذا التوجيه لا يُرضي الله تعالى ، فقال لِهذا الإمام : ماذا أفْعل ؟ إنِّي إن نفَّذْتُ هذا التوجيه أغْضبْتُ الله عز وجل ، وإن لم أُنفِّذْهُ أغْضَبتُ الخليفة ، فماذا أفعَل ؟ فقال هذا الإمام : إنَّ الله يمْنَعُكَ مِن يزيد  ولكنّ يزيداً لا يمنَعُك من الله ،مهما كان الإنسان قويًّاً ، وضغط عليك فقُل إنّ الله تعالى يمْنَعُهُ مِنِّي ولكنَّه لا يمْنعني من الله تعالى ، فالله تعالى بيَدِهِ قلبك ، وبيَدِه الكبد ، وفشَل كلوي ، والنجاح بالمئة خمسين ، وأورام من دون سبب ؛ مرَّة بالجِلد  ومرّة بالأحشاء ، ومرَّة بالدِّماغ ، فصِحّتك بيَدِ الله تعالى ، وأجهزتك كلها بيَدِهِ ، وكلّ من حَولك بيَدِهِ ، ورِزقُكَ بيَدِهِ ، وزوجتك بيَدِهِ ، فأحيانًا يُلهمها أن تكون ألْطف زوجة وأحيانًا يُلهِمها أن تكون أشرس زوجة ، حتّى قال الإمام الشعراني : أعرف مقامي عند ربّي من أخلاق زوجتي ، فالزوجة هي هي ، لذا قال أحد الأنبياء كما قال تعالى:
﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾
 [ سورة هود]
أيها الأخوة ، قال تعالى :
 
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
 [ سورة الذاريات]
  
المؤمن يصبر في سبيل الدعوة إلى الله أسوة برسول الله : 
 
ثمّ يقول تعالى :
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾
 [ سورة الذاريات]
كما قال عليه الصلاة والسلام : مِلّة الكفر واحدة ، فمواقف الكفار منذ خلق الله الأرض ومن عليها وإلى يوم القيامة واحدة ، انْتِقاداتهم واحدة ، وطَعنهم واحِد ، وادِّعاؤُهم واحِد ، وقد يسأل سائل ويقول : يا رب ، هذه التُّهَم الباطلة التي قالها الكفار على أنبيائِك الكِرام لماذا أثبتَّها في كتابك وجعلتها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة ؟! ليَكون الأنبياء جميعًا أُسْوةً لنا ، فالأنبياء قالوا عنهم ما قالوا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قالوا عنه : سَاحر ، ومجنون  وشاعر .
لذا إن قيل عنك شيءٌ فاصْبر ، فقد قيل لِمن هو أفضل منك ، لذا جعل الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي تحمَّل ما تحمَّل في سبيل الدّعوة ، ولاقى في جَنب الله تعالى ما لاقى ، وأوذِيَ ولم يُؤْذ أحد  وخاف ، وجاع في سبيل الله تعالى ، وكانت حياته كلّها متاعب ، ومشقَّة ، وطريق كلّه أشواك ، إلى أن بلَّغَ الرّسالة ، وأدَّى الامانة ، ونصَح الأمَّة ، وكشف الغمَّة ، وجاهد في الله حق الجهاد ، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد ، ولاقى وجْه ربّه وهو في أعلى عِلِيِّين ، وهذه هي الحياة ، وكلّ شيء في الحياة يُمَلّ .
 
الحياة من دون رسالة وقيم لا معنى لها : 
 
هناك حقيقة في الحياة دقيقة جدًّاً ، فأنت ما دُمْتَ في أوَّل الطريق فكلّ شيء له بريق فالإنسان يكون بالابتِدائي ، فيرى تلامذة الإعدادي ، والثانوي ، وبعد أن يصل إلى الثانوي يأخذ البكالوريا ، وبعدها الجامعة ، ثمّ يتخرّج ، وبعدها يشغل منصِباً ثمّ يتزوّج ، وبعد الزواج يُنْجب ، وبعدها يُزوّج أولاده ، وبعدها يكتشف تفاهة الحياة .
لذا الحياة من دون رِسالة لا تُعاش ، ومن دون قِيَم لا تُعاش ، ومن دون هدف لا تُعاش ، لذا غير المؤمن يضْجر ، ويسْأم ، ويَمَلّ ، أما المؤمن فهو في شباب دائم ، ولأنّ هدفه كبير ، إلهي أنت مقصودي ، ورِضاك مطلوبي ، فالمؤمن لا يشيخ ، الجِسم يتراجع ولكن نفْسِيَّته نفْسيَّة شابّ ، وله آمال لا تكفيها مئة عام ، هذا هو المؤمن يعيش حياةً سعيدةً ، أما الإنسان حينما يكون هدفه مادّي ، ويصل بعدها إلى أهدافه يرى تفاهتها ، ومَحْدودِيَّتها ، وصغارها ، وعندئذٍ يسأم ويضْجر ، وأنت سعيد ، لذا أنت موهوم بالسعادة قبل أن تصل إلى أهدافك ، فإذا بلغْتها كلّها ، وكانت مادِّيَةً تشْعر بِتَفاهة الحياة ، أما إذا عرفْت الله مِن بِدايات الحياة فأنت في شباب دائم ، وفي سعادة دائمة .
 
أسعد الناس بالدنيا أرْغبهم عنها :
   
َمِن باب الطُّرفة وهي أنَّ الفرنْسِيُّون لهم حقيقة ، أنا أرْويها فقط لأهل الدنيا لا للمؤمنين وهي : أنَّ الحياة تحتاج إلى ثلاثة أشياء كي تكون سعيداً بها : تحتاج إلى صِحَّة ، وإلى وقت ، وإلى مال ، والإنسان يمرّ بِحياته بِثَلاثة مراحل  ودائماً تنقصُه واحِدَة ، ففي أوَّل حياته شابّ كالحِصان ، ولكن لا يوجد مال ، وفي المرحلة الثانيَة يؤسِّس عملاً ، فالمال موجود ، والصحّة موجودة ، ولكن لا يوجد وقت ، وبالثالثة المال موجود ، والوقت موجود ، ولكن لا توجد صِحَّة .
فدائماً ينقصك شيء ، هذا الكلام أقوله لأهل الدنيا ، لأنَّ أسعد الناس بالدنيا أرْغبهم عنها ، وأشْقاهم فيها أرغبهم فيها ، أما المؤمنون ؛ منذ أن عرَفَ الله دَخَل في السَّعادة ، لأنّ هدفه أن يتعرَّف إلى الله ، وإلى أن يستقيم على أمره ، وهدفهُ أن يدْعو إليه ، وأن يهْدي خلقه ، وأن ينال رِضْوانه ، وان يكون جُنْدِيًّا للحق ، وهدفه أن يهْديَ الناس إلى طريق الحق  فالمؤمن أهدافه كبيرة جدًّا ، فدُنياهُ يراها آخرة .
 
طغيان الكفار جعلهم يقفون موقفاً موحَّداً من الأنبياء :
 
 قال تعالى :
 
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾
 [ سورة الذاريات]
هل اتَّفقوا ؟ اتَّفقَ الكفار في كلّ مكان وزمان على اتِّهام الأنبياء باتِّهام واحد  ساحر أو مجنون ، والعجيب أنّه في كلّ زمان لو أصْغَيتَ إلى الكافر لرأيْت انْتِقاده يُشبِهُ انتِقاد إنسان آخر عاش قبل ألف وخمسمئة عام ، يقول لك : دجَّال ، وهذا له مصْلحة ، ويقول لك : هو لا يطبّق ذلك ، قال تعالى :
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾
 
 [ سورة الذاريات]
كيف جاءَتْ انتِقاداتهم وتُهَمُهم واحدة ؟ قال تعالى :
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾
 [ سورة الذاريات]
طُغيانهم جعلهم مُتشابِهين ، وجعلهم يقفون موقفاً موحَّداً من الأنبياء والمرسلين .
 
    من عرف نفسه ما ضرّته مقالة الناس به :
 
قال تعالى :
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾
 [ سورة الذاريات]
أنت أرقى من ذلك ، فالله تعالى كرَّم الإنسان بِمَعرفته ، وبِطاعته ، وبالدَّعوة إليه ، فلا يلْتَفتُ إلى الحُسَّاد ، وضيِّقي الأُفق ، وصِغار النُّفوس ، وصِغار القلوب ؛ هؤلاء دَعْهُم ولا تلتفِت إليهم ، فأنت أرقى من ذلك ، ووقْتُكَ أرقى مِن أن تُضيِّعَه معهم ، نجاحك أثْمن من أن تلتفت إليهم ، القافلة تسير والكِلاب تَعوي ،ما ضرّ السَّحاب في السماء نَبْح الكلاب في الأرض ، وما ضرّ البحر العظيم أن قذف الغلام فيه بالحجر ، هذا لا يُساوي شيئًا قال تعالى :
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾
 [ سورة الذاريات]
لا عندنا ، ولا عند المؤمنين ، ولا عند نفْسِك ، ومن عرف نفسه ما ضرّتْهُ مقالة الناس بِه .
 
الذكرى تنفع المؤمنين : 
 
قال تعالى :
﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾
 [ سورة الأنعام]
ثمّ يقول تعالى :
 
 [ سورة الذاريات]
المؤمن فيه حياة في قلبهِ ، المؤمن اتَّخَذ قراراً حقيقياً ومصير
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
 
 
ياً
 ، وهو طلب الحقيقة ، ومعرفة الله وطاعته ، فهذا المؤمن ذكِّرْه ، والذِّكْرى تنفعُ المؤمن .
 
خلق الله الإنسان ليعرفه فيطيعه فيسعد في الدنيا والآخرة : 
 
قال تعالى :
 
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
 [ سورة الذاريات]
و الله أيها الأخوة  كنتُ أتمنَّى أن أقف عند هذه الآية وقْفة طويلة ، لأنَّها أخطر آية في كتاب الله ولأنها تُبيِّن لماذا أنت في الدنيا ؟ خلقهم لِيَعرفوه فَيُطيعوه فيسْعَدون ، هناك جانب معرفي ، وجانب سُلوكي ، وجانب جمالي ، فالجانب الجمالي هو الهدف الجمالي ، قال تعالى :
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
 [ سورة هود]
ثمن هذا الهدف الجمالي طاعته في الدنيا ، وسبب الطاعة معرفته ، تعرفُهُ فَتُطيعُهُ فَتَسْعَدُ بِقُربهِ في الدنيا والآخرة ، هذه عِلَّة وُجودنا على وجه الأرض .
 
علة وجود الإنسان في الأرض عبادة الخالق سبحانه :
 
قال تعالى :
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
 
 [ سورة الذاريات]
فالإنسان إن لم يعرف سبب وُجوده في الدنيا هذا إنسان جاهل أشدّ الجهل ، فهل يوجد من يُسافر إلى بلد ، ويدخل فندقاً و ينام ، ويستيقظ ، ثمّ لا يعرف لماذا هو في هذا البلد ؟! إن كنتَ طالباً فعليك بالجامعة ، وإن كنتَ تاجِراً فالأسواق ، أو سائحاً فالمتاحف ، وكذلك السؤال نفسه ؛ لماذا أنا في الدنيا ؟! هل من أجل الأكل والشرب ؟ الحيوان يأكل ويشرب ، من أجل أن تتباهى ؟ فهناك حيوانات تتباهى كالطاووس ، قال تعالى :
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
 
 [ سورة الذاريات]
لِيَتَعَرَّفوا إليّ فَيُطيعوني ويسْعَدوا بِقُربي ، وهذه الآية تُبيِّن عِلَّة وُجودنا على وجه الأرض ، لا كما يقول الشاعر :
جئتُ ولا أدري من أين لكنِّي أتَيْتُ       لماذا أتَيْتُ لسْتُ أدري ولماذا
لستُ أدري لستُ أدري
هو وحده لا يدري ، لكنّ الله عز وجل أعلمَنا أنَّه خلقنا لِنَعبدَهُ .
 
    من طلب العلم تكفّل الله برِزقه :
 
قال تعالى :
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾
 [ سورة الذاريات]
لا تحتجّ بالرّزق ، من طلب العلم تكفَّل الله له بِرِزقه ، فالرِّزق مضمون وموجود ومَقسوم ، وكلمة الحق لا تقطع رِزقًا ولا تقرِّبُ أجلاً ، والرّزق بِيَد الله عز وجل ، قال تعالى :  
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
 [ سورة الذاريات]
 
الرزق بيد الله سبحانه و تعالى :
 
من ابتغى أمراً بِمَعصِيَةٍ كان أبْعَدَ مِمَّا رجا وأقرب مِمَّا اتَّقى ،  قال تعالى :
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
 
 [ سورة الذاريات]
إياك أن تقول : إن أطَعْتُ الله أخْسَرُ عملي ، هذا كلام الجُهَّال ، وكلام مشرك ، وكلام من أُفُقُه ضيّق ، فهذا التوهّم من الشيطان ، قال تعالى :
 
                ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
 [ سورة آل عمران]
 
    الظالم له عقاب أليم في الدنيا والآخرة مثل عقاب الأمم السابقة :
 
قال تعالى :
                       ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾
 [ سورة الذاريات]
الذَّنوب هنا هي الحظ أي هؤلاء الذين ظَلموا يا محمد صلى الله عليه وسلم وهم معك ، لهم عِقاب أليم في الدنيا والآخرة مثل عِقاب الأُمَمِ السابقة الذين ذكرهم الله في كتابه الكريم ، فهذه القِصص رَدْعِيَّة ، كيف أهلك الله عاداً وثمود وفرعون وقوم لوط ؟ هؤلاء الأقوام الأقوياء الأشِدَّاء والظالمين كيف دمَّرهم الله عز وجل .
 
    الفيضانات ، الزلازل ن الحروب ، كلها بلاء من الله عز وجل :
 
قال تعالى :
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾
 [ سورة ص]
ونحن عندنا عَيِّنات في الحياة المُعاصرة ، تجد زِلزال أتى على كلّ شيء  و إعصارات في شرق أمريكا كلَّفت ثلاثون ملياراً ، وهذه فيضانات وصواعق ، وحروب أهليَّة ، قال تعالى :
 
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾
 [ سورة الأنعام]
فهذه الآية تشمل الزلازل والإعصارات والفيضانات والصواعق والحروب أهليَّة ، هذه كلّها بلاء من الله عز وجل .
 
توعد الله الكافر بويل عظيم يوم القيامة :
 
قال تعالى :
 
                                ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾
 [ سورة الذاريات]
الوَيل هو الهلاك ، ونحن الآن في بَحبوحة ، ولكن لمَّا يصل إلى طريق مَسدود يُصيبُهُ ألمٌ وضيقٌ لو وُزِّعَ على أهل بلدٍ لكفاهم .
والحمد لله رب العالمين



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب