سورة الذاريات 051 - الدرس (6): تفسير الأيات (47 – 51) - كل شيء في الكون آية تدل على عظمة الخالق

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الذاريات 051 - الدرس (6): تفسير الأيات (47 – 51) - كل شيء في الكون آية تدل على عظمة الخالق

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج على رواء:  على رواق - ح85 - 25 - 03 - 2019           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 423- اسم الله الرحيم 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة _ الرياضة في مفهوم العلماء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0242 - سورة الاعراف 001 - 002           برنامج براهين:  براهين - 03 - حقيقة الخالق عز وجل           برنامج الصحة النفسية:  الصحة النفسية - ح3 -الأسرة - 24 - 3-2019         

New Page 1

     سورة الذاريات

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الذاريات ـ الآيات: (47 - 51) - كل شيء في الكون آية تدل على عظمة الخالق

13/08/2013 17:25:00

تفسير سورة الذاريات (051)
الدرس : (6)
تفسير الآية: (47-51)
كل شيء في الكون آية تدل على عظمة الخالق
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً  وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
أيها الأخوة المؤمنون : مع الدرس السادس من سورة الذاريات .
 
    الكون آية من آيات الله الدالة على عظمته : 
 
قال تعالى :
 
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
[ سورة الذاريات ]
عَودة إلى معرض الكون ، فالكون هو معرض أسماء الله الحسنى ، فإذا أردت أن تعرف الله فالكون أمامك بِسَماواته وأرضه ، وبِمَخلوقاته ونباتاته ، وبِخَلْق الإنسان ، فالله جلّ جلاله في هذه الآية يلْفت نظرنا إلى الكون .
  
 اكتشاف النذر اليسير من الكون فقط : 
 
 قال تعالى :
 
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
 [ سورة الذاريات ]
كلمة بِأيْدٍ أي بِقُوّةٍ ، الله جلّ جلاله يتجلَّى باسم القويّ فتكون الجبال الشامخات ، ويتجلّى باسم الجميل فتكون الزهرة الفواحة ، وفي كلّ خَلْقٍ من مخلوقاته اسم يتجلَّى أكثر ما يتجلَّى فيه ، فالسماوات بِمَجراتها ، وكازراتها ، ومُذنَّباتها ، وبِكَواكبها ، وبِنُجومها ، ومسافاتها الواسِعَة فالكون ينطَوي على قريب مليون مليون مجرّة ، والتي عرفت حتَّى الآن ، قال تعالى :
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
 [ سورة الإسراء ]
وقال تعالى :
 
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
 [ سورة البقرة ]
 
    التواضع صفة العالم والكبر صفة الجاهل :
 
سُئِلَ أحد كبار العلماء والذي جاء بالنَّظَرِيَّة النِّسْبيَّة ، وهي من أعظم النَّظَريَّات في الفيزياء في هذا العصر ، وقد اكْتشَف النَّظَرِيَّة النِّسْبيَة والتي تؤكِّد أن هناك بُعداً رابعاً هو بُعد الزَّمَن ، فالأشياء الماديَّة رُباعِيَة الأبعاد طولٌ وعرض وارتِفاعٌ وزمن ، هذا العالم يقول لما سئِلَ عن العِلم قال : طفلٌ صغير دخل إلى مكتبة ، وكلّ جدرانها كتب حتَّى السَّقف ، وقف بُرْهةً ونظر إلى الكتب وخرج ، فماذا أخذ من العلوم ؟ هذا هو العلم الحديث كلّه ، فهذا جواب أعلم العلماء في فنّ الفيزياء يقول هذا الكلام ، وهذا عالمٌ آخر يقول : لم تبتلّ أقدامنا بَعْدُ بِبَحر المعرفة ، ولازلنا على الشاطئ  وهذا هو معنى قوله تعالى :
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
 
 [ سورة الإسراء ]
لذا مِن علامة العالم التواضع ، ومن علامة الجاهل الكِبْر ، وقد ورَد أنَّه يظلّ المرء عالماً ما طلب العِلم ، فإذا ظنَّ أنَّه قد عَلِم فقد جَهِل ، ففي اللحظة التي تتوهَّم فيها أنّك عالم فأنت جاهل !! لذلك الإنسان يطأطئ رأسه لِخالقه ، قال تعالى :
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
 
 [ سورة الإسراء ]
 
نصف العالِم هو أخطر إنسان على المجتمع :
   
أحيانًا تقرأ أموراً تُحيِّر ، فهذه الغدَّة الثَّدْيِيَة في الحيوانات اللبونة ، عبارة عن قُبَّة فوق أوْعِيَةٍ دَمَوِيَّة ، تختار من الدَّم المواد الطاهرة النَّقِيَّة التي تُناسبها ، وتصْنَعُهُ حليباً ، والتعليق الذي يلفت النَّظر أنَّه حتَّى الآن لا أحد يعلم كيف تعمل هذه الخليَّة ؛ تأخذ دماً فتَجْعلُهُ حليباً ! وأنت إذا قرأت كتباً علميَّة منصِفة تجد هذه العبارة كثيراً ، فلا أحد يعلم كيف يصبح الحليب حليباً وكيف يتم ذلك ؟
الآن العلماء انصرفوا لا إلى كُنهِ الأشياء ، ولكن إلى ظواهرها ، فالكهرباء مثلاً لا أحد يعلم كُنْهها ولكن نعلم ظواهرها فعلامة العالم التواضع ، وعلامة الجاهل الكِبْر ، وأخطر إنسان هو نصف العالم ؛ لا هو عالم فهو يُفيد من علمِهِ ، ولا هو جاهل فيتعلَّم ، والإمام علي كرّم الله وجهه يقول : قِوام الدِّين والدنيا أربعة رِجال ؛ عالم مُستعمل علمه ،   وجاهل لا يستنكف أن يتعلّم ، وغنيّ لا يبْخل بِماله ، وفقير لا يبيع آخرته بِدُنياه ، ثمَّ يقول هذا الإمام الجليل : فإذا ضيَّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلّم ، وإذا بخل الغني بِماله باع الفقير آخرته بِدُنيا غيره .
   
أصل الدين معرفة الله عز وجل :
 
أيها الأخوة ، المؤمن مهما ازداد علمه يزداد تواضعه ، والإمام الشافعي يقول : كلّما ازْددْتُ علماً ازْددْتُ عِلماً بِجَهلي ، والإمام مالك رحمه الله ، وهو سيّد علماء عصره جاءَه وفد من بلاد الأندلس ، ومعه ثلاثون سؤالاً فأجاب عن سبعة عشر سؤالاً ، أما الأسئلة الباقية فلم يُجب عنها ، فقالوا له : أنت إمام ، وقد أتيناك من طرف الدنيا ، ثمّ تقول : لا أدري ؟ فقال لهم بملء فمِهِ : قولوا لهم الإمام مالك لا يدري ، نصف العلم لا أدري ، فإن لم تكن تعلم فقل : لا أعلم ، ولا تتحرّج ، فهذا الذي يظنّ أنَّه يعلم كلّ شيء هو لا يعلم شيئًا .
هذه المقدِّمة ، كلَّما تأمّلت في الكون شَعَرت أنَّ خالقه لا نهاية له في كماله ، ولا نهاية لِقُدرته ، ولا نهاية لِعِمله وخِبرته ، لذا معرفة الله أصل الدّين فحينما نتَّجه إلى جزئيات الدّين دون معرفة الأصول نقع في متاهة كبيرة ، لماذا بقي أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة عشرعاماً يتعرّفون إلى الكون .
   
 الآيات الكونية موضوعات هامة للتفكر :
 
اِقرأ السور المكيّة ، قال تعالى :
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾
 [ سورة الطارق ]
وقال تعالى :
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾
 [ سورة الشمس ]
وقال تعالى :
﴿وَالْفَجْرِ *وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
 
 [ سورة الفجر]
فأنت لا تجد في القرآن الكريم في قسمه المكيّ إلا سورًا تتحدّث عن الكون ، فهذه العبادة العظيمة التي هي سبب معرفة الله تعالى ؛ كيف أُهْمِلَت ؟ وكيف تجاوزْناها إلى جزئيات الدّين ؟ جزئيات الدين لا يمكن أن تعرفها إلا إذا عرفت كليّات الدِّين ، الدّين بناء شامخ له أصول وله فروع ، لذلك تقرأ القرآن الكريم فتعجب ، ففيه آيات لا تُعَدّ ولا تحصى تتحدَّث عن الكون فهذه ما موقفك منها ؟ ولماذا أنزلها الله على النبي عليه الصلاة والسلام ؟ ومن أجل ماذا ؟ من أجل أن تكون هذه الآيات موضوعات للتفكّر ، ومن أجل أن تتعرّف إلى الله تعالى مِن خلالها .
 
الآيات الدالة على عظمة الله :
 
الآية الأولى : وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ   :
هذه السماء التي فوقنا ؛ هل فكَّرنا فيها ؟ وهل فكَّرنا في الشمس والقمر ، قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾
 [ سورة البروج ]
الأبراج : نمرّ على كلّ شهر بِبُرج ، ومن هذه الأبراج ، ومن بعض نجومه قلب العقرب ،يسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، وهل فكَّرتَ في قِوىالتَّجاذب بين الكواكب والنجوم ؟ وهل فكَّرتَ في المسافات الكونيّة ؟ خمسين مليون عام ، ونسير بالساعة مئة كيلو متر كي نصل إلى أقرب نجم ملتهب ، والمرأة المسلسلة مليون سنة ضوئيّة ، وبعض المجرَّات أربعة وعشرون مليون ألف سنة ضوئيّة ، فهذه المجرَّة التي تبعد عنَّا أربعة وعشرين مليون ألف سنة ضوئيّة كانت في مكانها حتَّى وصل ضوءها إلينا فالضَّوء استغرق أربعة وعشرون مليون ألف سنة ضوئيّة حتى وصل إلينا مع أنَّ الضوء يقطع في الثانية الواحد ثلاثمئة كيلو متر ، وسرعة الضوء ثلاثمئة كيلومتر بالثانية ، وأين هي الآن ؟ لا يعلم إلا الله أين هي ؟
الآية الثانية : بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ :
قال تعالى :
 
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾
 [ سورة الواقعة]
دقق في هذا الاعتِراض ؛ وإنَّه لقسَم لو تعلمون عظيم ، معنى ذلك كما قال تعالى :
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾
 [ سورة فاطر]
هذه الشمس ؛ هل مِنَّا من لا يراها ؟ هي أكبر من الأرض بِمِليون وثلاثمئة ألف مرّة ، فَجَوف الشمس يتَّسع لهذا العدد من الأراضين ؟ فهذه القارات الخمس تساوي خمس الأرض ، والأربعة الأخرى بحر ، والأرض كوكب في المجموعة الشمسيّة ، والمجموعة الشمسيّة نقطة في مجرة درب التبانة ، أرسلوا مركبة قبل بضعة سنوات إلى المشتري وهي أسرع مركبة اخترعها الإنسان ؛ أربعين ألف ميل في الساعة ، كم احتاج إلى وصولها إلى المشتري ؟ سِتُّ سَنَوات ، فهذه التجربة اثنا عشر سنة ذهاباً وإيَّاباً ، ولا زلنا في المجموعة الشمسيّة التي هي نقطة على درب التبانة ، ومجرّتنا مجرة متواضعة وصغيرة ومعتدلة ، هذا هو الكون  وهذا هو خلق الله تعالى ، فأروني ماذا خلق من دونه ؟
 
على الإنسان أن يعرف الآمر قبل الأمر ليطبق منهجه :
 
قال تعالى :
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
 [ سورة الذاريات ]
قال تعالى :
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾
 [ سورة الزمر : الآية 67]
فالمشكلة في الدين أن تعرف الله فإذا عرفْتهُ انْدَفَعتَ إلى تطبيق أمره بِشَكل عجيب  أما إن لم تعرفْهُ تفنَّن عقلكُ في الاحْتِيال للخروج من منهجه ، واختِراع الأساليب الملْتَوِيَة كي لا يُطَبِّق أمره ، أما إذا عرفه يندَفِعُ إلى تطبيق أمره بِشَكل عجيب ، لذا عليه الصلاة والسلام من حكمته بدأ بالتَّعريف بالله تعالى لأصحابه ، والآمر قبل الأمر ، فإذا عرفْتَ الأمر قبل أن تعرف الآمر تفنَّنت في مخالفته ، أما إذا عرفت الآمر قبل الأمر تنطلق إلى تطبيق أمره .
 
العاصي يجب أن يفكِّر قبل أن يعصي ربَّه هو من سيعصي ؟
 
 قال تعالى :
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
 [ سورة الذاريات ]
هناك في الفضاء الخارجي مقابر لمجرَّات ، ولقد سمَّوها الثُّقوب السَّوداء منطقة ضَغط مذْهلة ، ولو أنَّ الأرض دخَلت إلى هذا الثقب الأسود  لأصبحت بِحَجم بيضة الدَّجاجة ، وبِوَزنها نفْسِهِ ، كم وزن الأرض ؟ جبل قاسيون ؛ كم وزنه ؟ وجبال هيمالايا كم وزنها ؟! أعلى جبال في العالم ، وجبال الألب وطولوس ، فكم وزن الأرض كلّها ؟ كلّ هذه الكرة لو دَخلت في هذا الثقب الأسوَد لأصْبحت بِحجم البيْضة بِالوزن نفسه ، قال تعالى :
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
 
 [ سورة الذاريات ]
موسعون أي مسافاتها شاسعة جدًّاً ، والإنسان حتى الآن لم يصِل إلى حدود الكون ، فكيف بِخالق الكون ؟!! فالكون حادث ، وسبقه عدم ، وينتهي إلى عدم ، ومع ذلك لا نهاية له ، والإنسان حتَّى الآن لا يعرف حُدود الكون .
أنت بهذه العَين المجرَّدة ترى نجوماً تزيد عن عشرة آلاف نجمة ، أما بالمراصد العملاقة فهناك مليون مليون مجرّة ، وبكلّ مجرّة فيها مليون مليون ، هذا هو العدد الذي عرفه الإنسان حتَّى الآن ، فالإنسان لمَّا يتَّجِه إلى معصِيَة الله يجب أن يُفكِّر قبل أن يعْصي ربَّه هو سيَعْصي مَن ؟ فأنت بالمعسكر لا تستطيع أن تعصي أمر القائد ، فكيف بالإله ؟ هذا المثَل منتزع من حياتنا ، أتعصي من إذا قال للشيء كُن فَكُن قال تعالى في الحديث القدسي :
(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))
[ رواه مسلم عن أبي ذر ]
 
الشقي من غفل عن آيات الله و نسيها :
   
أحيانًا يشْتدّ الحرّ ، يقول لك المكيّف ثمنه مئة ألف ليرة ، ومصروفه رقم كبيرة فإذا هبَّتْ نسْمة عليلة تُلغي كلّ المكيِّفات ، أحيانًا في الشتاء يأتي يومٌ دافئ يُنْعِشُ الناس ، فالله عز وجل خالق كلّ شيء ، والمؤمن لا يغيب عنه ربُّه ، والله جلّ جلاله في كلّ شيء خلق له آية تدلّ عليه ، ولكن من هو التعيسُ والشقيّ ؟ هو الذي غفل عن آيات الله ، فالله تعالى قال:
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
 
 [ سورة الذاريات ]
لِسان اللَّهب الذي يخرج من الشمس ، يقترب من مليون كيلومتر ، فحرارة الشمس فوق سطحها سِتَّة آلاف درجة ، وفي مركزها عشرين مليون درجة ، ولو أن الأرض أُلْقِيَت فيها لتبخَّرَت في ثانيَة واحِدَة ، فالأرض كلّها بِصُخورها ، وجبالها ، وقاراتها ، تتبخَّر في ثانية واحدة ، فهذه الشَّمس التي تتَّقِد منذ خمسة آلاف سنة ، والعلماء قالوا : سوف يستمرّ اتِّقادها لِخمسة آلاف مليون سنة قادمة ، الطاقة مِن أين ؟ أن تُشْعِلُ مدفأةً ، وبعد خمسة ساعات الخزان يصبحُ فارغاً ، لا يوجد شيء يعطيك حرارة إلا ويحتاج إلى طاقة فالشمس تُعطي الضِّياء والدِّفء ومصدر الطاقة في الأرض من أين جاءتْ ِهذه الطاقة ؟ ومن الذي يُمِدُّها بهذه الطاقة ؟ فلو أنّ الشمس انطفأت لأصْبحت الأرض قبراً جليدِيًّاً ، ولانتَهَتْ الحياة ، وتصبح حرارة الأرض مئتان وسبعون تحت الصِّفر ، وهو الصِّفْرُ المُطْلق الذي تنْعَدِمُ فيه حركة الذرَّة .
   
    إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا : فزوال الكون :
 
1 ـ زوال انحراف :
الذرَّة الكتروناتها حول النواة ، فلو أنَّ الذرّة بلغَت الصِّفر المطلق انعدَمتْ حركتها ، وإذا انْعَدَمَت حركتها زال كلّ شيء ، لذلك قال الله تعالى :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾
 [ سورة فاطر]
هذه الآية من أدقّ الآيات فلو أنّ الأرض زالتْ ؛ فما معنى وقت الزَّوال ؟ أي وقت الظَّهيرة ، حينما تزول الشَّمس عن كبِد السماء ، أيْ حينما تنحرف  فالزَّوال الانحراف هذا هو المعنى الأوّل .
2 ـ زوال تلاشي :
الأرض تسير حول الشمس في مسار ، فلو أنَّ الأرض خرجَت من مسارها فابْتَعَدت عن الشمس ، لأصْبَحت قبراً جليديًّاً ، ولوصَلت إلى الصفر المطلق ، وتوقَّفَت ذراتها عن الحركة وانعدم وُجودها ، فهناك زوال الكون زوال الانحراف ، و زوال التلاشي ، ولو أنَّ الأرض توقَّفت عن الحركة لكانت حرارة السطح المُقابل للشمس ثلاثمئة وخمسون درجة ، هل نستطيع العَيش ؟ والوجه الآخر مئتان وسبعون تحت الصِّفْر .
   
قدرة الله عز وجل في جعل الأرض لا تنحرف عن مسارها أبداً :
 
الآن لو فرضنا أنّ الأرض خرجت عن مسارها ، وأردنا أن نُعيدها إلى مسارها ، لاحتجنا إلى مليون مليون حبل فولاذي ، وقطر الحبل خمسة أمتار ، وقوَّة شدّ الحبل مليونين طنّ ، كلّ هذه القوى من أجل أن تنحرف الأرض ثلاثة ميليمتر كلّ ثانية ، بِكل مسار إهليلجي حول الشمس ، قال تعالى :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾
 
 [ سورة فاطر]
   
    كل ما في الكون آية تدل على الله :
 
قال تعالى :
 
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾
 [ سورة القصص]
لو كان الليل مستمِرًّاً كيف تكون الحياة ؟ فَدَوران الأرض آية ، ومَيْلُ مِحورها آية ، حجمها آية ، وحجم الماء عليها آية ، ولولا الماء لانعدمت الحياة ، ولانعدم النبات والحيوان ، قال تعالى :
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
 
 [ سورة الذاريات ]
الأهرامات يندهش الإنسان أمامها ، فَمَن بنى هذه السماء ؟ قال تعالى :
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
 
 [ سورة الذاريات ]
الله عز وجل بناها واسِعَةً ، وبناها وهي تتَّسِع ، وهناك نظريَّة الآن حديثة جدًّاً ، وهي أنَّ الكون يتَّسِع ، وهي تتوافق مع هذه الآية ، ونحن كما يرى علماء المسلمين لا ينبغي أن نجرّ الآية إلى الحقيقة العلميَّة ، أما إذا كان هناك تطابق عفْوي لكان هذا شيئاً رائِعاً ، وعلى كلٍّ حقائق الفلك بين أيدي الناس ، فكلّ من أراد أن يعرف عن الكون شيئًا ، هناك آلاف الكتب  والموسوعات العلميّة ، شيء يُصدَّق  وشيء لا يُصدَّق .
 
ثبات حركة الأرض من ملايين السنين إلى يوم القيامة :
 
 قال تعالى :
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾
 
 [ سورة الواقعة]
ثمَّ إنَّ الكواكب والمجرَّات تسير بشدِة متناهيَة بِدليل أنَّ هناك تقاسيم هي بين أيديكم ، تفتح التقويم تجد أنَّ الشروق يوم كذا على الساعة كذا ، معنى ذلك أنَّ حركة الأرض ثابتة من ملايين السِّنين ، وبالدقائق .
يقولون : شِدَّة القرب حِجاب ، فإذا فتحت التقويم على الشهر كذا في اليوم كذا ، ووجدت أنّ الشمس تُشرق على الساعة كذا وبالدقيقة كذا ، هل فكرت أنَّ الشمس تتحرّك على مستوى مِعشار الثانية ؟ من يستطيع أن يضبِط سيْر القطار ضبطًا تامًّاً ؟ فالأرض تسير ألوف الملايين من الكيلومترات ، ولا تتأخَّر ولا ثانيَة ، فهذه الدقّة المتناهية في الحركة ؛ مِن صُنع مَن ؟
 
 على الإنسان التفكر في ملكوت السماوات والأرض :
 
الشيء الآخر ، لو جئتَ بِكُتلتين مغناطيسيَّتَين ، وبِحَجمين متساوِيَيْن ، ضَعهما على طاولة ، وائتِ بِكُرةٍ معدنيَّة ، واجعلهما بين الكتلتين ، بحيث لا تنجذب لا إلى هذه ولا إلى هذه ، هذا شيء مستحيل ، أن تجعل الضبط تامًّاً ، فكيف إذا كانت ثلاثة كتل ؟ فكيف إذا اختلفَت الكُتَل ؟ فكيف إذا كانت هذه الكتل في الفراغ ؟ فكيف إذا تحرَّكَت هذه الكتل ؟ كلّ هذا موجود في الكون من كواكب ونجوم ، وكلها متحرّكة ، وهي فراغ ، والمحصِّلة اسْتِقرار ، وهذه هي قوى التجاذب ، وهذا هو معنى قوله تعالى :
 
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾
 [ سورة الرعد ]
أي بِعَمدٍ لا ترونها ، هل يمكن أن تُقيم بناءً يبدأ من خمسة أمتار فوق الأرض ؛ بين السماء والأرض ؟ وهذا الهواء الذي هو بيننا ، ولا يحجب الرؤية ، ولطيف ، وينقل الصوت ، هذا الهواء يحمل الطائرة ؛ بعض الطائرات وزنها ثلاثمئة وخمسون طنًّاً ، وهذا الماء إذا اندَفع لا توجد قوةّ توقفه ، وأحدث طريقة لٍتفكيك الصخور هي حفْر الحفر وحقنها بالماء ثمّ تجميد الماء ، فالماء آية ، والهواء آية .
 
تذليل الأرض للإنسان :
 
لذا هذا الفِكر لا بدّ أن يجول في ملكوت الله تعالى ، من هو الذي خلقك ؟ ومن هو الذي نهاك ؟ ومن هو الذي أمرك ؟ لما يقول الله تعالى :
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
 [ سورة النور]
وقال تعالى :
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾
 [ سورة النساء]
قال تعالى :
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾
 [ سورة الذاريات ]
ماذا نفعل لو كانت الأرض كلّها صخور ؟ لا يمكن أن نعيش عليها ، فمن خلق التربة الناعمة ، والأنهار ، فمن فجّر ينابيع هذه الأنهار ؟ أحيانًا تجد نهر التايْمز بِلُندن كلّ أمطار بريطانيا لا تكفي لهذا النَّهر ، والعلماء يقولون : مستودعاته بأوروبا في جبال الألب ، كلّ أخ درس الفيزياء والكيمياء يؤمن يقينِيًّاً أنَّ هذا النَّبع مستودعاته في جبل آخر أعلى منه ، وقد سار تحت الوادي ، هناك جزر مثل إندونيسيا أربعمئة جزيرة ، وما منها إلا ولها نبْعٌ يتكافأُ مع سكَّانها وحجمها ، هذه الجزر كلّها مستودعاتها في اليابسة ، فمن فجّر الأرض ينابيع ؟ الله جلّ جلاله ، فالإنسان إذا شرب كأس الماء ، وأكل الخبز ، وأكل خروفاً ، من جعل هذا الخروف مذلّلاً ؟
   
من نعم الله الكبرى على الإنسان :
   
1 ـ الهواء :
 
الله عز وجل يقول :
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾
 
 [ سورة الذاريات ]
فالله وصف الأرض كلّها فراش ، فيها ماء وهواء ، فلو أنَّ موجة حرّ داهمتنا لمتنا ، كما حدث في أمريكا ، فالإنسان تحت رحمة خالقه ، والهواء يتجدَّد دائماً ، النبات يأخذ غاز الفحم ويطرح الأكسجين ، وأنت بالعكس فهذه الغابات العِملاقة تأخذ غاز الفحم ، وتعطيك الأكسجين ، وهذه من آيات الله الدالة على عظمة الله تعالى .
2 ـ الماء :
فأحد أسباب الحياة على وجه الأرض هذه الظاهرة ، وهي أنَّ الماء يزداد حجمه إذا برَّدته عند هذه الدرجة زائد أربعة ، من قال ذلك ؟ الله جل جلاله ، وهناك نقطة مهمّة جدًّاً فأنت أحيانًا تشرب كأس الماء ، وتستنشق الهواء ، وتجلس على كرسي خشب ، هناك أشياء سائلة ، وأخرى صلبة ، وأخرى غازيّة ، وهذه في نفس الوقت ، فهل انتبَهت لهذا ؟ لو أنَّ درجة انْصِهار العناصر في الكون درجة واحدة لوجدت الكون إما صلباً أو مائعاً أو غازِيًّاً ، أما هذا التفاوُت هو من نعم الله الكبرى .
3 ـ ثبات خصائص الأشياء :
الشيء الآخر ثبات الخصائص ، فالحديد حديد ، والذَّهب ذهب ، فكيف بك إذا اشْتريت ذهباً ، وبعد مدَّة صار حديداً ؟! فالخصائص ذابت ، وهذه نِعمة لا يعلمها أحد ، هناك معادن كالحديد بِكَميَّات كبيرة ، وهناك معادن نادرة كالذَّهب ، وهناك معادن لها استعمالات خاصّة ، وأخرى سريعة الانصهار ، فالمعادن وحدها لا يعلمها إلا الله ، ومخلوقات كثيرة لا يعلمها إلا الله ، فهناك أنواع كثيرة من الطيور ومن الأسماك ، وكم نوع من اللّحوم ؟ وكم نوعاً من الخضر والفواكه ؟ لو سألت المهندسين الزِّراعيِّين عن أنواع الفواكه لَدُهِشْت ، وكلّ نوع متفاوتة في الشكل والذَّوق والاستعمال ؛ أنواع منوَّعة ، وخصائص لا يعلمها ، وليس في الإمكان أن أذكر كلّ شيء ، قال تعالى :
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾
 
 [ سورة الذاريات ]
 
كلّ شيء في الكون مكوَّن من زوْجَين اثنين :
   
وقال تعالى :
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
 [ سورة الذاريات ]
وقْتَ نزول الرّسالة المحمَّدِيَّة ، أُناسٌ كثيرون لا يعلمون أنّ الحيوانات أزواج ، والآن ثبت أنَّ كلّ شيء مكوَّن من زوْجَين حتَّى الذرَّة فيها شَحنات موجبة ، وأخرى سالبة ، وهذا الشيء عُرف حديثاً ، فالجسم الصُّلب الذي تتوهَّمُهُ نوعاً واحِداً هو ذكر وأنثى ، فالنواة لها شحنة والكهارب لها شحنة ، وهذا موضوع طويل لا مجال للخوض في تفاصيل ، قال تعالى :
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
 
 [ سورة الذاريات ]
طبعاً علماء التفسير في العصور السابقة قالوا : سماء وأرض ، ونور وظلام ، جبل ووادي ، المُحَصِّلة والنتيجة .
 
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ : آية لها عدة معان :
 
1 ـ تحرَّر أيها الإنسان مِن قُيود الأرض و شهواتها :
قال تعالى :
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
 [ سورة الذاريات ]
تركيب رائِع ، الدنيا تشدُّك إليها ، مالها وطعامها وشرابها ونساؤها ، أن تفرّ منها إلى الله ، وإلا كما قال تعالى :
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
 
 [ سورة الأعراف ]
معنى فِرُّوا ، أوَّلاً تحرَّروا مِن قُيود الأرض ، ومن شَهوات و نزوات الأرض ، ومن مطالب الجسد ، ومن مصالحكم الماديّة ، هذه كلّها تشدّ إلى الأرض ، فالفِرار يحتاج إلى انْعِتاق ، ثمّ انطلقوا بِسُرعة إلى الله تعالى فالمعنى الأوَّل التحرّر من كلّ قيْد أرضي ، وكلمة فرّ منه يعني وجود شيء مُخيف ، وقويّ ، فهذه الشَّهوات و الغرائز ، والأرض بِمالها ونسائها ، هذه كلّها عوائق ، ففِرُّوا إلى الله .
2 ـ انطلق أيها المؤمن بسرعة إلى الله :
والمعنى الثاني السرعة ، قال تعالى :
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
 [ سورة آل عمران ]
فالمؤمن ينطلق إلى الله تعالى بسرعة كبيرة ، لأنّ الوقت أثْمن شيء ، وهو كالسَّيف إن لم تقطعْهُ قطَعَك .
 
التوحيد أساس الدين :
 
قال تعالى :
﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
 [ سورة الذاريات ]
التوحيد هو الدِّين كلّه ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ، أما مع الشِّرك فلا شيء ينحلّ ، لذلك قال تعالى :
﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
 
 [ سورة الذاريات ]
قال تعالى :
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾
 [ سورة الذاريات ]
 وفي الدرس القادم نقف مع هذه الآيات وقفةً متأنِّية .
محصِّلة هذا التَّأمل في الكون ففِرُّوا إلى الله ، وأن تفرّ من قُيود الأرض ومن شهواتها إلى الله تعالى ، فأنت بحاجة إلى التفلّت ، وإلى سرعة .
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب