سورة الذاريات 051 - الدرس (4): تفسير الأيات (22 – 23) - الرزق و شروطه

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الذاريات 051 - الدرس (4): تفسير الأيات (22 – 23) - الرزق و شروطه

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج كوني مريمية:  كوني مريمية - 04 - اسيرة الاحزان           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسأل - 128- الشيخ عمار بدوي- 18 - 03 - 2019           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 418- اسم الله الباسط 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - التوكل والتواكل           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0237 - سورة الانعام 145 - 145           برنامج في القلب أنتم: في القلب انتم - 61 - رسائل واتس اب - 19 - 3-2019         

New Page 1

     سورة الذاريات

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الذاريات ـ الآيات: (22 - 23) - الرزق و شروطه

26/06/2013 18:03:00

سورة الذاريات (051)
الدرس (4)
تفسير الآية: (22-23)
الرزق و شروطه
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً  وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع من سورة الذاريات ، ومع الآية الثالثة والعشرين .
  
 الله عز وجل موجود بذاته ولا يعتمد في وجوده على ما سواه :
 
قال تعالى :
               ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ* فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾
 [ سورة الذاريات ]
سيكون الدرس الحالي حول هاتين الآيتين ، أيها الأخوة : بادئ ذي بدء هناك واجب الوجود ، وهناك ممكن الوُجود ، وهناك مستحيل الوجود ، فواجب الوُجود هو الله سبحانه وتعالى ، وممكن الوُجود هو ما سِوى الله تعالى ، ومستحيل الوجود لا يمكن أن يوجد ، كيف ؟ فلا يمكن أن يكون الجزء أكبر من الكل ، ولا يمكن أن يكون الابن قد وُلِد قبل الأب ، هذه أشياء يستحيل على العقل تصديقها ، مستحيلٌ أن يكو ن هناك إلهٌ مثل الله تماما ! فهناك واجب الوجود هو الله جل جلاله ، وهناك ممكن الوجود وهو ما سوى الله ؛ الكون وما فيه من مخلوقات ، وهناك مستحيل الوجود ، دَعونا من مستحيل الوجود ولْنَبْق في واجب الوجود وفي ممكن الوجود .
الله عز وجل موجود بِذاته ، واحِدٌ أحد فرْد صَمد ، ولا يعتمد في وجوده على ما سواه ، ولا في استمرار وجوده ، قال تعالى :
                 ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾
 [ سورة الإخلاص]
  
 أكبر شيئين في حياة الإنسان وُجوده ورزقه :
 
لكن ممكن الوجود ، الآن دققوا : مفتقر في وجوده إلى مَن يوجِدُهُ ، ومُفتَقِرٌ في استِمرار وجوده إلى مَن يُمِدُّهُ ، ونحن من بني البشر ، وهذه صِفتنا ، مفتقرون في وجودنا إلى الله تعالى ، وهو الذي أوْجَدَنا ، وهو الذي خلقنا ، قال تعالى :
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾
 [ سورة الإنسان ]
ومفتقرون في استِمرار وُجودنا إلى من يُمِدُّنا بالهواء وبالماء ، والطعام والشراب ، وبالزوجة ، وبالأجهزة ؛ القلب و الرئتين ، وبالمعدة ، والأمعاء ، والكليتين ، والأنسجة ، والأوردة ، والشرايين ، فالإنسان جزءٌ من ممكن الوجود ، وهو الكون ، ومن خصائص ممكن الوجود أنَّه مفتقر في وُجوده إلى من يوجِدُهُ وهو الله جل جلاله ، ومفتقر في استمرار وُجوده إلى من يُمِدُّه .
لذلك الله جل جلاله هو الخالق أي الموجِد ، وهو الرب أيْ هو المُمِدّ ، خلقنا وأمدَّنا بِكُلّ ما نحتاج لذلك الله عز وجل خالق يعني موجدٌ ، ورازق يعني مُمِدّ ، وأكبر شيئين في حياة الإنسان وُجوده ورِزقه لأنَّ وُجوده من دون موجِد عدم ، ولأنَّ رزْقه من دون رازق موت ! لذلك من أسماء الله الحسنى أنَّه هو الرازق .
  
للإنسان ثلاث حاجات أساسية هي :
 
1 ـ حاجة الإنسان إلى الطعام و الشراب لاستمرار وجوده :
شيءٌ آخر ، هذا الإنسان أودع الله فيه حاجةً إلى الطعام والشراب ؛ مِن أجل اسْتِمرار وُجوده ، فلو لم يودِع فيه هذه الحاجة ونَسِيَ أن يأكل لمات ، فهذه الحاجة هي التي تدْفعه للأكل والشرب ، هل هناك قانون في الأرض يُلْزِم الناس بالطعام والشراب ؟ مستحيل ، لأنَّ الجوع هو الذي يأكل كبد الإنسان ، ينطلق إلى الطعام والشراب من أجل أن يسدّ هذه الحاجة ، فهناك حاجة أساسيَّة إلى الطعام والشراب ، وهذه الحاجة مِن أجل بقاء الفرْد .
2 ـ حاجة الإنسان إلى الزواج لاستمرار النوع :
وهناك حاجة لا تقلّ في قيمتها عن حاجة الطعام والشّراب ، وهي الحاجة إلى الزواج ، هذه من أجل بقاء النوع .
3 ـ حاجة الإنسان إلى تأكيد الذات :
وهناك حاجة ثالثة لا تقلّ عن الأولى والثانية إلا أنَّها ليْسَت مادِيَّة ؛ حاجة إلى بقاء الذِّكر ، أو إلى تأكيد الذات ، أو إلى الشعور بالأهميَّة ، هذه الحاجات الثلاث ، الله سبحانه وتعالى حينما خلقها في الإنسان خلق ما يُلبِّيها ، فما دام أنّه خلق فماً ، ومعِدةً ، وأمعاء ، وكبِداً ، و دماً ، وإحساساً بالجوع فلا بدّ أن يوجِدَ لهذا الجسم ما يسدّ جوعه ، ثمَّ إن الله سبحانه وتعالى ما دام قد أوْدَع في الإنسان الحاجة إلى الزواج فلا بدّ من أن يخلق الإنسان ذَكراً وأنثى.
 
تساوي الذكر و الأنثى في التشريف و التكليف و اختلافهما في الخصائص :
   
للذَّكَر خصائصُهُ الجِسْميَّة والعَقليَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة ، وللأنثى خصائصُها الجِسْميَّة والعَقليَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة ، قال تعالى :
 
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾
 [ سورة النجم ]
الذَّكر والأنثى (يشكل سريع) متساوِيان تساوياً تاماً عند الله في التكليف والتشريف والمسؤوليَّة ، ومختلفان اختلافاً كبيراً في الخصائص لأنَّ كلاًّ منهما له خصائص تناسب وظيفته قال تعالى :
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
 [ سورة آل عمران ]
  
كل مخلوق على سطح الأرض له رزق يصله بأية طريقة :
  
ثمّ إنّ الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ في الإنسان الرغبة إلى تأكيد ذاته ، وإلى الإحساس بالأهميَّة ، وهذه هي الوقائع الثلاث التي أوجدها الله في الإنسان وما أوْجَدَها إلا وأوجَدَ ما يسدّها أو يُلبِّيها ، ما أوْجَدَها إلا وأوجَدَ ما يسدّها.
لذلك الله جل جلاله هو الرزاق ذو القوة المتين ، يرزق النملة السوداء على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، ولو تبحَّرْتَ في اسم الرزاق لوجدْت العجب العُجاب ، لو تبحَّرْتَ في اسم الرزاق ولو جدت الشيء الذي لا يوصف ، فكلّ مخلوق يصلُهُ رزقه بطريقة أو بأخرى .
  
امتحان الإنسان من خلال بقائه في المجتمع :
  
أيها الأخوة الكرام : هناك شيء آخر ، وهو أنّ الإنسان طاقاتهُ وإمكاناته تُتيحان له أن يُتْقِنَ اخْتِصاصاً واحِداً ، أو اخْتِصاصين ، أو ثلاثة ، لكنَّه بِحاجة إلى ملايين الحاجات ، إذاً هو مَقهور أن يكون في مجتمع ، لو كتبت على ورقة ما تستهلكُه في اليوم الواحد ؛ تحتاج إلى خبز ، إلى ماء ، إلى طعام ، إلى شراب ، إلى بيت ، إلى فراش ، إلى غرف ، إلى تعليم ، و إلى طبابة ، أي تحتاج إلى أشياء لا تعد ولا تحصى ، وقد يسَّر الله لك عملاً واحِداً أو اخْتِصاصاً واحِداً ، ما معنى ذلك ؟ أنَّك مقهور أن تكون في مجتمع ‍.
الآن من خِلال حاجتك إلى الطعام والشراب تنطلق إلى العمل ، ومن خلال حاجتك إلى الزوجة تنطلق إلى الزواج ، ومن خلال حاجتك إلى تأكيد الذات تنطلق إلى أعمال تسعى إلى أن تكون لك نِبْراساً في المجتمع ، ومن أجل حاجتك إلى آلاف المواد تعيش في مجتمع ، كلّ هذا من أجل أن تُمْتَحن بالخير أو الشرّ ، وبالعطاء أو الحِرمان ، وبالإحسان أو الإساءة ، وبالصّدق أو الكذب ، وبالإخلاص أو الخيانة ، وبالاستقامة أو الانحراف ، بالكبر أو التواضع ،  وبالإنصاف أو الجحود ، ومن خِلال العمل ، ومن خلال الزواج ، ومن خلال تأكيد الذات ، ومن خلال بقائك في المجتمع تُمْتَحَن أشدّ الامتِحان ، قال تعالى :
 
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
 [ سورة الملك ]
وقال تعالى :
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 [ سورة العنكبوت ]
  
الأعمال الصالحة ثمن الجنة :
  
قال تعالى :
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
 [ سورة العنكبوت]
إذاً أنت في الحياة الدنيا مُبْتَلى من أجل أن تعمل عملاً صالحاً يُؤهِّلُكَ لِجَنَّة عرضها السماوات والأرض ، فأنت مخلوق للجنة ، للجنة وحدها ،  قال تعالى :
 
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
 [ سورة الذاريات ]
ليعرفوني فيُطيعوني فيسْعدوا بِقُربي في الدنيا والآخرة ، وهذا هو الهدف .
 
أنواع الرزق :
  
1 ـ نوع ميسور بلا ثمن :
الرزق أيها الأخوة أنواع ؛ نوع مَيْسور بلا ثمن ، الهواء ، ولو كان الهواء بالثَّمن و بالقسائم ، وبالاحتِكار لهلَكَ الناس .
2 ـ نوع يحتاج إلى سعي :
نوع يحتاج إلى سعي طفيف كالماء ليس له ثمن ، وثمنه ثمن خدماته ، وتوفيره من مكان إلى مكان ، نوع يحتاج إلى ثمن ، ونوع يحتاج إلى عمل .
وهناك أنواع مُنَوَّعة من الرِّزق أوْدَعها الله تعالى في الأرض ، وبعضها تستخدمهُ مباشرةً ، وبعضها يحتاج إلى تدخّل من جهد بشري ، ومن خِلال هذا الجُهْد البشري المَبنيّ على العِلم والعمل يُمْتَحَنُ الإنسان فيرْقى أو ينْحَدِر .
  
الثوابت والمتغيرات في الكون : 
 
أيها الأخوة الكرام ، شيء آخر في الموضوع ، وهذه كلّها موضوعات تَمْهيديّة ؛ هناك في الكون ثوابت ومُتَغَيِّرات ، فمن الثوابت مثلاً دورة الأرض حول نفسها ، ومن خلال آلاف السنوات بل مئات ألوف السنوات ، بل مئات مئات ألوف السنوات ما رأينا مرة الأرض توقَّفت عن الدّوران ، تدور بسرعة ثابتة ، وتتحرّك بمواقيت موزونة ، بشكل مذهل ، حتى إنّ أدق الساعات في العالم تُضْبط على حركة الكواكب ، فحركة الأرض حول نفسها ، وكذا حركتها حول الشمس ، وميْل مِحورها من الثوابت ، لكنّ نزول الأمطار من المتغيّرات ، مع إنّ الأمطار مَبْنِيَّة على عِلمٍ دقيق إلا أنَّ مفتاح التشغيل بيد الله عز وجل ، فلو نظرت إلى آلةٍ بالغة التعقيد ؛ كلّ شيء يعمل فيها بانتظام ، ولكن لهذه الآلة مفتاح إن لم تدر هذا المفتاح الآلة لا تعمل .
 فالأرض من الثوابت ، أما نزول الأمطار فَمِن المتغيّرات ، والذي يُدْهش أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الثوابت لِيَسْتقرّ الكون على نِظام ؛ نِظام الأيام والأسابيع والشهور والسنوات ، ونِظام الليل والنهار ، ونِظام الفصول هذه كلّها ثبَّتها الله عز وجل ، ومن الثوابت خصائص الأشياء ، فالحديد صلب ما قولكم إذا كان الحديد مرة صلباً ، ومرة مائعاً ؟ بعد أن أشدت البناء وقع ، تغيرت خصائص الحديد ، الحديد حديد ،  والنحاس نحاس ، والفضة فضة ، والرصاص رصاص ، وبذرة الخيار خيار ، والتفاح تفاح ، والأجاص أجاص ،  فخصائص الأشياء ثابتة ،  هذه من الثوابت ، خصائص الأشياء .
  
الهدف من التثبيت الاستقرار والهدف من التغيير التربية :
 
نزول الأمطار من المتغيّرات فلمَ ثبَّت ؟ ولمَ غيَّر ؟ الذي ثبَّته من أجل الاستقرار ، والذي غيَّره من أجل التربية ، فالأب يُعطيك غرفة في البيت لك وحدك ً دائمةً بِشَكل ثابت ، أما المصروف فقد يدفعه إليك أو لا يدفعُه تأديباً وإثابة لك ، فالثوابت كي يستقرّ الكون ، والمُتغيَّرات كي يُربَّى الإنسان ، إذا الرِّزق متغيّر .
       
 الفرق بين الرزق و الكسب :
   
أوَّلاً هناك موضوع دقيق وهو ما الفرق بين الرِّزق والكسب ؟ الرِّزق ما تنتفِعُ به فقط ، فالطعام الذي أكلته ، والقميص الذي ترتديه ، والسرير الذي تنام عليه ، والبيت الذي تسكنه ؛ والطعام الذي تستهلكه ، هذا فقط ووحده هو الرّزق ، وأما الكسب فقد يكون لك في الحِساب مئات الألوف ، أو بضعة ملايين ، أو مئات الملايين ، أو عشرات مئات الملايين لكنَّها كسب وليس رزقاً ، فالكسب حجمك المالي ، أما الرِّزق فهو مستهلكاتك ، الكسب كلّه تُحاسب عليه ولا تنتفع به ، لكنّ الرّزق تُحاسب عليه ، وتنتفع به ، أما انْتِفاعُكَ به فعلى ثلاثة أقسام ؛ قِسْمٌ تسْتَهلكُهُ كالطَّعام والشراب ، وقِسمٌ يَبلى كالثِّياب ، وقِسمٌ يبقى كالصّدقات يقول ابن آدم مالي مالي مالي ، وليس لك من مالك إلا ما أكلْتَ فأفْنَيْت ، أو لَبِسْت فأبْلَيت ، أو تصدَّقْتَ فأبْقَيت ، من التي لك الثُّلث ، وما سِوى هذه الثلاثة ليست لك ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ))
 
 [ رواه الترمذي عن أبي بزرة ألأسلمي ]
  
  الرزق أنواع كالطعام والشراب والزوجة والعلم :
 
أيها الأخوة ، أُريد أن أقول لكم حقيقة ، وهي أنَّ الرِّزق أنواع ، هناك رِزق كالطعام والشراب ، وهناك رِزق من النوع الثاني كالزوجة رزق ، قال تعالى :
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
 [ سورة البقرة ] 
لما سُئِل أحد العلماء الكبار عن حسنة الدنيا قال : هي المرأة الصالحة ، فالمرأة الصالحة رِزق ، والعِلم رِزق ، والدليل قوله تعالى :
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
 [ سورة الواقعة ]
رِزْقُ العلم حُرِمْتُم منه :
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
 
 [ سورة الواقعة ]
فكما أنَّ الإنسان بِحاجة إلى الطعام والشراب فَمِن الرِّزق الطعام والشراب ، وكما أنَّه بِحاجة إلى الزوجة فمن الرزق الزوجة ، وكما أنَّه بِحاجة إلى عُلُوّ الذِّكْر فالعِلم والحكمة من الرّزق ، وما استرذل الله عبداً إلا أحضر عليه العِلم والأدب .
  
الرزق أداة ابتلاء : 
 
أيها الأخوة الكرام ، الرّزق هو الذي تنتفعُ به ، والكسب هو الذي لا تنتفعُ به ، وكلاهما تُحاسب عنه ، الآن الرّزق أداة ابتِلاء ، وأداة ثواب ، وأداة عِقاب ، أما أنَّه أداة ابتلاء فالإنسان يُمْتحن بما أُعْطِيَ ، ويُمْتَحن بما حُرِم ! أيْ أنَّ الغنيّ مُمْتحنٌ بالغنى ، وأنّ الفقير مُمْتحنٌ بالفقْر ، فإذا نجَحَ الغنيّ في امْتِحانه كَسِب الدنيا والآخرة ، وإذا نجح الفقير في امْتِحانه كسب الدنيا والآخرة ، الإنسان ممتحن فيما أعطي ، وممتحن فيما حرم ، وربما كان امْتِحان العطاء أشدّ على الإنسان ، فالفقير مثلاً خِياراته قليلة ، وخياراته محدودة ، يمتحن بالصبر فقط ،  لكنّ الغني عنده ألف خيار وخيار لِيَعصي الله تعالى ، فإذا قال : إنِّ أخاف الله ربّ العالمين ، كان صَبْر الغني في الابتِلاء أشدّ من صبر الفقير ، والضعيف خياراته محدودة ، ولكنّ القوي بإمكانه أن يفْعل ويفْعل ، وأن يؤذي ويسْحق ، ومع ذلك حينما يكفّ يدهُ عن ظلم الناس خوفًا من الله فقد دفعَ الثمن باهظًا ، لذا الإنسان يُمتحن فيما أُعطي ، ويمتحن فيما أُخِذ منه ، ومن عادتي أنَّني أقول لإخوتي الكرام دائماً إن رأيْتُهُ في بَحبوحة أقول له : هذه مادَّة امْتِحانك مع الله تعالى ، هل تؤدِّي شُكْر هذه النِّعمة ؟ وهل تدفَعُ جزءاً من هذا المال للفقراء والمساكين ؟ وحينما أرى إنسانًا آخر مُبْتَلَى أقول له الكلمة نفسها ؛ هذه مادَّة امْتِحانك مع الله تعالى .
 
العِبرة في خواتم الأعمال  :
   
أيها الأخوة الكرام ، الرِّزق ابْتِلاء ، وإنَّ مِن عبادي مَن لا يصْلُحُ له إلا الفقر فإذا أغْنيْتُهُ أفْسَدتُ عليه دينه ، وإنَّ من عبادي من لا يصْلُحُ له إلا الغِنى فإذا أفْقرتُهُ أفسدتُ عليه دينه ، فأنت ممتحن بالفقر  و ممتحن بالغنى ، ولكن لو أنّ إنسانين عاشَا ثمانين عاماً ؛ أحدهما فقير ، والثاني غنيّ ، لو أنَّ الفقير نجَحَ في امتحان الفقر ، ولو أنَّ الغنيّ رسب في امتحان الغنى ، ما النتيجة ؟ أنَّه بعد الموت يسْعد الفقير في جنَّة ربّه إلى أبد الآبدين ، ويشْقى الغنيّ الذي رسَب في امتِحان الغنى يشقى في جهنم  إلى أبد الآبدين ، إذًا العِبرة في خواتم الأعمال  والعبرة كما قال تعالى :
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
 [ سورة آل عمران ]
  
امتحات الفقر أهون من امتحان الغنى :
 
الدنيا إن أتَتْ أو لم تأت لم تكن مِقياساً لإرضاء الله عنك ، فالله عز وجل أعطى المال لمن لا يحبّه ؛ قارون ، وأعطاه لِمن يحبّه ؛ سيّدنا سليمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، ولبعض أغنياء الصحابة كسيّدنا عثمان رضي الله عنه ، فالمال يُعطى وليس هو دليل الرّضا ، ويُمْنع ، ولا يعني أن منعهُ دليل الفقْر ، النبي عليه الصلاة والسلام سئِل : أَتُحِبُّ أن تكون نبيًّاً ملكاً أم نبيًّاً عبداً ؟ فقال : نبيًّاً عبْداً ، أجوعُ يوماً فأذْكُرهُ ، وأشْبَعُ يوماً فأشْكُرُهُ ، ولعلّ النبي عليه الصلاة والسلام لِحِكمة بالغة أراد الأقرب إلى العبوديّة ، وأراد الأسلوب من امتحان الغنى ، فامتحان الفقر أهْون من امتحان الغنى ، ويكفي أن تقول حسبي الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله ، أما الغني هناك ألف مُنزلقٍ ومنزلق أمامه ، فإذا نجا من هذا قد لا ينجو من الثاني .
 
الرزق أداة ثواب وعقاب :
 
أيها الأخوة ، والرّزق أيضاً فضلاً على أنّه أداة ابتِلاء هو أداة ثواب وعِقاب والدليل ؛ أما العِقاب ورد في الحديث الشريف : قد يُحرم المرء بعض الرّزق بالذّنب يُصيبه ، فمن نمَّى ماله بالربا يمحقها الله ، وأكل مالاً حرامًا أهلك الله ماله ، وأهلكه معه ، فالرِّزق أحيانًا أداة عِقاب ، وأحيانًا أداة ثواب ، قال تعالى :
﴿وَأَ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
 [ سورة الجن ]
قال تعالى :
 
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾
 [ سورة المائدة : الآية 66 ]
إذاً ًالرّزق من المتغيّرات ، وأداة ابْتِلاء ، وأداة ثواب ، وأداة عِقاب .
  
ضمان الله عز وجل الرّزق المفيد للإنسان :
 
 أما أنه مضمون ، فقوله تعالى :
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾
 [ سورة الذاريات ]
ما دام هذا الفم خُلِقَ لِيَأكل فلا بدّ له مِن طعامٍ وشراب ، فالرّزق مضمون وقد يكون في حدوده الدنيا ، فلا أحد يعلم أن هذا الطعام الخَشِن الذي يأكله المحرومون ربما كان في من المواد الغِذائيّة ما يفوق الطعام الثمين ، فأمراض القلب في البلاد الصِّناعيّة الغنيَّة ثمانية أمثال ، وبالمناسبة قد أُجْرِيَت دِراسة على طعام الشُّعوب في كلّ أنحاء العالم ، فكان طعام شُعوب حوض المتوسِّط (وهي شُعوب فقيرة) أفضل طعام في العالم ، والسبب أنهم يُكثرون من المواد السيللوزيَّة ، وهذه المواد تَصون الغشاء المخاطي في الجهاز الهضمي ، وتمتصّ الكولسترول الزائد ، وتُسْرع في انتقال الطعام وإخراجه .
ًإذا الطعام الخشن غير العصير ، غير المعالج ، طعام مفيد جداً ،  واكتشفوا أيضاً أنّ هذه الشُّعوب تُكْثر من البروتينات النباتيّة كالحمص والفول ، وهذا أسلم للجسم  من اللحم الذي قد يؤذي كثرته ، ثمّ إنَّهم يستعملون زيت الزيتون ، وهو من أفضل الدهون التي تُعين على مرونة الشرايين والإنسان عُمرهُ من عمر شرايينه .
دراسة دقيقة أجريت في مقارنة فيما بين الطعوم التي يأكلها الشعوب ، وجد أن الطعام الذي في البلاد التي هي في الحوض المتوسط ، وهي في الأعم بلاد فقيرة ، أفضل طعام على الإطلاق ،  لذلك ضَمِن الله عز وجل الرّزق المفيد .
  
زيادة الرزق يكون بـ :
 
1 ـ الإيمان و التقوى :
أما الترف فأن تأكل عشاءً بِخَمسين ألفًا ، هذه ليست مضمونة للكل ، للمترفين مضمونة ، أما أن تأكل ما يقيم أودك ، هذا للجميع ، الرزق مضمون ، والرزق موزون ، فهناك حِكمة بالغة مِن كون هذا الرّزق وافِراً أو قليلاً ، ولكن السؤال الدقيق : هذا الرّزق هل يزيد أو ينقص ؟ الجواب : نعم ، يزيد وينقص ، والأدلّة كثيرة ، وأوّل دليل قوله تعالى :
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
 [ سورة الأعراف ]
فالرّزق يزيد بالإيمان والتقوى .
2 ـ الاستقامة :
يزيد أيضاً بالاستقامة ، قال تعالى :
﴿وَأَ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
 
 [ سورة الجن ]
3 ـ التزام أحكام الشرع :
يزيد بالْتِزام أحكام الشرع ، قال تعالى :
 
 
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾
 [ سورة المائدة ]
فالرّزق إذًا يزيد بالطاعة والإيمان والتقوى ، والاستقامة وهذه الأدلة ، ثلاث آيات قرآنية :
4 ـ الاستغفار :
والرزق يزيد بالاستغفار ، قال تعالى :
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً *يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾
 [ سورة نوح ]
 يزيد بالاستقامة والأيمان والطاعة ، ويزيد أيضا بالاستغفار .
5 ـ إقامة الصلاة :
ويزيد الرّزق بإقامة الصلاة ، قال تعالى :
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾
 [ سورة طه ]
بيتٌ تُقام فيه الصَّلوات ؛ هذا بيتٌ في الأعمّ الأغلب ؛ الله سبحانه و تعالى  يرزقه  فالرّزق ليس بالذّكاء ولكن بالتوفيق ، والرّزق ليس بالحركة الطائشة الدؤوبة، ولكن بِتَوفيق الله تعالى ، إذا الالتزام يزيد في الرزق ، والاستغفار يزيد في الرزق .
6 ـ الصدقة :
وفي الحديث الشريف الصدقة تزيد في الرّزق  قال تعالى :
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
 [ سورة البقرة ]
المال الذي تنفق منه الصدقات يربو و يزيد وقد قال عليه الصلاة والسلام : استمطروا الرزق بالصدقة ! أيْ إذا أردْتم رزْقًا وفيرًا فتصدَّقوا ، ولِحِكمة أرادها الله عز وجل على الآلة الحاسبة الإنفاق ينقص المال ، ولكن القرآن الكريم على كلام خالق الكون الإنفاق يزيد المال ، فالإنفاق بالحسابات المادِّية ينقصه ، لكنه بالحِسابات الربانيَّة يُنمِّيه يكثرهُ ، لذلك ما نقص مال من صدقة .
7 ـ الإتقان :
شيء آخر ، وهو أنّ الرّزق يزيد بالإتقان ، فإتقان العمل جزء من الدِّين و هو أحد أسباب الرّزق ، لأنَّ الله يحبّ من العبد إذا عمِلَ عملاً أن يُتْقِنَهُ ، وأنتم أمام هذه الحقيقة وجهاً لِوَجه ، فكلّ أصحاب المصالح المتقِنون لا يتعطَّلون ، مهما عمّ الكساد ، ومهما فشت البطالة ،  ولكنّ المهمِلين إذا صار الكساد تعطَّلوا ، أما المتقن لا يتعطل ،  فالإتقان أحد أسباب نماء الرّزق .
8 ـ الأمانة :
والأمانة كما قال عليه الصلاة والسلام : الأمانة غِنًى ، فحينما تكون أميناً تمتلِكُ أكبر ثرْوة في الأرض ، ألا وهي ثِقة الناس ، الناس يُعطونك أموالهم حينما يأمنوك ، فالأمانة غِنَى ، وهذا في كلّ المجالات العامَّة ؛ في الأعمال التِّجاريّة والصناعيّة والزراعية ، فالعامل المخلص الأمين له مستقبل مزهر ، ينتهي به الأمر إلى أن يكون صاحب العمل ، والذي يخون ويأخذ ما ليس له يُلقى في مزبلة التاريخ ، يلقى في المزبلة ويُطْرد ، الأمانة غنى بالمعنى المادي ، فإذا كنت أمينًا تهافت عليك الناس ، وتنافسوا على أن يضمُّوك إليهم ، الأمين ،  وأصحاب الأعمال يغفرون كلّ خطيئة إلا الخِيانات فقد ترتكب أكبر الأغلاط في العمل ،يمكن ، أما أن تأخذ ما ليس لك ، هذه لا تغفر لذلك ورد في الحديث :
(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
 [ رواه أحمد عن أبي أمامة]
  المؤمن لا  يكذب ولا يخون:
(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
 [ رواه أحمد عن أبي أمامة]
9 ـ صلة الرحم :
أيها الأخوة ، الاستقامة ، والصدقة ، والاستغفار ، وإتقان العمل ، والأمانة والصلاة  ؛ هذه  كلّها تزيد في الرزق ! ثمّ إنَّ صلة الرَّحِم أيضاً تزيد في الرّزق فمن أراد  أن يُنسأ له في أجله ، و أن يزداد له في رزقه فلْيَصِل رحمه ، يوجد شخص إشرافه كان على كل الأسرة ، على أخواته ، على أصهاره ، على أولاد عمه ، على من حوله ، يواسيهم ، يمدهم بالمساعدة ، فهذا  فالذي يصل رحمه ، بالزيارة ، والتوجيه ، وإنفاق المال ، هذا يزيد رّزقه ، بشكل أو بآخر ، أنت عندما تنفق من مالك ،  ويجعل الله رزق غيرك عندك ، فإذا أردت أن تنفق يأتيك رزق الآخرين إليك لأجل أن تنفق ،  فالذي ينفق يزداد رزقه ، أنْفِق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً ، وعبدي أَنْفِق أُنْفِق عليك ، ويوجد ثمانية آياتٍ حصْراً وعد الله المُنْفقَ بالخُلف والتَّعويض ، قال تعالى:
 
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾
 [ سورة سبأ ]
وهذه حقيقة ثابتة في القرآن الكريم .
  
قلة الرزق مع توافر شروط زيادة الرزق تُعزى إلى حكمة الله عز وجل :
 
أيها الأخوة الكرام ، الرِّزق أحد أكبر الموضوعات التي تشغل الإنسان بعد وُجوده ، فإذا كان موجوداً فالموضوع الأوَّل الذي يشْغلهُ هو الرّزق ، وقد ورد أنَّ كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرّب أجلاً ، كلمة الحق لا تقطع رزقًا ولا تقرّب أجلاً ، والله سبحانه وتعالى هو الرزاق .
ولكن هناك سؤال ؛ فقد يقول أحدكم ؛ فلانٌ مستقيم ، والاستقامة أحد أسباب زِيادة الرّزق، وفلان متصدّق ، ومستغفر ، ومتقن ،  ويصل رحمه ، وذو أمانة ، ويصلي ، ويأمر أهله بالصلاة ، ومع كلّ هذه الشروط نجد رِزقه قليلاً ! فما تفسير ذلك ؟ التَّفسير أنَّه إذا توافرَت كلّ هذه الشروط ، ولم يكن الرّزق وفيراً ، فهذه الحالة النادرة الخاصَّة تُعزى إلى حِكمة الله تعالى ، وإنَّ مِن عبادي من لا يُصلِحُه إلا الفقر ، فإذا أغْنَيْتُهُ أفْسَدتُ عليه دينه ، ولأنّ الله تعالى عَلِم ما كان ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون استسلم ، وإنَّ الله ليَحْمي صفيَّه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام ، وإنَّ الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا ، كما يحمي الراعي الشَّفيق غنمه من مراتع الهلكة ، وليس في الإمكان أبدع مما كان ،  وليس في إمكاني أبْدعُ ممَّا  أعطاني .
أيها الأخوة الكرام ، إنَّ مِن عبادي من لا يُصلِحُه إلا الفقر ، فإذا أغْنَيْتُهُ أفْسَدتُ عليه دينه ، إنَّ مِن عبادي من لا يُصلِحُه إلا الغنى ، فإذا أفقرته أفْسَدتُ عليه دينه ، وهذه متى تعرفها ؟ يوم القيامة ، يوم يكشف عن ساق ،  حينها يكشف لك عن حكمة أفعال الله معك ،  لا تملِك إلا أن تقول : الحمد لله رب العالمين ، قال تعالى :
 
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
 [ سورة يونس ]
  
الرزق الوفير لا ينفع الإنسان إن حجب عن رحمة الله :
 
بقي في هذا الموضوع موضوع دقيق ، وهو أنَّ الرّزق المادي قد يتوافر وتُحْجب عنك رحمة الله ، فإذا هذا المال الوفير هو أكبر عدوّ لك ، هو سبب طلاق زوجتك ، وسبب انحراف أولادك ، وسبب عداوتهم لك ، وسبب انْشِغالك إلى قمَّة رأسك بالمال ، وربما كان هذا المال الوفير سبب الشقاء في الدنيا ، لذلك اُطْلب من الله رحمته أوَّلاً ، فإذا جاءك المال وحُجِبَت عنك رحمة الله كان المال وبالاً عليك ، وكان المال أكبر عدوّ لك ، وربّما قُتِل الإنسان من أجل ماله ، وربّما انتَهَتْ حياتُهُ طمعاً بِمَاله ، وربَّما قتله أقرب الناس إليه ، لذلك إذا جاءك المال الوفير ،  وحُجِبَت عنك رحمة الله كالرزق  أكبر أعدائك ، وأما إذا أعْطيت رحمة الله عز وجل وكان مالكً قليلاً كان  هذا المال القليل فيه بركة ، ففي الآلة الحاسبة هناك تسعة أرقام وصفر ، فيه زائد ، ناقص ، فيه جذر ، وفيه ذاكرة ،  وأزرار أخرى ولكن لا يوجد زرّ البركة إطلاقاً ، لكنَّ البركة  حقيقيّة مع المؤمن ، فقد يعطيك الله رزقًا قليلاً  ويُبارك لك فيه ، تأكل وتشْرب وتستمتع ، وتُعطي من حولك ، شيء عجيب ،  وقد يُؤتيك الرّزق الكثير فَتُنْفقُه على صحَّتك ، وتنفقهُ في أصعب الظروف ولأتفه الأسباب تدفع مئة ألف ، ومئتي ألف ، وأربعة الملايين لغلطة صغيرة تستوجب عشرين عاماً من السّجن ، تدفعها لتنجو من السجن ، المؤمن المستقيم الله جلّ جلاله يُبارك له في رزقه القليل ، لذا إن كان رزقك كفافًا ، يكفيك من دون زيادة ، فقد أصابتْك دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ، لا تخف من هذه الدعوة ، وافْرَح لها :
 (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ ))
 [ رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
 
المال الوفير للمؤمن الحقيقي أحد مفاتيح الجنة :
   
وإذا أعطاك الله الرّزق الوفير ، وكنت مؤمناً ، فاسْجُد لله تعالى ، لماذا ؟ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يُمَكِّنك بهذا المال الوفير أن تصل إلى أعلى الدرجات في الجنَّة ، بِإنفاق المال ، دع الأمر له ، استسلم له ، إن جعلك ذا دخل محدود ، وقد عافاك في إيمانك ، وفي صحتك ، وفي أهلك ، وأولادك ، فهذه دعوة النبي لك ، اللهم من أحبني ، فاجعل رزقه كفافاً ، وإذا أعطاك المال الوفير على إيمان كبير ، كان هذا المال الوفير ، أحد مفاتيح الجنة ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول وهو لا ينطق عن الهوى :
 "لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ : رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَارِ"
[ البخاري عن أبي هريرة]
 في مستوى واحد .
 لذلك خُذْ من الدنيا ما شئْت وخُذ بِقَدَرِها همًّاً ، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه ، أخذ من حتْفه وهو لا يشعر .
  
  الحكمة أعظم أنواع الرزق :
 
أيها الأخوة ، ليس كلّ رزق يكون حتماً مادِّياً ، فأحيانًا تعد الحِكمة أعظم أنواع الرزق  ، والدليل قوله تعالى :
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
 [ سورة البقرة ]
ومن يؤتى الحكمة ، فإذا آتاك الله تعالى الحكمة فعرفت الله سبحانه فقد أوتيتَ خيراً لا يعلمه إلا الله ، ماذا أعطى الله الأنبياء الذين أحبوه ؟  هل في الكون كلّه مخلوقات أحبّ إلى الله تعالى من أنبيائِه ورسُله ؟ هل جعلهم أغنياء جميعاً ؟ كان عليه الصلاة والسلام إذا دخَل بيته يقول :
(( يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ ، قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ ، قَالَتْ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ ،
 
قَالَتْ : فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا ، قَالَ : مَا هُوَ ؟ قُلْتُ : حَيْسٌ ، قَالَ : هَاتِيهِ فَجِئْتُ
 
بِهِ فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا ، قَالَ طَلْحَةُ فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ))
 
 [ رواه مسلم عن عائشة ]
  
 الرزق القليل أحياناً يكون دافعاً إلى الله عز وجل : 
 
سيّد الخلق ، وحبيب الحق ، وكان إذا أراد أن يصلّي الليل تنحِّي السيدة عائشة رضي الله عنها بعض جسمها ليصلّي ، لأنّ الغرفة لا تتسع لصلاته ونومه ، أربعمئة متر ، ثلاث جبهات مفتوحة ، كاشف الشام كله ،  فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان هكذا بيته ،  بيته متواضع ، ورزقه محدود ، وامتحنه الله بالفقر فصبر وبالغنى فشَكر ، وامتحنه بالنّصر فتواضع ، لما دخل مكة فاتحاً ، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره ، ولما امتحنه بالقهر في الطائف ، قال إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي .
اِسْع أيها الأخ الكريم سَعْياً حثيثاً ، وحيثما انتهى بك السَّعي ، فقل الحمد لله رب العالمين ، أنا لا أرضى لأحدكم أن يقعد ، و  يقول : هكذا أراد الله لي ، هذا تواكُل ، ولا يتَّفق مع الإيمان إطلاقاً ولكن إذا سَعَيت سعياً حثيثاً ، وانتهى بك السَّعي إلى هذا الرّزق فقُل : الحمد لله رب العالمين هذا الذي أراد الله لي ،  وربما أعطاك فَمَنَعَك ، وربَّما منعَكَ فأعطاك ، وقد يكون الرّزق القليل أحياناً دافِعاً إلى الله عز وجل .
  
أحد أكبر أسباب السعادة أن يرضى الإنسان بما قسمه الله له :
 
أيها الأخوة الكرام  ، حقيقة أقولها لكم ؛ الدنيا العريضة ، والأموال الطائلة ، والبيوت الفاخرة ، والمركبات الفارهة ، والرزق الوفير ، والتّمتع بِمباهج الدنيا ، في البلاد الغنية ، جعلت بينهم وبين الله تعالى حِجاباً ، والفقر أحياناً ، والحاجة أحياناً ، والشدّة أحياناً دافِعٌ لنا إلى باب الله تعالى ، فربما أعطاك فَمَنَعَك ، بالتعبير العامي خذها وانمحي ، وربَّما منعَكَ فأعطاك ، أعطاك العلم الغزير ، وأعطاك الحِكمة ، وأعطاك معرفته ، و أعطاك سُبل الجنَّة وأعطاك سعادة الدنيا والآخرة ، لذا قُل : يا رب لك الحمد ، لا تعترض على رزق الله عز وجل ،  فأحد أكبر أسباب السَّعادة أن ترضى بِما قسَمَهُ الله لك ، الله قسم لك هذا الدخل ، قسم لك هذه الزوجة التي فيها ألف علة ، الله قسم لك إياها ، ارضَ بها ، دارها تعش بها ، قسم لك هذا البيت ، أخي صغير ، ماشي الحال ، مأوى ، معك مفتاح بيت ، كان عليه الصلاة والسلام يقول إذا دخل بيته : الحمد لله الذي آواني ، وكم ممن لا مأوى له ، معك مفتاح بيت .
 
الغنى الحقيقي أن يكون الإنسان معافى في جسده :
   
والغِنى الحقيقي أن تكون مُعافىً في جسدك ، كلية واقفة ، ثمانمئة ألف ، دسام خمسمئة ألف ،  فأنت إن أردْت أن تحْسب ثمن أجهزتك السليمة ، مئة مليون حقها ، التي في الجسم لوجدتها لا تُحسب بالمال ، فشَل كلَوِي بالأسبوعين غسيل كلوي ، تقف بالدور ثمان ساعات ، الجلسة ست ساعات ، بقول لك تبخش بدني ، لم يعد هناك محل  ، يبقى بالمئة عشرون من حمض البول ، يجعلك إنساناً عصبياً ، لا تحتمل أحداً ، شيء غير معقول ، الذي كليته سليمة ، وقلبه سليم ، والدسامات سليمة ، والشريان التاجي مفتوح ، يستطيع المشي ، ينام ، يقف ، يقدر أن يفرغ مثانته من دون مشكلة ، هذا غنى كبير :
(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
 [ رواه ابن ماجه عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ ]
هذا كلام النبي ، كلام رسول الله ، الذي لا ينطق عن الهوى: (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
وكان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من نومه يقول : الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي ، أيْ أنَّ الله سمح لي أن تعيشَ يوماً جديداً ، ويقول : الحمد لله الذي عافاني في بدني ، يقف ، بصر سليم،سمع سليم ، حركة سليمة ، قضى حاجة ، ما فيه مشكلة ، الطرق سالكة كلها ، انتهى ثم يقول : والحمد لله الذي أذن لي بذكره ، أذن لي بذكره .
  
موضوع الرزق من أكبر الموضوعات بعد وجود الإنسان :
 
إخواننا الكرام ، موضوع الرّزق من أكبر الموضوعات بعد وجود الإنسان ، لذلك أن تعرف أسبابه ، أن تعرف وحكمته ، وأن تعرف أسباب زيادته و أسباب نقصانه ، وكيف تنفقه ، هذا جزء من الإيمان ، وآية اليوم ، قوله تعالى :
               ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ* فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾
 [ سورة الذاريات ]
والحمد لله رب العالمين
 
 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب