سورة ق 050 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 10) - الإيمان بالله و اليوم الآخر كلٌّ لا يتجزأ

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة ق 050 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 10) - الإيمان بالله و اليوم الآخر كلٌّ لا يتجزأ

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج خطبة الجمعة: خطبة جمعة - مكانة المسجد الأقصى في الإسلام - الشيخ عكرمة صبري           برنامج اخترنا لكم من أرشيف الإذاعة: اخترنا لكم - المسجد الأقصى حقائق وأوهام - د. بسام جرار           برنامج أحباب الله - المرحلة الثالثة: احباب الله = ح208= ارشيف مشاركات القدس = 19- 08= 2022           برنامج خواطر إيمانية: خواطر إيمانية - 465- د. محمد حافظ الشريدة- من فضائل المسجد الأقصى المبارك           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1479 - سورة القمر 047 - 055           برنامج من كنوز النابلسي 2: من كنوز النابلسي - 79- تاخر النصر         

الشيخ/

New Page 1

     سورة ق

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة ق ـ الآيات: (01 - 10) - الإيمان بالله و اليوم الآخر كلٌّ لا يتجزأ

17/06/2013 18:50:00

سورة ق (050)
الدرس (1)
تفسير الآية : (1ـ10)
الإيمان بالله و اليوم الآخر كلٌّ لا يتجزأ
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً  وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
       أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة ق .
 
  مذاهب العلماء في تفسير الحروف المقطعة :
 
﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ﴾
للعلماء في هذه الحروف التي تتصدَّر بعض السور مذاهب كثيرة في تفسيرها :
من هذه المذاهب : الله أعلم بمراده ، ومن هذه المذاهب أنها أوائل أسماء الله الحسنى .
ومن هذه المذاهب أنها أوائل أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
ومن هذه التفسيرات أن القرآن الكريم إنما صيغ من جنس هذه الأحرف ، فإعجاز القرآن الكريم أن موادَّه الأولية بين أيديكم ، فأحد أسباب الإيمان بأنه كلام الله تعالى ، وهو سرّ إعجازه ، والحروف التي نُظِمَ منها هي حروف اللغة العربية ، ولكن الله تحدَّى الناس جميعاً أن يأتوا بمثل هذا القرآن فلن يأتوا ، ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً .
 
   ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ :
  
هذا قسَم ، فربنا سبحانه وتعالى يُقسِمُ بالقرآن المجيد ، المجيد العالي ، المجيد الشريف ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، كم هي المسافة بين الخالق والمخلوق ؟ بين القديم والحادث ؟ بين الكمال كمالاً مطلقاً والإنسان الضعيف ؟ كم هي المسافة بين الله وعباده ؟ هي المسافة نفسها بين كلام الله وكلام عباده ، هذا ينبغي أن يدفعنا إلى قراءة القرآن ، وإلى فهم القرآن ، وإلى تدبُّر القرآن ، وإلى تطبيق القرآن ، لأنه كتابنا المقرَّر ، وفي القرآن الكريم أحاديث كثيرة لا شكَّ أنكم تعرفونها ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى أن هذا القرآن غنىً لا فقر بعده ، على كلٍّ :
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾
 
  انحراف الكفار وتقصيرهم بسبب إغفائهم اليوم الآخر :
 
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾
 
هل العجب أن يرسِلَ الله سبحانه وتعالى رسولاً يبيِّن للناس طريق سعادتهم ؟ العجب هو ألا يُرسِل ، وهناك معنى دقيق جداً هو : أن كمال الخلق من لوازمه كمال التصرُّف ، فكـما أنّ في الخلق إعجازاً ، كذلك في الخلق علمٌ وحكمةٌ ، وغنىً وقدرةٌ ، ولطفٌ ، وكل أسماء الله تعالى ترونها في خلقه ، وما الكون إلا مظهرٌ لأسماء الله الحُسنى ، فكما أنَّ الكون يدلُّ على الله ، ومن لوازم كمال الخلق كمال التصرُّف ، إذاً ليس عجيباً أن الله سبحانه وتعالى يُنزل على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلَّم كتاباً ، بل العجب ألاّ يُنزِل ، العجب ألاّ يبيّن ، العجب ألاّ يأتي رسولٌ معه كتابٌ فيه تبيانٌ لكل شيء .
الآيات بعد القسم وجوابه وصلت إلى الدار الآخرة .
ويا أيها الأخوة الكرام ، إن أخطر موضوعٍ في العقيدة بعد الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر ، لأنك إن آمنت باليوم الآخر غيّرت كل الخطّة التي تسير عليها ، إذا آمنت باليوم الآخر ، وأدخلت هذا اليوم في الحسابات اليومية صِرْتَ إنساناً آخر ، لأن كل عملك سوف تُحَاسَب عليه ، وكل دخلِك سوف تُحَاسَب عليه ، وكل إنفاقك سوف تحاسَب عليه ، في اليوم الآخر تسوّى الحسابات ، وتؤدّى الحقوق ، وتؤدّى المظالم لأصحابها .
فكل إنسانٍ يا أيها الأخوة أغفل أن يدخل في عقيدته اليوم الآخر ، أو آمن باليوم الآخر ولم يُدخِل هذه العقيدة في العلاقات اليومية فإنه عندئذٍ ينحرف ، ويقصِّر ، وينقطع ، ويشقى .
 
محاسبة الإنسان يوم القيامة حساباً عسيراً سبب في استقامته :
   
بادئ ذي بدء:  قبل أن تعطي ماذا سأجيب الله عزَّ وجل يوم القيامة إنْ سألني : لمَ أعطيت هذا ، وأنت تعلم أنه فاسق ؟
قبل أن أمنع ، قبل أن أُطلِق بصري ، قبل أن أغضَّ بصري ، قبل أن أرفض ، قبل أن أوافِق ، قبل أن أغضب ، قبل أن أُطَلِّق ، قبل أن تتحرَّك يجب أن توقن أن هناك يوماً تُسأل فيه عن كل شيء ، وتُحَاسَب فيه على كل شيء .
(( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟ )) .
[الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ]
يا أيها الأخوة الكرام ، دقِّقوا إذا كنتم مع بشرٍ مثلكم ، مع إنسانٍ قد لا تحبّونه ، وقد لا تقدِّرونه ، لكن هذا الإنسان قوي إذا ضبط أحد الناس بمخالفةٍ سوف يحاسبه ، فحينما يوقِن الإنسان أن الذي أصدر قانوناً و مرسوماً يطوله علمه ، وتطوله قدرته إذاً لابدَّ من أن يستقيم على أمره .
أكاد أقول : إن قانون الاستقامة أن توقن أن الذي أصدر هذه التعليمات يطولك علمه إذا خالفتها ، وتطولك قدرته إذا عصيت أمره ، لمجرَّد أن تؤمن أن علم الله يطولك إذا عصيته ، وأنت في قبضته ، وسوف يُحَاسِبُك ، إذاً لابدَّ من أن تستقيم على أمره ، ومن هنا يمكن أن نقول : إنَّ أيّ خللٍ في الاستقامة يتبعه خللٌ في العقيدة ، إن أيّ انحرافٍ عن منهج الله أصله ضعفٌ في الإيمان بالله ، لذلك أكثر ركنين من أركان الإيمان وروداً معاً هما : الإيمان بالله واليوم الآخر .
 
َ﴿ئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾
 
 الإيمان بالله واليوم الآخر كلٌ لا يتجزأ : 
 
إن الإيمان كلٌ لا يتجزَّأ ، محاولة الفصل بين أركان الإيمان محاولةٌ مستحيلة ، أنت إذا آمنت بالله خالقاً ومربيّاً ومسيّراً ، وآمنت به أنه يعلم ، وسيُحاسِب فلابدَّ من أن تستقيم على أمره ، لا يمكن أن تفكِّر في معصيته ، لأن الله سيحاسبك ، وأقول مرَّة ثانية : أنت تسلك هذا السلوك لا مع الله عزَّ وجل ، ولكن مع إنسانٍ قد لا تحبّه ، وقد لا تقدِّره ، ولكنه قوي ، إذا كان قادراً على أن يعلم مخالفتك له ، وإذا كان قادراً على أن يُنزِل بالإنسان أشدَّ العقوبات فلا يمكن أن تعصي أمره ، فكيف بخالق الكون ؟
ليس معقولاً بعد أن صرنا تراباً أن نُخْلَقَ من جديد ، وأن نحاسَب على كل أعمالنا وهذه عقيدة الكافرين ، وهذا تفكيرهم ومقالهم .
 
الأدلة التي وردت في القرآن الكريم عن اليوم الآخر :
 
1 ـ الدليل النقلي :
بل يا أيها الأخوة الكرام ، إن الإيمان باليوم الآخر هو إيمان من نوع اليقين الإخباري ، لأن الله أخبرنا في قرآنه الكريم أن هناك يوماً يُحاسَب فيه الناس جميعاً ، تسوّى فيه كل العلاقات ، ترمَّمُ فيه كل المظالم ، تؤدّى فيه كل الحقوق ، يُحاسَب الإنسان على أدقِّ الأعمال ..
 
 
 
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
 ( سورة الزلزلة )
 
 
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
( سورة الأنبياء )
إذا أيقنَّا أن هذا اليوم يقوم فيه الناس لرب العالمين ، ويأخذون جزاءهم العادل ؛ فالمنطق والعقل والحكمة ، وحبك لذاتك وفطرتك كل هذا يقتضي أن تستقيم على أمر الله ، هذا هو الدليل النقلي الذي ورد في القرآن الكريم عن اليوم الآخر .
2 ـ الدليل العقلي :
لكن العلماء يرون أن هناك دليلاً عقلياً : في الحياة تفاوت كبير ، في الصحَّة ، في المال ، في الوسامة ، في الذكاء ، في القدرات ، في القوى ، هناك ظالمٌ ومظلوم ، قويٌّ وضعيف ، غنيٌّ وفقير ، فإذا انتهت الحياة الدنيا هكذا من دون يومٍ آخر فإن هذا الوضع غير السوي لا يتناسب مع كمال الله عزَّ وجل ، فكمال الله يقتضي أن تسوَّى فيه الحسابات ، هناك يومٍ تسوّى فيه الحسابات ، تؤدَّى فيه الظُلامات .
إذاً أنت مع دليلين : دليلٍ نقلي في الكتاب والسنَّة ، ودليلٍ عقلي ، أن العقل السليم لا يقبل أبداً أن خالق الكون العظيم يَدَع خلقه هملاً بلا حسابٍ ، ولا مسؤوليةٍ ، ولا جزاءٍ ، ولا ثوابٍ ولا عقابٍ ، ولا جنّةٍ ولا نار ، ومن ظنَّ أن الحياة الدنيا تنتهي هكذا فما عرف الله أبداً .
 
الأحمق من يوهم نفسه أنه أدخل اليوم الآخر في حساباته اليومية :
   
الحقيقة أيها الأخوة والخطورة هي أن الإنسان أحياناً لا يكذِّب باليوم الآخر تكذيباً قولياً ، ولا يكذب باليوم الآخر تكذيباً لفظياً ، يقول لك : لا ، أنا مؤمن بهذا اليوم ، ولكن إذا دقَّقت في سلوكه ، وفي عمله ، وفي كسبه للمال ، وفي علاقاته الاجتماعية ، وفي زواجه ، وفي طلاقه ، وفي عطائه ومنعه لا ترى أبداً أن هذا اليوم العظيم داخلٌ في حساباته اليومية .
إخواننا الكرام ، الذي يكسب مالاً حراماً ، الذي يجمع مالاً عن طريق الكذب أو الاحتيال ، والذي يغشُّ الناس ، والذي يبتزّ أموال الناس ، هذا لو أنه صلَّى فهو في الحقيقة لم يُدخِل اليوم الآخر في حساباته اليومية ، أين قوله تعالى :
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
 ( سورة الحجر )
أين قول النبي صلى الله عليه وسلَّم :
(( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟ )) .
[الترمذي عن أبي برزة]
 
 امتحان الإنسان لإيمانه بعمله لا بإقراره : 
 
أيها الأخوة ، أحد أكبر أركان الإيمان بعد الإيمان بالله أن يؤمن باليوم الآخر ، لذلك تجد انضباط المؤمن عجيباً ، وسر انضباطه أن لحظة الوقوف بين يدي الله عزَّ وجل لا تغادر ذهنه أبداً ، قبل أن يفعل شيئاً ، قبل أن يغش ، قبل أن يكذب ، قبل أن يأخذ ما ليس له ، قبل أن يفتري على الناس يقول : كيف أقول لله عزَّ وجل ؟ ماذا أقول له ؟ فالإنسان يمتحن إيمانه لا بإقراره ، بل بعمله ، فإذا كان عمله يؤكِّد إيمانه فليحمد الله عزَّ وجل ، أما إذا كان عمله لا يؤكد إيمانه فليشمِّر ، وليجدِّد إيمانه ، ولمجرَّد أن تأكل مالاً حراماً ، وأنت تعلم يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا اليوم العظيم ما أدخلته في حساباتك ، لمجرَّد أن تظلم امرأةً لا سند لها يجب أن تعلم أن هذا اليوم العظيم ما أدخلته في حساباتك ، لمجرّد أن تدلِّس ، أو أن توهم لتكسب مالاً حراماً يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا اليوم العظيم ما أدخلته في حساباتك .
 
  الفرق بين المؤمن وغير المؤمن في رؤية الحياة :
 
﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾
هذه مقولة أهل الكفر ، إنهم آمنوا بالدنيا فقط بأنها كل شيء ، والمال فيها كل شيء ، والملذَّات فيها كل شيء ، والقوّة فيها كل شيء ، والجمال فيها كل شيء ، والتنعُّم فيها كل شيء ، مالُها ونساؤها ، وطعامها وشرابها ، ومتعها ومباهجها هي كل شيء ، لذلك الفرق الجوهري بين المؤمن وغير المؤمن ، أن غير المؤمن يقبِلُ على الدنيا ، ولا يسأل ، ولا يلتفت إلى صواب عمله أو خطئه ، لكن المؤمن لا يأخذ من الدنيا إلا بالقدر الذي سمح الله له به ..
 
                                               ﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
 ( سورة هود : الآية 86 )
أي ما بقي له ، ما بقي مسموحاً له أن يفعله هو الخير ، أما الذي حرَّمه الله عليه فلا يقترب منه ولو أدّى ذلك إلى هلاكه .
فكيف قلتم هذا : رجعٌ بعيد ؟ الله جلَّ جلاله الذي بدأ الخلق يعيده ، الذي خلق الإنسان من تراب ، من نطفةٍ ، من ماءٍ مهين ، وجعله إنساناً سويَّاً ، في دماغه مئة وأربعون مليارَ خليَّةٍ عصبية لم تُعْرَف وظيفتها بعد ، في شبكية عينه مئة وثلاثون مليونَ مخروطٍ وعُصيّة ، فيه ثلاثمئة ألف شعرة ، ولكل شعرة وريد وشريان وعصب وعضلة ، وغدَّة دهنية وغدَّة صبغية ، الذي أودع فيه قلباً يضخ كل يوم ثمانية أمتار مكعَّبة ، وشبكة شرايين وأوردة طولها مئة وخمسون ألف كيلو متر .
أكرر للبيان والاعتبار : في الإنسان شبكة أوردة وشرايين وشعريّات طولها مئة وخمسون ألف كيلو متر ، كذلك في الكليتين طريق يقطعه الدم طوله مئة كيلو متر كل يوم ، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم سيحاسبه ، وسيعيد خلقه مرَّةً ثانية ..
 
إنكار الكافر يوم القيامة والحساب فيها :
 
لذلك المقولات تتشابه ، لأن ملَّة الكفر واحدة  .
﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾
 
فمن هو الكافر ؟ هو الذي آمن بالدنيا فقط ، الدنيا في نظره كلّ شيء ، القوَّة فيها كل شيء ، المال فيها كل شيء ، المتعة الرخيصة فيها كل شيء ، ثم يأتي الموت على كل شيءٍ حصَّله في الدنيا ، ويخسره في ثانيةٍ واحدة ، لمجرَّد أن يقف قلبه كل أملاكه ليست له ، كل ثيابه تبقى في الخزانة ، يُلفُّ في قماشٍ أبيض رخيص ، ويودع في التراب ، وانتهى الأمر ، لذلك فإن المؤمن يحسب حساباً دقيقاً لهذه الساعة ، ساعة مغادرة الدنيا ، وغير المؤمن لا يُدْخِلُ هذه الساعة في حساباته أبداً ، وكأن الموت على غيرنا قد كُتِب ..
 
أحد أسباب انضباط المؤمن في الحياة الدنيا إيمانُه باليوم الآخر :
   
إخواننا الكرام ، إذا آمنتم باليوم الآخر الإيمان الصحيح ، وأدخلتم هذا اليوم في الحسابات اليومية ، بل في الحسابات الساعية ، بل في حساب الثواني ، ونظر أحدكم وقال : ماذا سأجيب الله عنها يوم القيامة ؟ كلمة شاردة ، أو ابتسامة في غير موضعها ، مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، فكل محاسب عليه ، قال تعالى :
                                            ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾
 ( سورة الزلزلة )
إذا أدخلتم اليوم الآخر في حساباتكم ، في بيوتكم ، في تجارتكم ، في صناعتكم ، في كل نشاطات حياتكم فقد أصبتم ، ورضي الله عنَّا وعنكم ، لكن كثيراً من الناس في وادٍ آخر .  
موضوع اليوم الآخر موضوع خطير جداً ، وهو أخطر موضوع في العقيدة بعد الإيمان بالله هو اليوم الآخر ، وأحد أسباب انضباط المؤمن إيمانُه باليوم الآخر .
ذات مرَّةٍ ضربت مثلاً توضيحياً بإنسان ركب مركبة ، والإشارة حمراء ، والشرطي واقف ، وسيارة الضابطة واقفة ، وضابط كبير من شرطة السير واقف ، وإذا تجاوز شخص الإشارة يلحقونه ، ويحجزون مركبته ، وهؤلاء كلهم بشر عاديون ، فهل يُعقَل أن يتجاوز هذه الإشارة ؟
من المستحيل ، ولا بالمليار واحد أن يتجاوز إنسان الإشارة الحمراء ، وهو يعلم علم اليقين أنه سيضبط ، وسيُحاسَب أشدّ الحساب ، فكيف مع خالق الأرض والسماوات ؟ كيف ؟!!
   
العاصي من يغامر بسعادته في الدنيا والآخرة :
 
والله أيها الأخوة ، لا أعجب من الذي يطيع الله عزَّ وجل ، هذا شيء طبيعي ، لكن العجب العُجاب مِن الذي يعصي الله ، فماذا تملك من الدنيا ؟ الإنسان كل كيانه منوط بشريان الدم في دماغه ، لو تجمَّدت خثرة في الدماغ لغيّرت حياته ، فإن استقرت في مكان يصاب بالعمى ، وفي مكان يفقد ذاكرته ، وفي مكان يُصاب بالشلل ، أين قوَّة الإنسان ؟ هل تملك لهذا الدم الذي يجري في الدماغ في أدقّ الأوعية ، هل تملك أن يبقى سائلاً ؟ إذا تجمَّد أصبحت حياة الإنسان جحيماً ، هذا القلب الذي ينبض من يملك حركته الدائمة ؟ من يملك مرونة شرايينه ؟ من يملك هذا الشريان التاجي الذي يغذِّي عضلة القلب ؟ من يملك هذا الشريان ؟ إذا ضاق هذا الشريان أصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق ، فعلى أي شيءٍ يستند العاصي ؟ العاصي مغامر ، والعاصي مقامر ، يقامر بسعادته في الدنيا والآخرة ، فالعجب العجاب ممن يرى نفسه في قبضة الله و يعصيه ، ممن يرى أن أمره كله بيد الله ويخرج عن منهجه ، هذا هو العجب العجاب لا كما قال هؤلاء الكفَّار ..
﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾
 
 فناء الإنسان في قبره :
 
      قال تعالى :
 
                                                   ﴿ قَدْ عَلِمْنَا﴾
أي حينما يوضعون في قبورهم ، وحينما تبدأ الكائنات الحية عملها في أكل لحومهم ..
 
                                      ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾
الله جلَّ جلاله هو الذي يعلم كيف أن هذا الإنسان يفنى في قبره ، ولا يبقى منه إلا ذرَّةٌ هي التي تعيد بناءَه من جديد يوم القيامة .. ألا وهي عَجبُ الذنَب .
 
    قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ : آية لها عدة معان :
 
1 ـ إما أنهم إذا ماتوا ابتلعتهم الأرض فأنقصت عددهم  :
 
                                      ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾
 
إما أنهم إذا ماتوا ابتلعتهم الأرض ، فكأن الأرضَ أنقصت عددهم .
2 ـ أو أن التراب حينما يأكل لحمهم يتناقص الجسد شيئاً فشيئاً :
أو أن التراب حينما يأكل لحمهم في القبر فيتناقص الجسد شيئاً فشيئاً ، وقد ورد في الأثر أن الإنسان في أول يومٍ يوضع في قبره يقول الله له :
" عبدي ، رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحيُّ الذي لا يموت " .
  
التفكّر في الموت جزء من الدين :
 
أيها الأخوة ، إن الإنسان مدعوٌّ وهو في الدنيا ، وهو حيٌّ يُرزَق أن يدخل إلى غرفةٍ مظلمة ، بلا مصباح أبداً ، وليقبع فيها ساعاتٍ طويلة ، ألا يشعر بالضجر ؟ ألا يشعر بالوحشة ؟ غرفة كبيرة فيها سرير وثير ، وفيها نوافذ ، أطفئ المصباح ، واجلس وحدك عدة ساعات بماذا ستشعر ؟ القبر على طول الزمن لا نافذة له ولا سرير ، ولا شيء من هذا ، إنك تحت التراب ، وفي اليوم الواحد تشيّع عشرون جنازة أو أكثر ، في هذا الحي في اليوم الكثير من النعي ، فهذا الذي أعلمونا أنه توفي أين يبيت هذه الليلة ؟ تحت الأرض ، تحت التراب ، أين كان ينام قبل وفاته ؟ على سرير ، حوله زوجة وأولاد ، هناك طعامٌ وشراب ،  هناك ثياب ، هناك بيتٌ نظيف ، يُوضَع في القبر ويهال عليه التراب ، وقد قال سيدنا عمر : " كفى بالموت واعظاً يا عمر " .
إخواننا الكرام ، التفكُّر في الموت جزء من الدين ، التفكُّر مع التساؤل : يا ترى كيف تنتهي حياتي ؟ بأية طريقة ؟ أين أموت ؟ في البيت أم خارج البيت ؟ أين أُغسَّل ؟ أفي البيت ؟ أين أُدفَن ؟ هذه الخواطر ضرورية جداً لأنها كوابح .
 
ابتعاد الإنسان عن المعصية عند تفكيره بالموت و الحساب :
 
أيها الأخوة الأكارم ، لو أنك كنت على طريقٍ معبَّد تركب مركبة ، الخطران الكبيران أن تنحرف يمنةً أو يسرةً ، وعلى اليمين وادٍ سحيق ، وعلى اليسار وادٍ سحيق ، والخطر الثاني هو أن تتعطل المركبة ، والتفكُّر في الموت يجعلك على الطريق ، ويدفعك نحو الأمام ، والذي يقيك الانزلاق والوقوف هو التفكُّر بالموت ، وسبحان الله ! إن الموت ما ذُكِرَ مع كثيرٍ إلا قلَّله ، وما ذُكِرَ مع قليلٍ إلا كثَّره ، فالإنسان القوي الغني المتمكّن يحلّ بالمال كل قضية ، ولكنّ الموت يقلِّل هذا المال ، بل يذهبه ، ماذا ينفعه المال حينما يموت ؟ والفقير المعذَّب المريض يأتي الموت فينهي كل مشكلاته .
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾
 
فيا أيها الأخوة الكرام ، التفكُّر في الموت جزءٌ من الدين ، والتفكّر في الموت كابح يكبح جماح النفس ، التفكر في الموت يكبح جماح النفس عن أن تزل قدمُها في معصية ، أو أن تقف وهي في طريق الإيمان .
 
الإنغماس في الدنيا والانشغال بها يجب ألا تبعد الإنسان عن التأمل :
 
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾
لا مانع من أن يزور الإنسان من حينٍ إلى آخر مقبرة ، وإذا رأى جنازة فليتبع هذه الجنازة ، ولينظرْ بنفسه كيف أن النعش يُفتَح ، ويُرفع الميت ، وقد بدا جسمه ملفوفاً بهذا القماش ، ثم يُنزَّل في القبر ، وكيف يُوضع اللوح الحجري ، وكيف يُهال التراب عليه ، ويذهب أهله إلى البيت ، وقد غادر البيت ولن يعود ، خرج من البيت أفقياً ، ليتذكَّر الإنسان أنه إذا خرج من بيته آلاف المرَّات قائماً فلابدَّ من أن يخرج في إحدى هذه المرَّات أفقياً ، تذكّر أنك إذا دخلت إلى بيتٍ من بيوت الله لتصلي فلابدَّ من أن تدخل مرَّةً ليُصلَّى عليك .
قرأت كلمة وهي : " صلّ قبل أن يُصلَّى عليك " ، فلابدَّ من أن يصلَّى عليك ، فهذا الانغماس في الدنيا والانشغال بها ، وكسب الدرهم والدينار ، والانخراط في متاعبها ومشاغلها ، وحُطامها ومكاسبها ، هذا ينبغي أن يُعدَّل ، ينبغي أن تكون هناك ساعة تتأمَّل فيها سرَّ وجودك ، وغاية وجودك ، وعظمة ربك ، ومنهج ربك .
 
    تكذيب الكفار بالقرآن الكريم الذي أُنزل على النبي الكريم :
 
ثم يقول الله عزَّ وجل :
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾
فقد قال بعضهم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم : ساحر ، لأن الحق الذي جاءهم هو النبي عليه الصلاة والسلام ، والحق الذي جاءهم هو القرآن الكريم فقالوا : ]إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ [ .
قال بعض المفسِّرين : الحق هو القرآن الكريم الذي أُنزِل على النبي صلى الله عليه وسلم ، كذَّبوا به ، وقالوا : ]إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ [.
( سورة الصافات )
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾
قالوا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم : إنه شاعر ، إنه كاهن ، إنه ساحر ..
 
  رفض الكفار للقرآن الكريم قبل فهم وتدبّر آياته :
 
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾
 
وفي الآية إشارة لطيفة ..
 
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾
 
أي أنهم لم يدرسوا القرآن ، وما قرؤوا القرآن ، وما تدَّبروا آياته ، وما وقفوا عند معانية آياته ، كما لو أن شخصاً جاءته رسالة فسلَّمها إليه ساعي البريد ، وقبل أن يفتحها مزَّقها ، فهذا إنسان أحمق ، اقرأها أولاً ، لكنه مزَّقها قبل أن يفتحها ، وقبل أن يقرأ مضمونها ، وهذا الذي يكذِّب بهذا الكتاب قبل أن يقرأه ، وقبل أن يفهمه ، وقبل أن يتدبَّر آياته ، وقبل أن يعمل على تطبيقه هو إنسان غبي ، غبي جداً ، رفض الشيء قبل معرفته ، إنه غباءٌ من هذا الإنسان ما بعده غباء  .
 
شقاء الإنسان في الدنيا والآخرة عند تركه القرآن العظيم :
 
 
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾
 
لمجرَّد أنه جاءهم كذَّبوا به دون تدبُّر ، دون وعي ، دون فهم ، هل هناك بربِّكم من عمل أيها الأخوة أعظم من أن تمضي وقتاً في فهم كلام الله ؟ فهم هذا المنهج ، هذا الوحي الذي جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خطاب السماء إلى الأرض ، هل في المكتبات كلها كتابٌ يرقى إلى هذا الكتاب ؟ اُدخلوا إلى بعض المكتبات تجدوا آلاف الكتب ، عشرات ألوف الكتب ، مئات ألوف الكتب ؛ في التاريخ والجغرافيا ، والقصَّة والأدب ، والعلوم والفنون بربِّكم ، وما شاكل ذلك ، أما هذا الكتاب  فهو منهج ، هذا منهج حياتك ، تسعد بتطبيقه في الدنيا والآخرة ، و تشقى بتركه في الدنيا والآخرة .
 
تفسير كلمة مريج :
 
1 ـ المريج هو الكاهن :
                                              ﴿ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾
بعضهم قال : كاهن .
2 ـ المريج هو الشاعر :
 بعضهم قال : شاعر .
3 ـ المريج هو الساحر :
 بعضهم قال : ساحر ، وأهل الكفر إذا أرادوا أن يصفوا الحق يختلفون ، ساعة يقولون : ضعف بشري أمام قوى الطبيعة القاهرة ، وساعة أخرى يقولون : المتديِّن إنسان يعوّض نقصاً أَلَمَّ به ، فيتهمون أهل الدين اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان ..
 
عدم اتفاق الكفار على وصف أهل الحق بوصف واحد : 
 
﴿أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾                                     
أمرٍ مضطرِب ، هم فيما بينهم مختلفون ، لم يتفقوا على وصفٍ موحّدٍ لأهل الحق ، لكن الشيء الدقيق أن الحديث بينهم عن اليوم الآخر :
 
 
﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾
عدم اقتناع الكفار بأنهم سيبعثون بعد الموت و يحاسبون :
   
 ولكن ما علاقة هذا الكلام بالآيات التالية ؟
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾
الحقيقة أن هؤلاء الكفَّار الذين كذَّبوا ، كذَّبوا بالحق و كذَّبوا هذا القرآن ، وأنكروا اليوم الآخر ، وقالوا :
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾
 ( سورة المؤمنون )
فكيف السبيل إلى إقناعهم بوجود خالقٍ عظيم ؟ وربٍ رحيم ؟ ومسيرٍ حكيم ؟ كيف السبيل إلى إقناعهم بأن هناك يوماً آخر توزن فيه الأعمال ، وتؤدى فيه الحقوق ، وتسوى فيه الظُلامات ؟
 
منهج القرآن في إثبات اليوم الاخر :
 
السبيل : هذا الكون الذي تحت سمعنا وبصرنا ، الشيء الثابت الوحيد الذي يخضع له كل إنسان هذا الكون العظيم ، فكلَّما تاهت النفوس ، واضطربت الأفكار ، وظهرت الشكوك ، ومرجت النظريات ، فالكون بسماواته وأرضه ، بمجرَّاته ، بكواكبه ومذنَّباته ، بنجومه ، بشمسه وقمره ، والأرض : بالبحار والجبال ، والصحارى والغابات ، والأسماك والأطيار ، والنباتات وخلق الإنسان ، هذا الكون هو الذي يدلًُّ على الله ، هو الذي ينطق بكمال الله ، هو الذي ينطق بوحدانية الله ، هو الذي ينطق بحكمة الله ، برحمة الله ، بعلم الله ، وبقدرة الله ، هو الشيء الثابت ، وإذا اضطربت عقيدة الإنسان ، وتزلزلت أفكاره فليَدَعْ كل شيء ، وليتجه إلى الكون ليتأمَّل فيه ..
 
﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾
فما هو الحل ؟ كيف نؤمن بخالق الكون ؟ بأسمائه الحسنى وصفاته الفَضلى ؟ كيف نؤمن بهذه الرسالة السماوية ؟ بهذا الكتاب المقدَّس ؟ كيف نؤمن ؟ قال تعالى :
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾
 
   عظمة الله تتجلى في الكون :
 
إنه لن تقع عينك على خلل ، وبعض الأرقام تشير إلى أن العلماء قدَّروا أن في الكون قريباً من مليون مَليون مجرَّة ، هذه المعلومات راجحة إلى الآن ، وأن في كل مجرَّة قريباً من مليون مَليون نجم ، وأن المجموعة الشمسية نقطة في درب التبانة ، والمجموعة الشمسية قطرها ثلاث عشرة ساعة ، أما نحن أي : الأرض والقمر القطر ثانية ضوئية ، نحن والشمس القطر ثماني دقائق فقط ، هذه المجموعة الشمسية ، وقد أرسلوا مركبة فضائية إلى المشتري ، بقيت المركبة ست سنوات في الفضاء تسير ولم تصل ..
بالمناسبة بيننا وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية ، والضوء يقطع في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر ، في الدقيقة ضرب ستين ، ثم اضرب في الساعة ، باليوم ، بالسنة ، وهذه المسافة بين الأرض وأقرب نجم ملتهب لو أردت أن تقطعها بمركبةٍ أرضية تحتاج إلـى خمسين مليون عام ، هذا رقمٌ دقيق .
أكرر : لو أردت أن تقطع المسافة بين الأرض وأقرب نجمٍ ملتهب تحتاج إلى خمسين مليون عام ، وأقرب نجم ملتهب يبعد عنَّا أربع سنوات ضوئية فقط ، بينما نجم القُطب يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية ، في حين أن بعض المجرَّات تبعد عنَّا مليون سنة ضوئية ، وبعض المجرات المُكتشفة حديثاً تبعد عنا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية ، أي أنها كانت في هذا الموقع الذي رأيناه بالمراصد العملاقة قبل أربعة وعشرين ألف مليون سنة ، الآن لا يعلم إلا الله أين هي ..
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾
 
    صنعة الله المطلقة في كل شيء :
 
نجم صغير جداً أحمر اللون في برج العقرب اسمه قلب العقرب ، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما ، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرَّة ، أي مليون وثلاثمئة ألف كرة أرضية ، يمكن أن توضع في جوف الشمس ، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، وقلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما ..
وهذا الكون العملاق لولا حركة النجوم حول نجوم أخرى لأصبح كتلةً واحدة ، لأن قوى التجاذب تجمعه في كتلة واحدة ، أما الحركة الدائرية فينشأ عنها قوى نابذة تكافئ القِوى الجاذبة ، هذه الحركة المستمرة تجعله مستقراً بهذا الترتيب ، أما لو أن الحركة توقَّفت لأصبح الكون كتلةً واحدة ..
 
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾
 
( سورة ق : الآية 3  )
يعني أنك لا ترى أي خلل ، والفروج هنا تعني الخلل ..
 
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
 ( سورة النمل : الآية  88 )
كلُّ صنعتِهِ متقنة ، كل عمله محكم ..
 
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾
 
     التفكر في ملكوت الله يؤدي إلى عدم التكذيب بالحق :
 
إذا اضطربت الأفكار ، و اضطربت الأدلَّة ، وكلٌ يدَّعي وصلاً بليلى ، والحياة كلها مذاهب ، واضطرابات ، وأفكار ، ونظريات هدَّامة ، ونظريات صحيحة ، ونظريات مغلوطة ، كان الشيء الثابت هو الكون ، فالكون يدلُّ على الله ، ودعك من كل الخلافات ، دعك من كل التمزُّقات ، دعك من كل الاضطرابات الأرضية ، الكون هو الشيء الثابت الوحيد الذي يدل على الله ، طبعاً يدل على مليون حقيقة ، ولكن كل هذه الحقائق في ثلاث كلمات : الله موجود ، وواحد ، وكامل .
الخلاصة اليقينية وجود ، وحدانية ، وكمال مطلَق ، فإذا دلَّك الكون على خالقٍ عظيم واحد كامل ، يقتضي كمال هذا الخالق العظيم أن يبين لخلقه لماذا خلقهم ؟ ولماذا أوجدهم ؟ وماذا ينتظرهم ؟ وماذا عليهم أن يعملوا ؟ فكان هذا القرآن الكريم ، لماذا كذَّبوا بالحق ؟ لأنهم لم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ، لو نظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها لما كذَّبوا بالحق ، هذه الآية دقيقة جداً :
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾
فما العمل ؟ لقد كذَّبوا بالحق ، كذبوا بهذا القرآن ، كذبوا هذا النبي العدنان ، لم يعبؤوا بهذا الدين وقالوا : الحياة هي كل شيء ، بعد الموت لا وجود لشيء أبداً ، فكيف السبيل للإيمان ؟ إنه قال :
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾
 
الدنيا ما هي إلا إعداد و تمهيد للآخرة :
   
لو نظرت في خلق السماوات والأرض لعرفت أن هذا الخالق العظيم كماله مطلق ، ويقتضي كماله أن يبين لعباده لماذا خلقهم ؟ ولماذا أوجدهم ؟ وماذا ينتظر منهم ؟ وماذا عليهم أن يعملوا ؟ ولماذا جعل حياتهم محدودة ؟ ولماذا خلقهم لحياةٍ أبدية ؟ ولماذا كانت هذه الحياة الدنيا إعداداً وتمهيداً للحياة الآخرة ؟ هكذا ، فلذلك ينقصنا أن نتأمَّل في خلق السماوات والأرض ، الكون يدلُّنا على كل شيء ، يدلُّنا على أن لهذا الكون خالقاً واحداً كاملاً موجوداً ، ومن لوازم كماله أن يبين لخلقه ، وهذا القرآن بين أيدينا .
 
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾
 
  قدرة الله عز وجل في جعل الأرض لا تنحرف عن مسارها :
 
إخوتنا الكرام ، الأرض تدور حول الشمس بمسار إهليلجي ، وهذا المسار له قطران : قطرٌ أصغر وقطر أكبر ، إذا وصلتْ إلى القطر الأصغر تزيد سرعتها ، وينشأ عن هذه الزيادة قوة نابذة جديدة تكافئ القوة الجاذبة الجديدة من قِصَر المسافة ، لأن الجذب متعلِّق بالمسافة ، والكتلة في قانون الجاذبية ، فحينما تصل الأرض إلى القطر الأصغر تزيد سرعتها ، وحينما تصل إلى القطر الأكبر تقلّ سرعتها لكي لا ينشأ قوّة تفلُّت من جاذبية الشمس ، لكن فرضاً لو أن الأرض تفلَّتت من جاذبية الشمس ، وأردنا أن نعيدها إلى الشمس ، ماذا علينا أن نفعل ؟ هذا كلام فرضي ، وغير واقعي إطلاقاً ، الجواب : نحتاج إلى مليون مَليون حبل فولاذي ، وقطر كل حبل خمسة أمتار ، طول كل حبل مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، تُزرَع هذه الحبال الفولاذية على وجه الأرض المقابل للشمس ، وإذا زُرِعت فنحن أمام غابة من الحبال الفولاذية ، بين كل حبلين مسافة حبل واحد ، تستحيل الزراعة والصناعة ، والبناء والعمران ، وانتهى كل شيء ، وتُحجَب أشعَّة الشمس ، فكل هذه الحبال المليون مليون حبل ، قطر الحبل خمسة أمتار ، هذا الحبل يقاوم قوى شد تقدر بمليوني طن ، كلها تمسك بالأرض ، وتثبتها في موقعها من الشمس .
الملخَّص أن الأرض مرتبطة بالشمس بقوَّة تساوي مليون مَليون ضرب مليوني طن ، كل هذه القوة من أجل أن تحرف الأرض عن مسارها المستقيم ثلاثة مليمترات في الثانية ، فلو أنها سارت بشكل مستقيم لخرجت من مدارها حول الشمس ، فتنحرف كل ثانية ثلاثة مليمترات ، وهذه الثلاثة مليمترات تشكِّل مداراً مغلقاً حول الشمس .
 
رفع السماء بغير عمد آية من آيات الله الدالة على عظمته :
 
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
( سورة الرعد : الآية  2 )
هل يقدر الإنسان أن يبني بناء من ثلاثين طابقاً مساحته ألف متر بلا أعمدة ؟ ويجعل ارتفاعه عن الأرض عشرة أمتار ؟ تمشي من تحته بالهواء من دون أعمدة ؟ هذا الشيء فوق طاقة الإنسان ، أن ينشئ بناء من ثلاثين طابقاً من دون أعمدة إطلاقاً ، وأول طابق يرتفع عن الأرض عشرة أمتار ، وأنت تتحرَّك من تحته ، وأنت تمشي بالهواء ، والهواء فيه قِوى جذب ، وأنت لا تشعر .
ما المد والجزر ؟
إن البحر أحياناً يرتفع إلى عشرين متراً ، هذا مِن جذبِ القمر للبحر ، هناك أبحاث تؤكِّد أن القمر يجذب القشرة الأرضية اليابسة ، ولذلك يضطرب دمُ الإنسانِ في أيام مدّ القمر وهو بدر ، والنبي e أمرنا أن نصوم هذه الأيام الثلاثة ، وهناك بحوث الآن أُخِذت من ملفَّات القضاء ، وعيادات الأطباء ، ومن مخافر الشرطة أن معظم الجرائم تُرتكب في هذه الأيام الثلاثة ، حينما يفور الدم ، هذا أيضاً متعلِّق بالجاذبية  .
 
  الأرض كروية الشكل ويُستدل على هذا من القرآن الكريم :
 
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾
جعلها كرة ، معنى مددناها أي جعلنا الصفوف التي عليها تستمر إلى أبد الآبدين ، الشكل الوحيد الذي تمشي عليه الخطوط بلا توقّف هو الكرة ، أما المكعَّب فإن الخط يقف عند الحرف ..
 
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾
 ( سورة فاطر : الآية  13 )
هذه إشارة إلى أنها كرة .
وهناك إشارة ثانية ، وهي :
 
 
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾
تداخل الظلام مع النور بالأشكال الهندسية لا يكون إلا في الكرة ..
 
   الجبال آية عظيمة من آيات الله :
 
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾
جبال همالايا ارتفاعها اثنا عشر ألف متر ، لو أتينا بكرة قطرها متر فإن أعلى جبل في العالم يُمَثَّل على هذه الكرة بسنتيمتر واحد ، أعلى جبل ارتفاعه اثنا عشر كيلو متراً يقابله سنتيمتر ، وأعلى جبل في العالم ثلثاه تحت الأرض ، معنى هذا أن اثني عشر كيلو متراً تحت الأرض ، وأربعة وعشرين تحت الأرض ، فربنا عزَّ وجل وصف الجبال مرة بأنها رواسي ، ومرَّة وصفها بأنها أوتاد ، فالطبقات الأرضية يأتي الجبل فيربط بعضها ببعض ، والعلماء يقولون : لو جئت ببيضة غير مسلوقة وأدرتها فإنها تقع ، لأن فيها طبقات غير متجانسة ، أما إذا سلقتها فإنها تدور معك ، فالأرض حينما تدور ففيها طبقات غير متجانسة ، فيأتي الجبل كالوتد فيربط بعضها ببعض ..
﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾
الله جعل الجبال رواسي ، كيف أن الدولاب إذا دار بسرعة كبيرة يضطرب فيوضع له قطع من الرصاص في بعض الأماكن كي يدور بسرعة من دون اضطراب ، الله جعل الجبال رواسي ، وجعلها مستودعات للمياه ، وضاعف بها مساحة الأرض ، وجعل الجو في الجبال جوّاً مريحاً ، بارداً في الصيف ..
 
الورود الجميلة لم يخلقها الله إلا تكريماً للإنسان :
 
   ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾
هل عندكم فكرة عن عدد الأبصال التي خلقها الله عزَّ وجل من أجل أن نُمْتِعَ العين بها ؟ عددها أكثر من مئة ألف ، فالورود التي من أصل بصلة أنواع كثيرة  ، وأنواع نباتات الزينة التي توضع في البيوت بمئات الألوف ، وكل نبات له طباع ، له خصائص ، هذه ليست للأكل والشرب ، هذه ليمتع الإنسان بها عينه ، أفلا تشكرون ؟
هذه الورود الجميلة مثل الزنبق ، ألوان جميلة جداً ، روائح فوَّاحة ، لمن خُلِقت هذه ؟ خُلِقت تكريماً لهذا الإنسان ..
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾
 
   الحكمة من نضج الفاكهة تباعاً :
 
الله عزَّ وجل جميل يحب الجمال ، الفاكهة التي تأكلها فيها متعةٌ للعين قبل أن تمتع فمك بها ، التفاحة لها منظر جميل جداً ، كل أنواع الفواكهِ النظرُ إليها مُتعة قبل أن تأكلها ، ألوان ، أشكال ، حجوم ، توشيح أحياناً ، ألوان متألِّقة ، اللون الأصفر في التفاح جميل جداً ، يوجد عليه خد أحمر أحياناً ، وكذلك العنب ، فهذه الفواكه من خلقها ؟ من صمَّمها ؟ لماذا خُلقت ؟ خُلِقت للإنسان .
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
هذه النباتات بعضها محاصيل تنضج في يوم واحد ، وبعضها خضراوات تنضج تباعاً ، وبعضها فواكه ، والفواكه مبرمجة ، لو أن الله عزَّ وجل جعل جميع الفواكه تنضج في يومٍ واحد فماذا نفعل ؟ لكن انظر :  تنضج العوجة أولاً ، وبعدها الكرز ، ثم المشمش ، وبعده التفاح ، وبعده الأجاص ، وثم الدُرَّاق ، هناك برنامج ، والفاكهة الواحدة تقطفها خلال شهر ، لو كانت تقطف في يومٍ واحد فماذا نفعل بها ؟ حقل البطيخ يُجنى منه البطيخ خلال تسعين يوماً ، ثلاثة أشهر بأكملها تجني بطيخاً من هذا الحقل ذو تصميم ، وله ترجيح ، هناك مرجِّح ، وهو حكيم ..
 
   الهدى قرار داخلي يتخذه الإنسان قبل كل شيء :
 
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
 
هذه الآية دقيقة جداً ، هذا الكون هو تبصرة ، أي : به تبصر عظمة الله عزَّ وجل ، فإذا كان الإنسان غافلاً يذكِّرَه هذا الكون .
﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
إذا كان غير منيب لا يستفيد ، معنى هذا أن منطلق الهدى يبدأ منك حينما تتخذ قراراً بطلب المعرفة ، فإن كل شيءٍ يدلُّك على الله ، وحينما يتجه الإنسان إلى شهواته ، ويعرض عن ربه فلو رأى الآيات الصارخة فلن يهتدي إلى الله بها ، معنى هذا أن الهدى يبدأ باختيار ذاتي ، وهذه الآية واضحة جداً ، الكون ..
 
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
إذا أناب العبد إلى ربه يصبح الكون له تبصرة ، إذاً الهدى قرارٌ داخلي تتخذه أنت قبل كل شيء ، تريد أن تعرف الحقيقة عندئذٍ كل شيءٍ في الكون يدلُّ على الله ..
 
قدرة الله عز وجل على إعادة خلق الإنسان كما أنشأ الجنّات وخلقها :
 
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾
جنات أي بساتين ..
وحبّ الحصيد أي : المحاصيل ؛ القمح والشعير ، وما إلى ذلك ..
 
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾
هذا الرُطب الذي تحمله هذه الأشجار ..
﴿رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾
كما أنشأ الله هذه الجنَّات ، وخلقها ، وأصبحت ذات بهجةٍ للناظرين فالله سبحانه وتعالى يعيد خلق الإنسان مرَّةً ثانية يوم القيامة .
إذاً : الجواب على تساؤل الكفَّار ، وإنكارهم البعث ، وإنكارهم الحق ، وتكذيبهم بهذا القرآن هو النظر في ملكوت السماوات والأرض ..
   
الماء أساس كل شيء حي :
 
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾
الله عزَّ وجل قال :
 
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
 ( سورة الأنبياء : الآية 30 )
وحيث رَأيت الماء رأيت الخضار ، والبساتين ، والجبال الخضراء والمحاصيل .
   
فوائد النخل :
 
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾
والحديث عن النخل يطول ، إنها من أكرم الأشجار ، وهذا الذي تحمله من ثمار عبارة عن صيدلية ، يوجد ست وأربعون مادَّة غذائية في التمر ، ولا يقبل التلوُّث ، وهو مهدئ ومنشِّط ، ومليّن للأمعاء ، ومضيّق للشرايين من أجل النزيف ، وربنا عزَّ وجل تكلَّم عن التمر في معرض المخاض فقال :
 
 
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾
 (سورة مريم )
 
وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع تفسير هذه الآيات الكريمة بتوفيق الله وعونِهِ . 
 
 
والحمد لله رب العالمين



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب