سورة الفتح 048 - الدرس (8): تفسير الأيات (25 – 29) - كل شيء يقع لا يقع إلا بمشيئة الله لأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الفتح 048 - الدرس (8): تفسير الأيات (25 – 29) - كل شيء يقع لا يقع إلا بمشيئة الله لأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج كيف تتعامل مع الله:  كيف تتعامل مع الله - 26- اذا خلوت به           برنامج بيّـنات: بينات -د. بيان علي الطنطاوي- 19 - مشكلات التعليم1           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 258- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- حكم قطف االثمر في الطرقات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0741 - سورة مريم 041 - 043           برنامج خطبة الجمعة: خطبة الجمعة - الشيخ الدكتور عبد الرؤوف الكمالي - حرمة الدماء في الإسلام           برنامج اخترنا لكم من أرشيف الإذاعة: اخترنا لكم - سنة الابتلاء والحكمة منه - الشيخ نعيم العرقسوسي         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الفتح

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الفتح ـ الآيات: (25 - 29) - كل شيء يقع لا يقع إلا بمشيئة الله لأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة

04/06/2013 17:53:00

سورة الفتح (048)
الدرس (8)
تفسير الآيات: (25-29)
كل شيء يقع لا يقع إلا بمشيئة الله لأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
أحداث صلح الحديبية إنما هي من صنع الله عزَّ وجل :
 
مع الدرس الثامن من سورة الفتح، ومع الآية الرابعة والعشرين وهي قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)
في هذه الآية إشارةٌ توحيديةٌ دقيقةٌ وخطيرة، فالصحابة الكرام وفيهم النبي عليه الصلاة والسلام ذهبوا إلى العمرة ولم يتمكَّنوا من أدائها، لأن قريشاً صدتهم عن البيت الحرام، وكانت وفود ورسل ومناقشات ومحاورات وعهود ومواثيق بين الطرفين، هذه كلُّها جرت بين قريش وبين النبي عليه الصلاة والسلام، يقول الله عزَّ وجل:
﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ
كل هذه الأحداث التي عاينتموها، ورأيتموها رأي العين، وعشتموها، إنما هي من صنع الله عزَّ وجل، أنت تدرس، تتجه نحو الوظيفة، أو نحو التجارة، تتزوج فلانة، تشتري بيتاً، أو تدعو إلى الله، فإنك تظن نفسك أنت الذي تتحرَّك، لكن يجب أن تعلم علم اليقين أن الله عزَّ وجل هو بيده كل شيء، هو يحرِّك، هو يوفِّق، هو يمنع، هو يُعطي، هو يُلهم، هو يلين قلب فلان، هو يقسِّي قلب فلان، الأحداث التي تعتقدون أنها من صنعكم إنما هي من خلق الله عزَّ وجل، هم خرجوا من مكَّة والنبي عليه الصلاة والسلام أراه الله رؤيا فيها بُشرى دخول المسجد الحرام، وخرجوا مع الهدي معكوفاً، ووقفوا في الحديبية، وجاءت قريش برسلها تمنع النبي عليه الصلاة والسلام، وتمَّت المفاوضات، وتمّ الُصلح، وكُتِب الصلح، وحُذِفت كلمات، وأضيفت كلمات، هذه الأحداث الكثيرة التي عاينها الصحابة ورأوها رأي العين، وهم فيما يبدو فعلوها والنبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم، الله عزَّ وجل يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
 
كل شيء يقع لا يقع إلا بمشيئة الله :
 
ما الذي قيّد قريشاً من أن يقاتلوا النبي؟ الله جلَّ جلاله، وأنتم في أعلى درجات قوَّتِكُم ما الذي منعكم من أن تفتحوا مكة؟ الله جلَّ جلاله، معنى هذا أن الإنسان يبدو أنه يتحرَّك، لكن الله يحرِّكه، يبدو أن فلاناً منع، لكن الله سمح له أن يمنع، يبدو أن فلاناً وافق، لكن الحقيقة أن الله سمح له أن يوافق، فالإنسان إذا تعمَّق في فهم الأحداث يرى أن الله سبحانه وتعالى وحده هو المتصرِّف، أنت أي فعلٍ تفعله لا تملك إلا الإرادة، المشيئة، الاختيار، الانبعاث لهذا الفعل، وما سوى ذلك فهو من فعل الله عزَّ وجل.
النقطة الثانية: أن الشيء الذي وقع لم يقع إلا بمشيئة الله، لذلك قالوا:لكل واقعٍ حكمة. لو أن الذي أوقعه ليس حكيماً، لو أن الذي أوقعه ليس فهيماً، ما دام قد وقع فلكل واقعٍ حكمة.
هذه الفكرة تُريح الإنسان أي ما الراحة التي تريحه يقدرها الله له و هي راحة لا تُقدَّر بثمن، الأمور بيد الله، هو المتصرِّف، هو الذي يعطي، هو الذي يمنع:
((قلوب العباد بين أصبعين من أصابعالرحمن))
[ أحمد و ابن ماجه عن أنس]
 فلان قسا قلبه عليك، الله قسَّاه، فلان لان قلبه لك، الله ألان قلبه لك، حينما توحِّد تصل إلى نهاية النهاية، حينما توحِّد تصل إلى نهاية العلم.
 
الإنسان إذا فعل شيئاً لا يمكن أن يفعله إلا إذا كان موافِقاً لخطة الله عزَّ وجل :
 
أدق ما في الآية أن الأحداث التي جرت من مواقف النبي والصحابة وقريش والحوار والسؤال والجواب والاتفاقيات كلها من صنع الله، يقول الله عزَّ وجل:
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)
لذلك يجب أن تعتقد اعتقادا جازماً أن الإنسان إذا فعل شيئاً، أراد شيئاً وفعله لا يمكن أن يفعله إلا إذا كان موافِقاً لخطة الله عزَّ وجل، فما دام قد فعله فقد أذن الله به، وما دام الله قد أذن به فهناك حكمةٌ منه عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، أنت قد لا تعلمها لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)
[ سورة الإسراء: آية 85 ]
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ
[ سورة البقرة: آية 255  ]
لكن الله سبحانه وتعالى يكشف لعباده المؤمنين من حينٍ إلى آخر عن حكمة أفعاله، ماذا على المؤمن أن يفعل؟ أن يقيس كل فعلٍ لم ير حكمته على فعلٍ رأى حكمته، أن يقيس كل فعلٍ لم تبد له حكمته على فعلٍ رأى حكمته من قبل، الله عوَّدك الجميل فَقِس على ما قد مضى، الإنسان يتعرَّف إلى حالات كثيرة يرى فيها حكمةً ما بعدها حكمة، رحمةً ما بعدها رحمة، لطفاً ما بعده لطف، عدالة ما بعدها عدالة، فيخشع قلبه، فإذا رأى فعلاً لم تبدُ حكمته فعليه أن يقيسه على الذي بدت له حكمته.
من يربط أموره بالله عز وجل يطمئن قلبه وتطيب نفسه :
القصة كلَّها من أجل أن تستسلم لقضاء الله، من أجل أن تطيب نفسك بما يفعله الله عزَّ وجل..
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)
[ سورة آل عمران ]
فهذا الذي جرى بدءاً من الرؤيا التي رآها النبي عليه الصلاة والسلام وفيها بِشارةٌ بفتح مكة، وانتهاءً بفتح مكة، هذه الأحداث العُظْمى التي تمَّت في هذا الموضوع يبدو للمراقب أنَّ قريشاً فعلتها، والنبي وأصحابه وافقوا ورفضوا، ولكن الله يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)
فهذه الآية يجب أن يكون لها تطبيق عملي في حياتنا، فأنت يجب ألا تيأس أولاً، وألا تعترض على قضاء الله ثانياً، وألا تظن أن الإنسان هو الذي يصنع فعله، الإنسان لا يصنع فعله أبداً، الإنسان يريد ويتمنَّى والله سبحانه وتعالى يسمح له أو لا يسمح له، أي أن الأمور إذا ربطتها بالله عزَّ وجل يطيب قلبك، يطمئن قلبك، وتطيب نفسك،  وتستسلم لمشيئة الله التي من ورائها حكمةٌ لا يعلمها إلا الله، تجد المؤمن مستقراً، راضياً، لقناعته أن يداً واحدة تعمل في الكون، لا تنس قول الله عزَّ وجل:
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[ سورة الفتح: آية  10  ]
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى
[ سورة الأنفال: آية 17  ]
 
من استسلم لفعل الله ورضي به قبل أن تنكشف له الحكمة لا بدَّ من أن يكافئه الله :
 
هذا الموضوع يجب أن ينسحب إلى حياتنا اليومية، أي إنّ هذا الزواج تمّ، سمح الله به، لم يتم لسببٍ تافه، هذه مشيئة الله، ابحث عن حكمة الله فإن وجدتها وجدتها، وإن لم تجدها يجب أن تستسلم لها، واعلم علم اليقين أن وراء هذا الفعل حكمة ربما كشفها الله لك بعد حين.
بالمناسبة من رحمة الله بالإنسان أن الإنسان إذا رأى تصرُّفاً لله عزَّ وجل ولم تتضح له حكمته فاستسلم بناءً على أن الله حكيم، وعلى أن الله رحيم، وعلى أن الله عادل، إذا استسلم لفعل الله ورضي به قبل أن تنكشف له الحكمة لا بدَّ من أن يكافئه الله على هذا الاستسلام، وعلى هذا الرضى، بكشف الحكمة له، لذلك الإنسان إذا كُشِفَت له حكمة الله في أفعاله يذوب حُباً لله، يذوب شكراً لله عزَّ وجل، المؤمن راض عن الله..
شخص يطوف حول الكعبة وهو يقول: يا ربّ هل أنت راضٍ عني؟ وكان وراءه الإمام الشافعي فقال: يا هذا هل أنت راضياً عن الله حتى يرضى عنك؟ قال: يا سبحان الله كيف أرضى عنه وأنا أتمنَّى رضاه؟ فقال الشافعي: إذا كان سرورك بالنِقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
 
إيمان الإنسان يظهر في الشدة لا في الرخاء :
 
الحقيقة أن الإنسان لا يبدو إيمانه بالرخاء، بل يبدو في الشدة، لا يبدو في العطاء بل يبدو في الحرمان، لا يبدو في الصحة بل يبدو في المرض، لا يبدو في الغنى بل يبدو في الفقر، فهذا الذي يعاني ما يعاني ويقول: الحمد لله رب العالمين من أعماقِ أعماقه هذا دليل على أنه يرى أن الله وحده يتصرَّف، وأن أفعال الله رحمةٌ كلها، حكمةٌ كلها، عدالةٌ كلها..
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
 
الله عز وجل عليم و الإنسان لا يرى الأمور إلا من زاوية واحدة :
 
لماذا كفَّ الله أيدي المؤمنين عن أن يفتحوا مكة وكانوا أقوياء؟ وكانوا في أعلى درجات الاستعداد؟ وقد باعوا أنفسهم في سبيل الله، وقد عاهدوا النبي على بذل الغالي والرخيص في سبيل الله؟ ومع ذلك الله جلَّ جلاله كفَّ أيدي المؤمنين عن مكة، وكذلك منع قريشاً من أن يركبوا رؤوسَهم وأن يرتكبوا حماقاتٍ، فكأن الله سبحانه وتعالى كفَّ أيدي هؤلاء وأيدي هؤلاء، لماذا؟ جاء التفسير: لأن في مكة رجالاً مؤمنين، هؤلاء آمنوا وهم مستضعفون، آمنوا ولم يُهاجِروا، آمنوا ولم يُعلِنوا إيمانهم، وهم كُثُر، فلو أن اشتباكاً حصل بين المؤمنين وبين أهل مكة لقتِل هؤلاء، هم عند المسلمين كفَّار وهم عند الله مؤمنون، معنى ذلك أن الإنسان إذا نظر إلى أمر في الأعم الأغلب يراه من زاوية واحدة، من وجهة نظرٍ واحدة، وهذه لا تكفي، لكن الله سبحانه وتعالى بكل شيءٍ عليم، هؤلاء المؤمنون الذين آمنوا سراً ولم يُظهِروا إسلامهم وهم في قريش، وهم عند قريش مثلهم مشركون، هؤلاء الله جلَّ جلاله يريد أن يرحمَهم وأن ينقذهم فكفَّ أيدي المؤمنين عن قريش، وكفَّ أيدي قريش عن المؤمنين.. اتضحت الحكمة؟.. وعلى هذا: قِس كل ذلك..
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ
ربما قتلتموهم، فإذا قتلتموهم وهم مؤمنون..
﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ سورة الفتح: آية  25  ]
الثمن باهظ، الذي يقتل مؤمناً خطأً عليه ديَّة، هذا مؤمن..
﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ
[  سورة الفتح: آية 25]
حكمة الله جلَّ جلاله من كفَّ أيدي المؤمنين وأيدي قريش وعدم اشتباكهم :
بالمناسبة: الله عزَّ وجل أسماؤه مطْلَقَة، الإنسان إذا قيل له: فلان عادل، هذه عدالة نسبية، قد يصيب وقد يخطئ، لكن الله سبحانه وتعالى أسماؤه مطلقة أي لا يمكن أن يُظلَم في ملكِه عصفور، ولا نملة، عدل مطْلَق، لو أن قريشاً حاربت، أو لو أن المؤمنين فتحوا مكة لقتل المؤمنون المستترون في مكة، هذه هي حكمة الله جلَّ جلاله من كفَّ أيدي المؤمنين وأيدي قريش، وعدم اشتباكهم، وتوقيع العهد –الصلح- الذي بدا للمؤمنين أن فيه انتقاصاً من حقوقهم..
﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا
لو فُرِزوا، لو خرجوا من قريش..
﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25)
أي كف أيدي المؤمنين عن كفار قريش لا لكرامتهم على الله، هم كفار، هم أعداء الدين، وهم صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، لكن كفَّ أيدي المؤمنين عن قريش رحمةً بهؤلاء المؤمنين..
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ
[ سورة الفتح: آية 26  ]
 
الإنسان الكامل يغضب للحق لا لأسباب تافهة :
 
أحياناً الإنسان يغضب لسبب غير معقول، لسبب تافه.. مثلاً.. رجل غير مستقيم أقل من عادي، قيلت في حقه كلمة حق فيغضب غضباً لا حدود له، أحياناً لموضوعٍ تافهٍ لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، وصف الله عزَّ وجل هؤلاء بأنهم جاهلون، قال:
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ
أي أن الكافر يندفع ليقاتل الناس، يأخذ ما في أيدي الناس، يبالغ في إيذاء الناس، من أجل من؟ هو لا يعلم، انحياز أعمى، اندفاع أرعن، هذه حمية الجاهلية، يثأرون لقيمٍ تافهة، لمبادئ سخيفة، لأقوال لا تُقدِّم ولا تؤخِّر، فالإنسان الكامل يغضب للحق لا لأسباب تافهة، يُعْطي لأسبابٍ وجيهة، يمنع لأسبابٍ وجيهة، أما هذا الذي يعطي أو يمنع لأسبابٍ عُنصريةٍ تافهةٍ حقيرةٍ فهذا الجاهلية تحرِّكه، إذا الإنسان انحرف وارتكب حماقات يقال: يجهل، فما علاقة يجهل كسلوك ويجهل كعلم؟ نقص العلم يؤدِّي إلى انحرافٍ في السلوك، فسمي انحراف السلوك جهلاً بسببه- بسبب الجهل- وهذا معنى دقيق لأن الإنسان إذا جهل حقيقةً وهو يتحرَّك في الحياة ففي الأعم الأغلب سيتحرَّك حركةً حمقاء، حركةً رَعْناء، حركةً ظالمةً، حركةً سخيفة، فيتحرَّك لأسبابٍ تافهةٍ وحقيرة..
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ
 
أيّ نقص في العلم يقابله سلوك أرعن أحمق :
 
لو تتبعت ما يجري بين الناس تجد خصومات، دعاوى تستمر سنوات وسنوات، لأسبابٍ أتفه من التافه، هذه هي الجاهلية، كيد، بغضاء، تجد أسرة تتآمر على أسرة، وجماعة تكيد لجماعة، أما المؤمن فإنه مع الله:
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
 رجل في ساعة غضب قال لعبدٍ أسود: يا بن السوداء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنك امرؤ فيك جاهلية. أي إذا أنت انحزت انحيازاً أعمى، أو فعلت عملاً خلاف الشرع، أو غضبت لأسباب تافهة، أو تعصَّبت تعصُّباً أعمى، فإن هذا جهل، أي نقص في العلم قابله سلوك أَرْعَن، إذاً كل نقص في العلم يقابله سلوك أرعن..
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ
توجد سورة الله عزَّ وجل قال فيها:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)
[ سورة مريم ]
أحياناً يندفع الكافر اندفاع البركان، يندفع كالمِرْجَل ليوقِع الأذى بالناس دون أن ينال منه شيئاً، هكذا بلا سبب، فأنت تعجَب ما الذي يدفعه لهذا الإيذاء؟ ما الذي يحمله على هذه العداوة والبغضاء؟ لماذا يُصِّر هذا الكافر على إيقاع الأذى بالناس؟ الإنسان أحياناً يوقِعُ الأذى بالناس ويكسب مكسباً كبيراً، مقابل هذا الأذى كسب إلى حدٍ ما، تقول: يوجد تكافؤ، إذا آذيت فلاناً يأتيك مبلغ كبير، فإذا أوقعت الأذى ونِلت هذا المبلغ إلى حدٍ ما فالعمل مقبول عند أهل الدنيا، عند الماديين، لكن الذي يلفت النظر أشخاص يندفعون اندفاع البركان، ويقتحمون اقتحام السَهْم لإيقاع الأذى بالناس دون أن يكسِبوا من إيقاع هذا الأذى أي مكسب، بماذا نفسِّر هذا؟ نفسِّر هذا بأن الشياطين تأزُّهم أزا، والعياذ بالله أن يكون الإنسان أُلعوبة بيد الشيطان، يندفع إلى صدِّ الناس عن سبيل الله، يندفع إلى معاداة أهل الحق، يندفع إلى ما يتوهَّم أنه يطفئ هذه الدعوة، يُطفِئ نور الله عزَّ وجل.
 
الشقي من يجلس في خندق معادٍ للدين :
 
 من هو الشقي؟ الشقي كل الشقي الذي يجلس في خندق معادٍ للدين، الله خالق الكون مع الحق وأنت ضد الحق؟! الله خالق الكون الذي بيده كل شيء هذا دينه وأنت ضدّ هذا الدين؟! هذه..
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ
بالمقابل الكافر يغلي كالمِرْجَل، ينطلق كالسهم، يريد أن يوقِعَ الأذى بالناس، يريد أن يصدّ الناس عن سبيل الله، أن يُطفئ هذه الدعوة، أن يمحو الحق فيما يزعم، أن يعمل على تقوية الباطل، ويرسخ المعصية بين الناس، لمَ هذا الاندفاع؟ وعلامَ هذا الانفعال؟ ولمَ هذا السهر؟
من أحبه الله منحه العلم و الحكمة :
قال: أما المؤمن..
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ
رحمته، تجلِّيه، الطمأنينة التي يشعرها المؤمن لا يعلمها إلا من ذاقها..
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
المؤمن في هدوء، وسكون، وطمأنينة، وتوازن، وحِلم، وتبصر، ورؤية صحيحة، وأهداف واضحة، وحكمة بالغة، هذه كلها من عطاءات الإيمان.
أحياناً يقول أخ: ليس معي مال. أنت معك حكمة وهذه الحكمة لا تقدَّر بثمن، يوجد أشخاص معهم مال ولكنهم فقدوا الحكمة، فهذا المال يبدَّد، يوجد أشخاص متزوِّجون وفقدوا الحكمة فهم أشقى الناس بزواجهم، المؤمن بحكمته.. والله عزَّ وجل قال:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا
[سورة البقرة: آية  269 ]
والله أعطى المُلك لمن لا يُحب ولمن يُحب، أعطى المال لمن لا يحب ولمن يحب، ما دام قد أعطى المال لمن لا يُحِب ولمن يُحِب إذاً المال ليس مقياساً، وما دام قد أعطى المُلك لمن لا يُحب  ولمن يُحب إذاً ليس مقياساً، لكن الله إذا أحبَّ عبداً مَنَحَه علماً وحكمةً..
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)
[ سورة القصص ]
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
[ سورة الفتح: آية 26 ]
 
قيد الشرع وسام شرف للمؤمن :
 
المؤمن أعلى وسام شرف في صدره أنه على منهج الله سائر، أنه وفق الشرع مقيَّد، المؤمن مقيّد وقيده يرفعه عند الله، وغير المؤمن متفلّت، يقول لك: أنا حر، الحر الذي يقيد نفسه بالحق فقيد الشرع وسام شرف، يوجد في حياتك منظومة قِيَم، يوجد شيء اسمه حرام وشيء اسمه حلال، يوجد شيء ممنوع تعمله، أما هذا الذي يفعل ما يشاء، يفعل ما يحلو له، يعيش لحظته من دون قيود، فهذا إنسان متفلّت، هذا إنسان يعيش على هامش الحياة..
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)
[ سورة الكهف ]
فسيدنا يوسف ما الذي رفعه إلى أعلى عليين؟ لأنه قال:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
[ سورة يوسف ]
لو فعل ما يحلو له فقد هذه المكانة عند الله وعند الناس، لذلك قالوا: إن الحضارة الغربية أساسها السيطرة على المادة، لكن حضارة الإسلام أساسها السيطرة على الذات، المؤمن إنسان عظيم لأنه مُخَيَّر ولكنه مسيطر على حركاته، وسكناته، ونزواته، وأهوائه، يقيِّد حركاته وسكناته وفق الشرع..
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى
 
المؤمن مقيَّد بالحق لكن هذا القيد يرفعه :
 
المؤمن وَقَّاف عند كتاب الله.. إنسان سأل سيدنا عمر فقال له: أتحبني؟ فقال له: والله لا أحِبك، قال له: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقَّي؟ فقال له: لا والله لا أمنعك حقك مع أني لا أحبك.. هذا هو الدين، سيدنا الصدِّيق ماذا فعل؟ منع عطاءً عن مسطح الذي تكلَّم في حَقِّ ابنته عائشة تكلَّم في شرفها وعفَّتها فعاتبه الله عز وجل قال: ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ فالمؤمن يترفَّع عن الانتقام، يترفع عن أن يأخذ بالثأر، يترفع عن أن يوقع الأذى بالناس، مقيَّد بالحق، لكن هذا القيد يرفعه، والدليل كلمة.. على..
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ
 [ سورة البقرة: آية 5  ]
على حرف استعلاء، الهدى يرفعها، كلَّما قيدت نفسك بالحق الحق يرفعك، وكلما تفلَّتت فإن الباطل يدخلك في قيد، قال:
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)
[ سورة الزمر ]
شيء ضمن شيء، إما كآبة، أو سجن، أو وحشة، أو ألم..
﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
 [ سورة الفتح ]
 
المؤمن مظنة صلاح و صدق و أمانة :
 
أما معنى كلمة ﴿وَأَهْلَهَافأنت مؤمن، أنت مظنة صلاح، مظنة صدق، مظنة أمانة، مظنة حياء، مظنة عَفاف، مظنة كرم، مظنة شجاعة، هذه المكارم الأخلاقية تليق بالمؤمن، فأنت أهلٌ لها وهي أهلٌ لك، أما المفاجأة أن ترى مؤمناً بخيلاً.. فإن هذا غير معقول.. أنت رجل مؤمن ومن لوازم الإيمان الكرم، أنت مؤمن ومن لوازم الإيمان الشجاعة، أنت مؤمن ومن لوازم الإيمان الحِلْم، فالناس إذا عرفوا إنساناً ديّناً فيتوقعون منه كل خير، يتوقعون منه الإخلاص، الصدق، الأمانة، العفَّة، الحياء، الوَرَع، هذا ينبغي أن يكون وهذا لا ينبغي أن يكون.
﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
 [ سورة الفتح ]
أنت كمؤمن لا تخيِّب ظن الناس فيك، لك مجتمعك الصغير من حولك، أخوات، أقرباء، أهل زوجة، زبائن، جيران، زُملاء بالعمل، يرونك تُصَلِّي، يرونك تغض بصرك، عندها يعلقون آمالاً كبيرة عليك، أنت صادق لا تكذب، حييٌ لا تتواقح، فلا تفاجئ الناس بتصرُّف لا يتناسب مع الإيمان لا يليق بالمؤمن، حينما تخيب ظنهم تهدم الُمثل العليا في حياتهم.
من خيب ظن الناس بموقف مفاجئ يكون قد هدم ركناً في الإسلام :
الناس في ظنهم أن صاحب الدين لا يغلط، لا تزل قدمه، هو عفيف، فلو وقع هذا الشخص في موقف لا يليق به تتزعزع ثقتهم لا في هذا الشخص بل في الدين كله، إذا كان الإنسان مظنة دين، معروف أنه دين، له مجلس علم، ينتمي إلى جماعة، إلى مسجد، مظنة صدق، وأمانة، وحياء، وعفاف، وكرم، وإخلاص، ليس له أن يخطئ، فإذا خيب ظن الناس بموقف مفاجئ يكون قد هدم ركناً في الإسلام:
(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))
[ ورد في الأثر ]
أنت رحيم لا تقسَ، أنت عادل لا تظلم، أنت منصف لا تجحد.
﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
[ سورة الفتح ]
أحياناً موقف واحد يهدم ألف محاضرة، موقف من رجل دين واحد يجعل الكثيرين يشكون بالدين كله، لأنهم يرون الدين من خلال فلان، وهذا خطأ كبير، فقبل أن تعمل عملاً سيئاً، قبل أن تخلف وعدك وأنت مؤمن، قبل أن تكذب وأنت مؤمن، قبل أن تحلف يميناً غير صحيح وأنت مؤمن تمهل لأن حولك أصدقاء، حولك جيران، حولك موظفين، حولك زوجتك، إذا لم تكن أنت عظيماً في بيتك فهذه مشكلة كبيرة جداً، فلذلك كن أهلاً لهذا اللقب الكبير، كلمة مؤمن لقب عالٍ جداً لقب أخلاقي، جمالي، علمي، أنت تعرف الحقيقة، تعرف المنهج، تعرف ربك، وأنت أخلاقي، الإيمان صدق، وأمانة، واستقامة، وإخلاص، وإنصاف، وحلم، وحياء، وروعة، وأنت أيضاً سعيد بالله عزَّ وجل، فلا ينبغي أن تتضعضع أمام غني، ولا أن تذل أمام قوي، ينبغي أن تبقى في أعلى مكان، فقد تكون مواطناً عادياً لكن كرامتك موفورة، رغم أن منصبك بسيط جداً، دخلك قليل، فهذه مقاييس لا قيمة لها.
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ
 
الله سبحانه وتعالى يُطَمْئِن المؤمنين أن هذا الدين دينه وسينصره إلى أبد الآبدين :
 
النبي عليه الصلاة والسلام رأى أنه سيدخل مكة إن شاء الله.
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)
الله عزَّ وجل سمَّى صلح الحديبية فتحاً قريباً، وعلم أن في مكة مؤمنين لا تعلمونهم أنتم، لو دخلتم إليهم لقتلتموهم ظلماً، والله سبحانه وتعالى يُطَمْئِن المؤمنين أن هذا الدين دينه، وأنه سينصره، نصره وسينصره وسيتابع نصره إلى أبد الآبدين، فقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)
[ سورة الفتح ]
 
انتشار الدين وانتصاره ليس بسبب قوة المسلمين الذاتية بل بسبب تأييد الله له :
 
انتشار الدين وانتصار الدين ليس بسبب قوة المسلمين الذاتية، بل بسبب تأييد الله له، والله سبحانه وتعالى يبشِّر المؤمنين أن هذا الدين سوف ينتصر على كل الأديان إلى يوم القيامة، والبشائر واضحة، ففي العالم كله الآن الإسلام ينتشر رغم المعركة الشرسة ضده لكنَّه ينتشر، ينتشر بشكلٍ عجيب، في فرنسا العام الماضي احتفل بافتتاح المسجد رقم ألف في فرنسا، في فرنسا صار الإسلام الدين الثاني، الدولة ملزمة بتعليم الطلاب التربية الإسلامية، وبإقامة الشعائر للمواطن الفرنسي المسلم، بأمريكا ملايين مملينة أصبحوا مسلمين، وقد أشادت القيادات العليا بالإسلام في عيد الهجرة، وعيد أول الفطر، وهذا الشيء لم يكن من قبل، فلذلك يبشرنا الله عزَّ وجل يبشرنا أن هذا الدين دينه، وسينصره على كل الأديان، والمستقبل له.
 
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)
أما ما يجري من هجومٍ على الإسلام، فبيت شعر يجيب على هذا السؤال:
إذا أراد الله نشر فضيلـــةٍ          طويـت أتاح لها لسان حسـود
لولا اشتعال النار فيما جاورت          ما كان يعرف طيب عرف العود
***
شيء يثار حول الإسلام، أناسٌ كثيرون لا يعلمهم إلا الله يسألون: ما الإسلام؟ دعونا نقرأ عن الإسلام لنعرف ما الإسلام؟ الدخول في الإسلام بأعداد كبيرة جداً على مستوى العالم وهذا من فضل الله عزَّ وجل، وهذه بشارة، لكن النبي صلى الله عليه و سلم إنسان جاء بهذه الرسالة، وفي خلال ربع قرن يصل الإسلام إلى أواسط آسيا!! أعظم دولة في العالم وقتها دولة كسرى تتساقط كبيت العنكبوت أمام جيوش المسلمين، ودولة قيصر كذلك، مصر تفتح، بلاد الهند تفتح، بلاد السند تفتح، شيء غريب على قوى البشر المحدودة، أما أنه دين الله عزَّ وجل والله يؤيده وينصره، فهذا الشيء طبيعي.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
 
محمدٌ رسول الله معه وحي ومعه توجيهات الصانع :
 
طبعاً سهيل بن عمرو لم يرض أن يكتب: هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله، قال: لا، بل ابن عبد الله، سيدنا رسول الله قال: يا علي امحُ كلمة رسول الله، هذا هو الرد، أي رغم أنفك يا سهيل محمدٌ رسول الله وأكبر خطأ نرتكبه أن نقول: محمد عبقري، أو محمد مُصْلِح اجتماعي، هذا ما يريده الكفار، محمدٌ رسول الله، معه وحي، لا تعزُ نجاحه في الدعوة إلى ذكاء، ولا إلى عبقرية، لا، هو رسول الله، مؤيدٌ بالوحي، والأجانب أساساً يريدون أن ينتقصوا من إسلامنا بإضفاء صفة العبقرية على نبينا، هو لا شك أوتي من الفطانة ما لم يؤت أحدٌ مثله، ولكن هو في التعريف: محمدٌ رسول الله، معه وحي، معه توجيهات الصانع..
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ
 
[ سورة الفتح: آية 29  ]
 
المؤمن رحيم و رقيق القلب و هذه علامة إيمانه :
ماذا نرى اليوم؟ نرى قسوة المؤمن على أخيه المؤمن، ونرى ضعف المؤمن أمام الكافر، ليس هذا من الإيمان من شيء.
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
هذه علامة الإيمان، هذا المؤمن يجب أن ترحمه، يجب أن تنصفه، يجب أن تدافع عنه، يجب أن يَرِقَّ قلبك له، الإنسان حينما يبتعد عن الله عزَّ وجب، يقسو على الضعيف ويركع أمام القوي، أما المؤمن فيرحم الضعيف، ولا يذلُّ أمام القوي:
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
هذه مواقفهم في العلاقات العامة.
 
المواقف التعبدية للمؤمن :
 
أما مواقفهم التعبُّدية:
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا
[ سورة الفتح: آية 29  ]
فالصلاة عندهم في المقام الأول، الصلاة عماد الدين:
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا
موقفهم مع الكفار هكذا، مع المؤمنين هكذا، عبادتهم صلاتهم في المقام الأول.
 
نوايا المؤمن :
 
الآن نواياهم:
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا
[ سورة الفتح: آية 29  ]
تَعْنيهم الآخرة، يعنيهم رضوان الله عزَّ وجل، يسعون إلى مرضاة الله فهو أسمى أهدافهم..
وما مقصـودهم جنات عدنٍ        ولا الحور الحسانُ ولا الخياما
سوى نظر الحبيب فذا مناهم        وهذا مطلب القوم  الكرامــا
***
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
[ سورة الفتح: آية29  ]
فيمكن أن تفسر هذه الآية تفسيراً صغيراً، أن على جباههم علامات من أثر السجود، لكن وجهه المُقبل على الله عزَّ وجل، ترى الصفاء في وجهه، ترى الحب في وجهه، ترى الإخلاص في وجهه، ترى البراءة في وجهه، ترى النور في وجهه، ترى الحُسن الإيماني في وجهه.
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ
من شدة اتصالهم بالله.
﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
 
المؤمن مشرق و هذه الإشراق سببه الاتصال بالله عز وجل :
 
الله اختار بالصلاة السجود لأن أقرب وضعٍ تكون فيه مع الله وأنت ساجد، أعلى درجات الصلة وأنت ساجد، فلذلك اختار الله عزَّ وجل من الصلاة سجودها، قال:
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ
المؤمن وجهه منوَّر، لا أعني أبداً لون الوجه، سيدنا بلال وجهه منور وهو أسود، أعني الحسن الإيماني، تجد فيه الصفاء، والبراءة، والحب، والإخلاص، والرقة، والنور، فيه إشراق، هي سيِماههم، والسبب اتصاله بالله، هذا الإشراق وهذا الحسن وهذا النور وهذا التألُّق وهذا الجمال:
وأجمل منـك لم تر قط عيني         وأكمل منك لم تلد النساء         
خلقت مبرءاً من كل  عيبٍ        كأنك قد خلقت  كما تشاء
***
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
كل مخلوق له اتصال بالله يتألَّق و كل إنسان مقطوع عن الله في وجهه سواد المَعصية :
لكن هذا الشيء ليس في الدين الإسلامي فقط، كل إنسان في أي مكانٍ وزمان إذا اتصل بخالق الأكوان فله هذا الوجه..
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ
[ سورة الفتح: آية 29  ]
فهذا شيء قديم، هذه نواميس الله عزَّ وجل في الكون، كل مخلوق له اتصال بالله يتألَّق، مقطوع عن الله تجده انطفأ، انكمد، اغبر وجهه، صار في وجهه سواد المَعصية، سواد البعد، سواد الجَفاء..
 
المؤمن يبدأ صغيراً ولكن يتنامى إيمانه وملكاته حتى يصير إنساناً فَذاً عظيماً :
 
﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ
[ سورة الفتح: آية 29  ]
هناك أشجار كالزيتون تُخْرِج فسائل من طرف جذرها.
﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ
هذه الكلمة فيها إعجاز، هذا الزرع آزر هذه الفسيلة، وهذه الفسيلة آزرت هذا الزرع، النبي عليه الصلاة والسلام عَلَّم أصحابه، وجَّههم، تعهَّدَهُم بالتربية، دلَّهم على الله، زَكَّاهم، طهَّرهم، والصحابة دعموا هذه الدعوة، ونصروا النبي، فكانوا معه، وافتدوه بأرواحهم وأموالهم.
﴿فَآَزَرَهُ
يا ترى آزر الفرع أم الفرع آزر الأصل كلاهما صحيح.
﴿فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ
كانت فسيلة غضة صغيرة صارت شجرةً وارفة الظلال، المؤمن يبدأ صغيراً، ولكن يتنامى إيمانه، تتنامى ملكاته، يصير إنساناً فَذاً عظيماً، أحياناً يصير أمة..
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)
 [ سورة النحل ]
﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
[ سورة الفتح: آية 29  ]
 
المؤمن شخصيته فَذة :
 
الكافر تافه، المؤمن شخصيته فَذة ودائماً الكافر يحسده، من أين هذه الحكمة؟ من أين هذه الشجاعة؟ من أين هذا الحلم؟ من أين هذا التعفف؟ تجد الكافر حقيراً أمام شهواته، تافهاً أمام شهواته، المؤمن يضبطها، عفَّته تلفت النظر، أمانته تَلْفِت النظر، عفته عن المال الحرام تلفت النظر، عفته عن النساء تلفت النظر، استقامته تلفت النظر، دأبه على عمله يلفت النظر.
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ
من كان على شاكلتهم، هذه للنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحابه ولكل مؤمنٍ سار على أثره بعد مماته.
 
الأجر العظيم هو سعادة الدنيا والآخرة :
 
ثم قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)
[ سورة الفتح ]
المغفرة محو السيئات، والأجر العظيم سعادة الدنيا والآخرة، هذه السورة عن النبي وأصحابه.
الحياة تعاون و النبي صلى الله عليه وسلم يوَضِّح ويبيِّن ويعاون :
أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه السورة موجودة عندنا، تعاون في الحياة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يوَضِّح ويبيِّن ويعاون، وصحابته يتلقَّوْن ويعينونه، هناك تعاون، إذا لم يكن هناك تعاون بين المؤمن والمؤمن، الأول ينصح والثاني يستجيب، الأول يوجه والثاني يطبِّق، الأول يطلب والثاني يقدِّم.
 
﴿فَآَزَرَهُ
النبي آزر أصحابه، وأصحابه آزروه، والحياة تعاون، والله عزَّ وجل قال:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)
[ سورة المائدة ]
وبهذا تنتهي هذه السورة الكريمة وهي سورة الفتح.
و الحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب