سورة محمد 047 - الدرس (2): تفسير الأيات (07 – 11) - المؤمن في عين الله مادام ملتزماً أوامره

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة محمد 047 - الدرس (2): تفسير الأيات (07 – 11) - المؤمن في عين الله مادام ملتزماً أوامره

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج جلسة صفا:  فتحي الصافي - 03 - العبادات والسلوك1           برنامج صناعة الأبناء: صناعة الابناء -ح3 - 16 - 6-2019 العلاقات مع الاصدقاء وكيف نكسبهم           برنامج تربية الأولاد: تربية الأولاد في الإسلام - 010 - التربية الأخلاقية 4           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - قوة الموت وتاثيره           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0325 - سورة التوبة           برنامج أغرب من الخيال: أغرب من الخيال -14- غزوة الأحزاب - الخندق 2 - -د.راغب السرجاني         

New Page 1

     سورة محمّد

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة محمّد ـ الآيات: (07 - 11) - المؤمن في عين الله مادام ملتزماً أوامره

20/05/2013 17:51:00

سورة محمد (047)
 
الدرس (2)
 
تفسير الآية: (7-11)
 
المؤمن في عين الله مادام ملتزماً أوامره
 
 
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
 
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
  أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة محمد صلى الله عليه وسلم .
 
من علامات الإيمان أنك إذا سمعت آيةً مُصَدَّرَةً بـ  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تشعر أنك مَعْنِيٌ بها :
 
 : مع الآية السابعة وهي قوله تعالى
      
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)
 :أولاً أيها الأخوة الكرام ... من علامات الإيمان أنك إذا سمعت آيةً مُصَدَّرَةًبقوله تعالى
      
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
.تشعر أنك مَعْنِيٌ بها ، وأنها موجهةٌ لك ، ألست مؤمناً ؟ الله جلَّ جلاله يخاطب المؤمنين ، وقد قال بعض العلماء : " الله سبحانه وتعالى يخاطب عامة الناس بأصول الدين ويخاطب المؤمنين بفروع الدين"
 
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
(سورة النور : آية 30)
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ(20)
(سورة الأنفال)
 
نصر دين الله عز وجل تطبيق لأوامره :
 
كلمة   :
      
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
إذا شعرت أنك مخاطبٌ بها ، وأنك معنيٌ بها فهذه إحدى علامات الإيمان ، الشيء الثاني أن الله جلَّ جلاله مُنَزَّهٌ عن أن تنصره ، هو القوي العزيز ، يحتاجه كل مخلوق ، كل شيءٍ يحتاجه في كل شيء ، فكيف يقول الله عزَّ وجل :
      
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ
لعل بعض المفسرين يقول : إن تنصروا دين الله ، وما معنى : أن تنصر دين الله ؟ أن تطبق الأوامر ، ولأضرب على ذلك مثلاً بسيطاً ، لو أن مئة رجلٍ في نزهةٍ ، ودخل وقت العصر ، فإذا قاموا جميعاً ليصلوا نصروا دين الله عزَّ وجل ، وصار الذي لم يصلِّ شاذاً منحرفاً مقصراً ، يشار إليه ، أما إذا لم يقم أحد للصلاة فقد خذلوا دين الله عزَّ وجل ، فصار إذا قام أحدهم ليصلي صار هو الشاذ ، وإذا حَجَّبَ المؤمنون نساءهم وواحدٌ قصر في تحجيب زوجته صار شاذاً ، أما إذا سَيَّبَ جميع الرجال هذا الحكم الشرعي وأراد أحدٌ من الناس المؤمنين أن يقيم أمر الله عزَّ وجل صار وحده شاذاً ، فنصر دين الله أي أن تطبق الأوامر .
 
من طبق أمر الله عز وجل وسع دائرة الحق و حاصر دائرة الباطل :
 
طبعاً الأوامر كثيرة جداً ؛ العبادات ؛ الصلاة ، الصوم ، الحج ، الزكاة ، إذا أدَّى الجميع زكاة أموالهم ، صار الذي لم يؤدِّ الزكاة شاذاً ، أما إذا تخَلَّف الناس عن تأدية الزكاة ضعف هذا الأمر الإلهي ، طبعاً لأن معظم الناس يتحرَّكون بالتقليد ، الذين يتحركون وفق قناعاتهم ولا يعبؤون بالمجموع هؤلاء قِلَّة ، أما الخط العريض في المجتمع أن يتحرَّك وفق التقليد ، فحينما تقيم أمر الله عزَّ وجل ، حينما تجعل بيتك بيتاً إسلامياً ، حينما تجعل عملك عملاً إسلامياً ، حينما تتعامل مع الآخرين تعاملاً إسلامياً ، أنت ماذا فعلت ؟ نصرت دين الله ، فأوّلاً نصر دين الله عزَّ وجل في التوجُّه إليه ، في الإقبال عليه ، في إفراده بالعبودية ، في إفراده بالإخلاص ، فإذا توجَّهت إليه ، وأقبلت عليه ، وأخلصت له ، ووحدته في أفعاله فلن تقبل أن أحداً مع الله عزَّ وجل له فعل وإرادة ، هذا هو التوحيد ، ثم أقمت العبادات ، أقمت الصلاة والصيام والحج والزكاة ، ثم تعاملت مع الآخرين وفق منهج الله عزَّ وجل ، بأسلوبٍ رفيع ، قالوا : إذا فعلت هذا فقد نصرت الله ، وهو غني عن أن تنصره ، لكنك طبقت دينه ، وفي تطبيق دينه وسَّعت دائرة المؤمنين وحاصرت دائرة المنحرفين فقوي الضعيف بهذا .
 
الله عز وجل  غني عن العالمين :
 
أول معنى : الله جلَّ جلاله غنيٌ عن أن تنصره ، لأنه العزيز الحكيم .
(( لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى
 
أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ))
( صحيح مسلم : عن أبي ذر)
كما قال الله عزَّ وجل :
 
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ
(سورة الزمر : آية  7)
معنى ذلك كلمة : إن تنصروا الله لا تعني أبداً ولا يعقل أن تعني ، والله منزهٌ عن أن تعني أنك تنصر الله عزَّ وجل ، لكن هذا أسلوب من أساليب البلاغة ، إنك إن طبَّقت أمر الله وسَّعْتَ دائرة الحق ، وحاصرت دائرة الباطل ، دائماً الأغلبية لهم قيمة .
 
المؤمن الصادق المطبِّق أحكام  الدين في عصر الفساد ينبغي أن يشعر بغربة :
 
إذا أراد الإنسان أن يعصي أمر الله عزَّ وجل والأكثرون يطيعونه صار هذا الإنسان شاذاً ، أما إذا كان الأكثرون يعصونه وأراد أن يطيعه صار المطيع هو الشاذ ويتحمَّل مصاعب كثيرة ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينماأشار إلى أنه صلى الله عليه وسلم اشتاق لأحبابه ، فقال أصحابه : " أو لسنا أحبابك ؟ قال : "لا أنتم أصحابي ، أحبابي أناسٌ يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر " ، قالوا : لمَ ؟ قال : " لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون " . لذلك ورد في الحديث الشريف :
"بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء "
[ مسلم ، ابن ماجه ، أحمد ]
فالمؤمن الصادق ، المخلص ، الملتزم ، المطبِّق أحكام  الدين في عصر الفساد والفتن والانحراف ينبغي أن يشعر بغربة ، فإن لم يشعر بغربةٍ فهناك استفهامٌ كبير على إيمانه .
 
من أراد نصر الله فلينتصر لدينه :
 
.. إذاً
      
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
 :فينصركم على ماذا ؟ أين مفعول ينصركم ؟ علماء البلاغة يقولون : إذا حذف المفعول أطلق الفعل ، صار مطلقاً ؛ ينصركم على عدوكم ، على أنفسكم ، أي شيءٍ تريدونه يصبح مذللاً وهذا من كرامة الله للمؤمن ، ربنا عزَّ وجل قال
 
وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
(سورة الصف : آية 13)
أخبار النصر تملأ القلب سعادةً ، وأخبار التراجع والهزيمة تملأ القلب ضيقاً ، وحرجاً ، وحزناً ، فهذه الآية أصلٌ في تعاملنا مع الله عزَّ وجل في شأن النصر ، إن أردت نصر الله فانتصر لدينه ، إن أردت نصر الله فانتصر على نفسك ، إن أردت نصر الله فأقم الإسلام في بيتك ، وأقمه في عملك ، إن أردت نصر الله عزَّ وجل فكن له كما يريد ليكون لك كما تريد.
عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ،أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد .
 :وهذه الآية تصلح على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي ، أي كأمة إن لم نقم أمر الله فينا فلن ننصر ، قال تعالى
 
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
(سورة الأنفال : آية " 33 " )
 
   من أراد ألا يعذب عليه بطاعة الله عز وجل : 
  
 :بعض المفسرين وقعوا في حيرة
 
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
.أنت بين ظهرانيهم ، لكن بعضهم وسَّع المعنى قال : ما دامت سنتك فيهم مطبقةً في حياتهم ، ما دام بيعهم وشراؤهم وفق شرع الله عزَّ وجل ، ما دام زواجهم وفق سنة رسول الله ، ما دامت أفراحهم وأتراحهم وفق المنهج الإلهي ، ما دامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم قائمةً في حياتهم فهم في بحبوحةٍ من أن يعذَّبوا ، فهذه ضمانة كاملة ، أي إذا أردنا ألا نعذب فعلينا بطاعة الله عزَّ وجل
مرة ثانية ، هذه الآية الكريمة يمكن أن تفهم على مستويين ؛ مستوى جماعي كأمة ومستوى فردي ، العرب حينما دخلوا الأندلس انتصروا وأنشؤوا حضارةً ، وأنشؤوا دولةً عريقةً ، أما حينما التفتوا إلى اللهو وإلى الموشَّحات ، وإلى المجون والقيان وما إلى ذلك خُذلوا ، وتفرقوا ثم دحروا وأُخرجوا من الأندلس ، هذا قانون الله في الأرض .
 
      
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
وهو كلام خالق الكون ، فعلاقتنا كمسلمين مع النصر تتم وفق هذا القانون .
 
    المسلم الحقيقي يخشى من ذنبه أضعاف ما يخشى من عدوه :
  
لذلك المسلم يخشى من ذنبه أضعاف ما يخشى من عدوه ، وقد ورد في الأثر أن :
  " " لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه
فالذنب خطير، لأن الأمركله بيد الله ، هكذا ، الله يقوي الكافر ويقوي المؤمن ، الأمر بيده ، القوة بيده ، حسم المعركة بيده ، إذا تواجه الحق والباطل أو إذا تحارب الحق مع الباطل فالمعركة قصيرة جداً ، لأن الله مع الحق ، وإذا اصطدم باطلان فالمعركة طويلة جداً ، لأن القوى تتغير فتتكافأ تارةً ولا تتكافأ تارةً أخرى ، فهذه الآية أصلٌ في النصر على المستوى الجماعي .
أما على المستوى الفردي ؛ فأنت في عملك ، في بيتك ، إذا أقمت دين الله أعطاك الله هيبةً ، ألم يقل الإمام الشعراني : " إني أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي " ، حتى على مستوى البيت إذا كنت غيوراً ، إذا كنت تأتمر بأمر الله ، تنتهي عما نهى عنه ، وتقيم شرع الله في بيتك فلك هيبةٌ كبيرة ، الكل ينصاعون ، فإذا أردت المعنى الفردي بحيث تكون كلمتك هي العُليا في أسرتك ، فانصر دين الله في البيت ، تساهلْ في الأمور التي لا علاقة لها بالدين ، وكن في أمور الدين وقَّافاً عند كتاب الله ، في عملك ، مع أقرانك ، مع من هم أقوى منك ، مع من هم أضعف منك ، حتى على المستوى الفردي .
      
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
 
  من اعتصم بأمر الله و طبق أمره نصره على أقوى أعدائه :
  
هذا القرآن معجز ، كلامٌ جامعٌ مانع ، إن أخذت هذه الآية على مستوى أمة لن نستطيع أن ننتصر على عدونا إلا إذا تمسَّكنا بإسلامنا ، و لن نستطيع أن نقف أمام القوى الغاشمة إلا إذا اعتصمنا بالله وأطعناه وطبقنا أمره ، أما على المستوى الفردي فحتى في عملك لن تستطيع أن تنتصر على خصومك أو على منافسيك إلا إذا كنت مع الله عزَّ وجل طائعاً ، مستسلماً ، مؤتمراً بما أمر ، منتهياً عما عنه نهى وزجر .
      
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
.والنصر مطلق ، أي مشكلة النصر فيها محك ، فالإنسان أحياناً ينتصر على مرضه ، ينتصر على من يشاكسه ، ينتصر على أقرب الناس إليه ، ينتصر على أبعد الناس عنه ، ينتصر في عمله ، ينتصر في علاقته مع خصومه ، مع الأقوياء ، مع الضعفاء
      
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
 
بطولة الإنسان لا أن ينتصر أن يحافظ على هذا النصر :
 
 :لكن
 
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
هذه لها لفتةٌ لطيفةٌ جداً ، يا ترى ثبت الله أقدامنا فانتصرنا ؟ أم انتصرنا فثبت أقدامنا ؟ لبعض المفسرين رأيٌ رائع في هذه الآية في حكمة تأخير :
      
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
كيف ؟ فالحقيقة أن الإنسان حينما ينتصر أمامه منزلاقاتٌ خطيرة ، فالبطولة لا أن تنتصر ، البطولة لا أن تصل إلى قمة الجبل ، فهذه بعض البطولة ، ولكن البطولة أن تبقى في القمة ، ما الذي يجعلك في الحضيض بعد أن بلغت القمة ؟ الكِبْر ، الزهو ، التقصير في طاعة الله عزَّ وجل .. فقبل يوم حنينٍ طبعاً كان المسلمون قد انتصروا وفتحوا مكة ، فتح مكة كان فتحاً مبيناً ، هذه المدينة التي ناصبت العداء للنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحابه عشرين عاماً ، وكان عليه الصلاة والسلام بإمكانه أن يلغي وجود أهلها لكنه قال : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " فهذه مكة التي ناصبت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه العداء عشرين عاماً فتحت وانتصر النبي وأصحابه نصراً حاسماً مؤزراً عزيزاً ، فماذا قال أصحاب النبي ، نعم أصحاب النبي ؟ وهم على ما هم عليه من حبٍ لله ورسوله ، ومن ورع ، ومن تضحيةٍ وإيثار ، قالوا : لن نغلب اليوم من قلة ، شعروا بالزهو وهم أصحاب النبي ، والنبي معهم قال:
 
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)
(سورة التوبة)
 
من انتصر عليه أن يعزو هذا النصر إلى الله عز وجل :
 
إذاً البطولة لا أن تنتصر ، بل أن تحافظ على هذا النصر ، بالتواضع ، دخل عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً وقد كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل ، فالمنتصر أمامه منزلاقات خطيرة ، فتصور من باب التمثيل ؛ جبل له طرق صعبة جداً للوصول لقمته ، طرق وعرة ، ملتوية ، فيها أكمات ، فيها حُفَر ، فيها صخور ، فما إن وصلت إلى قمة الجبل حتى تنفَّست الصُعَدَاء ، لكنك وأنت على قمة الجبل تجد طريقًا زَلِقاً مبلَّطًا ببلاط ثقيل مع آثار الصابون فرضاً ، فأنت حين تصل إلى قمة الجبل تبذل جهداً لا حدود له ، لكن الزهو وحده وأنت في قمة الجبل يجعلك في الحضيض ، والكبر يلقيك في الحضيض ، الآن إذا انتصرت ورأيت أن الغلبة قد آلت إليك وأن العدو قد خضع فربما تساهلت في تطبيق أمر الله عزَّ وجل ، فللحضيض تنحدر ، لذلك البطولة لا أن تصل إلى القمة ، البطولة أن تبقى في القمة ، لا أن تنتصر بل أن تحافظ على النصر ، لذلك بعض العلماء يقول : ومعنى قوله تعالى :
      
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
بعد النصر ، يثبت أقدامكم على نتائج النصر ، على مكتسبات النصر ، وأنت إذا انتصرت ينبغي أن تعزو هذا إلى الله عزَّ وجل ، ينبغي أن تتواضع له ، ينبغي أن تزداد تطبيقاً لأمر الله ، فإذا فعلت هذا بعد النصر بقيت في القمة ..
 
الغرور يودي بالمنتصر إلى الحضيض :
      
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
القدم هي التي تزل ، فالأصل أن يقال : ويثبتكم لكن لأن القدم أداة الثبات وأداة الانزلاق جاءت كلمة القدم لتعبِّر عن الكيان كله ، وهذا في المجاز العقلي الاستخدام الجزئي ليعبر عن الكل .
      
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
تثبيت القدم الحفاظ على نتائج النصر بعد النصر ، فهذه نقطةٌ دقيقة جداً ، فآلاف الأشخاص ، آلاف المؤسسات تبدأ بجهدٍ واضح ، فإذا بلغت قمة النجاح تساهلت في مستوى البضاعة فانهارت وأصابها الكساد ، ثم اختلف الشركاء وتفرقوا ، وأغلقت هذه المؤسسة لماذا؟ لأنهم لم يحافظوا على النصر، فهؤلاء الذين يتحركون نحو العُلا ، نحو القمم ، عليهم أن ينتبهوا إلى أن أخطاراً كبيرةً تنتظر من يصل إلى قمة النجاح ، الغرور يودي بالمنتصر إلى الحضيض ، الغرور ، الزهو ، الكبر ، المعصية .
 
ما من إنسان إلا وتغمره سعادةٌ لا توصف حينما ينتصر :
 
المؤمن لا يخشى من عدوه بل يخشى من ذنبه ، لأن الأمر بيد الله ، لكنه إذا أذنب ينبغي أن يؤدي الثمن باهظاً ، هذا معنى أن الله سبحانه وتعالى قال :
      
يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
أيْ يثبت أقدامكم بعد النصر ، وبعضهم قال : عطف السبب على المُسَبَّب ، يثبت أقدامكم عطف الله السبب على المسبب ، أي ينصركم لتثبيت أقدامكم ، والمعنى الآخر جيد ، لكن هذه الآية أصلٌ ، فليس من إنسان إلا وتغمره سعادةٌ لا توصف حينما ينتصر ، حتى ولو دخل امتحاناً وفاز فيه ، لو نجح في امتحان ، فالنجاح محبب للنفوس والدليل :
 
وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
( سورة الصف )
 
الله عز وجل  لا يمنح النصر إلا بالعدل :
 
إنك إن قرأت في التاريخ عن معركةٍ وقعت بين المسلمين وغير المسلمين وانتهت المعركة بانتصار المسلمين تشعر بالراحة ، والغِبْطَة والسرور ، وهي معركةٌ وقعت قبل ألف عام وقطفت ثمار نتائجها ، فكيف إذا كانت معركة معاصرة ؟ أنت إذا سمعت أن هؤلاء الكفار اجتاحوا بلداً مسلماً تتألم أشد الألم وقد لا تحتمل هذه الأخبار ، قال تعالى :
 
وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ(13)
(سورة الصف )
لكن النبي صلى الله عليه وسلم لشدة أدبه مع الله عزَّ وجل كان يدعو ويقول :
((  اللهم إني أسألك موجبات رحمتك  ))
[ الترمذي ، ابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى ]
الموجبات ، لأنك عادل يا رب فأنت لا تمنح النصر إلا بالعدل ، لذلك لما وقف النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر يناجي ربه ويقول : يا رب إن تهلك هذه الفئة فلن تعبد بعد اليوم . وقد وقع الرداء من على كتفه ، فجاء سيدنا الصديق رضي الله عنه ووضع الرداء على كتف النبي وقال : " يا رسول الله بعد مناشدتك ربك ، إن الله ناصرك " ، ليس معنى هذا أن ثقة الصديق بالنصر أشد من ثقة رسول الله ، لكن المعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخشى أن يكون هناك تقصيرٌ في الإعداد ، لأن الله لا يعطي إلا بالعدل ، فالحذر الحذر أن يكون هناك تقصير .
 
من أقام أمر الله عز وجل نصره الله و ذلل له كل الصعاب :
 
فلذلك :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
ولو قرأتَ التاريخ الإسلامي من ألفه إلى يائه لوجدتَ هذا التاريخ كله تجسيداً لهذه الآية : كانوا يقيمون أمر الله عزَّ وجل فينتصرون ، بمدينة فينا (عاصمة النمسا) لوحة في المتحف شهيرة ، هذه اللوحة تصوِّر وصول محمد الفاتح إليها فاتحاً ، الجُند الأتراك حينما كانوا متمسِّكين بإسلامهم فكانوا يشترون العنب من فتيات فينا دون أن ينظروا إلى أولئك الفتيات ، هكذا لوحة زيتية ، كيف أن الجندي المسلم يشتري العنب من الفتاة دون أن ينظر إليها تطبيقاً لأمر الله عزَّ وجل ، كادت فتوحات المسلمين من الشرق والغرب أن تفتح أوروبا بأكملها إن لم ننصره بتطبيق دينه فلن ينصرنا ، وهذه حقيقةٌ ربانية ، فاعرف فضائل إسلامك أيها المؤمن و لُذ بها .
 
من انتصر على نفسه نصره الله على عدوه :
 
لهذا إذا دعوت في الخطبة فإني أقول : اللهم انصرنا على أنفسنا ، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا ، لنبدأ بأنفسنا ، لنقيم الإسلام في بيوتنا ، اعمل مراجعة ؛ فالزوجة هل ترضي الله عزَّ وجل حال كونها في البيت ؟ هل يرضي اللهَ وضعُها خارج البيت ؟ بناتك في البيت ، هل تأمرهن بالصلاة ؟ وأنت هل تتصرف في البيت كما أمر الله عزَّ وجل ؟ فأنت حينما تقيم الإسلام في البيت وهذه مملكتك ، وحينما تقيمه في معملك وهذا المعمل مملكتك أيضاً ، عندئذٍ يتولى الله عنك أمر كل ما لا تستطيع أن تصل إليه ويذلله لك ، هذا معنى قول الله عزَّ وجل :
 
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ
(سورة الرعد : آية  11)
فإذا كنت في بحبوحةٍ و أنت مستقيم ، ولا تغير من استقامتك فلا يغير الله من بحبوحتك ، وإن كنت في ضيقٍ غَيِّر من سلوكك وتصرفاتك إلى الأحسن حتى يغيِّر الله ، هذا ملخص الملخص ، إذا كنت في بحبوحةٍ لا تغير فلا يُغيُّر ، وإن كنت في ضيقٍ غَيِّر حتى يُغَيِّر.
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
 
من أقام أمر الله عز وجل  دافع  الله عنه  في عليائه :
 
مرة ثانية : هذه الآية تفهم على مستويين ؛ على مستوى فردي وعلى مستوى جماعي ، وحدك ، بعملك ، ببيتك ، الله يقوِّيك ، يسبغ عليك هيبةً ، من هاب الله هابه كل شيء ، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء ، يروي أن الحسن البصري من كبار التابعين نفذ أمر الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هذا التنفيذ لأمر الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أغضب الحجاج ، فقال لأصحابه : " والله لأسقينكم من دمه ، ائتوني به لأقطع رأسه ، وجاء بالسيَّاف ، ومد النِطْعُ ، وطُلِبَ لقطع رأسه ، فلما دخل على الحجاج حرَّك شفتيه بكلامٍ لم يفهمه أحد ، فما كان من الحجاج إلا أن وقف وقال : أهلاً بأبي سعيد ، واستقبله وما زال يقربه حتى أجلسه على سريره ، وسأله عن صحته ، واستفتاه في بعض القضايا ، وتقول رواية : وعطره ، ثم ودعه ، وقال له مودعاً : أنت يا أبا سعيد سيِّد العلماء ، وشيَّعه إلى باب القصر " ..
السياف الذي جيء به ليقطع رأسه والحاجب صُعِقَا ، فتبعه الحاجب عند خروجه وقال له : يا أبا سعيد لقد جيء بك لغير ما فعلبك ، فماذا قلت وأنت داخلٌ على الحجاج ؟ قال قلت : " يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم" . ما الذي بُدَّلَ في قلب الحجاج ؟ جاء به ليقطع رأسه فأكرمه، واستفتاه وأثنى عليه ، ودعا له وشَيَّعه إلى باب قصره ، أنت إذا أقمت أمر الله عزَّ وجل فالله في عليائه يدافع عنك ، أنت مع من ؟.
 
قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46
) سورة طه)
 
   من شعر أن الله معه عليه أن يطيعه و يقيم أمره : 
 
أين يكون الله تعالى ؟
 
إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)
:إذا شعرت أن الله معك دائماً وأنه ناصرك دائماً ، فما عليك إلا أن تطيعه فقط ، ما عليك إلا أن تقيم أمره ، ما عليك إلا أن تستلم له وعلى الله الباقي ، لهذا جاءت الآيات
 
بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66)
(سورة الزمر)
.ما عليك إلا أن تعبده مخلصاً وانتهى الأمر ، وانتهى كل شيء
  
الشقاء والتعاسة عاقبة البعد عن الله  والإقبال والتفاؤل عاقبة المؤمن :
      
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)
 
أما : ﴿ تعساً لهم ﴾ أورد القرطبي عشرة وجوهٍ في تفسيرها ، فاتني أن آتي بها لكن أذكر بعضها : تعساً لهم أي شقاءً لهم ، تعساً لهم أي خزياً لهم ، تعساً لهم أي بعداً لهم ، تعساً لهم أي تحقيراً لهم ، الذين كفروا تعساً لهم ، أي الشقاء والتعاسة ، والخزي والعار ، والبُعْد واللعن، والقلق والحيرة ، والقهر والحرمان ، والوحشة والضيق ، كل هذا في البُعد عن الله عزَّ وجل ؛ والأمن والطمأنينة ، والثقة والرضا ، والإقبال والتفاؤل في الإيمان بالله وطاعته .
      
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)
..كلنا قد حُكِمَ علينا بالموت ، أبداً كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر         والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
***
و كل ابن أنثى و إن طالت سلامتـه            يوماً على آلة حدباء محمـــول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة             فاعلم بأنك بعدهــا محمـــول
***
الذين كفروا أضل الله أعمالهم لكن المؤمن أعماله تنمو و ترقى به :
 
ما الذي يبقى بعد الموت ؟ العمل ، " يا قييس إن لك قريناً يدفن معك وأنت ميِّت وتدفن معه وهو حي ، فإن كان كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك " ، الذين كفروا أضل أعمالهم ، لكن المؤمن أعماله تنمو و ترقى به ..
 
ضَرَبَ الَّلهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24)تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ
(سورة إبراهيم)
النبي جاء بمفرده عندما بعثه الله لهذه الأمة ، الآن في بالعالم مليار ومئتا ومليون مسلم ، الخير يتوسَّع ، فالمؤمن إذا آمن بالله واستقام على أمره له عمل مشرف ، له عمل ينمو ، عمل يتوسَّع ، فإذا الإنسان دعا إلى هدى فكل من استفاد من هذا الهدى في صحيفته ، أما الكافر :
 
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)
) سورة الفرقان)
تجد طاقاته الفكرية ، عمله ، أمواله ، حركته هذا كله يتبدد ، لا وجود له ، هذا معنى ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ ، إن كانت فيما يبدو طيبة لا أجر لهم بها ، أرادوا بها الدنيا ، وإن كانت سيئة بحكم طبيعة البشر ينبذونها ، و كل شيء سيِّئ منبوذ ، الناس ينفرون منه .
    
شعور الكافر بالتعاسة في كل أحواله :
      
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)
ألا تكفي هذه الآية ؛ أن الكافر يشعر بالتعاسة في كل أحواله وقد يؤكد هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام :
 (( تعس عبد الدرهم والدينار ، تعس عبد الفرج ، تعس عبد البطن ، تعس عبد الخميصة))
[ البخاري عن أبي هريرة]
      
فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ
 
 .أيْ أنّ السعادة في النصر والشقاء في الخذلان
    
الجاهل يرى أن حدود الشرع حدودٌ تقيِّد حريته :
      
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
 
..أيْ الكفار
      
كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)
الصحابة الكرام أخبر الله عنهم بأنهم يفرحون بما نُزِّلَ عليهم ، كلما جاء الوحي يشرِّع لهم أمراً أو يحذرهم من أمر ، يأمرهم بأمر ، ينهاهم عن أمر ، فرحوا به ، أي سمت نفوسهم حتى اقتربت من مستوى الشرع ، لكن الكافر تتوق نفسه للشهوة ويسلك فيها طرقاً غير مشروعة ، لذلك يشعر بأن الشرع يقيِّدُهُ ، يكره أحكام الشرع ، وقد يتضح من هذا أن المؤمن يرى أحكام الشرع ضماناً لسلامته ، كما لو أن إنسانًا مشى في طريق فإذا بلوحةٍ : ممنوع المرور ؛ حقل ألغام ، هل يشعر هذا الإنسان المواطن بحقد على من وضع هذه اللوحة ؟ لا أبداً بالعكس ، يمتن لأن هذه اللوحة تضمن له سلامته ، فإذا رأيت أن هذه اللوحة التي فيها منع ، ورأيت أن فيها قيداً لحريتك فأنت لا تعرف الحقيقة ، الجاهل يرى أن حدود الشرع حدودٌ تقيِّد حريته ، يحب أن يتفلَّت ، مع أن الحقيقة الدقيقة أنه على نور و تبصرة تورثه السلامة .
    
حياة المؤمن حياة مقيَّدة بالمنهج و الأمر والنهي :
 
الله عزَّ وجل قال :
 
أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ
(سورة البقرة: آية " 5 " )
.﴿على﴾ تفيد العلو ، الهُدى كله قيود ؛ عليك بغض البصر ، عليك بصدق الحديث ، أداء الأمانة ، صلة الرحم ، عليك أن تؤدي الصلوات ، هذه حرام ، هذه حلال ، هذا ممنوع ، هذا مكروه ، هذه فيها شبهة ، حياة المؤمن بحسب الظن كلها قيود ، وكلها مناهج ، وكلهامبادئ ومع ذلك فهذا الهدى على ما فيه من قيود فإنها تطلقه إلى العلو وترقى به
 
أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى
على ما في الهدى من قيود ، ومن أوامر ونواهٍ ، افعل ولا تفعل ، واجب ، فرض ، مندوب ، مستحب ، مباح ، مكروه تنزيهاً ، مكروه تحريماً ، حرام ، كل شؤون الدنيا تتعاورها هذه الأحكام الخمسة ، فحياة المؤمن حياة مقيَّدة بالمنهج ، مقيدة بالأمر والنهي ، ومع ذلك هذه القيود تجعله طليقاً ..
  
الانطلاق في الحرية تنتهي بالمتفلت إلى القيد والفتك :
 
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)
) سورة المدثر)
طلقاء ، فالقيود تنتهيبك إلى الانطلاق والعلو ، والضلال يزيّن للناظر السطحي أن الضال إنسان حر ؛ يفعل ما يشاء ، يأكل ما يشاء ، يذهب إلى أي مكانٍ يشاء ، يلتقي مع من يشاء ، يمارس المتعة كيفما يشاء ، ومع ذلك فهذه الحرية ، وهذه الانطلاقة في الحرية تنتهي به إلى القيد والفتك .
 
أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(22)
(سورة الزمر )
فالمعنى المستفاد من كلمة﴿على﴾ ومن كلمة ﴿ في ﴾ ، أنّ الهدى على قيوده يرفعك ، والضلال على طلاقته يقِّيدك ، إما في كآبة ، أو في مرض نفسي ، أو في سجن ، أو في قهر ، أو في مرض بدني ، أو في مصير أسود .
 
ما من معصية في الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله عز وجل :
 
لذلك :
      
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)
أيْ خرجوا عن منهج الله ، والشيء الثابت أنه ما من مشكلةٍ على الإطلاق في الأرض إلا من بعد معصية ، خروج عن منهج الله ، من يعمل في الأمن الجنائي عندهم قاعدة ، إذا بُلِّغوا عن جريمة ، يقولون لك : فتش عن المرأة ، هذه القاعدة عدَّلتُها فقلت: إذا رأيت مشكلة في الأرض فتِّش عن المعصية ، هذه المشكلة وراءها معصية ، وراءها خروج عن منهج الله عزَّ وجل ، فتش عن المعصية تحل المشكلة ، هذه القضية سببها تلك المعصية ..
      
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)
  
من كفر بالله عز وجل حبط عمله في الدنيا و الآخرة :
 
 :طبعاً عندنا دليل عملي
      
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
أخبرنا الله أن الذي يكفر بالله ويكفر بأمره ونهيه يُحْبِطُ عمله ويصبح عمله منحطاً ، دنيئاً ، خسيساً ، محتقراً ، أو يحبط عمله ولو كان صالحاً لأن نيته الدنيا وقد أصابها وانتهى الأمر ، تعلَّمت العلم ليقال عنك عالم وقد قيل خذوه إلى النار .
 
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)
  
من يتعدى بذاته يدمره الله عز وجل :
 
 :إذًا دليل عملي
 
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
 
 
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ(6)إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ(7)
(سورة الفجر)
الفراعنة أين هم ؟ قوم عادٍ وثمود أين هم ؟ هذه الأقوام التي آتاها الله قوةً وأشادت الأبنية ، لا يزال بناء الأهرام سرًّاً حتى الآن ، كيف وصلوا إلى هذا البناء الشامخ ، كيف نُقِلَتْ الأحجار ؟ كيف صممت هذه الخطوط ؟
 
الدمار ينتظر كل إنسان خرج عن منهج الله وكفر به :
 
 :لذلك
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)
 
طبعاً دمَّر فعلٌ متعدٍ ، يتعدى بذاته تقول : دمره الله ، أما هنا دمر عليهم ، قال علماء التفسير : " دمر عليهم بمعنى أنه دمَّرهم ، ودمر ممتلكاتهم ، ربما فوق رؤوسهم فدفنوا تحت أنقاضها ، ودمر أموالهم ، ودمر بيوتهم ، ودمر آثارهم ، أحياناً يأتي زلزال لا يبقي ولا يذر ، أحياناً إعصار لا يبقي حجراً فوق حجر ..
      
دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)
الشيء الدقيق في الآية أن هذه المواعظ وهذا التاريخ الذي يورده القرآن الكريم وكيف أهلك الأمم مهما كانت قويةً ؟ هذا المصير ينتظر كل إنسان خرج عن منهج الله وكفر بما عند الله    .
 
المؤمنُ في عين الله عزَّ وجل مادام مقيماً لأمره ملتزماً بطاعته :
      
وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)
تصور ؛ أب في أعلى مستويات العلم والقدرات المالية ، والذكاء ، والفهم ، وله ابن يربِّيه أعلى تربية ؛ يتابع نموه الجسدي ، يتابع أسنانه فإذا  تراكبت يذهب به رأساً إلى مقوم الأسنان ، يتابع أجهزته ، يتابع دراسته ، يتابع ألفاظه ، حركاته ، عاداته ، ترى هذا الابن في عناية فائقة تحوطه اهتمامات شاملة لأن له ولياً ، له ولي عظيم ، وعاقل ، ومربٍ ساهر ، وغني ، ومقتدر ، فكل طاقات الأب وخبراته في الحياة كلها تصب للعناية بابنه هذا ، وتصور: طفل ليس له أب وليس له أهل ، وفي الأزقة لا أخلاق ولا علم ولا عادات ، منحرف ، ذاك ابن له من يربيه ، وهذا ليس له من يربيه ، هذا المعنى القريب ، أيضاً المؤمنُ في عين الله عزَّ وجل ، ولقد قال ربنا عزَّ وجل :
 
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا
(سورة الطور : آية  48)
طبعاً هذه الآية للنبي عليه الصلاة والسلام ، ولكنها في الوقت نفسه لكل مؤمنٍ بحسب إيمانه وإخلاصه وطاعته ، أنت بعناية الله عزَّ وجل ، أنت تحت ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ، أنت بتوفيق الله ، وبتأييد الله ، وبنصر الله .
  
الله مع المؤمن في التوفيق والتأييد والنصر والعَوْن :
 
 حتى الآيات الكريمة :
 
وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19)
(سورة الأنفال)
 
أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194)
(سورة البقرة)
 
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)
(سورة الأنفال)
 :هذه معية خاصة أيها الأخوة ، ومعنى المعية الخاصة أي أن الله مع المؤمن في التوفيق والتأييد والنصر والعَوْن ، أما إذا قال الله
 
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ
(سورة الحديد : آية4)
..هذه مع أيَّ مخلوق بالعلم ، معهمبعلمه ، لكن مع المؤمنين بتوفيقه  وتأييده ونصره وإنجاحه
  
الله عز وجل  وليّ الذين آمنوا :
 
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)
 :الآية الكريمة
 
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)
) سورة فصلت)
:الآن دقق
 
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)
( سورة فصلت)
ماذا تشعر إذا قال الله : يا عبدي أنا وليُّك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ لا يوجد معك أحد ، يجب أن يشعر المؤمن إذا تلا هذه الآية بقشعريرة .
  
من استقام على أمر الله نقله من حال إلى حال :
 
      
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا
عليك أن تؤمن وأن تستقيم ، والله بعدها وليك ، فلا تخف ، ولا تحزن ، ولا تخشَ أحداً ، ولا تخشَ إلا ذنبك .
      
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا
!ينقلك من حالٍ إلى حال ، من منزلةٍ إلى منزلة ، من مقامٍ إلى مقام ، من توفيق إلى توفيق ، من نصر إلى نصر ، الله وليك ، اجعل هذه الكلمة هدفاً وشعاراً لك : إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ يا رب ماذا وجد من فقدك ؟ وماذا فقد من وجدك؟
      
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)
 
حياة الكافر حياة متعة ليس لها أثر مستقبلي إطلاقاً :
 
 .حياة الكافر حياة متعة ، والمتعة الشيء الطارئ ، لذة طارئة ليس لها أثر مستقبلي إطلاقاً ، لذةٌ عابرة ليس لها مردود
      
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)
 
دابةٌ في النهار جيفةٌ في الليل ، في النهار دواب ، في الليل جِيَفْ ، هؤلاء الذين كفروا ؛ لا صلاة ، ولا ذكر ، ولا تلاوة ؛ ولا أمر بالمعروف ؛ ولا نهي عن المنكر ، ولا مجلس علم ؛ ولا فهم لكتاب الله ؛ ولا فهم لسنة رسوله ، كالبهائم ، وأساساً فالإنسان من دون علم كالبهيمة، بهيمة فلتانة غير منضبطة ، وهناك بهائم ملجومة ، كما أن هناك بهائم برية شاردة هائمة ، فانظر و تأمل .
      
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)
 
هذه الآية إن شاء الله تعالى نعود إليها بالتفصيل في درسٍ قادم .
والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب