سورة الأحقاف 046 - الدرس (5): تفسير الأيات (21 – 27) - المواعظ و العبر من قصة سيدنا هود عليه السلام

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأحقاف 046 - الدرس (5): تفسير الأيات (21 – 27) - المواعظ و العبر من قصة سيدنا هود عليه السلام

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج على رواء: على رواء ح94 - 15 - 04 - 2019 - نظرة الغرب للمسلمين           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 247- اسم الله القاهر 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - ليلة النصف من شعبان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0266 - سورة الاعراف 082 - 085           برنامج كوني مريمية:  كوني مريمية - 11 - سر الصيام           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 246- اسم الله القاهر 1         

New Page 1

     سورة الأحقاف

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الأحقاف ـ الآيات: (21 - 27) - المواعظ و العبر من قصة سيدنا هود عليه السلام

16/05/2013 17:59:00

سورة الأحقاف (046)
الدرس (5)
تفسير الآية: (21- 27)
المواعظ و العبر من قصة سيدنا هود عليه السلام
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس من سورة الأحقاف .
     
العبر من قوله تعالى وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ :
 
1 ـ تذكير الله عز وجل النبي الكريم بهود عليه السلام و تكذيب قومه له :
مع الآية العشرين ، وهي قوله تعالى :
 
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
الله سبحانه وتعالى يُوجِّه الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ، ويقول له : واذْكر أخا عادٍ ، يعني هوداً ، وهي أُخوَّة نسَب ، قال تعالى :
 
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ(50)
(سورة هود )
فكان هود عليه السلام أخًا لقومه نسبِيًّاً فيقول الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام : اُذْكر هوداً ، واذكر تَكذيب قَومهِ له ، واذكر صبرَهُ على قومه ، واذكرْ شِدَّة المحنة التي قاساها ، لك به أُسْوَةٌ حسنة .
     
قصص القرآن الكريم عبر و دروس للإنسان :
 
أيها الأخوة قصص القرآن لا ينبغي أن تكون قصصاً بالمعنى المعروف للقصة  إطلاقًا ! إنَّما هي عِبرٌ ودروس ، فالله سبحانه وتعالى حينما يورِدُ قِصّة في القرآن الكريم تُتْلى إلى يوم القيامة ، ومعنى ذلك أنَّ هذه القصَّة ينبغي أن تكون عِبْرةً ، ينبغي أن تُستنبط منها الحقائق والدُّروس ، وينبغي أن تؤخذ منها القواعد ، فالله سبحانه وتعالى يؤدِّب النبي عليه الصلاة والسلام أدَباً رفيعاً ، فإذا ضاقَتْ عليك الأمور ، وضاقَتْ نفسُكَ بِتَكذيب قوْمِكَ لك ، إذا ضاقَت نفسُكَ لِتآمُر الناس عليك ، إذا أرادوا إخراجَكَ من بيتك ، إذا أرادوا أن يُحارِبوك ، إذا نكَّلوا بأصحابك ، إذا فعَلُوا الأفاعيل ، فاذْكُرْ أخا عادٍ ، فقد أرْسِل إلى قومه وتحمَّل منهم ما تحمّل .
نحن كيف نستفيد من هذه الآية ؟ إذا أُصِبْتَ بِمُصيبةٍ فاذْكُر مصيبة المسلمين بِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم ، النبي على عُلُوّ شأنِهِ مات ابنه إبراهيم ، وقال : إنّ العَين لتَدْمع ، وإنّ القلب ليَخشَع ، ولا نقول ما يُسْخِط الربّ ، وإنَّا على فراقك يا إبراهيم لَمَحزونون.
امرأة شريفة طاهرةٌ عفيفة ، تكلَّم الناس بها الناس عنها كلاماً لا يليق بها ، فهذه لها في السيّدة عائشة أُسْوَة حسنة ، وحديث الإفك لا تخفى على مسلم .
صحابيّ جليل عانَى مِن شِدَّة الفقْر لك بهِ أسْوةٌ حسنة ، فإذا قرأْت سيرَ الصحابة ، وإذا قرأت قِصَص الأنبياء ينبغي أن تكون هذه القِصص عِبراً لك ودروساً .
2 ـ إهلاك الله عز وجل قوم هود لإفسادهم في الأرض :
هناك معنى آخر وهو : يا محمّد اُذْكُر لِقَومك أخا عادٍ ، أيْ ذَكِّرْهم كيف كان قوم هود أشِدَّاء وأقوياء ؟ وكذَّبوا ولم ينصاعوا ، وسَخِروا واستهزؤوا فأهلَكَهُم الله عز وجل .
    
العاقل من اتعظ بغيره :
 
إذًا الآية تحْتَمِلُ معْنَيَيْن ، أيْ اُذْكُر يا محمَّد في نفْسِكَ أخا عادٍ كيف دعا  قومه إلى ربِّه ، وتحمَّل من قومه ما تحمَّل ، أيْ يا محمّد اذكر لِقَومك قِصَّة أخي عادٍ سيّدنا هود ، وكيف أنَّ قومه لم يؤمنوا به ، واستهزؤوا به ، واستعجلوا العذاب ، وغرهم أنهم كانوا أقوياء وأشِدَّاء ، ومع كلّ ذلك أهْلكهم الله عز وجل ، إذًا نحن نستفيد من هذه الآية كَتَطْبيق عمَلي ، إذا رأيْت في التاريخ إنسانًا طغى وبغى ، ونَسِيَ المبْتَدَا والمُنْتهى ، ثمَّ قصَمَهُ الله عز وجل فهذه عِبْرةٌ ينبغي أن نأخذ بها ، إذا رأيتَ إنسانًا أكل مالاً حراماً فدمَّر الله ماله ، هذه عِبْرةٌ ينبغي أن نأخذ بها ، وإذا رأيتَ إنسانًا اعْتدى على أعراض الآخرين ، وفضَحَهُ الله تعالى في بيته ، فهذه عِبرة ينبغي أن نأخذ بها ، والمؤمن شأنُهُ كما قال عليه الصلاة والسلام : أمرتُ أن يكون صمتي فِكراً ، ونطقي ذِكراً ، ونظري عِبْرةً ! فالمؤمن يتَّعِظ بالآخرين .
    
الله عز وجل رحيم بعباده يُرْسِلُ أنبياءَهُ ورُسلَهُ إلى الأقوام ليبشروهم و ينذروهم :
 
قال تعالى :
 
إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ (21)
(سورة الأحقاف )
الأحقاف كُثْبان الرِّمال المرتفعة ، ويذكر المُفسِّرون أنَّ الأحقاف هي نُجود من الرِّمال المرتفعة في جنوب الجزيرة العربيّة ، وهي على وجْه الغلَبَة بلاد حضْرَمَوت ، فحَضْرَمَوت كانت بلاد أخي عادٍ ، أيْ قَوْم هود ، فالمعنى واذكر لِقَومك قصَّة هؤلاء القوم ، واذْكُر لِنَفسك قصَّة هذا النبي ، النبي حقيقة ، فهي موعظة لِرَسول الله ، وقوم سيّدنا هود موعظة لِبَقِيَّة الأقوام ، قال تعالى :
 
وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ (21)
(سورة الأحقاف )
فالإنذارات مستَمِرَّة متلاحقة ، فمِن بين يَدَيْه أيْ مِن أمامه ، ومِن خلفه ، أيْ مِن ورائِهِ ، فالنُّذُر كانت قبله وبعده ، فليس هودٌ أوَّل نذير ، وليس آخر نذير ، كان نذيراً وقد جاءَت من قبله النُّذر ، وسوف تأتي من بعده النُّذر ، وهذا يدلّ على رحمة الله جلّ جلاله بِعِباده ، فالإله الرحيم دائماً يُرْسِلُ أنبياءَهُ ورُسلَهُ إلى أقوامهم مبشِّرين ومنذرين .
 
العبادة أعلى علاقة بين المخلوق و خالقه :
 
 فمضمون الدَّعوة :
 
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ (21)
(سورة الأحقاف )
أنْذَرَهم ، وهم مُقيمون بالأحقاف ، مضمون الإنذار : ألاّ تعبدوا إلا الله ، قال تعالى :
 
وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
(سورة الأحقاف )
فإذا ضَغطنا أيَّةَ دَعْوَةٍ سماوِيَّة بِكَلمات كانت : ألاّ تعبدوا إلا الله ‍،العِبادة غاية الخُضوع مع غاية الحبّ والاستِسلام ، مع غاية الإخلاص ، العبادة هي أعلى علاقة بين المخلوق وخالقه ! قال تعالى :
 
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)
(سورة الذاريات )
قال تعالى :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
(سورة الأحقاف )
    
الله عز وجل وحده من يستحق العبادة :
 
الإنسان لا بدّ له مِن أن يعبُد ، فإما أن يعبد الله وإما أن يعبدَ غير الله ، والإنسان فيه ضَعف ، وهذا الإنسان الضَّعيف كيف يَقوى ؟ بِعِبادةِ جِهةٍ قَوِيَّة ، وفيه نقْص ، كيف يكمِّله ؟ بِعِبادة جِهة قوِيَّة ، فالمؤمن يعبد الله القويّ الغنيّ الرحمن الرحيم الرؤوف الحكيم العليم السميع البصير ، والأشقِياء لِضَعفِهم وخوفهم ، وقلقِهِم وضياعهم يعبدون غير الله ، يعبدون الأقوياء ، والتَّوجيه الإلهي عن طريق هذا النبي الكريم ، قال تعالى :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
(سورة الأحقاف )
هذا شيء دقيق جداً ، و على الإنسان أن يحاسب نفسه ، فهل يُطيع مخلوقًا ، ويعصي خالقًا ؟ إذًا هو يعبدُهُ من دون الله ‍،هل يسمحُ لِنَفسِهِ أن تُرْتَكَبَ معْصِيَةٌ في بيتِه إرْضَاءً لِزَوجته ، أو لبناته ، أو لأولاده ، أو لأصْدِقائه ؟ إذًا هو يعبدهم من دون الله ،فالتوجيه الإلهي :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
 (سورة الأحقاف )
من الذي يستحقّ العبادة ؟ هو اللهُ جلّ جلاله ، فالذي يستحق أن يُعْبدُ هو الذي يُحْيي ، والذي يُعبدُ هو الذي يُميت ، والذي يُعبدُ هو الذي يرزق ، والذي يُعْبدُ هو الذي يُعطي ويمْنعُ ، ويرفع ويخفض ويبسط ويقبض ، ويُحيي ويُميت ؛ هذا الذي يستحقّ العبادة ، هو الذي يعلم ما كان وما يكون وما سيَكون ، يعلم السرّ وأخفى ، يعلم الجهر ، وكل ما خفي عليك أنت يعلمه الله ، ويعلم ما أعْلنْتهُ ، وما أسْررْتَهُ ، فهذا هو الذي ينبغي أن يُعْبد .
    
من عبد غير الله تعالى خسر دنياه و آخرته :
 
 أما إذا عبدْت إنسانًا ضعيفًا لئيماً قاصِراً في إدراكه ، وقاصِراً في سلطانه ، فقد خَسِرتَ خسارةً مبينة ، إذًا كما قال تعالى :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
 (سورة الأحقاف )
فالمؤمن الصادق دائماً يراقب نفسهُ ، هل يُطيعُ مخلوقًا ويعصي خالقًا ؟ هل يمحضُ حُبَّه لِغَير الله تعالى ؟ وهل يمْحض ولاءهُ لِغَير الله ؟ هل يُوجِّه اهْتِمامه لغير الله ؟ قال تعالى :
 
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
    
الخير و الأمانة في منهج الله و الكذب و الخيانة في غيره :
 
و بعد ، فإنه يطالعنا الآن سؤال دقيق ؛ أيْ إذا عبَدَ الإنسان غير الله ، لماذا يستحقّ هذا العذاب العظيم ؟ لو أنَّ الله تجاوَزَ عنه ؛ اُعْبُد من شئتَ .
(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ
 
كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ
 
مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا،  فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ
 
وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[ رواه مسلم عن  أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]
لا إيماننا بالله عز وجل ينفعُ الله عز وجل ، ولا كفرنا به يضرُّه ، فلماذا إن عبدنا غيره فلنا عذاب عظيم ؟! هذا سؤال ! لعلّ الجواب أنَّك إذا عبَدْت غيره خرجْت عن منهج العدالة ، وأقَمْت شؤونك على العُدوان ، ولأنّ الله تعالى عادِل ، ومنهجه هو الحقّ ، وهو مصدر العدل ، والرَّحمة ، والإنصاف ، ومصدر الخير ، والنور ، والصِّدق ، والوفاء ، أما منهج غير الله يستحيل أن يكون فيه الصّدْق ، بل الصِّدق كلُّه في منهج الله ، وإذا ابْتدَعْتَ منهجاً آخر كان فيه الكذب والفجور ، والأمانة كلها في منهج الله ، وإن اتَّبَعتَ غير منهجه ففي الخيانة ، والإحسان كله في منهج الله ، وإن اتَّبَعت منهجاً آخر كانت الإساءة ، وكذلك الاستقامة في منهج الله ، وإن اتَّبعْتَ منهجاً آخر كان الانحِراف ، فالخير كله في منهج الله ، وفي غيره الشرّ .
 
الحق واحد لا يتعدد :
 
إذًا الله جلّ جلاله حينما تعبدُ غيرهُ لا بدّ من أن تطغى ، ولا بدّ من أن تبْغي، ولا بدّ من أن تعتدي ، ولا بدّ من أن تنحرف ، ولا بدّ من أن تسيء ، لأنَّ الحق لا يتعدَّد أما الباطل فيتعدَّد ، فالحق خطّ مستقيم ، فبين نقطتين لا يمرّ إلا مستقيم واحدٌ ، إذًا ينبغي أن نلحظ ما بين الآيتَين من صلة وشيجة :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
(سورة الأحقاف )
هذه الآية الأولى ، والثانية :
 
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
لأنّكم إن عبدتم غير الله فلا بدّ أن تنحرفوا ، ولا بدّ من أن تُسيؤوا ، فمنهج غير الله عز وجل ضلال و شقاء .
    
الطُّغيان والبغيمِن لوازم عبادة غير الله :
 
في الهند إذا مات الرّجل ينبغي أن تُحرق امرأته معه ، أو ينبغي أن تُدْفنَ معه وهي حيّة ، هذا عُدْوان ، فأيُّ منهجٍ آخر فيه عُدْوانٌ شديد ، هناك أدِلَّة واقِعِيَّة ، اُنظر هذا الذي لا يستجيب لأمر الله تعالى ، أين يذهب ؟ كيف يتعامل مع الناس ؟ قال تعالى :
 
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)
(سورة العلق)
ثم  اُنظر إلى أحواله ، وإلى علاقاته ، إلى معاملاته ، وإلى أخلاقه وسلوكه ففيه الكذب والفجور، وهو يخون وليس أمينًا ، كما أنه قاسي القلب ، لا يرحم ، ومجحف لا ينصف ، ومعتدٍ لا يستقيم ، ومنحرِف لا يسير على منهج الله عز وجل ، لذلك مِن لوازم عبادة غير الله الطُّغيان ، والبغي ، والعُدوان ، والظُّلم ، وهذه الصِّفات لها عقاب شديد ، ومن ثَم فالانْسِجام واضح بين الآيتين :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
 (سورة الأحقاف )
إنَّكم إن عبدْتم غير الله ، قال تعالى :
 
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
الذي يعبد غير الله قد يعتدي على أعراض الآخرين ، وهذا واقِع .
 
   العذاب الأليم لمن اعتدى على أعراض الآخرين :
 
المؤمن مستقيم لا يعرف من النِّساء إلا امرأته ، أما غير المؤمن يعتدي على أعراض الآخرين ، وهذه الفتاة التي اعْتُدِيَ عليها ، فأصبَحَتْ بعد هذا الاعتِداء ساقطة ، وأصْبحَتْ تأكل بِثَدْيَيْها ، فلما زوى جمالها أُلْقِيَتْ على قارعة الطريق ، أليس هذا الذي اعتدَى عليها وساقها إلى تلك النِّهاية الوخيمة يستحقُّ يوم القيامة أن يذيقه الله جزاء عمله ؟ إن هذه الفتاة كان مِن المُمْكن أن تكون أُمًّاً شريفة لها أولاد ، ولها أصهار ، ولها مكانة اجْتِماعِيّة رفيعة ، فأنت حينما اعْتَدَيتَ عليها حوَّلتها إلى ساقطة ، ولمّا سقَطَت أكَلَتْ بِثَدْيَيْها ، فلمَّا زوى جمالها أُلْقِيَت كما تُلقى الفأرة الميِّتة خارج المنزل ، هذا هو العُدْوان ، فيستحيل على الذي يخرج عن منهج الله تعالى إلا أن يستبد ويطغى ويعتدي ، إما على أموال الناس ، أو على أعراضهم ، أو على مُمْتلكاتهم ، أو على حُقوقهم الأدَبيَّة فيهضمها ، لا بدّ من أن يتكبَّر ويجْحَد ، ولا بدّ من أن يكون قاسِيَ القلب ، فهو مقطوع عن الله تعالى ، فليس له العذاب العظيم لأنّه لم يعبد ، ولكن لأنَّه طغى وبغى ، واعْتدَى وظَلَم ، وجحَد وأنْكَر .
 
فَحْوى دعوة الأنبياء جميعاً عبادة الله وحده و توحيده :
 
إذًا فَحْوى دعوة هذا النبي الكريم : ألاّ تعبدوا إلا الله ، والحقيقة هذه فَحْوى دعوة الأنبياء جميعاً ، قال تعالى :
 
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25)
(سورة الأنبياء)
وقال تعالى أيضاً :
 
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا(64)
(سورة النساء)
أن تعبد الله وحده ، وأن تُوَحِّدهُ عقيدةً ، وأن تعبدَهُ سلوكًا ، هذا هو الدِّين ، إذا أردت أن تبسِّط ، وأن توجِز ، وأن تضغَط ، فعليك أن تُوَحِّدهُ ، وأن تعبُدَهُ ، فما من نبيٍّ على الإطلاق إلا و قد جاء بِهاتين الحقيقتَين ، توحيد الله عز وجل وعبادته .
    
أمنية الكافر يوم القيامة أن يدفع دنياه بأكملها فداءً من العذاب العظيم الذي نوَّه الله به :
 
قال تعالى :
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
ما قَوْلُكَ أيها الأخ الكريم إذا قال لك الله العظيم : عذاب يوم عظيم ؟‍‍! لو قال لك طفل : معي مبلغٌ كبير ، كم تُقدِّر هذا المبلغ ؟ فلعله مائة ليرة ، ولكن إذا قال لك إنسانٌ راشِد : معي مبلغ كبير ، فلعله مئة ألف ليرة ، بينما إذا قال لك تاجر كبير : معي مبلغ كبير ، وإذا قال لك أغنى أغنياء الأرض : أنا معي مبلغ كبير ، فالمبلغ إذًا بالملايين ، كلمة كبير تتراوَح بِحَسَب القائل ، خالق الكون يقول لك : عذاب يوم عظيم ، فما هو هذا العذاب ؟! هنا تجد مرجعيته ، قال تعالى :
 
يُبَـصَّرُونَهُمْ يَـوَدُّ الْمـُجْرِمُ لَـوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِـئِذٍ بِبَنــِيهِ(11)وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ(12)وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ(13)
(سورة المعارج)
لو أنَّ للكافر الدنيا بأكملها ومثلها معها ، لدفَعَها فداءً من العذاب العظيم الذي نوَّه الله به .
    
إقبال الناس على عبادة غير الله على الرغم من الإنذارات المستمرة من الله تعالى :
 
 قال تعالى :
 
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ (21)
(سورة الأحقاف )
فالإنذارات مستَمِرَّة ، وليس إنذار هذا النبي الكريم أوّل إنذار ، وليس آخر إنذار ، ونحن نعيش ، ونرى مِن حولنا مواعظ وعِبَراً ودروساً ، وهذه المواعظ وتلك العِبَر ، وهذه الدروس ليْسَت أوَّل الدروس وليْسَت آخرها ، مادام هناك خالق رحيم فإنذاراته مستمرّة ، وعلاجاته مستمرّة ، وأدواؤُه مستمرّة ، لكن ردّ الفِعْل كان قبيحاً مستهجناً ؛ قال تعالى :
 
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
تأفِكَنا أي تصرفَنا عن آلهتنا ، وقد يسأل سائل ، كيف نُصَدِّق شعباً كشَعب الهند  إحصاء ما قبل عشرين سنة أربعمئة وخمسون مليونًا ، والآن حوالي سبعمائة مليون ، يعبدون بوذَا !! كيف يُقْبِلُ الناس على هذه العِبادة ؟ هناك جواب دقيق جداً خلاصته أن هذه الأصنام ، وهذه الأديان الوَضْعِيَّة ، ليس فيها تكاليف ، فأتباعها في بحبوحة ، اِفْعَل ما تشاء ولكنّ أقرّ بهذا الصَّنَم أنَّه إله ، وانتهى الأمر ، إقبال الناس على هذه الأديان بِمَلايينِهم المُمَلْيَنَة ، وبالأعداد الغفيرة ، هذا لا يدلّ على أنَّ هذا الدِّين حق ، ولكن يدلّ على أنّ هذا الدّين لا تكليف فيه ، امتناع شكلي ، وإقرار صوري ، ثم  لك أن تفعل ما تشاء .
    
إقبال الناس على التَّمَسُّك بالمذاهب الوَضْعِيَّة لانعدام التكاليف فيها :
 
من قرأ تاريخ الأديان في العالم يرى العَجَب العُجاب ‍،  فأكثر الأديان بُعْداً عن الحق أقربها إلى الإباحِيَّة والاشتراك في النِّساء وفي الأموال ، فحينما تنعدم القيود والموانع والزَّواج والأوامر والنَّواهي يصبح الانتِماء سهلاً ، فلذلك إن رأيْت الملايين من الناس تَدينُ بِدِين أرضي وضعي فلا تعْجَب ، لأنّ هذا الدِّين لا تكليف فيه ، والدُّخول فيه واعتناقه سَهل جدًّاً ، وهناك مصالح دنيوية كثيرة تتحقَّق من هذا الدِّين ، لكنّ دين الله هو دين الحق ، بِمَعنى أنّ فيه الأمر وفيه النّهي ، فالإنسان المؤمن يبحث عن منهج حقيقيّ فيه الأمر والنَّهي ، والحرام والحلال ، وما لك و ما عليك ، فالجاهِلِيُّون مثلاً لو قرأْت عنهم لوجَدْت أنَّ بضعة عشر رجلاً يتزوَّجون امرأة واحدة ، وهي تنتقي وتختار منهم ، فحينما تلِدُ تقول : هذا الغلام لفُلان ، وانتهى الأمر !! فوضى في العلاقات الجِنْسِيَّة ، وإباحية مرذولة ، وفوضى في كسب المال ، بأيّ طريقة لك أن تكسب المال ، وهذه هي الجاهليّة فإقبال الناس على التَّمَسُّك بالجاهليَّة الأولى والثانية ، أو على المذاهب الوَضْعِيَّة أساسه أنّ هذه المذاهب وتلك الجاهليَّة ليس فيها تكاليف ، شريعة الغاب : البقاء للأقوى ، والمسالك فوضى ، فالأنبياء لمَّا يأتون بالمنهج ، فمن الذي يُعارضهم ؟ المُتْرفون ، الغارقون في الشَّهوات والمُنْحرِفون و المتسلطون ، قال تعالى حكاية عنهم :
 
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
 
استهزاء الكفار بوعيد الله و تكذيبهم له :
 
طبعاً كذَّبوا دعوته وسَخِروا منه ومنها ، قال تعالى يحكي مقالتهم :
 
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
﴿ فَأْتِنَا اسْتِهزاء بِوَعيد الله عز وجل و تكذيباً ، ألمْ يقل لهم أخوهم هود :
 
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
هذا هو الاستهزاء والتكذيب ، فقال لهم بِأَدَب النبوَّة :
 
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ (23)
(سورة الأحقاف )
هذا تركيب فيه قَصْر ، يعني العلم عند الله وحده ، فهو الذي يأتي بالعذاب ، أما متى يأتي به ؟ أو كيف يأتي به ؟ وبأيِّ طريقة يأتي به ؟ ومن يُصيب به ؟ هذا ليس من شأنك ، هذا مِن شأن الله تعالى .
    
المؤمن كلما ارتقى إيمانه تمسك بمنهج الله عز وجل :
 
بالمناسبة المؤمن كلّما نما إيمانه يتمسَّك بِعُبودِيَّته لله عز وجل ، ويتخلَّى عن مواقف لا تليق بذوي الإيمان ، فلو سُئِلَ عن تقييم شخصٍ ؛ ماذا يقول ؟ يقول : تَقييم الأشخاص من شأن الله ، وليس من شأن البشر ، ولا من شأني ، وحتَّى لو مدَحَ شخصاً يقول : أَحْسَبُهُ كذلك ، ولا أُزكِّي على الله أحداً ، فالمؤمن كلّما ارتقى تمسَّك بالمنهج ، رسول الله عليه الصلاة والسلام دخل بيت أحد أصحابه وقد توُفِّي مِن فورِه ، فلما سمع امرأة تقول : هنيئًا لك يا أبا السائب فقد أكرَمَك الله قال : وما يدريك أنّ الله قد أكرمه ؟! فأنْ تقول : فلان من أهل الجنَّة ، هذا تألٍّ على الله تعالى ، من قال لك ذلك ؟ ليس هناك على وجه اليقين أُناسٌ بُشِّروا بالجنَّة إلا العشرة المبشِّرين ، أما الباقون فنرْجو أن يكونوا من أهل الجنَّة ، وهذا هو مقام العبوديَّة ، مقام فيه تواضع ، وبعيد عن التّألي على الله .
    
ملة الكفر واحدة في كل مكان و زمان :
 
قال تعالى حكاية عنهم :
 
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
وهذا يُعادُ كلّ يوم و يتكرر عن الكثير من الناس ، فأنت تقول لأحدهم : هذا الدَّخْل حرام ، وهذا الدَّخْل رَبَوي مثلاً ، فيقول لك : وما الذي يحدث ؟ هل يُدَمِّر الله لي مالي ؟ دعْهُ يُدَمِّرْهُ !! فإذا نبَّهتَ إنسانًا إلى معْصِيَة كبيرة ، إلى حرام ، إلى علاقة رَبَوِيّة ، إلى علاقة مع النِّساء مريبة ، واختلاط مرذول يقول لك آخر : دعْهُ يفعل ما يشاء ، إنها مقالة أهل الضلال ، وهذا كلام الكافرين ، ومِلَّة الكفر واحدة ، قال تعالى :
 
فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
    
خشية المؤمن بعقله و خوف الكافر بعينه :
 
سبحان الله ! فكلّ إنسانٍ يتحدَّى ويتألَّى ، ويطلب العِقاب ويسْتِعجله ، وحينما يأتي العِقاب تجِدُه يتلوى كما تتلوى الأفعى من شِدَّة العذاب وقسوة النار و حرها ، ثم نتيجة العُنْجهيَّة والكبرياء يلاقي الذل و الهوان عقاباً و جزاء وفاقاً ، ثم يصيح ويستغيث ولا مغيث ، ويستجير ولا مُجير ، إنّ الإنسان بطبعه يخاف ، فأما المؤمن يخاف بِعَقلِهِ ، أما الكافر فيخاف بِعَيْنِهِ ، عندما يضرس ويأتيه العذاب حينها يخاف ، أما المؤمن فهو يخاف بِعَقلِه ، والذي يخاف بعقْله نسمِّيه يخْشى ، وليس ما يعتريه خوف بل خشية ، فالخوف بالعَين ، أما الخَشْيَة فَبِالعَقل .
 
مهمة الأنبياء التبليغ :
 
بِأدب النبوَّة قال هود عليه السلام :
 
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ (23)
(سورة الأحقاف )
هذا ليس من شأني ، متى يأتي العذاب ؟ وكيف يأتي ؟ ما نوع العذاب ، وما شدة العذاب ؟ ومن يُصيب هذا العذاب ؟ فهذا ليس من شأني ! هذا مِن شأن وحده ، إنما العلم عند الله ، وإنما من شأني أن أبلِّغكم ما أرسلت به :
 
وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)
(سورة الأحقاف )
    
من ازداد معرفة بالله ازداد خشية منه :
 
الذي لا يخاف جاهل ، وبالمناسبة ما أكثر ما ذكرت هذه الحادثة ، فبعض الفلاَّحين يأخذون أطفالهم الصِّغار جدًّاً ، ابن سنة مثلاً ، إلى الحقل ، أثناء الحصيد ، وقد يمرّ ثعبان كبير وقد يبقى بِجانِب طفلٍ صغير ، فهذا الطِّفل الصغير يضعُ يده على الثعبان ويألفُهُ ويستأنس به ولا يعرف ما خطورة هذا الكائن ، فلو كان كبيراً لصاحَ بأعلى صوته ! فعَدَم الخوف يدلّ على عدم الإدراك ، والإنسان يخاف بِقَدْر عِلمهِ ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام رأس الحكمة مخافة الله ، وأشدُّكم لله خشيَةً أنا ، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ، وسيّدنا عمر رضي الله عنه كان يقول : أتمنَّى أن أنقلب إلى الله لا إلي  ولا عليّ ، ليت أمّ عمر لم تلِد عمر ، ليتها كانت عقيماً ، هذا عِملاق الإسلام المبشَّر بالجنَّة ، الذي جنّد الجند ، وفتح البلاد ، وجهَّز الجيوش ، وفتح الله على يديه أطراف الدنيا ، وكان زاهداً متقشِّفاً ، يُضرب به المثل في الورَع ، والزُّهد والعدل ، ومع ذلك قال : أتمنَّى أن أنقلب إلى الله لا إلي  ولا عليّ ، ليت أمّ عمر لم تلِد عمر ، ليتها كانت عقيماً ، هذا كلام حقيقي وليس تمثيلاً لِشِدَّة معرفته بالله كانت خشيتُهُ منه كبيرة و موجعة ، وأنت تخشى الله بِقَدْر معرفتك به ، كلّما ازددْت منه معرفةً ازْددْت به خشْيةً ، قال تعالى :
 
وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)
(سورة الأحقاف )
    
التعريف بالإنسان الجاهل :
 
من هو الجاهل ؟ هذا الذي يرتكب الموبقات ، ويعتدي على أموال الناس وعلى أعراضهم ، ويظنّ أنّ هذا العمل فيه ذكاء وبطولة ، ثم هو يتبجَّح بين الناس بِعُدْوانه على الآخرين ، وعُدوانه على أعراضهم ، هذا جاهل  حقًّاً ، هذا الذي لا يرى العقاب الحتْمي ، ولا يرى المصير الحَتمي لِكُلّ معْصِيَة  وانْحراف ، فهو جاهل حقًّاً ، قال تعالى :       
 
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)
(سورة الأحقاف )
وكلّ إنسانٍ يدعو إلى الله عز وجل يُواجِه هذه الحالات ، إنسان مستهزئ ، يقول لك : اليوم يفرجها الله !! هذا كلام الناس المُتفلِّتين والمنحرفين الشادرين في الضلال و الغواية .
    
وصف حال قوم لوط عليه السلام :
 
تروي كُتب التفسير أنَّ هؤلاء القوم ، قوم هودٍ الذين سكنوا بالأحقاف أصابتهم مَوجة حرٍّ شديدة ، جعلتْ بلادهم مُغْبرَّة ، حرّ لا يُطاق ، وغبار شديد ، وبعد هذا الحرّ الشديد ، وهذا الغبار الذي لا يُطاق ، رأَوا السماء ملبَّدة بالغيوم ! قال تعالى يصف حالهم :
 
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا (24)
(سورة الأحقاف )
رأوا سحاباً في السماء ، فقالوا : جاء المطر ، قال تعالى : ﴿ بل هو ما استعجلتم به هذا هو العذاب الذي أنذركم به نبيُّكم .
 
عقاب الله عز وجل لا يبقي على شيء :
 
قد تسمعون بالأخبار الإذاعية و تشاهدون في المحطات المرئية ما تفعله الأمطار ، تدمِّر وتهلك القرى ، والإعصار الذي أصاب أمريكا دمَّر كلّ شيء ، وكانت الخسائر ثلاثين ملياراً ، قال تعالى :
 
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24)
(سورة الأحقاف )
الرِّياح لها سرعات مذهلة تتجاوز المئة و الخمسين كيلومتراً أو المئتين ،  فتدمِّر البيوت ، و تتلف المحاصيل ، وتزهق الأرواح ، وتقتلع الأشجار ، وقد يكون الدمار شاملاً، لا يبقى على شيء  ،  وهذا يجري في ساعات محدودة .
    
الأعراض الجَوِيَّة ليست شيئاً عارضاً بل هي عذاب من الله عز وجل :
 
 قال تعالى
 
قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (25)
(سورة الأحقاف )
انظر إلى الدِقَّة في التعبير ؛ بأَمر ربِّها ، معنى ذلك إن سَمِعت عن فيَضانٍ ، أو إعصار ، أو زِلزال ، أو رياح شديدة أهلكت الحرث والنَّسل ، عن وباء اجتاح العالم ، إيَّاك أن تفهم هذا أنَّه شيءٌ عارض ، بل قال تعالى :
 
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (25)
(سورة الأحقاف )
هذه الرِّياح لها ربٌّ هو الذي أرسلها ، وسمح لها أن تُدَمِّر ، وهذه الصاعقة لها رب هو الذي أنزلها على القوم ، وهذه الأرض لها ربّ هو الذي زلزلها ، وهذا الماء الذي طغى وبغى ، له ربّ هو الذي أرسله ، فالإنسان حينما يرى الأعراض الجَوِيَّة مِن مطرٍ إلى ثلْج أو رياح شديدة ، أو صقيع يدمِّر المحاصيل كلّها ، هذا الفهْم ينبغي أن يكون فهماً توْحيدِيًّاً ، في أحد المرات انخفضت الحرارة بِبَعض المناطق الزِّراعِيَّة إلى اثنتي عشرة درجة تحت الصِّفر ، فأتلفت ثمانين مليون ثمن البذور ! وأتت على محاصيل ثمنها مئات الملايين ، وحتى ألف مليون أحيانًا تصاب بِصَقيعٍ طارئ فلا يُبقي منها ولا يذر .
    
الدمار و الهلاك عاقبة قوم هود عليه السلام :
 
أدقّ ما في الآية  :
 
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (25)
(سورة الأحقاف )
فالمياه لها رب ، والرياح لها رب ، والجرثوم له ربّ ، وكذا الزلازل والبراكين ، وهذه الأوبئة والأمراض ، هذه كلّها لها ربّ ، قال تعالى :
 
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
(سورة الأحقاف )
فأصحاب المساكن بادوا وماتوا عن آخرهم ، قال تعالى :
 
كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
(سورة الأحقاف )
    
ما من مصيبة تقع في الأرض إلا ولها سبب معين :
 
أحيانًا يقولون لك : أصبح هناك انفِتاح ، ولكن مع هذا الانفتاح معاصٍ ،  ومنكرات ، وفِتَن ، واختلاط ، وشرب الخمور ، ومناظر لا ترضي الله عز وجل ، وبرامج ساقطة ، ومحطَّات فضائيَّة ، فإذا كان من حولنا قد دُمّروا وفعلنا مثل فِعلهم فَمِن المحتمل أن نُدَمَّر مثلهم ! وهذه قاعدة إلهية ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ، وشيءٌ مُتَوَقّع جدًّاً أن يُصيب العُصاة ما أُصاب مَن قبلهم ، قال تعالى :
 
فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
(سورة الأحقاف )
 وبعد ، فإني أرجو الله سبحانه وتعالى وأطلب إلى الأخوة الكرام أنه إذا سمع أحدكم عن خبر من مشكلات العالم  عليه ألاّ يعْزل هذه المشكلة عن التوحيد ، هذا الشيء الذي حدث له ربٌّ أحدثه ، وهذه المصيبة وقعت لسبب ، وما من مصيبة تقع في الأرض إلا ولها سبب ، قال تعالى :
 
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)
( سورة هود )
 
من أعرض عن ذكر الله دمره الله و لو بعد حين :
 
الإنسان عليه أنْ يتَّعظ ، وعليه أن يستقيم على أمر الله ، لِقَول الله تعالى :
 
وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)
(سورة الأنبياء)
القصَّة مؤثِّرة ، نبيٌّ كريم دعاهم إلى رب كريم ، إلى منهج قويم ، وإلى طاعة الواحد الأحد ، كذَّبوا واستهزؤوا ، وأعرضوا واسْتعجَلوا العذاب ، فجاءتهم سحابة ظنُّوها مطراً لأوديتهم ، فإذا في هذه السحابة عذاب أليم ، تُدَمِّر كلّ شيءٍ بأمْر ربِّها ، قال تعالى :
 
فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
(سورة الأحقاف )
    
القوة و البأس لا ينجيان العبد من عذاب الله :
 
قال تعالى :
 
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ (26)
(سورة الأحقاف )
إن الله سبحانه و تعالى يمهل و لا يهمل ، والله يعطي الصِّحة ، ويعطي القوَّة ، ويعطي المال والثَّرْوَة ، الإنسان لما يكون قويًّاً ، ومع القوَّة جهل ، فإذا رأيْت الله يُتابِعُ نِعَمَهُ عليك ، وأنت تعصيهِ فاحْذَرْهُ ، إذا وجد الإنسان القوَّة والشَّأن والمنعَة وهو على غير منهج الله فهذا اسْتِدراج ، وليس إكراماً ، قال تعالى :
 
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ (26)
(سورة الأحقاف )
أيْ مكَّانهم ما لم نُمَكِّن لكم ، فكانوا أكثر منكم قوَّة ، وأكثر جمْعاً ، وأكثر غِنًى ، ومع ذلك ما أغنى عنهم جمعهم ولا قوَّتهم ولا بأسهم من الله شيئًا.
    
العقل من أعظم النعم التي منحها الله تعالى للإنسان  :
 
 :  قال تعالى
 
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً (26)
(سورة الأحقاف )
الأفئدة إن جاءت مع السمع والبصر فهي العقل ، فهناك عَقل الرأس ، وهناك عقل القلب ، فإذا جاء الفؤاد مع السمع والبصر ، فالبصر والسمع نافذة ، والعقل هو الذي يحكم ، أعطيناهم سمْعاً لِيَستمعوا إلى الحق ، وأبصاراً لِيَرَوا الآيات ، وأفئدةً عقولاً كي تحْكُم بِوُجود الله عز وجل وأسمائه الحسنى ، قال تعالى :
 
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)
(سورة الأحقاف )
    
من أراد الهدى فكل شيء يدله على الله :
 
أيها الأخوة ، أراد الله جلّ جلاله من هذه الآيات أن يُعْلِمَنا أنّ الإنسان العاصي ينبغي ألاّ يغترّ بِقُوَّته ، ولا بِرِفْعة شأنه ، ولا بِغِناه ، ففي لحظة واحدة تصبح القوّة ضعفًا ، والغنى فقْراً ، ويصبح الرجل خبراً بعد أن رجلاً ، لذلك قال تعالى :
 
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً (26)
(سورة الأحقاف )
هذه الأجهزة حجَّة علينا ، أعْطيتك يا عبدي سمعاً من أجل أن تستمع إلى الحق فأعرضْت عن الحق ، وأعطيتُكَ بصراً من أجل تنظر إلى الآيات فلم تنظر ، وأعطيتُكَ عقْلاً من أجل أن تحكم بهذه الحقائق فلم تستخدمه ، فالإنسان إذا أراد الهدى كلّ شيءٍ يدلُّه على الله ، أمّا إن أراد الدنيا وشهواتها تصبح الدنيا حِجاباً بينه وبين الحقيقة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : حبُّك الشيء يعمي ويصمّ ، قال تعالى :
 
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)
(سورة الأحقاف )
حاق بهم : أي أحاط بهم ، فاسْتِهزاؤهم أحاط بهم وأوْصَلَهم إلى الهَلاك .
 
الهلاك عاقبة من سار على درب الأقوام السابقة :
 
ثمَّ يقول الله عز وجل :
 
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
هذه الآية مُطبَّقة الآن ، شرقُنا في هلاك ، وغربنا في هَلاك ، وجنوبنا في هلاك ، تارةً حروب أهليَّة ، وتارةً صواعق ، وتارةً براكين ، وتارةً زلازل ، وتارةً فيضانات ، أي : أُهْلِكَ ما حولنا من القرى لأنَّهم فسقوا وعَصَوا فإذا سِرنا على درْبهم ، ومنهجهم فالهَلاك مُحَقَّق ، قال تعالى :
 
وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
فالآيات صرّفناها أي أظهرناها ، فالآيات صارخة ، ولكنّ الأعمى لا يرى ، وإذا ذُكِر الله وحده اشْمأزَّت قلوب الذين كفروا ، أما إذا ذُكِرَ الذين من دونه إذا هم يستبشرون !! فأنت إن أشْركت يفرحون ، أما إن وحَّدتَ وأعطَيت تفسيراً توحيدِيًّاًً ، وفسَّرتها على أنها فعلٌ يتعلَّق بالله سبحانه ، قال جل جلاله :
 
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
    
الأحداث الكبرى ينبغي على الإنسان أن يربطها بكلام الله ويعطيها تفسيراً توحيدياً :
 
وإليك أيها الأخ الكريم هذه الواقعة : مركبة فضائيَّة اسمها المُتَحَدِّي ! تتحدَّى مَن ؟! بعد سبعين ثانية من انطلاقها أصبحت كتلة من اللَّهَب ، هذا الخبَر ينبغي أن نقف عنده ،  قلعة من قلاع الكفر في العالم ، كيف تهاوت كبيت العنكبوت ؟ هذه آية من آيات الله الكبرى ، وكذلك مرض الإيدز ، هو آية من آيات الله عز وجل ، وهناك مرض أحدث منه ، وهذا المرض يؤدِّي إلى أن يتآكل جلد الإنسان وعضلاته في أقلّ من أربع وعشرين ساعة !!! وأسبابه أيضاً انحراف جِنسي ، وقد ظهر هذا المرض في بريطانيا ، وهذه آية عن أعاصير في بلاد الفسق والفجور ، ونوادي العُراة ، فهبَّ بها إعصار يُدَمِّرها عن آخرها ، هذه آيات دالة على الله و على عظمته ، فالذي أتمناه على الأخوة الكرام أنّ هذه الأحداث الكبرى ينبغي ألاّ نفهمها فهْماً ضيِّقاً محدوداً ، ولكن أن نربطها بِكلام الله عز وجل ، ونعطيها تفسيراً توحيدياً ، قال تعالى :
 
وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
و لكن هيهات فهُم عميٌ صمّ ، كما قال تعالى :
 
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)
(سورة الأحقاف )
    
من اتخذ جهة أرضية و اعتمد عليها فإنقاذًا للتَّوحيد يُخَيِّب الله له ظنه :
 
الشيء الثابت أنّ كلّ إنسان اتَّخذ جِهة ما ّإلهاً من دون الله ، هذه الجهة لا بدّ من أن تخذلهُ ، وهذا من قدر الله عز وجل ، لماذا تخْذِلُهُ ؟ من أجل أن يتَّعظ ، وأن يتخلَّى عن شِرْكِهِ ، وهذه قاعدة أساسيَّة ، إذا اتَّخَذْت جهةً من الجهات ، واعْتَمَدْت عليها ، واتَّخَذتها إلهاً فالنتيجة في قوله تعالى :
 
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)
(سورة الأحقاف )
ولو اتَّكَلْت على جهة أرضيَّة ، واسْتَغْنيْت عن الله عز وجل بهذه الجهة ، فلا بدّ من أن تُخَيِّب أملك ، واحذر إنقاذاً لفكرة التَّوحيد لديك .
 
عزل خالد بن الوليد من قِبل عمر بن الخطاب إنقاذاً لعقيدة التوحيد :
 
سيّدنا عمر عندما عزل سيّدنا خالد ، وهو سيف من سيوف الله ، والعزل صعبٌ تفسيره ، فعمر بن الخطاب من المبشَّرين بالجنَّة ، وسيّدنا خالد وصفه النبي بأنَّه سيف من سيوف الله ،  ولقد قبِلَ العزل من قيادة الجيش ، وجاء إلى عمر ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، لِمَ عَزَلتني ؟ فقال له عمر : والله إنِّي لأُحِبُّك ‍،فقال له : لِمَ عزلتني مرَّةً ثانية ؟ فقال له عمر : والله إنِّي لأُحِبُّك‍،فلما ألحَّ عليه في الثالثة ، قال له : ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يُفْتَتَنَ الناس بِكَ لِكثرة ما أبليْتَ في سبيل الله ، فعُمَر خاف على عقيدة التوحيد ، خاف أن يظنّ الناس أنَّ النَّصر من عند خالد ، وينسوا أنّه من عند اللهفعزَلَه ، واستمر النَّصْر ، فعمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنقذ فكرة التوحيد لدى الناس ، وكلّ إنسان يعتمد على جهة أرضيَّة ، ويثق بها ، وينسى ربّه ، فإنقاذًا للتَّوحيد يُخَيِّب الله له ظنَّه ، ويُحْبطُ عمله ، وعند الضرورة هذه الجهة لا تنجدك ، ولا تخلّصك ، ولا تفكّ أسرك ، قال تعالى :
 
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)
(سورة الأحقاف )
 
   هدف القصة في القرآن الكريم : 
 
1 – الموعظة و العبرة :
أيها الأخوة ، عودٌ إلى فقرات هذه القصَّة ، أوَّلاً إنًّ الإنسان إذا قرأ القصَّة في القرآن ينبغي ألاّ يتوهَّمها قِصَّة ، وإنَّما هي حقائق ، وقوانين ، صيغَت على شكل قصَّة ، ففيها الدروس ، وفيها العِبر ، وفيها المواعظ ، وفيها الحقائق ، وفيها الأُسس .
2 ـ من عبد الله جاءته الخيرات و من كفر و طغى جاءه العقاب :
الشيء الثاني أنَّ الإنسان إذا عبد غير الله لا بدّ من أن يعتدي ، ولا بدّ من أن ينحرف ، ولا بدّ من أن يطغى ، ويبغي لذلك يأتي العقاب ، قال تعالى :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
بالمقابل :
 
بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66)
(سورة الزمر)
فما هي العلاقة بين أن تكون عابداً ، وبين أن تكون شاكراً ؟ العلاقة أنَّك إذا عبَدْته جاءَتْك الخَيرات ، إذاً عليك أن تشْكر ، وإذا لم تعبدْهُ وفعلْتَ المنكران ، فإذاً عليك أن تنتظر العقاب من الله عز وجل ، إنها قوانين سماوية ، وقد جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام وقال : يا رسول الله عظني وأوجز ، فتلا عليه هذه المقولة :
(( قلْ آمَنْتُ باللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) .
[ رواه مسلم عن سفيانَ بن عبد اللّه رضي اللّه عنه ] .
قال : أريد أخف من ذلك ، قال : إذًا فاستعدّ للبلاء  .
ملخَّص الموضوع إن عبدت الله عز وجل جاءتك الخيرات فلتشكر ، وإن لم تعبدْهُ انحرفْت فاعْتَدَيت ، فظَلَمْت فجاءك العقاب فاصبر .
3 ـ على الإنسان أن يتقوَّى بِطاعة الله و يترفع عن عبادة غيره :
: الشيء الثالث في الآية ، أنّ الإنسان مهما كان مُمَكَّناً في الأرض ، مِن قوَّة ومال وسلطان ، فهذه كلها بثانية قد تصبح خبراً بعد أثر ، لذا على الإنسان أن يتقوَّى بِطاعة الله ، والعوام لهم كلمة تعجبني : التَّقوى أقوى ، فالاستقامة والترفّع عن أموال الناسوعدم إيذائهم ، هذه هي القوَّة حقًّاً ، لأنّ فيها رضا الله ، وإذا رضي أمدَّ وقوّى ، والإنسان عليه أن يتَّعظ ، قال تعالى
 
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
وبعد ، فالإنسان إذا اعتمد على غير الله عز وجل ، فهذا الذي اعتمَدَ عليه يُخَيِّب ظنَّه ، وعندئذٍ يرى حقيقة نتيجة التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد .
والحمد لله رب العالمين
 
 
 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب