سورة الأحقاف 046 - الدرس (5): تفسير الأيات (21 – 27) - المواعظ و العبر من قصة سيدنا هود عليه السلام

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأحقاف 046 - الدرس (5): تفسير الأيات (21 – 27) - المواعظ و العبر من قصة سيدنا هود عليه السلام

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


        إعلان وتنويه هام الأخوة مستمعي ومحبي إذاعة القرآن الكريم-نابلس، نود أن ننوه الى أن هناك محطة راديو مجهولة الهوية والمكان، تبث تلاوة قرآن كريم على مدار الساعة، دون الإعلان عن اسم المحطة أو رقم تلفون أو أية فواصل إعلانية ، و قد اثر ذلك على إرسال إذاعتنا في الكثير مناطق مدينة القدس ، و مدينة بيت لحم ، ومناطق واسعة من مدينة رام الله، وبعض مرتفعات جنين، ومنطقة الرام وكل مدينة أريحا، ومنطقة نابلس الجديدة في مدينة نابلس، وحوّارة وحاجز زعترة بالقرب منها، وخط التسعين بين مدينة أريحا وطبريا،، ولا زلنا مستمرين بالحث والتحري لمعرفة المناطق المتضررة من هذا التشويش، ولأن هذه المحطة تستخدم نفس ترددنا الذي نستخدمه 96.9FM، وتبث تلاوة قرآن، فهذا ما زاد الأمر تعقيدا في البحث ووقتا أطول حتى استطعنا التأكد من أن هناك جهاز إرسال بقدرة عالية يبث على هذا التردد. ونشكر كل من اتصل بنا ليخبرنا بهذا التشويش، علما أننا قمنا بالبلاغات لدى الجهات الرسمية في وزارة الأتصالات وتكنلوجيا المعلومات، وجاري العمل على تحديد مصدر هذا التشويش، ثم العمل على حل الموضوع بحول الله ومشيئته. لا تنسونا من دعائكم.           مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج بذور - برنامج زراعي:  برنامج بذور -الحلقة - 81           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسأل - 171- الشيخ محمد الحاج محمد - 22 - 8-2019           برنامج أغرب من الخيال:  أغرب من الخيال - 28-وسطية العبادة           برنامج تربية الأولاد:  وسائل تربية الأولاد - 72- التربية بالقدوة 2           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 163- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- حكم قطف االثمر في الطرقات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0395 - سورة يونس 071 - 071         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأحقاف

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الأحقاف ـ الآيات: (21 - 27) - المواعظ و العبر من قصة سيدنا هود عليه السلام

16/05/2013 17:59:00

سورة الأحقاف (046)
الدرس (5)
تفسير الآية: (21- 27)
المواعظ و العبر من قصة سيدنا هود عليه السلام
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس من سورة الأحقاف .
     
العبر من قوله تعالى وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ :
 
1 ـ تذكير الله عز وجل النبي الكريم بهود عليه السلام و تكذيب قومه له :
مع الآية العشرين ، وهي قوله تعالى :
 
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
الله سبحانه وتعالى يُوجِّه الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ، ويقول له : واذْكر أخا عادٍ ، يعني هوداً ، وهي أُخوَّة نسَب ، قال تعالى :
 
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ(50)
(سورة هود )
فكان هود عليه السلام أخًا لقومه نسبِيًّاً فيقول الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام : اُذْكر هوداً ، واذكر تَكذيب قَومهِ له ، واذكر صبرَهُ على قومه ، واذكرْ شِدَّة المحنة التي قاساها ، لك به أُسْوَةٌ حسنة .
     
قصص القرآن الكريم عبر و دروس للإنسان :
 
أيها الأخوة قصص القرآن لا ينبغي أن تكون قصصاً بالمعنى المعروف للقصة  إطلاقًا ! إنَّما هي عِبرٌ ودروس ، فالله سبحانه وتعالى حينما يورِدُ قِصّة في القرآن الكريم تُتْلى إلى يوم القيامة ، ومعنى ذلك أنَّ هذه القصَّة ينبغي أن تكون عِبْرةً ، ينبغي أن تُستنبط منها الحقائق والدُّروس ، وينبغي أن تؤخذ منها القواعد ، فالله سبحانه وتعالى يؤدِّب النبي عليه الصلاة والسلام أدَباً رفيعاً ، فإذا ضاقَتْ عليك الأمور ، وضاقَتْ نفسُكَ بِتَكذيب قوْمِكَ لك ، إذا ضاقَت نفسُكَ لِتآمُر الناس عليك ، إذا أرادوا إخراجَكَ من بيتك ، إذا أرادوا أن يُحارِبوك ، إذا نكَّلوا بأصحابك ، إذا فعَلُوا الأفاعيل ، فاذْكُرْ أخا عادٍ ، فقد أرْسِل إلى قومه وتحمَّل منهم ما تحمّل .
نحن كيف نستفيد من هذه الآية ؟ إذا أُصِبْتَ بِمُصيبةٍ فاذْكُر مصيبة المسلمين بِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم ، النبي على عُلُوّ شأنِهِ مات ابنه إبراهيم ، وقال : إنّ العَين لتَدْمع ، وإنّ القلب ليَخشَع ، ولا نقول ما يُسْخِط الربّ ، وإنَّا على فراقك يا إبراهيم لَمَحزونون.
امرأة شريفة طاهرةٌ عفيفة ، تكلَّم الناس بها الناس عنها كلاماً لا يليق بها ، فهذه لها في السيّدة عائشة أُسْوَة حسنة ، وحديث الإفك لا تخفى على مسلم .
صحابيّ جليل عانَى مِن شِدَّة الفقْر لك بهِ أسْوةٌ حسنة ، فإذا قرأْت سيرَ الصحابة ، وإذا قرأت قِصَص الأنبياء ينبغي أن تكون هذه القِصص عِبراً لك ودروساً .
2 ـ إهلاك الله عز وجل قوم هود لإفسادهم في الأرض :
هناك معنى آخر وهو : يا محمّد اُذْكُر لِقَومك أخا عادٍ ، أيْ ذَكِّرْهم كيف كان قوم هود أشِدَّاء وأقوياء ؟ وكذَّبوا ولم ينصاعوا ، وسَخِروا واستهزؤوا فأهلَكَهُم الله عز وجل .
    
العاقل من اتعظ بغيره :
 
إذًا الآية تحْتَمِلُ معْنَيَيْن ، أيْ اُذْكُر يا محمَّد في نفْسِكَ أخا عادٍ كيف دعا  قومه إلى ربِّه ، وتحمَّل من قومه ما تحمَّل ، أيْ يا محمّد اذكر لِقَومك قِصَّة أخي عادٍ سيّدنا هود ، وكيف أنَّ قومه لم يؤمنوا به ، واستهزؤوا به ، واستعجلوا العذاب ، وغرهم أنهم كانوا أقوياء وأشِدَّاء ، ومع كلّ ذلك أهْلكهم الله عز وجل ، إذًا نحن نستفيد من هذه الآية كَتَطْبيق عمَلي ، إذا رأيْت في التاريخ إنسانًا طغى وبغى ، ونَسِيَ المبْتَدَا والمُنْتهى ، ثمَّ قصَمَهُ الله عز وجل فهذه عِبْرةٌ ينبغي أن نأخذ بها ، إذا رأيتَ إنسانًا أكل مالاً حراماً فدمَّر الله ماله ، هذه عِبْرةٌ ينبغي أن نأخذ بها ، وإذا رأيتَ إنسانًا اعْتدى على أعراض الآخرين ، وفضَحَهُ الله تعالى في بيته ، فهذه عِبرة ينبغي أن نأخذ بها ، والمؤمن شأنُهُ كما قال عليه الصلاة والسلام : أمرتُ أن يكون صمتي فِكراً ، ونطقي ذِكراً ، ونظري عِبْرةً ! فالمؤمن يتَّعِظ بالآخرين .
    
الله عز وجل رحيم بعباده يُرْسِلُ أنبياءَهُ ورُسلَهُ إلى الأقوام ليبشروهم و ينذروهم :
 
قال تعالى :
 
إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ (21)
(سورة الأحقاف )
الأحقاف كُثْبان الرِّمال المرتفعة ، ويذكر المُفسِّرون أنَّ الأحقاف هي نُجود من الرِّمال المرتفعة في جنوب الجزيرة العربيّة ، وهي على وجْه الغلَبَة بلاد حضْرَمَوت ، فحَضْرَمَوت كانت بلاد أخي عادٍ ، أيْ قَوْم هود ، فالمعنى واذكر لِقَومك قصَّة هؤلاء القوم ، واذْكُر لِنَفسك قصَّة هذا النبي ، النبي حقيقة ، فهي موعظة لِرَسول الله ، وقوم سيّدنا هود موعظة لِبَقِيَّة الأقوام ، قال تعالى :
 
وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ (21)
(سورة الأحقاف )
فالإنذارات مستَمِرَّة متلاحقة ، فمِن بين يَدَيْه أيْ مِن أمامه ، ومِن خلفه ، أيْ مِن ورائِهِ ، فالنُّذُر كانت قبله وبعده ، فليس هودٌ أوَّل نذير ، وليس آخر نذير ، كان نذيراً وقد جاءَت من قبله النُّذر ، وسوف تأتي من بعده النُّذر ، وهذا يدلّ على رحمة الله جلّ جلاله بِعِباده ، فالإله الرحيم دائماً يُرْسِلُ أنبياءَهُ ورُسلَهُ إلى أقوامهم مبشِّرين ومنذرين .
 
العبادة أعلى علاقة بين المخلوق و خالقه :
 
 فمضمون الدَّعوة :
 
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ (21)
(سورة الأحقاف )
أنْذَرَهم ، وهم مُقيمون بالأحقاف ، مضمون الإنذار : ألاّ تعبدوا إلا الله ، قال تعالى :
 
وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
(سورة الأحقاف )
فإذا ضَغطنا أيَّةَ دَعْوَةٍ سماوِيَّة بِكَلمات كانت : ألاّ تعبدوا إلا الله ‍،العِبادة غاية الخُضوع مع غاية الحبّ والاستِسلام ، مع غاية الإخلاص ، العبادة هي أعلى علاقة بين المخلوق وخالقه ! قال تعالى :
 
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)
(سورة الذاريات )
قال تعالى :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
(سورة الأحقاف )
    
الله عز وجل وحده من يستحق العبادة :
 
الإنسان لا بدّ له مِن أن يعبُد ، فإما أن يعبد الله وإما أن يعبدَ غير الله ، والإنسان فيه ضَعف ، وهذا الإنسان الضَّعيف كيف يَقوى ؟ بِعِبادةِ جِهةٍ قَوِيَّة ، وفيه نقْص ، كيف يكمِّله ؟ بِعِبادة جِهة قوِيَّة ، فالمؤمن يعبد الله القويّ الغنيّ الرحمن الرحيم الرؤوف الحكيم العليم السميع البصير ، والأشقِياء لِضَعفِهم وخوفهم ، وقلقِهِم وضياعهم يعبدون غير الله ، يعبدون الأقوياء ، والتَّوجيه الإلهي عن طريق هذا النبي الكريم ، قال تعالى :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
(سورة الأحقاف )
هذا شيء دقيق جداً ، و على الإنسان أن يحاسب نفسه ، فهل يُطيع مخلوقًا ، ويعصي خالقًا ؟ إذًا هو يعبدُهُ من دون الله ‍،هل يسمحُ لِنَفسِهِ أن تُرْتَكَبَ معْصِيَةٌ في بيتِه إرْضَاءً لِزَوجته ، أو لبناته ، أو لأولاده ، أو لأصْدِقائه ؟ إذًا هو يعبدهم من دون الله ،فالتوجيه الإلهي :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
 (سورة الأحقاف )
من الذي يستحقّ العبادة ؟ هو اللهُ جلّ جلاله ، فالذي يستحق أن يُعْبدُ هو الذي يُحْيي ، والذي يُعبدُ هو الذي يُميت ، والذي يُعبدُ هو الذي يرزق ، والذي يُعْبدُ هو الذي يُعطي ويمْنعُ ، ويرفع ويخفض ويبسط ويقبض ، ويُحيي ويُميت ؛ هذا الذي يستحقّ العبادة ، هو الذي يعلم ما كان وما يكون وما سيَكون ، يعلم السرّ وأخفى ، يعلم الجهر ، وكل ما خفي عليك أنت يعلمه الله ، ويعلم ما أعْلنْتهُ ، وما أسْررْتَهُ ، فهذا هو الذي ينبغي أن يُعْبد .
    
من عبد غير الله تعالى خسر دنياه و آخرته :
 
 أما إذا عبدْت إنسانًا ضعيفًا لئيماً قاصِراً في إدراكه ، وقاصِراً في سلطانه ، فقد خَسِرتَ خسارةً مبينة ، إذًا كما قال تعالى :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
 (سورة الأحقاف )
فالمؤمن الصادق دائماً يراقب نفسهُ ، هل يُطيعُ مخلوقًا ويعصي خالقًا ؟ هل يمحضُ حُبَّه لِغَير الله تعالى ؟ وهل يمْحض ولاءهُ لِغَير الله ؟ هل يُوجِّه اهْتِمامه لغير الله ؟ قال تعالى :
 
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
    
الخير و الأمانة في منهج الله و الكذب و الخيانة في غيره :
 
و بعد ، فإنه يطالعنا الآن سؤال دقيق ؛ أيْ إذا عبَدَ الإنسان غير الله ، لماذا يستحقّ هذا العذاب العظيم ؟ لو أنَّ الله تجاوَزَ عنه ؛ اُعْبُد من شئتَ .
(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ
 
كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ
 
مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا،  فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ
 
وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[ رواه مسلم عن  أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]
لا إيماننا بالله عز وجل ينفعُ الله عز وجل ، ولا كفرنا به يضرُّه ، فلماذا إن عبدنا غيره فلنا عذاب عظيم ؟! هذا سؤال ! لعلّ الجواب أنَّك إذا عبَدْت غيره خرجْت عن منهج العدالة ، وأقَمْت شؤونك على العُدوان ، ولأنّ الله تعالى عادِل ، ومنهجه هو الحقّ ، وهو مصدر العدل ، والرَّحمة ، والإنصاف ، ومصدر الخير ، والنور ، والصِّدق ، والوفاء ، أما منهج غير الله يستحيل أن يكون فيه الصّدْق ، بل الصِّدق كلُّه في منهج الله ، وإذا ابْتدَعْتَ منهجاً آخر كان فيه الكذب والفجور ، والأمانة كلها في منهج الله ، وإن اتَّبَعتَ غير منهجه ففي الخيانة ، والإحسان كله في منهج الله ، وإن اتَّبَعت منهجاً آخر كانت الإساءة ، وكذلك الاستقامة في منهج الله ، وإن اتَّبعْتَ منهجاً آخر كان الانحِراف ، فالخير كله في منهج الله ، وفي غيره الشرّ .
 
الحق واحد لا يتعدد :
 
إذًا الله جلّ جلاله حينما تعبدُ غيرهُ لا بدّ من أن تطغى ، ولا بدّ من أن تبْغي، ولا بدّ من أن تعتدي ، ولا بدّ من أن تنحرف ، ولا بدّ من أن تسيء ، لأنَّ الحق لا يتعدَّد أما الباطل فيتعدَّد ، فالحق خطّ مستقيم ، فبين نقطتين لا يمرّ إلا مستقيم واحدٌ ، إذًا ينبغي أن نلحظ ما بين الآيتَين من صلة وشيجة :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
(سورة الأحقاف )
هذه الآية الأولى ، والثانية :
 
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
لأنّكم إن عبدتم غير الله فلا بدّ أن تنحرفوا ، ولا بدّ من أن تُسيؤوا ، فمنهج غير الله عز وجل ضلال و شقاء .
    
الطُّغيان والبغيمِن لوازم عبادة غير الله :
 
في الهند إذا مات الرّجل ينبغي أن تُحرق امرأته معه ، أو ينبغي أن تُدْفنَ معه وهي حيّة ، هذا عُدْوان ، فأيُّ منهجٍ آخر فيه عُدْوانٌ شديد ، هناك أدِلَّة واقِعِيَّة ، اُنظر هذا الذي لا يستجيب لأمر الله تعالى ، أين يذهب ؟ كيف يتعامل مع الناس ؟ قال تعالى :
 
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)
(سورة العلق)
ثم  اُنظر إلى أحواله ، وإلى علاقاته ، إلى معاملاته ، وإلى أخلاقه وسلوكه ففيه الكذب والفجور، وهو يخون وليس أمينًا ، كما أنه قاسي القلب ، لا يرحم ، ومجحف لا ينصف ، ومعتدٍ لا يستقيم ، ومنحرِف لا يسير على منهج الله عز وجل ، لذلك مِن لوازم عبادة غير الله الطُّغيان ، والبغي ، والعُدوان ، والظُّلم ، وهذه الصِّفات لها عقاب شديد ، ومن ثَم فالانْسِجام واضح بين الآيتين :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (21)
 (سورة الأحقاف )
إنَّكم إن عبدْتم غير الله ، قال تعالى :
 
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
الذي يعبد غير الله قد يعتدي على أعراض الآخرين ، وهذا واقِع .
 
   العذاب الأليم لمن اعتدى على أعراض الآخرين :
 
المؤمن مستقيم لا يعرف من النِّساء إلا امرأته ، أما غير المؤمن يعتدي على أعراض الآخرين ، وهذه الفتاة التي اعْتُدِيَ عليها ، فأصبَحَتْ بعد هذا الاعتِداء ساقطة ، وأصْبحَتْ تأكل بِثَدْيَيْها ، فلما زوى جمالها أُلْقِيَتْ على قارعة الطريق ، أليس هذا الذي اعتدَى عليها وساقها إلى تلك النِّهاية الوخيمة يستحقُّ يوم القيامة أن يذيقه الله جزاء عمله ؟ إن هذه الفتاة كان مِن المُمْكن أن تكون أُمًّاً شريفة لها أولاد ، ولها أصهار ، ولها مكانة اجْتِماعِيّة رفيعة ، فأنت حينما اعْتَدَيتَ عليها حوَّلتها إلى ساقطة ، ولمّا سقَطَت أكَلَتْ بِثَدْيَيْها ، فلمَّا زوى جمالها أُلْقِيَت كما تُلقى الفأرة الميِّتة خارج المنزل ، هذا هو العُدْوان ، فيستحيل على الذي يخرج عن منهج الله تعالى إلا أن يستبد ويطغى ويعتدي ، إما على أموال الناس ، أو على أعراضهم ، أو على مُمْتلكاتهم ، أو على حُقوقهم الأدَبيَّة فيهضمها ، لا بدّ من أن يتكبَّر ويجْحَد ، ولا بدّ من أن يكون قاسِيَ القلب ، فهو مقطوع عن الله تعالى ، فليس له العذاب العظيم لأنّه لم يعبد ، ولكن لأنَّه طغى وبغى ، واعْتدَى وظَلَم ، وجحَد وأنْكَر .
 
فَحْوى دعوة الأنبياء جميعاً عبادة الله وحده و توحيده :
 
إذًا فَحْوى دعوة هذا النبي الكريم : ألاّ تعبدوا إلا الله ، والحقيقة هذه فَحْوى دعوة الأنبياء جميعاً ، قال تعالى :
 
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25)
(سورة الأنبياء)
وقال تعالى أيضاً :
 
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا(64)
(سورة النساء)
أن تعبد الله وحده ، وأن تُوَحِّدهُ عقيدةً ، وأن تعبدَهُ سلوكًا ، هذا هو الدِّين ، إذا أردت أن تبسِّط ، وأن توجِز ، وأن تضغَط ، فعليك أن تُوَحِّدهُ ، وأن تعبُدَهُ ، فما من نبيٍّ على الإطلاق إلا و قد جاء بِهاتين الحقيقتَين ، توحيد الله عز وجل وعبادته .
    
أمنية الكافر يوم القيامة أن يدفع دنياه بأكملها فداءً من العذاب العظيم الذي نوَّه الله به :
 
قال تعالى :
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
ما قَوْلُكَ أيها الأخ الكريم إذا قال لك الله العظيم : عذاب يوم عظيم ؟‍‍! لو قال لك طفل : معي مبلغٌ كبير ، كم تُقدِّر هذا المبلغ ؟ فلعله مائة ليرة ، ولكن إذا قال لك إنسانٌ راشِد : معي مبلغ كبير ، فلعله مئة ألف ليرة ، بينما إذا قال لك تاجر كبير : معي مبلغ كبير ، وإذا قال لك أغنى أغنياء الأرض : أنا معي مبلغ كبير ، فالمبلغ إذًا بالملايين ، كلمة كبير تتراوَح بِحَسَب القائل ، خالق الكون يقول لك : عذاب يوم عظيم ، فما هو هذا العذاب ؟! هنا تجد مرجعيته ، قال تعالى :
 
يُبَـصَّرُونَهُمْ يَـوَدُّ الْمـُجْرِمُ لَـوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِـئِذٍ بِبَنــِيهِ(11)وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ(12)وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ(13)
(سورة المعارج)
لو أنَّ للكافر الدنيا بأكملها ومثلها معها ، لدفَعَها فداءً من العذاب العظيم الذي نوَّه الله به .
    
إقبال الناس على عبادة غير الله على الرغم من الإنذارات المستمرة من الله تعالى :
 
 قال تعالى :
 
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ (21)
(سورة الأحقاف )
فالإنذارات مستَمِرَّة ، وليس إنذار هذا النبي الكريم أوّل إنذار ، وليس آخر إنذار ، ونحن نعيش ، ونرى مِن حولنا مواعظ وعِبَراً ودروساً ، وهذه المواعظ وتلك العِبَر ، وهذه الدروس ليْسَت أوَّل الدروس وليْسَت آخرها ، مادام هناك خالق رحيم فإنذاراته مستمرّة ، وعلاجاته مستمرّة ، وأدواؤُه مستمرّة ، لكن ردّ الفِعْل كان قبيحاً مستهجناً ؛ قال تعالى :
 
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
تأفِكَنا أي تصرفَنا عن آلهتنا ، وقد يسأل سائل ، كيف نُصَدِّق شعباً كشَعب الهند  إحصاء ما قبل عشرين سنة أربعمئة وخمسون مليونًا ، والآن حوالي سبعمائة مليون ، يعبدون بوذَا !! كيف يُقْبِلُ الناس على هذه العِبادة ؟ هناك جواب دقيق جداً خلاصته أن هذه الأصنام ، وهذه الأديان الوَضْعِيَّة ، ليس فيها تكاليف ، فأتباعها في بحبوحة ، اِفْعَل ما تشاء ولكنّ أقرّ بهذا الصَّنَم أنَّه إله ، وانتهى الأمر ، إقبال الناس على هذه الأديان بِمَلايينِهم المُمَلْيَنَة ، وبالأعداد الغفيرة ، هذا لا يدلّ على أنَّ هذا الدِّين حق ، ولكن يدلّ على أنّ هذا الدّين لا تكليف فيه ، امتناع شكلي ، وإقرار صوري ، ثم  لك أن تفعل ما تشاء .
    
إقبال الناس على التَّمَسُّك بالمذاهب الوَضْعِيَّة لانعدام التكاليف فيها :
 
من قرأ تاريخ الأديان في العالم يرى العَجَب العُجاب ‍،  فأكثر الأديان بُعْداً عن الحق أقربها إلى الإباحِيَّة والاشتراك في النِّساء وفي الأموال ، فحينما تنعدم القيود والموانع والزَّواج والأوامر والنَّواهي يصبح الانتِماء سهلاً ، فلذلك إن رأيْت الملايين من الناس تَدينُ بِدِين أرضي وضعي فلا تعْجَب ، لأنّ هذا الدِّين لا تكليف فيه ، والدُّخول فيه واعتناقه سَهل جدًّاً ، وهناك مصالح دنيوية كثيرة تتحقَّق من هذا الدِّين ، لكنّ دين الله هو دين الحق ، بِمَعنى أنّ فيه الأمر وفيه النّهي ، فالإنسان المؤمن يبحث عن منهج حقيقيّ فيه الأمر والنَّهي ، والحرام والحلال ، وما لك و ما عليك ، فالجاهِلِيُّون مثلاً لو قرأْت عنهم لوجَدْت أنَّ بضعة عشر رجلاً يتزوَّجون امرأة واحدة ، وهي تنتقي وتختار منهم ، فحينما تلِدُ تقول : هذا الغلام لفُلان ، وانتهى الأمر !! فوضى في العلاقات الجِنْسِيَّة ، وإباحية مرذولة ، وفوضى في كسب المال ، بأيّ طريقة لك أن تكسب المال ، وهذه هي الجاهليّة فإقبال الناس على التَّمَسُّك بالجاهليَّة الأولى والثانية ، أو على المذاهب الوَضْعِيَّة أساسه أنّ هذه المذاهب وتلك الجاهليَّة ليس فيها تكاليف ، شريعة الغاب : البقاء للأقوى ، والمسالك فوضى ، فالأنبياء لمَّا يأتون بالمنهج ، فمن الذي يُعارضهم ؟ المُتْرفون ، الغارقون في الشَّهوات والمُنْحرِفون و المتسلطون ، قال تعالى حكاية عنهم :
 
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
 
استهزاء الكفار بوعيد الله و تكذيبهم له :
 
طبعاً كذَّبوا دعوته وسَخِروا منه ومنها ، قال تعالى يحكي مقالتهم :
 
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
﴿ فَأْتِنَا اسْتِهزاء بِوَعيد الله عز وجل و تكذيباً ، ألمْ يقل لهم أخوهم هود :
 
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
هذا هو الاستهزاء والتكذيب ، فقال لهم بِأَدَب النبوَّة :
 
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ (23)
(سورة الأحقاف )
هذا تركيب فيه قَصْر ، يعني العلم عند الله وحده ، فهو الذي يأتي بالعذاب ، أما متى يأتي به ؟ أو كيف يأتي به ؟ وبأيِّ طريقة يأتي به ؟ ومن يُصيب به ؟ هذا ليس من شأنك ، هذا مِن شأن الله تعالى .
    
المؤمن كلما ارتقى إيمانه تمسك بمنهج الله عز وجل :
 
بالمناسبة المؤمن كلّما نما إيمانه يتمسَّك بِعُبودِيَّته لله عز وجل ، ويتخلَّى عن مواقف لا تليق بذوي الإيمان ، فلو سُئِلَ عن تقييم شخصٍ ؛ ماذا يقول ؟ يقول : تَقييم الأشخاص من شأن الله ، وليس من شأن البشر ، ولا من شأني ، وحتَّى لو مدَحَ شخصاً يقول : أَحْسَبُهُ كذلك ، ولا أُزكِّي على الله أحداً ، فالمؤمن كلّما ارتقى تمسَّك بالمنهج ، رسول الله عليه الصلاة والسلام دخل بيت أحد أصحابه وقد توُفِّي مِن فورِه ، فلما سمع امرأة تقول : هنيئًا لك يا أبا السائب فقد أكرَمَك الله قال : وما يدريك أنّ الله قد أكرمه ؟! فأنْ تقول : فلان من أهل الجنَّة ، هذا تألٍّ على الله تعالى ، من قال لك ذلك ؟ ليس هناك على وجه اليقين أُناسٌ بُشِّروا بالجنَّة إلا العشرة المبشِّرين ، أما الباقون فنرْجو أن يكونوا من أهل الجنَّة ، وهذا هو مقام العبوديَّة ، مقام فيه تواضع ، وبعيد عن التّألي على الله .
    
ملة الكفر واحدة في كل مكان و زمان :
 
قال تعالى حكاية عنهم :
 
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
وهذا يُعادُ كلّ يوم و يتكرر عن الكثير من الناس ، فأنت تقول لأحدهم : هذا الدَّخْل حرام ، وهذا الدَّخْل رَبَوي مثلاً ، فيقول لك : وما الذي يحدث ؟ هل يُدَمِّر الله لي مالي ؟ دعْهُ يُدَمِّرْهُ !! فإذا نبَّهتَ إنسانًا إلى معْصِيَة كبيرة ، إلى حرام ، إلى علاقة رَبَوِيّة ، إلى علاقة مع النِّساء مريبة ، واختلاط مرذول يقول لك آخر : دعْهُ يفعل ما يشاء ، إنها مقالة أهل الضلال ، وهذا كلام الكافرين ، ومِلَّة الكفر واحدة ، قال تعالى :
 
فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
(سورة الأحقاف )
    
خشية المؤمن بعقله و خوف الكافر بعينه :
 
سبحان الله ! فكلّ إنسانٍ يتحدَّى ويتألَّى ، ويطلب العِقاب ويسْتِعجله ، وحينما يأتي العِقاب تجِدُه يتلوى كما تتلوى الأفعى من شِدَّة العذاب وقسوة النار و حرها ، ثم نتيجة العُنْجهيَّة والكبرياء يلاقي الذل و الهوان عقاباً و جزاء وفاقاً ، ثم يصيح ويستغيث ولا مغيث ، ويستجير ولا مُجير ، إنّ الإنسان بطبعه يخاف ، فأما المؤمن يخاف بِعَقلِهِ ، أما الكافر فيخاف بِعَيْنِهِ ، عندما يضرس ويأتيه العذاب حينها يخاف ، أما المؤمن فهو يخاف بِعَقلِه ، والذي يخاف بعقْله نسمِّيه يخْشى ، وليس ما يعتريه خوف بل خشية ، فالخوف بالعَين ، أما الخَشْيَة فَبِالعَقل .
 
مهمة الأنبياء التبليغ :
 
بِأدب النبوَّة قال هود عليه السلام :
 
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ (23)
(سورة الأحقاف )
هذا ليس من شأني ، متى يأتي العذاب ؟ وكيف يأتي ؟ ما نوع العذاب ، وما شدة العذاب ؟ ومن يُصيب هذا العذاب ؟ فهذا ليس من شأني ! هذا مِن شأن وحده ، إنما العلم عند الله ، وإنما من شأني أن أبلِّغكم ما أرسلت به :
 
وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)
(سورة الأحقاف )
    
من ازداد معرفة بالله ازداد خشية منه :
 
الذي لا يخاف جاهل ، وبالمناسبة ما أكثر ما ذكرت هذه الحادثة ، فبعض الفلاَّحين يأخذون أطفالهم الصِّغار جدًّاً ، ابن سنة مثلاً ، إلى الحقل ، أثناء الحصيد ، وقد يمرّ ثعبان كبير وقد يبقى بِجانِب طفلٍ صغير ، فهذا الطِّفل الصغير يضعُ يده على الثعبان ويألفُهُ ويستأنس به ولا يعرف ما خطورة هذا الكائن ، فلو كان كبيراً لصاحَ بأعلى صوته ! فعَدَم الخوف يدلّ على عدم الإدراك ، والإنسان يخاف بِقَدْر عِلمهِ ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام رأس الحكمة مخافة الله ، وأشدُّكم لله خشيَةً أنا ، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ، وسيّدنا عمر رضي الله عنه كان يقول : أتمنَّى أن أنقلب إلى الله لا إلي  ولا عليّ ، ليت أمّ عمر لم تلِد عمر ، ليتها كانت عقيماً ، هذا عِملاق الإسلام المبشَّر بالجنَّة ، الذي جنّد الجند ، وفتح البلاد ، وجهَّز الجيوش ، وفتح الله على يديه أطراف الدنيا ، وكان زاهداً متقشِّفاً ، يُضرب به المثل في الورَع ، والزُّهد والعدل ، ومع ذلك قال : أتمنَّى أن أنقلب إلى الله لا إلي  ولا عليّ ، ليت أمّ عمر لم تلِد عمر ، ليتها كانت عقيماً ، هذا كلام حقيقي وليس تمثيلاً لِشِدَّة معرفته بالله كانت خشيتُهُ منه كبيرة و موجعة ، وأنت تخشى الله بِقَدْر معرفتك به ، كلّما ازددْت منه معرفةً ازْددْت به خشْيةً ، قال تعالى :
 
وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)
(سورة الأحقاف )
    
التعريف بالإنسان الجاهل :
 
من هو الجاهل ؟ هذا الذي يرتكب الموبقات ، ويعتدي على أموال الناس وعلى أعراضهم ، ويظنّ أنّ هذا العمل فيه ذكاء وبطولة ، ثم هو يتبجَّح بين الناس بِعُدْوانه على الآخرين ، وعُدوانه على أعراضهم ، هذا جاهل  حقًّاً ، هذا الذي لا يرى العقاب الحتْمي ، ولا يرى المصير الحَتمي لِكُلّ معْصِيَة  وانْحراف ، فهو جاهل حقًّاً ، قال تعالى :       
 
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)
(سورة الأحقاف )
وكلّ إنسانٍ يدعو إلى الله عز وجل يُواجِه هذه الحالات ، إنسان مستهزئ ، يقول لك : اليوم يفرجها الله !! هذا كلام الناس المُتفلِّتين والمنحرفين الشادرين في الضلال و الغواية .
    
وصف حال قوم لوط عليه السلام :
 
تروي كُتب التفسير أنَّ هؤلاء القوم ، قوم هودٍ الذين سكنوا بالأحقاف أصابتهم مَوجة حرٍّ شديدة ، جعلتْ بلادهم مُغْبرَّة ، حرّ لا يُطاق ، وغبار شديد ، وبعد هذا الحرّ الشديد ، وهذا الغبار الذي لا يُطاق ، رأَوا السماء ملبَّدة بالغيوم ! قال تعالى يصف حالهم :
 
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا (24)
(سورة الأحقاف )
رأوا سحاباً في السماء ، فقالوا : جاء المطر ، قال تعالى : ﴿ بل هو ما استعجلتم به هذا هو العذاب الذي أنذركم به نبيُّكم .
 
عقاب الله عز وجل لا يبقي على شيء :
 
قد تسمعون بالأخبار الإذاعية و تشاهدون في المحطات المرئية ما تفعله الأمطار ، تدمِّر وتهلك القرى ، والإعصار الذي أصاب أمريكا دمَّر كلّ شيء ، وكانت الخسائر ثلاثين ملياراً ، قال تعالى :
 
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24)
(سورة الأحقاف )
الرِّياح لها سرعات مذهلة تتجاوز المئة و الخمسين كيلومتراً أو المئتين ،  فتدمِّر البيوت ، و تتلف المحاصيل ، وتزهق الأرواح ، وتقتلع الأشجار ، وقد يكون الدمار شاملاً، لا يبقى على شيء  ،  وهذا يجري في ساعات محدودة .
    
الأعراض الجَوِيَّة ليست شيئاً عارضاً بل هي عذاب من الله عز وجل :
 
 قال تعالى
 
قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (25)
(سورة الأحقاف )
انظر إلى الدِقَّة في التعبير ؛ بأَمر ربِّها ، معنى ذلك إن سَمِعت عن فيَضانٍ ، أو إعصار ، أو زِلزال ، أو رياح شديدة أهلكت الحرث والنَّسل ، عن وباء اجتاح العالم ، إيَّاك أن تفهم هذا أنَّه شيءٌ عارض ، بل قال تعالى :
 
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (25)
(سورة الأحقاف )
هذه الرِّياح لها ربٌّ هو الذي أرسلها ، وسمح لها أن تُدَمِّر ، وهذه الصاعقة لها رب هو الذي أنزلها على القوم ، وهذه الأرض لها ربّ هو الذي زلزلها ، وهذا الماء الذي طغى وبغى ، له ربّ هو الذي أرسله ، فالإنسان حينما يرى الأعراض الجَوِيَّة مِن مطرٍ إلى ثلْج أو رياح شديدة ، أو صقيع يدمِّر المحاصيل كلّها ، هذا الفهْم ينبغي أن يكون فهماً توْحيدِيًّاً ، في أحد المرات انخفضت الحرارة بِبَعض المناطق الزِّراعِيَّة إلى اثنتي عشرة درجة تحت الصِّفر ، فأتلفت ثمانين مليون ثمن البذور ! وأتت على محاصيل ثمنها مئات الملايين ، وحتى ألف مليون أحيانًا تصاب بِصَقيعٍ طارئ فلا يُبقي منها ولا يذر .
    
الدمار و الهلاك عاقبة قوم هود عليه السلام :
 
أدقّ ما في الآية  :
 
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (25)
(سورة الأحقاف )
فالمياه لها رب ، والرياح لها رب ، والجرثوم له ربّ ، وكذا الزلازل والبراكين ، وهذه الأوبئة والأمراض ، هذه كلّها لها ربّ ، قال تعالى :
 
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
(سورة الأحقاف )
فأصحاب المساكن بادوا وماتوا عن آخرهم ، قال تعالى :
 
كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
(سورة الأحقاف )
    
ما من مصيبة تقع في الأرض إلا ولها سبب معين :
 
أحيانًا يقولون لك : أصبح هناك انفِتاح ، ولكن مع هذا الانفتاح معاصٍ ،  ومنكرات ، وفِتَن ، واختلاط ، وشرب الخمور ، ومناظر لا ترضي الله عز وجل ، وبرامج ساقطة ، ومحطَّات فضائيَّة ، فإذا كان من حولنا قد دُمّروا وفعلنا مثل فِعلهم فَمِن المحتمل أن نُدَمَّر مثلهم ! وهذه قاعدة إلهية ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ، وشيءٌ مُتَوَقّع جدًّاً أن يُصيب العُصاة ما أُصاب مَن قبلهم ، قال تعالى :
 
فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
(سورة الأحقاف )
 وبعد ، فإني أرجو الله سبحانه وتعالى وأطلب إلى الأخوة الكرام أنه إذا سمع أحدكم عن خبر من مشكلات العالم  عليه ألاّ يعْزل هذه المشكلة عن التوحيد ، هذا الشيء الذي حدث له ربٌّ أحدثه ، وهذه المصيبة وقعت لسبب ، وما من مصيبة تقع في الأرض إلا ولها سبب ، قال تعالى :
 
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)
( سورة هود )
 
من أعرض عن ذكر الله دمره الله و لو بعد حين :
 
الإنسان عليه أنْ يتَّعظ ، وعليه أن يستقيم على أمر الله ، لِقَول الله تعالى :
 
وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)
(سورة الأنبياء)
القصَّة مؤثِّرة ، نبيٌّ كريم دعاهم إلى رب كريم ، إلى منهج قويم ، وإلى طاعة الواحد الأحد ، كذَّبوا واستهزؤوا ، وأعرضوا واسْتعجَلوا العذاب ، فجاءتهم سحابة ظنُّوها مطراً لأوديتهم ، فإذا في هذه السحابة عذاب أليم ، تُدَمِّر كلّ شيءٍ بأمْر ربِّها ، قال تعالى :
 
فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
(سورة الأحقاف )
    
القوة و البأس لا ينجيان العبد من عذاب الله :
 
قال تعالى :
 
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ (26)
(سورة الأحقاف )
إن الله سبحانه و تعالى يمهل و لا يهمل ، والله يعطي الصِّحة ، ويعطي القوَّة ، ويعطي المال والثَّرْوَة ، الإنسان لما يكون قويًّاً ، ومع القوَّة جهل ، فإذا رأيْت الله يُتابِعُ نِعَمَهُ عليك ، وأنت تعصيهِ فاحْذَرْهُ ، إذا وجد الإنسان القوَّة والشَّأن والمنعَة وهو على غير منهج الله فهذا اسْتِدراج ، وليس إكراماً ، قال تعالى :
 
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ (26)
(سورة الأحقاف )
أيْ مكَّانهم ما لم نُمَكِّن لكم ، فكانوا أكثر منكم قوَّة ، وأكثر جمْعاً ، وأكثر غِنًى ، ومع ذلك ما أغنى عنهم جمعهم ولا قوَّتهم ولا بأسهم من الله شيئًا.
    
العقل من أعظم النعم التي منحها الله تعالى للإنسان  :
 
 :  قال تعالى
 
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً (26)
(سورة الأحقاف )
الأفئدة إن جاءت مع السمع والبصر فهي العقل ، فهناك عَقل الرأس ، وهناك عقل القلب ، فإذا جاء الفؤاد مع السمع والبصر ، فالبصر والسمع نافذة ، والعقل هو الذي يحكم ، أعطيناهم سمْعاً لِيَستمعوا إلى الحق ، وأبصاراً لِيَرَوا الآيات ، وأفئدةً عقولاً كي تحْكُم بِوُجود الله عز وجل وأسمائه الحسنى ، قال تعالى :
 
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)
(سورة الأحقاف )
    
من أراد الهدى فكل شيء يدله على الله :
 
أيها الأخوة ، أراد الله جلّ جلاله من هذه الآيات أن يُعْلِمَنا أنّ الإنسان العاصي ينبغي ألاّ يغترّ بِقُوَّته ، ولا بِرِفْعة شأنه ، ولا بِغِناه ، ففي لحظة واحدة تصبح القوّة ضعفًا ، والغنى فقْراً ، ويصبح الرجل خبراً بعد أن رجلاً ، لذلك قال تعالى :
 
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً (26)
(سورة الأحقاف )
هذه الأجهزة حجَّة علينا ، أعْطيتك يا عبدي سمعاً من أجل أن تستمع إلى الحق فأعرضْت عن الحق ، وأعطيتُكَ بصراً من أجل تنظر إلى الآيات فلم تنظر ، وأعطيتُكَ عقْلاً من أجل أن تحكم بهذه الحقائق فلم تستخدمه ، فالإنسان إذا أراد الهدى كلّ شيءٍ يدلُّه على الله ، أمّا إن أراد الدنيا وشهواتها تصبح الدنيا حِجاباً بينه وبين الحقيقة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : حبُّك الشيء يعمي ويصمّ ، قال تعالى :
 
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)
(سورة الأحقاف )
حاق بهم : أي أحاط بهم ، فاسْتِهزاؤهم أحاط بهم وأوْصَلَهم إلى الهَلاك .
 
الهلاك عاقبة من سار على درب الأقوام السابقة :
 
ثمَّ يقول الله عز وجل :
 
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
هذه الآية مُطبَّقة الآن ، شرقُنا في هلاك ، وغربنا في هَلاك ، وجنوبنا في هلاك ، تارةً حروب أهليَّة ، وتارةً صواعق ، وتارةً براكين ، وتارةً زلازل ، وتارةً فيضانات ، أي : أُهْلِكَ ما حولنا من القرى لأنَّهم فسقوا وعَصَوا فإذا سِرنا على درْبهم ، ومنهجهم فالهَلاك مُحَقَّق ، قال تعالى :
 
وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
فالآيات صرّفناها أي أظهرناها ، فالآيات صارخة ، ولكنّ الأعمى لا يرى ، وإذا ذُكِر الله وحده اشْمأزَّت قلوب الذين كفروا ، أما إذا ذُكِرَ الذين من دونه إذا هم يستبشرون !! فأنت إن أشْركت يفرحون ، أما إن وحَّدتَ وأعطَيت تفسيراً توحيدِيًّاًً ، وفسَّرتها على أنها فعلٌ يتعلَّق بالله سبحانه ، قال جل جلاله :
 
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
    
الأحداث الكبرى ينبغي على الإنسان أن يربطها بكلام الله ويعطيها تفسيراً توحيدياً :
 
وإليك أيها الأخ الكريم هذه الواقعة : مركبة فضائيَّة اسمها المُتَحَدِّي ! تتحدَّى مَن ؟! بعد سبعين ثانية من انطلاقها أصبحت كتلة من اللَّهَب ، هذا الخبَر ينبغي أن نقف عنده ،  قلعة من قلاع الكفر في العالم ، كيف تهاوت كبيت العنكبوت ؟ هذه آية من آيات الله الكبرى ، وكذلك مرض الإيدز ، هو آية من آيات الله عز وجل ، وهناك مرض أحدث منه ، وهذا المرض يؤدِّي إلى أن يتآكل جلد الإنسان وعضلاته في أقلّ من أربع وعشرين ساعة !!! وأسبابه أيضاً انحراف جِنسي ، وقد ظهر هذا المرض في بريطانيا ، وهذه آية عن أعاصير في بلاد الفسق والفجور ، ونوادي العُراة ، فهبَّ بها إعصار يُدَمِّرها عن آخرها ، هذه آيات دالة على الله و على عظمته ، فالذي أتمناه على الأخوة الكرام أنّ هذه الأحداث الكبرى ينبغي ألاّ نفهمها فهْماً ضيِّقاً محدوداً ، ولكن أن نربطها بِكلام الله عز وجل ، ونعطيها تفسيراً توحيدياً ، قال تعالى :
 
وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
و لكن هيهات فهُم عميٌ صمّ ، كما قال تعالى :
 
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)
(سورة الأحقاف )
    
من اتخذ جهة أرضية و اعتمد عليها فإنقاذًا للتَّوحيد يُخَيِّب الله له ظنه :
 
الشيء الثابت أنّ كلّ إنسان اتَّخذ جِهة ما ّإلهاً من دون الله ، هذه الجهة لا بدّ من أن تخذلهُ ، وهذا من قدر الله عز وجل ، لماذا تخْذِلُهُ ؟ من أجل أن يتَّعظ ، وأن يتخلَّى عن شِرْكِهِ ، وهذه قاعدة أساسيَّة ، إذا اتَّخَذْت جهةً من الجهات ، واعْتَمَدْت عليها ، واتَّخَذتها إلهاً فالنتيجة في قوله تعالى :
 
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)
(سورة الأحقاف )
ولو اتَّكَلْت على جهة أرضيَّة ، واسْتَغْنيْت عن الله عز وجل بهذه الجهة ، فلا بدّ من أن تُخَيِّب أملك ، واحذر إنقاذاً لفكرة التَّوحيد لديك .
 
عزل خالد بن الوليد من قِبل عمر بن الخطاب إنقاذاً لعقيدة التوحيد :
 
سيّدنا عمر عندما عزل سيّدنا خالد ، وهو سيف من سيوف الله ، والعزل صعبٌ تفسيره ، فعمر بن الخطاب من المبشَّرين بالجنَّة ، وسيّدنا خالد وصفه النبي بأنَّه سيف من سيوف الله ،  ولقد قبِلَ العزل من قيادة الجيش ، وجاء إلى عمر ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، لِمَ عَزَلتني ؟ فقال له عمر : والله إنِّي لأُحِبُّك ‍،فقال له : لِمَ عزلتني مرَّةً ثانية ؟ فقال له عمر : والله إنِّي لأُحِبُّك‍،فلما ألحَّ عليه في الثالثة ، قال له : ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يُفْتَتَنَ الناس بِكَ لِكثرة ما أبليْتَ في سبيل الله ، فعُمَر خاف على عقيدة التوحيد ، خاف أن يظنّ الناس أنَّ النَّصر من عند خالد ، وينسوا أنّه من عند اللهفعزَلَه ، واستمر النَّصْر ، فعمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنقذ فكرة التوحيد لدى الناس ، وكلّ إنسان يعتمد على جهة أرضيَّة ، ويثق بها ، وينسى ربّه ، فإنقاذًا للتَّوحيد يُخَيِّب الله له ظنَّه ، ويُحْبطُ عمله ، وعند الضرورة هذه الجهة لا تنجدك ، ولا تخلّصك ، ولا تفكّ أسرك ، قال تعالى :
 
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)
(سورة الأحقاف )
 
   هدف القصة في القرآن الكريم : 
 
1 – الموعظة و العبرة :
أيها الأخوة ، عودٌ إلى فقرات هذه القصَّة ، أوَّلاً إنًّ الإنسان إذا قرأ القصَّة في القرآن ينبغي ألاّ يتوهَّمها قِصَّة ، وإنَّما هي حقائق ، وقوانين ، صيغَت على شكل قصَّة ، ففيها الدروس ، وفيها العِبر ، وفيها المواعظ ، وفيها الحقائق ، وفيها الأُسس .
2 ـ من عبد الله جاءته الخيرات و من كفر و طغى جاءه العقاب :
الشيء الثاني أنَّ الإنسان إذا عبد غير الله لا بدّ من أن يعتدي ، ولا بدّ من أن ينحرف ، ولا بدّ من أن يطغى ، ويبغي لذلك يأتي العقاب ، قال تعالى :
 
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(سورة الأحقاف )
بالمقابل :
 
بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66)
(سورة الزمر)
فما هي العلاقة بين أن تكون عابداً ، وبين أن تكون شاكراً ؟ العلاقة أنَّك إذا عبَدْته جاءَتْك الخَيرات ، إذاً عليك أن تشْكر ، وإذا لم تعبدْهُ وفعلْتَ المنكران ، فإذاً عليك أن تنتظر العقاب من الله عز وجل ، إنها قوانين سماوية ، وقد جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام وقال : يا رسول الله عظني وأوجز ، فتلا عليه هذه المقولة :
(( قلْ آمَنْتُ باللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) .
[ رواه مسلم عن سفيانَ بن عبد اللّه رضي اللّه عنه ] .
قال : أريد أخف من ذلك ، قال : إذًا فاستعدّ للبلاء  .
ملخَّص الموضوع إن عبدت الله عز وجل جاءتك الخيرات فلتشكر ، وإن لم تعبدْهُ انحرفْت فاعْتَدَيت ، فظَلَمْت فجاءك العقاب فاصبر .
3 ـ على الإنسان أن يتقوَّى بِطاعة الله و يترفع عن عبادة غيره :
: الشيء الثالث في الآية ، أنّ الإنسان مهما كان مُمَكَّناً في الأرض ، مِن قوَّة ومال وسلطان ، فهذه كلها بثانية قد تصبح خبراً بعد أثر ، لذا على الإنسان أن يتقوَّى بِطاعة الله ، والعوام لهم كلمة تعجبني : التَّقوى أقوى ، فالاستقامة والترفّع عن أموال الناسوعدم إيذائهم ، هذه هي القوَّة حقًّاً ، لأنّ فيها رضا الله ، وإذا رضي أمدَّ وقوّى ، والإنسان عليه أن يتَّعظ ، قال تعالى
 
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
(سورة الأحقاف )
وبعد ، فالإنسان إذا اعتمد على غير الله عز وجل ، فهذا الذي اعتمَدَ عليه يُخَيِّب ظنَّه ، وعندئذٍ يرى حقيقة نتيجة التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد .
والحمد لله رب العالمين
 
 
 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب