سورة الجاثية 045 - الدرس (8): تفسير الأيات (30 – 37)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الجاثية 045 - الدرس (8): تفسير الأيات (30 – 37)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج كيف تتعامل مع الله:  كيف تتعامل مع الله - 26- اذا خلوت به           برنامج بيّـنات: بينات -د. بيان علي الطنطاوي- 19 - مشكلات التعليم1           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 258- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- حكم قطف االثمر في الطرقات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0741 - سورة مريم 041 - 043           برنامج خطبة الجمعة: خطبة الجمعة - الشيخ الدكتور عبد الرؤوف الكمالي - حرمة الدماء في الإسلام           برنامج اخترنا لكم من أرشيف الإذاعة: اخترنا لكم - سنة الابتلاء والحكمة منه - الشيخ نعيم العرقسوسي         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الجاثية

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الجاثية ـ (الآية: 30 - 37)

12/05/2013 17:50:00

سورةالجاثية (045)
الدرس (8)
تفسير الآيات: (30 - 37)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
 
       الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
      أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن والأخير من سورة الجاثية ، ومع الآية الثلاثين ، وهي قوله تعالى :
       
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ¯وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾
 
لما قال الله عزَّ وجل  :
       
﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
 
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
 
      إن أعمال الإنسان ؛ دقيقها وجليلها مسجلةٌ عليه ، ويوم القيامة تعرض عليه هذه الأعمال ..
      
﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
 
      والإنسان في هذه الحياة الدنيا إذا شعر أنه مراقب ، أو أن اتصالاته مراقبة ، أو أن حركاته مراقبة ينضبط أشد الانضباط ، ينضبط مع مخلوقٍ مثله ، ربما كان أقوى ، فكيف مع رب الأرض والسماوات ؟
      
﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
 
      كلحركةٍ ، كل سكنةٍ ، كل قولٍ ، كل فعلٍ ، كل نظرةٍ ، كل تنصتٍ ، كل استماعٍ ، كل مزاحٍ ، كل غضبٍ ، كل وصلٍ ، كل فصلٍ ، كل عطاءٍ ، كل مَنْعٍ ، كل ضحكٍ ، كل عبوسٍ ، كل الحركات والسكنات ، والأحوال والأقوال ، والاتصالات ، والغضب والرضا ، والكرم  والبخل ، كله مسجل ، وأفضل إيمانٍ المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان .
 
       إذا أردت أن تعلو ، وأن يرقى إيمانك إلى مستوى أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك فاعلم أن الله معك حيثما كنت  .
 
] وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [.
( سورة الحديد : آية 4 )
 
       أنت أيها الأخ الكريم تستحي من إنسانٍ كبيرٍ في أسرتك ، تستحي أن يسمعك تقول كلمةً بذيئة ، تستحي أن يراك في ثيابٍ مبتذلة ، تستحي أن يراك غضوباً ، فكيف بخالق الأرض والسماوات ؟!
      
﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
 
  إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
 
        كان السلف الصالح إذا صلى قيام الليل ، وقرأ آيةً فاهتزَّت مشاعره بها يعيدها إلى الفجر .
      
﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
 
           في عملك ، في دكَّانك ، في المخبر ، في مكتب المحامي ، في عيادة الطبيب ، في مكتب البيع والشراء ، مع خصومك ، مع أحبابك ، مع أقربائك ، مع أعدائك ، هل كنت عادلاً ؟ هل أنصفت الناس من نفسك ؟ هل قلت كلمة الحق ولو كانت مُرّة ؟ هل وقفت الموقف الأخلاقي ؟ هل حابيت أولادك ؟ هل قلبت الحق إلى باطل ، والباطل إلى حق من أجل أقربائك ؟ هل اخترت رجلاً ليس كفئاً لعملٍ محاباةً له ، وتجد مَن حوله من هو أكفأ منه ؟ إن فعلت هذا فقد خنت الله ورسوله ، هل كبَّرت على إنسانٍ مسألة ، ضخمتها من أجل أن تأخذ مالاً وفيراً ؟ هل هوَّنت على إنسانٍ مسألة من أجل أن تأخذ منه مالاً أيضاً ؟ ماذا فعلت ؟
 
 
﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
 
       لا يستقيم الإنسان إلا إذا رأى أن الله معه يراقبه ، النبي عليه الصلاة والسلام رأى بعض أصحابه يضرب غلاماً ، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ : كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي :
 
(( اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ ، قَالَ : فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، اعْلَمْ أَبَا
 
 مَسْعُودٍ ، قَالَ : فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي ، فَقَالَ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا )) .
 
[مسلم]
 
       حينما يشعر الإنسان أن المخلوقات التي هو أقوى منها حسيبها ربُّ العالمين يقشعر جلده ، سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته فاطمة بنت عبد الملك فرأته يبكي ، قالت : " مالك تبكي ؟ " ، قال : " دعيني وشأني " ، فلما ألحَّت عليه قال : " يا فلانة ، إني وُليتُ هذا الأمر ، ونظرت في الفقير الجائع الضائع ، وذي العيال الكثير والرزق القليل ، والمريض ، والشيخ الكبير .. ذكر أصنافاً تزيد على ثمانية عشر صنفاً ، فقال : فنظرت فرأيت أن الله سيسألني عنهم جميعاً ، وأن حجيجي من دونهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلهذا أبكي " .
 
      هل سألت نفسك هذا السؤال : يا ترى أنا أعطيت من حولي حقه ؟ أدَّيت الواجبات ؟ ربيت أولادي التربية الصحيحة ؟ ربيت بناتي التربية الصحيحة ؟ اخترت لهن أزواجاً أطهاراً ، أم أن المال هو الذي غرك في قبول هذا الشاب ، فلمْ تسأل عن دينه ؟ وأنمت تعلم أن في دينه رقة ولم تبالِ بها ، أردت المال فقط ، هذه الفتاة يوم القيامة التي تقول : " يا رب ، لن أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، لأنه هو الذي زوجني من هذا الرجل ، وهو الذي حملني على الفساد " .
 
        لذلك : عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
 
(( مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ ، وَأَطْعَمَهُنَّ ، وَسَقَاهُنَّ ، وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .
[ابن ماجه بسند صحيح]
 
       فأنت أب ، وتربية البنات والأولاد شيءٌ عظيمٌ جداً ، وشيءٌ كبيرٌ جداً ، إذا ربَّيْتَ أولادك التربية الصحيحة ، ونِمْتَ قرير العين ، فأولادك من دون عملٍ آخر يدخلانك الجنة .
 
      فالأبوة ـ أيها الإخوة ـ الكاملة سبب لدخول الجنة ، والأمومة الكاملة سبب لدخول الجنة ، والدعوة إلى الله الصادقة سبب لدخول الجنة ، وإتقان عملك ورحمة المسلمين سبب لدخول الجنة ، فأبواب الجنة مفتحةٌ على مصاريعها ، كل عملٍ ابتغيت به وجه الله ، وأتقنته ، ورحمت به المسلمين فهو سببٌ لدخول الجنة ، فلذلك أنت مراقب ، افعل ما تشاء ، قال تعالى :
 
] اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [.
( سورة فصلت : آية " 40)
 
       هذا اسمه أمر تهديد : افعل ما تشاء فكله مسجل  .
 
﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
 
 
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
 
 
] وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [.
( سورة المائدة : آية 64)
       في آية أخرى :
 
] سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا [.
( سورة آل عمران : آية 181)
لقد سُجِّلت .
 
     فقبل أن تقول كلمةً ، قبل أن تغتاب إنساناً ، قبل أن تفتري على إنسانٍ ، قبل أن تصغِّر إنساناً ، اعلم أن هذا الكلام كلّه مسجَّل  .
      
 
﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
 
  إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
 
        هذه الآية يمكن أن تقف عندها وقفةً طويلة ، في كل أعمالك ، في بيتك ، وأنت في خلوَتك ، وأنت مع أهلك ، وأنت مع خصومك ، وأنت مع المشتري ، وأنت مع المراجعين إن كنت موظفاً ، وأنت مع المرضى إن كنت طبيباً ، وأنت مع الموكِّلين إن كنت محامياً ، وأنت مع الطلاَّب إن كنت مدرساً ، وأنت مع أي مخلوقٍ .
 
        لماذا ذكر عليه الصلاة والسلام  :
 
(( أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنْ الْعَطَشِ ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا )) .
[مسلم]
 
       قد يقرأ الإنسان هذا الحديث فيقع في حيرة ، هل من المعقول أن تكون سقاية كلب سببًا للمغفرة ؟! بعضهم قال : إن هذا الكلب في الصحراء لا صاحب له ، لا تنتظر من صاحبه أن يشكرها ، وهذا الكلب لا يمكن أن يقدِّم لها شيئاً مقابل هذه الخدمة ، ولا أحد يراها حتى تشعر أنها عملت عملا عظيمًا أثنى الناس عليها ، فكل عوامل الشرك منفية بهذا العمل ، لكنها سقته ابتغاء وجه الله ، فاستحقت المغفرة ، فإذا أخلص الإنسان في عمله يجزيه الله عزَّ وجل خير الجزاء .
 
      يكفيك أن الله يراقبك ، يكفيك أن الله مطلعٌ على سريرتك ، يكفيك أنك بعين الله ، يكفيك أن كل كلمةٍ تقولها الله عزَّ وجل يراقبها ،
 
]إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [ .
( سورة الفجر : الآية 14)
 
     هل أنت صادقٌ بها ؟ هل أنت مخلصٌ لها ؟
 
      لو انضبط الناس هذا الانضباط لكنا في حال غير هذا الحال ، ولكنا في حال من الوئام ، ومن المحبة ، ومن الثقة .
 
      والله إنّ الحياة بين المؤمنين فيها سعادة كبيرة جداً ، يتعامل الإنسان معهم بثقة فترتاح ، وأي تعامل من دون ثقة تصير الحياة به معركة ، معركة في الشراء معركة ، في البيع ، كل شيء فيه لُغْم ، لا تعرف ، إذا اشتريت فأنت خائف ، إن بعت فأنت خائف ، إن تعاقدت فأنت خائف ، هذا الخوف الذي يأكل القلوب سببه عدم الثقة ، وعدم الثقة من عدم الإيمان ، أما لو أن كل إنسان راقب الله عزَّ وجل لهانت الأمور .
 
        هذا الذي سأله عمر مختبِرًا أمانته ، وقال له : " بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، قال له : ليست لي ، قال له : قل لصاحبها : ماتت ، قال له : ليست لي ، قال له : خذ ثمنها ، قال له : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني ، فإني عنده صادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟! " .
 
      إنسان يصدق فهل يتركه الله فقيرًا ؟
 
     لي صديق عنده قطعة تبديل لسيارة خمس سنوات ، ولم تبع معه ، وهي غالية جداً ، فجاءه شخص يطلبها وسأله : هل هي أصلية ؟ وهي ليست أصلية ، قال له : ليست أصلية ، قال له : أنزلها ، لو قال له : أصلية كان البيع حراما ، لا تخف في الله لومة لائم ، وهذا هو المؤمن الحقيقي .
 
         مع الإيمان تجد الاستقامة والخوف من الله الشيء المبهر .
 
       إنسان يبيع بناية من اثنتي عشرة سنة ، ولم تسجل ، ويعرض عليه أصحاب البيوت كل واحد مليونا ، وسجل لنا ، سعرها كان بثمانية وثلاثين ألفا ، وأصبح ثمنها اثني عشر مليونا ، بعدما صار في إمكانه أن يسجل لا يأخذ قرشًا زائدًا ، ويقول لهم : أنا أخذتُ حقي ، وليس لي عندكم شيء أبداً ، هذا هو المؤمن .
 
       الدين ليس بالصلاة فقط ، وليس بالصيام فقط ، الدين بالمعاملة ، الدين بالالتزام ، بالاستقامة ، لما ظهر الإسلام صارخاً في سلوكِ أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله فتحوا العالمين ، فلما انكمش الإسلام إلى عباداتٍ تؤدى أداء أجوف أصبحنا مقهورين ، أصبح المليار والمئتا مليون لا يزنون في ميزان القوى قشةً ، والله تعالى يقول :
 
]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ
 
 خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي [.
( سورة النور : آية " 55 " )
 
 يَعْبُدُونَنِي[ .]
 
           من أجل أن نوفِّر الوقت ، وأن نكسب الحياة ، الدين ليس لمن سبق ، و لا لمن له في المسجد عشر سنوات ، لا ، الدين لمن صدق ، لمن صدق في معاملة الله عزَّ وجل ، وأنت كلما بالغت في استقامتك على أمر الله أراك الله من آياته الشيء الكثير ، أراك الله من آياته ما يبهر وما يُدْهِش ، إذاً الآية الكريمة :
 
      
﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
 
كله مسجل ، والمفاجأة التي تصعق يوم القيامة يقول تعالى :
 
]مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [.
 
(سورة الكهف49  )
       تجد أناسا يصلون ، ويصومون ، ويحجون ، ويزكون ، وإيمانهم ضعيف ، هؤلاء ليسوا أبطالاً ، لضعف إيمانهم .
 
]مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [.
(سورة ق18)
       كله مسجل .
 
     إذا علمت أن الله يعلم فلا مشكلة إطلاقاً ، وحُلَّت كل مشكلاتك ، بل إن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض من أجل أن تعلم أن الله يعلم ، والدليل :
 
 
]اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا[.
(سورة الطلاق : آية 12)
       علة الخلق أن تعلم :
 
]أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا[.
(سورة الطلاق12)
 
        لن تستقيم على أمر الله إلا إذا علمت أن الله يعلم ، وسيحاسب ، وأنت في قبضته ، فالاستقامة حتمية ، لأنك تستقيم مع إنسان إذا أيقنت أنه يعلم ، وسيحاسب ، لأنه أقوى منك ، تستقيم على أمره ، وهو من جنسك ضعيفٌ مثلك .
 
الناس رجلان : مؤمن وكافر
 
       تصور خمسة آلاف مليون من البشر لهم نِحَل ، لهم ملل ، لهم أجناس ، لهم أَعْراق ، لهم منابت ، لهم ثقافات ، لهم مناهج ، لو أردنا أن نقسِّم البشرية إلى كم قسم ستنقسم ؟ يقول لك : العنصر السامي ، والعنصر الآري ، والعنصر الأنجلوساكسوني ، والعنصر الأبيض ، والملونين ، وشمال الكرة الغني ، وجنوبها الفقير ، وشرقها الذي يؤمن بالمجتمع ، وغربها الذي يؤمن بالإنسان ، وكل عرق أقسام لا تعد ولا تحصى ، وكل قسم طوائف ، وكل طائفة مذاهب ، وكل مذهب شُعَب ، وكل شُعَب قبائل ، وكل قبيلة عشائر ، وكل عشيرة أسر ، التقسيمات التي في الأرض لا تعد ولا تحصى ، كم مذهبا ؟ كم اتجاها ؟ كم مشربا ؟ كم منزعا ؟ كم نزعة ؟ كم مبدأ ؟ شيء لا يعد ولا يحصى ، كل هؤلاء البشر على اختلاف نحلهم ، ومللهم ، وأجناسهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، وأصولهم ، وفروعهم ، وانتماءاتهم ، ومذاهبهم ، وعقائدهم ، وأحزابهم ، وطوائفهم ، ومذاهبهم ، وعشائرهم ، وقبائلهم ، وأسرهم ، نوعان في النهاية ، انظر إلى دقة القرآن ، قال تعالى :
 
      
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ¯وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً
 
 مُجْرِمِينَ﴾
 
      معنى ذلك أن كل التقسيمات باطلة ، الإنسان مؤمن وكافر ، متصل ومنقطع ، منضبط  و متفلِّت ، محسن ومسيء ، مُنصف وظالم ، هذا الإنسان سعيد وشقي ، يؤْثر شهوته أو يؤثر مبدأه ، يؤثر الدنيا أو يؤثر الآخرة ، مذهبان في النهاية  ، إما أن يكون الإنسان مؤمناً بصرف النظر عن جنسه وعرقه ، وأصله وحسبه ونسبه ، وثقافته ، وحرفته ، وأسرته ، وقبيلته ، وعشيرته ، وطائفته ، وملَّته ، ومذهبه ، أو يكون كافرًا .
 
         في الحياة شيء اسمه الاثنينية ، إما مع هؤلاء ، وإما مع هؤلاء ، وملة الكفر واحدة في شتى بقاع الأرض ، وفي كل الحقب والعصور والأزمان ، والمؤمنون بخندقٍ واحد في كل العصور والأزمان والفصول ، المؤمن مؤمن أينما كان ، والكافر كافر ، فربنا عزَّ وجل كل هذه التقسيمات ، وهذه الانتماءات ، وهذه العنعنات ، وهذه العنجهيات ، وهذا التشقيق ، وذاك التفريع ، وفلان نسبه إلى كذا ، وفلان من الدول الغنية ، ومن الدول الفقيرة ، كل هذه التقسيمات لم يعبأ الله بها ، قال في النهاية :
 
      
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ¯وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
 
لماذا كفروا ؟ وما علة كفرهم ؟ الآية الأولى :
      
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
 
إذاً : أيّ شيء اسمه إيمان وحده لا قيمة له  .
 
       العلم ليس مقصوداً لذاته في الإسلام ، العلم وسيلة ، وكل إنسان اكتفى بالعلم فهو جاهل ، جاهل وهو عالم ، لأنه اكتفى بالعلم ، فهم الآية ، حللها ، نَمَّق فيشرحها ، لكن لم يطبقها ، لذلك الدعاء الذي يقصم الظهر  :" اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني " .
 
       يمكن أن تشرح لإنسان آية ، وتتفنن بشرحها ، وتتعمق في مدلولها ، وتأتي بأمثلة ، لكن المستمع عقل هذه الآية ، وطَّبقها ، وسبقك  .
 
" اللهم إني أعوذ بك أنيكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني " .
 
       انتبه إلى نفسك ، لا تجعل أحداً من المستمعين أسعد منك بهذا القرآن ، لا تجعل الذين تدعوهم إلى الله أسعد منك بهذا الدين ، لا تجعل من يستمع إليك
 
 أوعى منك ، إيَّاك أن تفعل هذا ، هذا الذي جاء في الأثر  :
 
(( أندم الناس رجلٌ دخل الناس بعلمه الجنة ، ودخل هو بعلمه النار )) .
 
      عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ )) .
[الترمذي بسند حسن]
 
       الإخلاَصَ الإخلاصَ ، تعامل مع الله بإخلاص ، تعامل معه بصدق ، لا يكن لك سر وعلانية ، لا تكن ازدواجيًا ، لك موقف معلن وموقف حقيقي ، ورع ظاهر وعدمورع باطن ، لك خلوة لا ترضي الله وخلوة ترضي الناس ، لا تكن كذلك ، كن موحَّد الاتجاه ، الذي في قلبك على لسانك ، وعلانيتك كسريرتك ، وظاهرك كباطنك ، هكذا المؤمن ، وذو الوجهين ليس عند الله وجيهاً ، وهذا هو النفاق قال :
      
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
 
  فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
 
         العمل الصالح اقترن مع الإيمان في أكثر من مئتي آية في القرآن الكريم ، الإيمان هو العقيدة ، والعمل الصالح هو السلوك ، الإنسان فيه جانب معرفي ، وجانب سلوكي ، إن لم يكن هناك تطابق كان هناك النفاق ، من أي شيء عظمة كانت الأنبياء ؟ لأنهم فعلوا ما قالوا ، وقالوا ما فعلوا ، ليس هناك مسافة أبداً بين أقوالهم وأفعالهم ، وإذا كنت كذلك فأنت من الموفَّقين .
 
      
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
 
         عطاء الله عزَّ وجل الجنةُ وما فيها مِن قرب مِنَ الله ، وما فيها من جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ، ما فيها من حورٍ عين ، ما فيها من ألوان النعيم ، وألوان القرب من الله عزَّ وجل ، والدنيا وما فيها من عز ، وما فيها من صحة ، وما فيها من سعادة ، وما فيها من سكينة ، عطاء الله إجمالاً عبَّر الله عزَّ وجل عنها بكلمة رحمة .
      
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ﴾
 
  فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ
 
       أنت في رحمة الله ، أنت في توفيق الله ، أنت في ظل الله ، أنت في رعاية الله ، الله يدافع عنك ، ويرفع شأنك ، ويعلي قدرك ، وهذه رحمة الله عزَّ وجل ، يقدِّر على يديك الأعمال الكبيرة الجليلة العظيمة ، هذه رحمة الله عزَّ وجل ، تعيش سعيداً ، تموت حميداً ، إذا انقلبتَ إلى الله عزَّ وجل انقلبتَ إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض  .
 
 
] إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [.
 
(  سورة هود : آية 119)
 
           خلقك ليرحمك ، ورحمته في الدنيا والآخرة ، مادياً ومعنوياً ، هذه رحمة الله ، قال تعالى :
      
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾
 
  ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
 
       فإذا انتهت بك الدنيا إلى الجنة ، واللهِ الذي لا إله إلا هو سوف ترى أن أقوى الأقوياء ليس أمامك بشيء ، وأنت مؤمن عادي مغمور ، ولست مشهورًا ، لا أحد يعرفك ، إذا عرفت الله ، وعرفت منهجه ، واستقمت على أمره حينما تكشف الحقائق ، وتنزع الأقنعة المزيَّفة ، ترى أن المؤمن هو الذي أفلح ، وهو الذي نجح ، وهو العاقل ، وهو الذكي ، وهو المتفوِّق ، وهو الفائز ، وهو كل شيء ، وأقوى الأقوياء ، وأغنى الأغنياء ، وأذكى الأذكياء ، تراه في الحضيض يوم القيامة ، فلذلك لا يحَقِّر الإنسان من شأنه فيقول : من أنا ، لا أحد يعرفني ؟
 
       سيدنا عمر رضي الله عنه في معركة نهاوند فيما أذكر جاءه رسول من هذه المعركة من أمير الجيش ، قال له : " كيف الأحوال عندكم ؟ " قال : " واللهِ مات خلقٌ كثير " ، قال له : " من هم ؟ " ، ذكر له أسماء عدد كبير من الصحابة استشهدوا في سبيل الله ، قال له : " ومن أيضاً ؟ " قال له : " مات خلقٌ كثير لا تعرفهم .. أي لا تعرفهم بالاسم .." ، فبكى بكاءً شديداً ، وقال هذا الخليفة العظيم : " وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم ؟ " هذه علامة الإخلاص ، فإذا لم يكن أحد يعرفك فلا توجد مشكلة أبداً إذا كان الله يعرفك ، إذا كان الله مطَّلعًا على عملك ، مطلعًا على نواياك ، مطلعًا على استقامتك ، مطَّلعًا على خوفك منه ، مطَّلعًا على حرصك على طاعته ، فلذلك :
 
      
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾
 
خالق الكون يقول :
      
﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾
 
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
 
        هذا الفوز ، انظر إلى الناس ، من اشترى أرضًا ، وصارت ثمنها مئة ضعف يقول لك : أنا فوق الريح ، ما معنى فوق الريح ؟ ألن يموت بعد ذلك ؟ الذي عنده وكالة حصرية ، والبيع بغير حساب ، والوكالة متينة بيده ، ألن يموت هذا ؟ انظر إلى مقاييس الناس ، مقاييس الناس الذي عنده بيت واسع ، الذي عنده دخل كبير ، المتمكن من مركزه هو الذكي والقوي ،   ولكن الله قال :
 
      
﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾
 
        إذا أنت قرأت القرآن وقلت : صدق الله العظيم ، ورؤيتك أن الغني هو الفائز ، أو القوي هو الفائز ، إذا أنت مؤمن إيمانًا حقيقيًا ، وشعرت أنك محروم ، فأنت لستمؤمناً ، ما عرفت قيمة إيمانك  .
 
" من أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقَّر ما عظمه الله  " .
 
       إذا هدى الله إنسانًا ، وآتاه العلم والحكمة ، وفهمه القرآن ، وأعانه على الاستقامة على أمره ، وجعل له نورًا من قلبه ، وجعل حوله أهلاً صالحين ، فهذا عطاء لا يقَدَّر بثمن ، هذا العطاء سبب للجنة ، فلذلك إذا قال الإنسان :
 
] يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ [.
 
( سورة القصص : آية 79)
        لا يعلم شيئاً ، إذا قال  :
 
 
] وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [.
(سورة القصص : آية 80 )
 
         يعلم كل شيء ، علامة العلم أن ترى العطاء عطاء الله ، وأن ترى الهدى هدى الله ، وأنت ترى الخير أن يجري الله على يديك الخير ، وأن ترى الغنى والفقر بعد العرض على الله ، هذا العقل ، قال  :
 
      
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾
 
 
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ
 
       أيّ آياتٍ يا رب ؟ الكون آيات ، آيات كونية ، والقرآن آيات ، وأفعال الله آيات ، الآيات العلامات الدالة على وجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، وعظمته ، وعدالته ، وعلمه ، هذه الآيات ، فالكون آيات ، والقرآن آيات ، والشيء الثالث أفعال الله آيات ، أفعال الله وحدها يمكن أن توصلك إليه ، لأن الله قال :
 
 
] قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [.
 
( سورة الأنعام 11)
 
       أفعال الله آيات ، لو دققت فيما يجري في العالم ، وفي المجتمعات ، ومع كل إنسان ، تجد محض علم ، ورحمة ، وعدل ، وإنصاف ، وإذا تأمَّلت في آيات الكون ، يوجد بالمحيط الأطلسي تيَّار الخليج عرضه ثمانون كيلو مترا ، عمقه أربعمئة وخمسون مترًا ، سرعته ثمانية كيلو مترات في الساعة ، كثافته كبيرة جداً ، ثلاثة عشر ألف مليون متر مكعب بالدقيقة ، هذا التيَّار ساخن ، يلطِّف الأجواء في المنطقة الباردة الشمالية ، وهناك تيار ثانٍ بارد يحمل معه مغذِّيات عشبية يصل إلى سواحل أمريكة الجنوبية ، هذا التيار الذي يحمل معه مغذيات نباتية ، يجتذب ملايين مملينة من الأسماك الصغيرة ، وهذه الأسماك الصغيرة تجتذب أكثر من خمسين مليون طائر اسمه غراب البحر .. اسم خاص به ، غراب المحيط .. هذه الطيور تعيش على هذه الأسماك ، وهذه الأسماك تعيش على هذه الأعشاب ، أما البشر فكيف يستفيدون منها ؟ مخلَّفات الطيور بألوف الأطنان ، هذه ثروة قومية للشعب في تشيلي ، وفي بعض البلاد هناك ، الله عزَّ وجل من حين لآخر يغَيِّر مجرى هذا التيار البارد ، فتموت الأسماك ، وتموت الطيور ، ولا يوجد مخلَّفات للطيور ، فيجوع الناس ، إن الله هو الرزاق ، يرزق شعوبًا بالملايين ، من مخلَّفات الطيور ، لأنها من أرقى أنواع الأسمدة ، ويرزق الطيور من هذه الأسماك ، ويرزق الأسماك من هذه الأعشاب ، والتيار يمشي في البحر حتى يصل إلى سواحل أمريكة الجنوبية في تشيلي ، وفي بعض البلاد الجنوبية الأخرى ، ثمن هذا السماد الذي يُخَلِّفُهُ هذا الطير يعد أكبر ثروة قومية في هذه البلاد ، هذه من آيات الله .
 
       فالكون آيات ، وكلامه آيات ، وأفعاله آيات ، ألا ترى في أفعاله العجب العجاب ؟ ألا ترى كيف يقهر أحياناً الأقوياء ؟ تجد قلعة من قلاع العالم تلاشت ، أصبحت هشةً كبيت العنكبوت ، أليست هذه من آياته الدالة على أفعاله وحكمته ؟
 
      
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
 
ما الذي حملهم على الفكر ؟ أنهم :
 
      
﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾
 
 
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ
 
      لا يفهم الأمور إلا فهماً مادياً ، لا يفهم الزلزال إلا أنه اضّطراب في القشرة الأرضية فقط ، لا يفهم أن الزلزال عقاب إلهيّ أحياناً ، لا يفهم أن الحروب الأهلية تأديب إلهيّ للفسق والفجور ، لا يفهم أن قحط السماء تأديبٌ للناس ؟ قال الله عزَّ وجل :
 
 
] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [.
( سورة الأعراف : آية 96)
 
] وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [.
( سورة الجن 16)
 
       مؤتمر السكان الذي عُقِد في القاهرة ليعالج مشكلة الفقر في العالم الثالث ، عندهم الفقر مشكلته زيادة السُكَّان ، إذاً يجب أن نؤخر الزواج إلى أعلى سن ، وحتى يلبي الشاب حاجته،يجب أن نسمح له بالزنى ، وأن تأتي القوانين مؤكِّدة لهذا السماح ، وأن نسمح للشذوذ بين الرجال وبين النساء ، حتى تقلّ المواليد ، ولكي تكفي الموارد ، حتى يعيش المجتمع في العالم الثالث في بحبوحة ، هذا تخطيط الإنسان الأعمى ، أما ربنا ماذا فقال :
 
 
] فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا¯يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا¯وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا¯مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [.
( سورة نوح 10-13)
       إذا تبتَ إلى الله توبة نصوحًا ، واستغفرت من كل الذنوب ، واصطلحت مع الله ، واتجهت إلى الله ، وطبَّقت منهج الله، فإنه :
 
] مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [.
( سورة النساء : آية 147)
       لماذا ؟ هذا كلام خالق الكون ، لو أن واحدًا وقففي المؤتمر ، وقال :
 
] فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [.
 
      أراد أن يحل هذه المشكلة العويصة في العالم عن طريق كلام الله عزَّ وجل ، ماذا سيلقى من ردود فعل عند المؤتمرين ؟ سيلقى السخرية ، لأنهم لا يعرفون الله أبداً ، فهم أرادوا أن يحلوا المشكلة عن طريق الشذوذ ، عن طريق الزنى ، وعن طريق تأجيل سن الزواج ، وعن طريق إصدار تشريعات تسهِّل الإباحية والرذيلة ، أتحل مشكلة بمشكلة ؟ طبعاً من الجهل والغباء أن تحل مشكلة بمشكلات .
 
      أضرب مثلاً لذلك بإنسان ذهب إلى طبيب جراح تجميلي في خده الأيسر ندبة ، قال له : كيف نعالج هذه الندبة ؟ قال له : الأمر سهل جداً ، ننزع لك قطعة من خدك الأيمن نضعها على خدك الأيسر ، فما هذا العلاج ؟ هذا شيء مضحك ، نريد أن نعالج مشكلة بآلاف المشكلات ، وهذا الذي جاء في المؤتمر لا تقبله الفطرة ، ولو كان الذي يستمع إلى هذه المقررات علمانياً ، لا يقبله ، قال تعالى :
 
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾
 
  وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ
 
       أحياناً يخالف الإنسان مخالفة سير ، فيدفع مبلغا من المال ، وتُحجز مركبته أسبوعًا أو أسبوعين ، هو غير مجرم ، أما إذا قتل إنسانًا فهو عندها مجرم ، كلمة مخالفة ، جنحة ، أما جريمة ؟ فهذه شيء كبير جداً ، إذا لم يعرف الإنسان الله عزَّ وجل ، ولا عَرَّفَ نفسه بالله ، ولا حملها على طاعته ، ولا حملها على حضور مجلس علم ، ولا أقام الإسلام في بيته ،  سمَّاه الله مجرمًا ، فهو مجرمٌ في حق نفسه ، لكن متى يكتشف الجريمة ؟ عند الموت .
 
 
] يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [.
( سورة الفجر24)
 
] يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [.
( سورة الزمر : آية 56)
 
] يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا [.
( سورة الفرقان28)
 
] رَبِّ ارْجِعُونِ¯لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [.
(سورة المؤمنون99)
       كل إنسان يعصي الله فهو مجرم بكل معاني هذه الكلمة ، اجعل هذه الكلمة ملء فمك ، قال الله عزَّ وجل :
 
] أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [.
( سورة القلم35 )
 
     إذا لم يكن الإنسان مسلمًا فهو مجرم ، نحن نفهم الإجرام القتل ، لا ، قد يكون ناعمًا ، لطيفًا ، معطرًا ، أنيقًا ، ما دام لا يصلي فهو لا يعرف الله عزَّ وجل ، ويطلق لشهواته العنان فهذا مجرم ، قال الله عزَّ وجل :
 
       
﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾
 
  أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ
 
      إن لم يكن الإنسان مسلماً فهو مجرم لا في حق الآخرين ، لا ، إنه لم يَقتل  ، ولا أساء إطلاقاً ، لكنه مجرم في حق نفسه ، لأنه خسر نفسه .      قد يخسر الإنسان أحياناً سيارته ، يخسر بيته ، أحياناً يخسر شيئا من ماله ،  يقولون : مات فلان ، وانتهى ، المال لم يعد له قيمة ، فحينما يخسر الإنسان نفسه يخسر كل شيء ، فالكافر يوم القيامة خسر نفسه ، فهذا هو المجرم الذي ضيَّع سعادته الأبدية لسنواتٍ معدودة أمضاها في بعض الشهوات ، ولم يكن سعيداً
 
 .
       
﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾
 
  وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ
 
        الكافر لا شيء عنده اسمه يقينيات ، دائماً يقول : لا أعرف ، الله أعلم ، يشكك في وجود الجنة ، ما عنده شيء يقيني .
 
] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [.
( سورة الحجرات : آية 15)
 
] وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا [.
( سورة يونس : آية 36)
       فالحقيقة ليست فقط لا يدري ، لا يريد أن يدري ، لأن الله قال  :
 
] وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [.
(سورة العنكبوت : آية 69)
       هل مِن إنسان يطلب الحقيقة ، ولا يصل إليها ؟ مستحيل .
 
] وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [.
 
       الله عزَّ وجل ينتظر منك أن تطلب الحقيقة حتى يهديك إليها ، حتى يُلْقي في قلبك النور ، لكن لا تريدها .
      
﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾
 
ثمة شاعر كان اسمه فيلسوف الشعراء ، قال :
 
زعم المنجم والطبيب كلاهما   .. لا تبعث الأموات قلت إليكما
 
إن صح قولكما فلست بخاسرٍ    أو صح قولي فالخسار عليكما
 
*   *   *
 
      مسألة لا تزال في الشك والظن والوهم ، لعدم يقينه ، ولعدم انضباطه ، ولعدم طاعته لله عزَّ وجل ، يوم القيامة أعماله ، وانحرافاته ، وفساده ، وعدوانه ، وطغيانه تعرض عليه .
      
﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
 
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون
 
      أحياناً تتلو على الإنسان جريمته فتجد نظره في الأرض ، قد أحاطت به خطيئته ، وقيَّدته سيِّئاته ، حجبته زلاَّته ، وأذلته مساوئه .
      
﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ﴾
 
      انظر ماذا فعلت ؟ هذه الفتاة التي كنت سببا في فساد ذريتها ، لو تزوجتها لما كانت كذلك ، أنت أنشأت هذه الدار دارا للهو ، انظر كم من الناس أفسدت بإنشائها .
      
﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ﴾
 
     أنت روَّجت هذه الضلالة ، كم تبعك فيها ؟ مئة مليون اعتنقوا هذه الضلالة ، ومارسوا الانحراف ، لأنك أنت أقنعتهم بها .
      
﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ﴾
 
لذلك :
 
]إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [.
(سورةيس : آية 12)
 
       فأعظم عمل الذي يموت صاحبه ، وتبقى آثاره بعد موت صاحبه ، كإنسان ترك علمًا نافعًا ، أو ترك ولدًا صالحًا ، أو أسس ميتمًا ، أو أسس معهدًا شرعيًا ، أو بنى مسجدا ، أو علَّم الناس ، وأسوأ شيء إنسان أسس ملهى ، أسس دار قمار أو وبعد ذلك مات ، كل من دخل هذه الدار في صحيفته ، وفي رقبته يوم القيامة .
      
﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ¯وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾
 
  وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا
 
هذا اليوم يوم الفصل ..
 
] لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [.
(سورة الصافات61)
      
﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا  لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ¯ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾
 
  وَغَرَّتْكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
 
     الغرور أن تظن الشيء أكبر من حجمه الحقيقي ، دائماً أهل الدنيا مغرورن بها ، قبل أن ينام يحلم بالبيت ، كم غرفة ؟ في جناح شرقي ، أو جناح غربي ، هنا غرفة نوم ، هنا غرفة جلوس ، دائماً يحلم ببيت ، بمركبة ، بزوجة ، بمركز ، بدخل كبير ، بسياحة حول العالم .
 
      
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾
 
       الإنسان في البدايات يظن المال كل شيء ، بعد حين يظنه شيئاً ، وليس كل شيء ، لكن بعدما يواجه الحقيقة العظمى يراه لا شيئًا ، المال والجاه ، والسلطان ، والنساء ، والمُتَع ، والشهوات ، هذه في البدايات كل شيء ، بعد حين شيء ، وليس كل شيء ، أما عند مواجهة الحقيقة فليس بشيء ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
 
(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ ... )) .
[البخاري]
      
﴿ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ¯وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
 
ملخص السورة :
 
     ملخص هذه السورة أن الله سبحانه وتعالى يُحْمَدُعلى أفعاله كلها ، لأن أفعاله كلها خير  ..
 
 
] قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [.
 
(سورة آل عمران26  )
والحمد لله رب العالمين



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب