سورة الجاثية 045 - الدرس (6): تفسير الأيات (23 – 23)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الجاثية 045 - الدرس (6): تفسير الأيات (23 – 23)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج كيف تتعامل مع الله:  كيف تتعامل مع الله - 26- اذا خلوت به           برنامج بيّـنات: بينات -د. بيان علي الطنطاوي- 19 - مشكلات التعليم1           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 258- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- حكم قطف االثمر في الطرقات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0741 - سورة مريم 041 - 043           برنامج خطبة الجمعة: خطبة الجمعة - الشيخ الدكتور عبد الرؤوف الكمالي - حرمة الدماء في الإسلام           برنامج اخترنا لكم من أرشيف الإذاعة: اخترنا لكم - سنة الابتلاء والحكمة منه - الشيخ نعيم العرقسوسي         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الجاثية

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الجاثية ـ (الآية: 23 - 23)

08/05/2013 18:25:00

سورةالجاثية (045)
الدرس (6)
تفسير الآية: (23)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،  وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
       أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السادس من سورة الجاثية ، ومع الآية الثالثة والعشرين ، وهي قوله تعالى  :
      
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
 
أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ
 
        الإله الذي يُعْبَد ، الإله الذي يُطاع ، الإله الذي يُحَب ، الإله الذي بيده مصيرك ، بيده رزقك ، بيده حياتك ، بيده موتك ، بيده سعادتك ، بيده شقاؤك ، بيده إعزازك ، بيده إذلالُك ، بيده أن يطمئنك ، بيده أن يخيفك ، هذا الإله ، لذلك لا معبود بحقٍ إلا الله ، فالإله الذي ينبغي أن يعبد هو الله ، لأن الأمر كله بيده ، لأن مقاليد السماوات والأرض كلها بيده .
 
       إذا عبد الإنسان إنساناً ، فأطاعه ، وأحبه ، وتوهم أن بيده مصيره ، يرفعه أو يخفضه ، يقربه أو يبعده ، يعزه أو يذله ، فهذا الإنسان ليس إلهاً ، بل إنسان ضعيف يموت ، لكن المُشْرِك عامَله كما يعامَل الإله ، ولا يعقل لإنسان ضعيف يأكل ويشرب وينام ، ويتألَّم ويمرض ويبكي أحياناً ويخاف ، لا يعقل أن يكون هذا الإنسان إلهاً ، لكن حينما يقول : فلان ألَّهَهُ جماعةٌ من الناس ، هو ليس إلهاً ، ولكنهم عاملوه كما يعامل الإله ، أحبوه ، وأطاعوه ، أطاعوه ، وعصوا ربَّهم ، خافوه ورجوه ، عقدوا آمالهم عليه ، عاملوه كما يعامل الإله ، قال :
      
﴿ أَفَرَأَيْتَ ﴾
التعجب في اتخذا الناس آلهة غير الله
 
     وكأن في هذا التركيب ، وتلك الصيغة إبداء العَجَب ، أيعقل أن يتخذ الإنسان هواه إلهاً ؟! فيتحرك وفق أهوائه ، وفق نزواته ، وفق ملذَّاته ، وفق شهوته ، شهوته مقدسة ، لابدَّ من أن يرويها ولو على حساب قيمه أو مبادئه ، معنى  :
      
﴿ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾
معنى اتخاذ الهوى إلها
 
       أي : جعل شهوته هي الموجِّهَة لحركاته وسكناته ، والإنسان يتحرك بباعثين ولهدفين ، الباعث مصلحته ، أو الباعث طاعة ربه ، ولهدفين ، إما إرضاء الله أو إرواء شهواته ، فسلوك الإنسان له باعثان ، وله هدفان .
 
      الباعث الأول : مصالحه ، الهدف إرواء شهواته .
 
 
      الباعث الثاني : طاعة ربه ، الهدف السعادة في الدنيا والآخرة ، إنسان يتخذ هواه شهوته ، شهوة النساء ، كيف يتخذها إلهاً من دون الله ، فيقيم علاقة مع امرأة خارج نطاق الزوجية ، خارج نطاق المنهج الإلهي ، إذاً هذه الشهوة عبدها من دون الله ، أي روَّاها بخلاف منهج الله .
 
       حبه المال طبيعي ، لك أن تكسبه من طريقٍ مشروع ، أما حينما لا يعنيك إلا أن تأخذ المال من أي سبيل ، فقد اتخذت المال إلهاً من دون الله ، فهو الذي يحرِّك سلوكك ؛ تحلف وأنت كاذب ، تبيع دينك وأهلك وذمتك وأمانتك ، الهدف أن تقبض المال فقط ، إذاً حينما يُتَّخَذ الهوى إلهاً ليس معنى ذلك أن الهوى إله ، لكنه عومل معاملة الإله .
 
من هو الإله المستحق للعبادة والتعظيم ؟
 
       من الإله ؟ الذي بيده حياتك ، وموتك ، ورزقك ، وعزتك ، وصحتك ، وسعادتك ، ورفعتك ، هو الذي يعطي ، والذي يمنع ، الذي يرفع ، والذي يخفض ، الذي يعز ، والذي يذل ، الذي يجمع ، والذي يفرِّق ، الذي يمنح الحياة ، ويأخذ الحياة ، ويقدِّر الموت ، هو الإله،هذا الذي ينبغي أن تعبده ، لأن ثمة تناسبًا بين صفاته وأسمائه وبين العبادة له ، فأنت لا يليق بك أن تعبد إنساناً من دون الله ، إنه ندٌ لك ، إنه عبدٌ فقير ، قد لا يعلم ما أنت عليه ، وإذا علم قد لا يستطيع أن ينقذك مما أنت فيه ، إذاً هو ليس إلهاً ، ولا يليق بك أن تعبده من دون الله ، فالعبادة شيء خطير جداً .
 
] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [.
(سورة الذاريات56)
        العبادة علة وجودك على وجه الأرض ، لكن ينبغي أن تتوجه العبادة إلى الله عزَّ وجل الذي منحك الوجود .
 
] هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا[.
(سورة الإنسان1)
 
       الذي خلق الهواء كي تتنفسه ، ولأن الهواء ضروريٌ جداً لا يستطيع أحدٌ أن يتمَلَّكَهُ ، تستنشق الهواء في أي مكان ، وخلق لك الماء ، والطعام ، والشراب ، وخلق لك من نفسك زوجةً تسكن إليها ، وجعل منك ومنها طفلاً صغيراً يؤنس وحدتك ، هذا الذي يجب أن تعبده ، لأنه هو الذي منحك السمع والبصر ، وهو الذي منحك العقل ، وهو الذي أعطاك القلب والشرايين ، والرئة والتنفُّس ، الأجهزة المتعددة ، وأنت لا تدري .
 
      كنتَ نقطة ماءٍ فأصبحت كائناً سوياً ، في الدماغ مئة وأربعون مليار خلية ، وفي شبكية العين مئة وثلاثون مليارًا ، وفي الشعر ثلاثمئة ألف شعرة ، ثم انظر إلى العضلات ، والعظام ، والكليتين ، لو تعطلت الكلية تصبح الحياة جحيماً ، ولو استؤصل المستقيم لمرضٍ خبيث ، وأصبحت الفتحة خارجية لصارت الحياة عبئًا ثقيلا ، ما أحد يعرف قيمة المستقيم والمثانة أبداً ، تمشي على قدمين متوازنًا .
 
     إن الله هو الذي منحك نعمة الوجود ، وأمدك بالهواء والماء ، وأمدك بالطعام والشراب ، وخلق لك من نفسك زوجةً ، ومنحك أولاداً يملؤون بيتك سروراً ، هذا الذي يجب أن تعبده ، هذا الذي يجب تحبه ، هذا الذي تطيعه ، هذا الذي يجب أن تخشاه ، هذا الذي يجب أن تعلِّق عليه الآمال ، هذا الذي يجب أن ترجو رضاه ، هذا الذي يجب أن تخشى غضبه ، وليس الإنسان الذي يبدو لك قويًا تحبه ، وتعصي الله من أجله ، وتظن أنه يقربك ، ويرفعك ، ويغنيك ، ويقوي مركزك ، هو ليس إلهاً ، هو بشر من جنسك ، ولكنك عاملته كما يعامل الإله .
 
       فإذا قلنا : اتخذته إلهاً ، فهو ليس إلهاً ، لكنك عاملته كما يعامل الإله ، فأطعته على حساب طاعة الله .
 
       مرة ذكرت لكم أن الحسن البصري ، وهو من كبار التابعين ، كان مرة مع والي البصرة للخليفة يزيد ، وقد أرسل يزيد توجيهًا لهذا الوالي بالذَّات ، وهو توجيه يتنافى مع الحكم الشرعي ، وهذا الوالي وقع في صراع ، ماذا يفعل ؟ أينفذ أمر الخليفة فيغضب الله عزَّ وجل ؟ أم لا ينفِّذَهُ فيغضب الخليفة ، وقد يعزل من منصبه ؟ فكان عنده وقتها التابعي الجليل الحسن البصري ، قال له الوالي : " يا إمام ، ماذا أفعل أنا في حيرةٍ من أمري ؟ " ، القضية عند الحسن البصري واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ، فقال له كلمةً تكتب بماء الذهب قال له : " يا فلان ، إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " .
 
       حينما تتخذ زيداً إلهاً ، وتطيعه من دون الله ، فإذا أراد الله بك سوءًا فلا يستطيع زيد أن يمنع عنك هذا السوء ، أما إذا أراد زيدٌ سوءًا فإن الله يستطيع أن يمنعه عنك ، هذا التوحيد ،  ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
 
       لذلك الدرس اليوم حول الهوى لا حول الأشخاص  ..
      
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾
 
معاني اتخاذ الهوى إلها
 
         الحقيقة أن ثمة  مجموعة أحاديث شريفة يجب أن ندرسها جميعاً .
        أولاً : ماذا قال الصحابة والتابعون في هذه الآية ؟
 
قال ابن عباس والحسن وقتادة :
      
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾
 
" ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه ..
 
         أليس هناك أشخاص غارقون في الطَرَب ؟ غارقون في الملذَّات الحسِّية ؟ غارقون في تتبع أخبار النساء ؟ غارقون في مغامراتٍ لا ترضي الله عزَّ وجل ؟ أناس تعلَّقوا بالنساء ، أناس تعلقوا بجمع الدرهم والدينار ، أناس تعلقوا بالمظاهر ، أناس تعلقوا بالقوة في الأرض ، قالوا : " الكافر اتخذ دينه ما يهواه " ، دينه هواه .
 
       وهذا ما يفعله العالم الكافر اليوم ، ما الذي يسعده ؟ أن تكون امرأةٌ إلى جانبه دائماً ، اتخذ سكرتيرة ، ما الذي يسعده ؟ أن تكون كل اللقاءات مختلطة ليمتع عينيه ، ويدافع عن هواه ، يقول لك : هذا رقي وهذه حضارة ، هو يعبد هواه من دون الله ، فأي شيء مهما بدا مخالفاً للفطرة ، مخالفاً للقيم ، مخالفاً للمبادئ السامية ، يفعله ، لأنه يُروي شهوته ، ويحقق غريزته ، ويدغدغ نزواته .
 
       قال سعيد بن جبير : " كان أحدهم يعبد الحجر ، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر " .
 
     وقال بعض التابعين : المعنى: " أفرأيت من ينقاد لهواه ولمعبوده تعجيباً لذوي العقول " ، أي يا أيها العقلاء ، يا أيها المفكِّرون ، أيعقل أن يفعل إنسان هذا العمل ؟!
 
       وقيل : " إنما سمي الهوى هوىً لأنه يهوي بصاحبه " .
 
     هناك تناسب بين الهوى وبين الهَوِيّ ، سمي الهوى هوىً لأنه يهوي بصاحبه في مظالم ، وفي ظلمات بعضها فوق بعض ، وفي متاهات ، يقول لك : فلان سقط ، انتهى ، لأنه تبع هواه فسقط ، واتباع الهوى تقبض المال أو باللذة المحرمة .
 
        هناك حقيقة أقولها دائماً آلاف المرات : ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان وإلا وجعل لها قناةً نظيفةً يمكن أن تروى بها ، ليسفي الإسلام حرمان ، في الإسلام تنظيم ، وكل إنسان يروي شهوته المشروعة وفق المنهج الإلهي فلا شيء عليه ، ليس في الدين رهبانية .. قال عليه الصلاة والسلام :
 
(( أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي )) .
 
( من صحيح البخاري عن حميد بن أبي حميد الطويل)
       هذا هو الهوى
 
ورود الهوى في القرآن في سياق الذم
 
       ما وردت كلمة الهوى في القرآن الكريم إلا وذَمَّهاالله عزَّ وجل :
 
] وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [ .
(سورة الأعراف : آية " 176 " )
       وقال تعالى :
 
] وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [.
(سورة الكهف28)
       ذمٌ آخر ، قالتعالى :
 
] بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [.
(سورة الروم : آية " 29 " )
       وقال تعالى :
 
] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ [ .
( سورة القصص : آية " 50 " )
       وقال تعالى :
 
] وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [.
(سورة ص: آية " 26 " )
 
         أمامك أيها الإنسان طريقان لا ثالث لهما : طريق الحق وطريق الهوى ، طريق الرحمن وطريق الشيطان ، طريق إرضاء الله عزَّ وجل وطريق دغدغة نوازع الإنسان ، طريق السمو وطريق اللذات ، طريق اللذة العابرة وطريق السعادة الأبدية ، طريق الشهوة وطريق العقل ، طريق السماء وطريق الأرض ، طريق الملائكة وطريق الشياطين ، هذه الاثنينة في الحياة ، فهما طريقان لا ثالث لهما : العقل ، والخلق ، والقِيَم ، والمبادئ ، والأهداف النبيلة ، والسعادة الأخروية ، والاستقرار ، ورضاء الله عزَّ وجل ، هناك طريق الإيمان ؛ الشهوة العابرة مع الشقاء ، والاكتئاب ، والضياع ، والتشعُّب ، والتشرذم ، والخوف ، والقلق ، والخنوع ، والقهر والنفاق ، كله في طريق الشهوة  .
 
       حينما يروي الإنسان شهوته بمعصية الله يضعف ، لذلك أعداء المسلمين همَّهم الأول إفساد أخلاق المسلمين ، فحينما يتبرَّعون بمحطات فضائية لإفساد أخلاق الشباب ما هدفهم ؟ حينما تفسد أخلاقُ الإنسان ينتهي كإنسان ، وتبقي حيوانيته ، هذا الحيوان يخاف ، شديد الخوف ، شديد القلق ، شديد الخنوع ، لأنه اتبع شهوته ، لأنه أخلد إلى الأرض ، واتبع هواه ، فمثله كمثل الكلب .
 
         قال النبي عليه الصلاة والسلام :
 
(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) .
[شرح السنة للبغوي عن عبد الله بن عمرو]
 
       من حقِّ الإنسان أن يتزوج ، لكن ليس من حقه أن ينظر إلى زوجات الآخرين ، هن أجنبيات ، لذلك : (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) . 
 
       من حقه أن يكسب المال ، ولكن ليس من حقه أن يعتدي على كسب الآخرين ، حينما تقنع بالدخل الحلال ، وحينما تقنع بزوجتك التي سمح الله لك بها تكون كما قال أحد الأنبياء:
 
 
] بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [.
(سورة هود86)
 
       هناك طرق متعددة لإرواء الشهوات ، وطريق مشروع واحد نظيف يرضي الله ، ويسعد امرأة معك، وهو طريق الزواج ، بقي لك من علاقتك بالنساء الزواج ، هذا هو الخير .
 
     ثمة ألف طريق لكسب المال ، ولكن بقي لك من كسب المال البيع والشراء ، العمل المشروع ، الهبة ، أو الإرث ، أو العمل ، أو الكسب ، إلخ .. هذا مباح لك أن تأخذه ، إذاً :
 
(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) . 
 
       وقال أبو أمامة : سمعت النبي صلى الله عليه ويسلم يقول :
 
(( ما عُبِدَ تحت السماء إلهٌ أبغض إلى الله من الهوى )) .
 
         أكثر الناس الضالين ، المنحرفين ، التائهين ، الشاردين ، المقطوعين عن الله ، يحركه الهوى فقط ، يقسم وهو كاذب ، يكابر ، لأن هواه يتوافق مع هذه المكابرة ، يرضى بالباطل ، لأن هذا الرضا يجلب له الهوى ، يغضب بغير حق ، لأن هذا الغضب يجلب له الهوى ، يتكَلَّم بما ليس قانعاً به تحقيقاً لأهوائه ومصالحه ، يفند الأقوال وهي حق من أجل أن يحافظ على مكانته ، فهذا الإنسان الذي يتبع الهوى إنسان شقي ، أحياناً إنسان يسخر قلمه ، يسخِّر فكره ، يسخر لسانه ، يسخر ذكاءه ، يسخر مكانته ، يسخر علمه وخبراته من أجل الهوى ، وهذا هو الشقي الحقيقي ، الإنسان أرقى من أن يكون مسخرًا للهوى .
 
     أحياناً تبالغ في توضيح قضية ، وأنت في الأصل لست مؤمناً بها ، ولكن إرضاءً لزيد أو عبيد ، تسخر ذكاءك ، تسخر عبقريتك من أجل مدح شيء أو ذم شيء ، مدح هذا الشيء يرضي زيدًا ، وذم هذا الشيء يرضي عبيدًا ، تمدح ، وتذم لا عن قناعة ، ولا عن رفض ، لكن اتباعاً للهوى ، تبالغ في مودة إنسان ليس حباً له ، بل اتباعاً للهوى ، تعادي إنسانًا اتباعاً للهوى ، وهو من أكمل الناس ، فعندما تكون علاقة الإنسان ، وصلته ، وقطيعته ، ورضاؤه ، وغضبه ، وعطاؤه ، ومنعه ، وزيارته ، ومجافاته بدافع الهوى فهو أشقى الناس ، وإن اتباع الهوى هوان ، وإن عدوك الأول هو الهوى ، وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بك ، والحديث المعروف :
 
(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)) .
( من سنن الترمذي عن " شداد بن أوس " )
 
       لما يعطل الإنسان عقله يعيش لحظته ، وحينما يعطل عقله يعيش واقعه ، يقول لك : هكذا الناس ، هكذا يريدون ، بناتي لا أريد أن أزعجهم ، وهو يطلِق لهن العنان ، يفسدن الشباب ، وهو يدري أو لا يدري ، يُطْلِق لزوجته العنان ، يقبض الأموال من دون حساب ، فيها حرام ، أو شبهة ربا ، أو غش ، أو فساد ، هو عليه أن يأخذ المال الوفير حتى ينفقه على شهواته المنحرفة ، فهو إنسان هوائي أو شهواني .
 
     الرحماني ـ والحمد لله ـ يمشي على المنهج ، الرحماني لا يتحرك قبل أن يعرف حكم الله في هذا الشيء ، يفعله ولو دفع الثمن باهظاً ، ويمتنع عن فعله ولو فوَّت عليه أرباحاً طائلة ، لأن الله أغلى عليه من المال كله .
 
       من علامات قيام الساعة اتباع الهوى كما قال عليه الصلاة والسلام  :
 
(( إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعِ الْعَوَامَّ )).
 
( من سنن الترمذي عن أبي أمية الشعباني)
 
       الشهواني شهوته كلها في هذه البرامج المنحرفة ، لذلك تجد العلم بالكتب ، وفي مجالس العلم ، وتأخذ العلم على يد العلماء ، العلم في الكتابوالسنة ، لذلك :
 
(( إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ))، لذلك : (( فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعِ الْعَوَامَّ ))
 
(من سنن الترمذي عن أبي أمية الشعباني)
 
المهلكات والمنجيات
 
       وقال صلى الله عليه وسلم :
 
(( ثلاثٌ مهلكات ، وثلاثٌ منجيات ، فالمهلكات :شحٌ مطاع ، وهوىً متبع ، وإعجاب المرء بنفسه ، والمنجيات : خشية الله في السر والعلانية ، والقصد في
 
 الغنى والفقر ، والعدل في الرضا والغضب)) .
 
[الجامع الصغير عن أنس بسند حسن]
 
       ثلاث منجيات ، وثلاث مهلكات ، المهلكات شحٌ مطاع ، بخل ، ينفق الألوف ، مئات الألوف ، بضع الملايين على احتفالات ، على مظاهر ، على ثياب ، يؤتى بها من باريس ، يقول لك : الزهور بالملايين ، فإذا دعي لمساعدة أسرة مقطوعة يتيمة ، أو أرملة ، أو مشروع خيري يبخل ، لذلك :
 
(( إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ )) ، كل قد يظن أحد نفسه قطبًا عظيمًا ، يقول لك : رأيي كذا ، هل أنت مشرع ؟ أنت إنسان .
 
يقولون هذا عندنا غير جائزٍ                  فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ؟
*   *   *
شيء جميل ، لكن من أنت ؟.
 
        هناك إله شَرَّع ، وكتاب من الله أنزل ، ونبي فَسَّر ، فلذلك : ((إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ)) ،
 
 عندئذٍ :
 
(( الْزَمْ بَيْتَكَ ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ )).
 
[أبو داود عن ابن عمرو]
 
      أولاد أخيك ، بناتك ، بنات أخيك ، أولاد أصدقائك الخُلَّص ، جيرانك ، هذه خاصَّة نفسك .. (( وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ )).
 
] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [.
(سورة المائدة : آية " 105 ")
العبرة بالأقلية مع الحق لا بالأكثرية
 
       هناك أشخاص من ضعف تفكيرهم يأخذون بالكثرة ، لاعتقادهم أن الكثرة لا تخطئ ويقول : كلهم على غلط ؟! قال تعالى :
 
] وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا [.
( سورة يونس : آية " 36 ")
       قال سبحانه :
 
] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [.
( سورة الأنعام : آية " 116 " )
       وقال :
 
] وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [.
(سورة يوسف106)
 
       فأنت كن مع الأقلية المؤمنة ، مع الأقلية الواعية ، مع الأقلية المتبصِّرة ، مع الأقلية المستقيمة ، مع الأقلية التي عرفت ربها ، لا تؤخذ بالأكثرية .
       وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : " إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه ، فإن كان عمله تبعاً لهواه فيومه يوم سوء .. وإذا كان عمله متبع لهواه فيومه يوم سوء .. وإن عمله تبعاً لعلمه فيومه يومٌ صالح " ، فهل هذا العمل ، وهذه الحفلة ، وهذه النزهة ، وهذه السباحة وفق الهوى أم وفق الشرع ؟ وفق الشرع يكون في لباس معيَّن ، مكان معيَّن ، لا تُكْشَفُ العورات ، ولا يرى أحدنا عورة أخيه ، هذه سباحة وفق الشرع ، وهناك سباحة وفق الهوى ، وهناك نزهة وفق الشرع في مكان جميل دون اختلاط ،  دون موسيقى ، دون غناء ، دون كلام بذيء ، وهناك نزهة في أماكن عامة ، ومقاصف ، وغناء ، ونساء كاسيات عاريات ، وطاولات الخمر حولك ، هذه نزهة غير شرعية .
 
       هناك زواج شرعي ، وزواج غير شرعي ، نساء كاسيات عاريات ، عرس مختلط ومكتوب على البطاقة : " الطيبون للطيبات " ، أيّ طيّبين وأيّ طيِّبات ؟!!!
 
       قال سهل بن عبد الله التستري وهو أحد العارفين بالله : " هواك داؤك ، فإن خالفته فدواؤك" .
 
      الداء هو الهوى ، ومخالفته هو الدواء .
 
     قال أحد العلماء : " إذا شككت في أمرين ولم تدرِ خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فافعله ؟ .
 
      الإنسان يحب الاختلاط ، يحب إرواء شهواته ، لكن المجتمع الذي أنت فيه ، فيه جلوس على الركب ، وسماع للحق ، الزم هذا المجتمع ، وابتعد عن الأهواء .
 
      أساس هذا الموضوع كله قوله تعالى :
 
] وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى [.
(سورة النازعات40)
 
       الحقيقة أعمق من ذلك ، المؤمن يدخل الجنة ؟ لأنه دفع الثمن ، ثمن الجنة مخالفة الهوى ، فأنت لا ترقى إلا بمخالفة الهوى ، لذلك ، ينبغي أن يكون التكليف الذي هو ثمن الجنة مخالفاً لطبع الإنسان،طبع الإنسان على محبة النوم ، والتكليف أن تصلي الفجر في وقتها ، طبع الإنسان على أخذ المال ، والتكليف يأمره بإنفاق المال ، طبع الإنسان على إطلاق البصر ، والتكليف يأمره غض البصر ، طبع الإنسان النَهْشُ في أعراض الآخرين ، والتكليف يأمره بضبط اللسان ، هذا هو الدين ، الدين كله ضبط ، أساساً الإسلام كله سيطرة على الذَّات ، والكفر كله إطلاق الأهواء إلى أبعد ما يمكن .
 
      
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾
أما قول الله عزَّ وجل :
   
﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾
 
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلََى عِلْمٍ
 
معنى الإضلال ومفهومه
 
        قبل أن أشرح المعنى الأول لهذه الآية أضرب مثلاً :
 
       لو أن طالبًا انتسب للجامعة ، ودفع قسطًا ، لكنه ما داوم ، ولا اشترى كتبًا ، ولا قدم امتحانًا ،  أرسل له إنذارات عديدة ، وأصرَّ على موقفه ، إذا صدر كتاب أو قرار من رئاسة الجامعة بترقين قيده ، وطرده من الجامعة ، فهذا الكتاب على علم أم على جهل ؟ على علم ، على علم يقيني ، إنه لم يقدم فحصًا ، ولم يداوم ، ولم يستجب للإنذار
 
المعنى الأول :
 
      الله عزَّ وجل يعلم أن هذا الإنسان يريد الهوى ولا يريد الحق ، إذاً هذا الإضلال كما يقولون : إضلال حكمي ، أي تحصيل حاصل ، فإذا لم يدرس الإنسان ، ولا قدم فحصًا لا ينجح ، لا لأنهم ظلموه ، بل لأن عدم تقديم الامتحان يجعل المقصر في الامتحان حكماً راسبًا ، فهذا الذي يصر على الكفر ، وعلى اتباع الهوى ، وعلى إيثار الشهوة ، هذا إنسان قدَّم الدليل القطعي على أنه ضال ، إذاً : أضله الله ، وإضلال الله له تحصيل حاصل ، قدَّم الدليل القطعي على أنه أراد الضلال ، لذلك قال علماء التفسير : " الإضلال إذا عزيَ إلى الله عزَّ وجل فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري ، هذا معنى :
      
 
﴿  وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾
 
المعنى الثاني :
 
      إن الإنسان يعلم أن الدين حق ، وهذا العمل حرام ، وهذا العمل لا يجوز ، وهذا مخالف للشرع ، لكنه يؤثر الهوى على الحق ..
      
﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾
 
     أي هو يعلم .
 
     هناك قصة تؤكِّد هذا :
 
     ذات مرة أبو جهل طاف بالبيت ومعه الوليد بن المغيرة ، فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو جهل أكفر الكفار : " والله إني لأعلم أنه لصادق ، فقال له الوليد : مه ! .. أي عجيب .. وما دلك على ذلك ؟ قال : يا أبا عبد شمس ، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين ، فلما تم عقله ، وكبر رشده نسمِّيه الكذَّاب الخائن ؟! والله إني لأعلم أنه لصادق ، قال : فما يمنعك أن تصدقه ، وتؤمن به ؟ قال : تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب ، واللاتِ والعزَّى لن أتبعه أبداً " .
 
أضله الله على علم .
 
       أحياناً يرتكب الإنسان المعصية ، ويعلم أنها معصية ، ويعلم أنها تنتهي به إلى النار ، ويعلم أن المال سوف يدمَّر  ..
 
] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [.
( سورة البقرة : آية " 276 " )
 
       يفعل المعصية على علم ، هذه مصيبة كبيرة ، قال :
 
إن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ              وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
*   *   *
       أعظم بكثير ، لأنه يعلم حقيقة هذا الدين ، ويعلم حقيقة هذا الشرع ، ويعلم أن الطريق النظيف هو الزواج ، والزنا الطريق المنحرف ، الكسب الحلال هو الطريق النظيف ، إنه يعلم ذلك ، لكنه آثر الهوى ، وآثر الشهوة .
 
المعنى الثالث :
 
      أحياناً تعجب من إنسان يحمل شهادة عليا ، وهو وذكي ، وعاقل ، ويتبع الهوى ، تعجب من طبيب لا يصلي ، وقد قرأ في الجامعة من الآيات الدالة على عظمة الله ما يحيِّرُ العقول ، ومع ذلك لا يصلي ، وقد يشرب الخمر ، كيف ؟ هذا الذكاء في اختصاصه ، هو ذكيٌ فيما هو فيه ، قد تجد أناسًا أذكياء جداً في اختصاصهم ، أو فيما أقيموا فيه ، لكن الذكاء على مستوى الآخرة ، الذكاء الشمولي يفتقرون إليه ، إذاً هذا : أضله الله على علم .
 
        معنى الأول : أنه أصر على الضلال فكان إضلال الله له جزاءً ، جزاء ضلاله لاختياره .
 
      والمعنى الثاني : هو يعلم الحق ولكنه آثر الهوى .
 
      والمعنى الثالث : إذا كان في اختصاصه ، في حرفته ، في شهاداته ، متفوقاً ، وهو في سلوكه مع الله منحرفاً ، هذا لا يمنع أن يكون هذا الذكي العاقل ذكيًا في اختصاصه ، أما على مستوى الآخرة فهو أغبى الأغبياء .
 
       
          ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ﴾
 
وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ
 
الهدى ينفذ عن طريق الأذن ، فالأذن طريق الهدى ، يسمع الإنسان  ..
 
] أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[.
( سورة ق37)
 
       سمع خطبة جمعة ، سمع محاضرة ، سمع درس دين ، درس تفسير ، درس حديث ، درس سيرة ، سمع موعظة ، فالهدى يصل إلى القلب عن طريق الأذن ، أحياناً يرى آيةً دالةً على عظمة الله عزَّ وجل ..
 
         هناك حادثة وقعت في بلد مسلم لا يصدقها العقل: امرأة من باكستان مع طفليها في طائرة ، لسبب أو لآخر تحطم زجاج النافذة الذي إلى جنبها ، والضغط كما تعلمون ثمانية أمثال في داخل الطائرة عنه في الخارج ، فهذه النافذة سحبت الطفلين وألقت بهما في البحر على ارتفاع أربعين ألف قدم ، طبعاً الموت محقق ، بعد أسبوع تأتي هذه المرأة برقية من السفارة : أن تعالي إلى قطر فالولدان صحيحان ، قصَّة ضَجَّت منها البلاد ، نزلا إلى جانب قارب صيد ، فالصيَّاد رأى شيئا نزل من السماء فغاص ، وأنقذهما ، وأوصلهما إلى مستشفى ، هذه آية من آيات الله ..
 
وإذا العناية لاحظتك جفونها      نَــمْ فالمخاوف كُلُّهُنَّ أمانُ
*    *   *
     حادثة أخرى ، أحد ركاب طائرة كانت تحلِّق فوق جبال الألب احترقت وتصدَّعت ، وقع هذا الراكب فوق غابةٍ في جبال الألب المغطاة بخمسة أمتار من الثلوج ، ومع مرونة الأغصان نزل هذا الراكب واقفاً على قدميه ، هذه آيات ، فربنا عزَّ وجل يري آياته أحياناً ، وهذه الباخرة التي غرقت في بحر البلطيق ، في أقل من خمسة دقائق كان تسعمئة راكب في قعر البحر ، والعمق ثمانون مترًا فقط ، في أقل من خمسة دقائق ، تسعمئة راكب أصبحوا في قاع البحر ، أنقذوا مئة وأربعين ، والباقي ثمانمئة راكب ماتوا ، هذه كلها آيات دالة على عظمة الله عزَّ وجل .
 
((وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ)).
(من سنن أبي داود عن أبي الصلت)
       إذاً :
        
﴿ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾
 
وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً
 
      الهوى يقع على البصر وعلى الأذن ، فإذا وقع كما قال النبي الكريم :
 
(( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ )) .
(من سنن أبي داود عن أبي الدرداء )
 
       الهوى غشاوة على العين ، والهوى وَقَرَ في الأذن ، فإذا كانت العين مغطَّاة ، والأذن مغلقة القلب ، فأنَّى له أن يهتدي ؟ فإذا أغلقت الباب الخارجي فالأبواب الداخلية كلها مغلقةٌ حكماً ، فالإنسان حينما يهوى ،حينما يعبد الهوى ، حينما يتخذ إلهه هواه جُعل الهوى غشاء على عينيه ووقرًا في أذنيه ، فأنَّى للقلب أن يهتدي بهدى الله عزَّ وجل ؟ هذا ما قاله الله عزَّ وجل في مطلع سورة البقرة :
 
]إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ¯خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [.
(سورة البقرة6)
       لماذا ؟
 
 
] وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [.
(سورة البقرة7)
       منفذا القلب السمع والبصر ، الهوى غشاءٌ أمام البصر ، ووقرٌ في الأذن ، القلب إذاً تحصيل حاصل ، حكماً القلب في عَمَى ، لأن الهوى هو الحجاب ، والإنسان حينما يهوى يعمى .
 
(( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِم )) .
(( من سنن أبي داود عن أبي الدرداء)) .
واعلموا أن صاحب الحاجة أعمى وصاحب الحاجة أرعن   .
 
       لك أن تقول : صاحب الشهوة أعمى ، صاحب الشهوة أرعن ، فالهوى حينما يستحكم بالإنسان يجعله أعمى أصم ، قال تعالى :
 
] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [.
(سورة البقرة171)
       لماذا لا يعقل ؟ لأن منفذ العقل هو السمع والبصر ، والهوى حجابٌ كثيفٌ أمام البصر ، ووقرٌ ثخينٌ في الأذن .
 
     الآية اليوم  :
      
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
 
      الهدى هُدى الله ، ليس هناك هدى من جهة ثانية أبداً ، إذا لم الله يهدك فأنت لست مهتديًا ، وهدى الله عزَّ وجل يحتاج إلى إصغاء سمع ، أن تلقي السمع وأنت شهيد ، وهدى الله يحتاج إلى أن تنظر ..
 
] قُلْ انْظُرُوا [.
( سورة يونس : آية 101 )
       أمر بالنظر  .
 
 
] فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [.
( سورة عبس24)
 
] فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ[.
(سورة الطارق5)
 
] أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [.
( سورة الغاشية17 )
       أمرك بالنظر ..
 
] قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [.
(سورة يونس : آية 101 )
       أمرك أن تصغي السمع ..
 
] إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [.
( سورة التحريم : آية 4)
 
       دليل الإصغاء الحقيقي التوبة ، فالله أمرك أن تنظر ، وأن تصغي ، أن تنظر إلى الآيات لتعرف الله ، وأن تصغي إلى الحق ، فإما أن تصل إلى الحق بذاتك ؛ باحثاً ، منقباً ، متأملاً ، محللاً ، وإما أن يأتيك جاهزاً عن طريق الدرس ، فهناك طريق جاهز ، وتحتاج إلى إصغاء ، وعلامة الإصغاء التوبة ، فإذا غيَّرت في البيت بعدما سمعت الدرس ، وقلت : هذا حرام ، هذا لا يجوز ، هذا العمل فيه شبهة ، عندما تتحرك حركة وفق الشرع فقد صحّ إصغاؤك .
 
        والله لا يوجد شيء يدعوني إلى العجب كأن أرى إنسانًا يلزم مجلس علم عشر سنوات ، وفي بيته معصية ، عجيب ، ماذا يسمع ؟! هذا حينما كان ينظر ماذا يفعل ؟ ليس له محاكمة داخلية ، هذه معصية ، هذا مال حرام ، هذا سلوك شائن ، الشيء الذي يدعو للعجب أن يلزم إنسان مجلس علم ، وأن يصغي ، ثم لا يتوب .
 
] إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [.
( سورة التحريم : آية 4)
 
       علامة الإصغاء الصحيح هي التوبة ، وعلامة النظر الصحيح هي التوبة ، إذا نظرت أو استمعت ، النظر تأمُّل وبحث ودرس ، والاستماع تأخذ العلم جاهزاً ، لك أن تفكِّر ، ولك أن تستمع ، وكلاهما طريقٌ موصل إلى الله عزَّ وجل .
 
     إذاً :
      
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ¯وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا
 
 حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾
 
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ
 
        لذلك يقال لك : هذه الحياة هكذا ، يفسِّر المصائب ، يفسر خرق العادات ، يفسر توفيق الله ، يفسر عقاب الله ، على أن هكذا الدنيا مدٌ وجزر ، يومٌ لك ويومٌ عليك ، ما الذي يميتنا ؟ يقول لك : موضوع الهرم ، الدهر هو الذي يميتنا ، دائماً الكافر يميل إلى تفسير لا يوضح أن الله هو الخلاَّق ، هو المحيي ، هو المميت ، هو الرزَّاق ، هو المعز ، هو المذل .
      
﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾
 
لذلك ورد في الحديث القدسي  :
 
(( ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ )) .
(صحيح البخاري عن أبي هريرة)
 
         تقول لي : حظ ! فلان محظوظ ، هذه البنت حظها قليل ، هذا الكلام ليس له معنى ، فهل الحظ إله ثانٍ ، الحظ هو الله عزَّ وجل  ..
 
] فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى¯وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى¯فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى  [.
(سورة الليل5-7)
 
       هذه آية الحظ ، الدهر ، القدر ، كلام ليس له معنى ، لا يوجد إلا الله عزَّ وجل ، فوحِّدوا ، لا تَعْزُ الأشياء إلى شيء غير معقول ، غير منطقي ، ليس له اسم .
 
] إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [.
( سورة النجم : آية 23)
 
      
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
 
مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ
 
أحضِرْ أبانا لنرى ، هذا كلام ليس له معنى ، الله عزَّ وجل قال :
      
﴿ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ﴾
يحييكم في بطون أمهاتكم  ..
      
﴿  ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾
في نهاية الحياة ..
 
﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
 
 
والحمد لله رب العالمين

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب