سورة الجاثية 045 - الدرس (5): تفسير الأيات (20 – 22)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الجاثية 045 - الدرس (5): تفسير الأيات (20 – 22)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج كيف تتعامل مع الله:  كيف تتعامل مع الله - 26- اذا خلوت به           برنامج بيّـنات: بينات -د. بيان علي الطنطاوي- 19 - مشكلات التعليم1           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 258- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- حكم قطف االثمر في الطرقات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0741 - سورة مريم 041 - 043           برنامج خطبة الجمعة: خطبة الجمعة - الشيخ الدكتور عبد الرؤوف الكمالي - حرمة الدماء في الإسلام           برنامج اخترنا لكم من أرشيف الإذاعة: اخترنا لكم - سنة الابتلاء والحكمة منه - الشيخ نعيم العرقسوسي         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الجاثية

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الجاثية ـ (الآية: 20 - 22)

07/05/2013 18:34:00

سورةالجاثية (045)
الدرس (5)
تفسير الآيات: (20 – 22)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
       أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس من سورة الجاثية ، ومع الآية العشرين  .
 
       أيها الإخوة الكرام ، يقول الله عزَّ وجل :
       
﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
 
هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
 
معنى  بصائر :
 
 
        بصائر جمع بصيرة ، وبصيرة على وزن فَعِيلَة ، وفعيلة صيغة مبالغة اسم الفاعل ، أي نُبْصِر بها ، هذه العين لو أنها في أعلى مستوى ، وفي أدق حالة ، هل يمكن أن ترى الأشياء من دون نور ؟ لو فحص الإنسان عينيه فوجدهما بأعلى درجة ، ودخل إلى غرفةٍ مظلمة فهل يرى فيها شيئاً ؟ إنه لا يرى شيئاً ، لابدَّ من وسيط ، لابدَّ من نورٍ ترى به الأشياء ، والعقل كالعين ، والعقل الراجح والمتفوق لا يرى الحقيقة إلا إذا  كان مهتدياً بنور الله ، لأن العقل يهديه إلى أن لهذا الكون خالق ، ولكن من هو الخالق ؟ يأتي الوحي ويقول :
 
] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [.
 (سورة السجدة : آية " 4 " )
 
       العقل يصل بذاته إلى أن هذا القرآن كلام الله من خلال إعجازه ، وأن الذي جاء به نبيّ الله من خلال قرآنه ، ولكن هذا القرآن ماذا يقول ؟ من الذي يكشف لك حقائقه ؟ ربنا عزَّ وجل يقول :
 
] أُوْلَئِكَ [.
 
       أهل البُعْدِ  ..
 
] يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [.
(سورة فصلت44)
 
       فمهما الإنسان تمتَّع بعقلٍ راجح فلابدَّ له من نورٍ كاشف ، وبشكل مختصر كيف أنك إذا شققت الطريق تضع لافتات ، هنا منعطف خطر ، هنا منزلق حادّ
  ، هنا تقاطع خطر ، هنا طريق ذات اتجاه واحد ، هذه اللوحات فيها بصائر تنير للسائقين من ملابسات الطريق ، وأخطار الطريق ، وخصائص الطريق ، كذلك الإنسان في الدنيا لابدَّ له من بصائر ، لابدَّ له من كتاب من عند خالقه ، أنت آلة معقَّدة جداً ، غاية التعقيد ، ثمينة جداً ، غالية جداً ، عظيمة النفع جداً ، كيف تستعملها ؟ لابدَّ من تعليمات الصانع .. القرآن تعليمات الصانع ، قال :
      
﴿ هَذَا بَصَائِرُ ﴾
 
        بصائر جمع بصيرة ، بصيرة على وزن فعيلة ، فعيلة مؤنَّث فَعيل ، فعيل صيغة مبالغة اسم الفاعل ، أي به نرى الحقائق .
 
       شيءٌ آخر ، أحياناً أنت ترى الحقيقة بشيئين ؛ إما ببيان ، أو بنور ، البيان أن تصغي إلى الحق ، هذا حرام وهذا حلال ، هذا يجوز ، وهذا لا يجوز ، في هذا المجال افعل ولا تفعل ، هذا بيان ، وإما أن تتصل بالله عزَّ وجل اتصالاً محكماً فيُلْقي الله في قلبك النور ، وهذا تؤكِّده الآيات الكريمة :
 
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [.
(سورة الحديد : آية " 28 ")
 
 
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا[ .
(سورة الأنفال : آية " 29 " )
 
       فالقرآن بصيرة ، تقرأه وتستوعب أوامره ونواهيه فتطبقها ، فصار التبصير بيانيا ، أو صار التبصير نورانيا ، إما أن تتصل بالله اتصالاً محكماً يلقي الله في قلبك النور ، وفي النهاية من كانت صلته بالله محكمة ، ومن كان إدراكه للقرآن عميقاً يلتقيان في تطبيق المنهج الإلهي ..
      
﴿ هَذَا بَصَائِرُ ﴾
 
      أي أنك في أشدِّ الحاجة إلى التبصير ، وهذا لا يعرفه إلا من يقود السيارات .. إذا كنت في سفرٍ طويل ، وتوجد مفارق متعدِّدة ، ولا تعرف في أيِّها تذهب ، إنك تقع في أشد الحيرة ، تقع في اضطراب ، أذهب من هنا أم من هنا ؟ كم تكون ممتناً لو رأيت لوحةً مضاءةً واسعةً واضحةً بلغةٍ تفهمها ، وكتب عليها : حمص من هنا ، من هنا طرابُلس .. مثلاً .. هذه اللافتات بصائر ، بدل أن تخطئ تصيب ، وتسأل فتضطرب ، وتقلق ، فتجد لوحة مبيّنة ، فربنا عزَّ وجل من لوازم كماله أنه لمَّا خلقنا نوَّر هذا الكون ببيانه ، الله عزَّ وجل دائماً وأبداً يرسل الرُسُل ، ينزِّل الكتب ، يبعث بالدعاة ، فالإنسان دائماً في حالة تبيين ، قال تعالى :
 
]إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى[.
( سورة الليل12 )
       (علينا) ، وعلى إذا جاءت مع لفظ الجلالة تفيد الإلزام الذاتي ، أي أن الله عزَّ وجل تكفَّل لنا أن يهدينا إلى سواء السبيل ..
 
]إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى[.
 
       قال تعالى :
 
]وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ[.
(سورة النحل : آية " 9 " )
       وعلى الله قال بعض العلماء : " بيان سبيل القصد " . خُلِقْت كي تسعد في أبد الآبدين ، على الله عزَّ وجل أن يبين لك معالم الطريق التي تودي بك إلى
 
 سعادتك ..
 
]وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ[.
 
       الآية معكوسة ، وعلى الله بيان سبيل القصد .. هكذا .. إذاً نشر الهُدى وتوضيح الأمور ، وإنزال الكتب ، وإرسال الأنبياء ، وإلهام الدعاة والعلماء بتبصير الأمور ، هذا مما يفعله الله عزَّ وجل رحمةً بالعباد ، إذاً :
      
﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾
 
هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ
 
       دقق في هاتين الكلمتين ، هدىً من الضلالة ، ورحمةٌ من الشقاء ، قد يضل الإنسان وقد يشقى ، يضلُّ عقله ، وتشقى نفسه ، فإذا قرأ هذه البصائر ، قرأ هذا الكتاب ، وتدبَّر آياته ، واستوعب معانيه ، وقف عند حلاله وحرامه ، وقف عند مُحْكَمِهِ ومتشابهه ، وقف عند الأمر والنهي ، عند الوعد والوعيد ، عند الحلال والحرام ، وقف عند أخبار الماضين ، وما سيكون بعد حين ، إذا قرأ هذا القرآن كان له بصيرةً ، وإذا أراه الحقَّ حقاً عليه أن يتبعه ، وأراه الباطل باطلاً فما عليه إلا أن يجتنبه ، فالذي على الله الله عزَّ وجل أدَّاه ..
 
] إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [.
       
﴿ هَذَا بَصَائِرُ ﴾
الآن نحن إما أن نستجيب أو لا نستجيب ..
 
] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[.
(سورة الأنفال : آية " 24 ")
 
       هذه دعوة الله لسعادتنا ، دعوة الله كي نحيا حياةً حقيقيَّة ، دعوة الله كي نصل إلى دار السلام بسلام ، دعوة الله إلى أن نحقق الهدف الذي من أجله خُلِقْنا ، دعوة الله إلى أن يرحمنا الله عزَّ وجل ..
      
﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ﴾
 
هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ
 
      القضيَّة قضيّة فهم ، قضية محبَّة للذَّات ، من أدرك إدراكاً صحيحاً وهو يحب ذاته لاشك أنه يسلك هذا الطريق .
      
﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى ﴾
من الضلالة ..
     
﴿  وَرَحْمَةٌ ﴾
من الشقاء ، والآية الكريمة :
 
 
] فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [.
(سورة طه123)
       من اتبع هداي فلا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يوجد إنجاز أعظم ، ولا تفوَّق أكبر من أن يستنير عقلك ، وتهتدي نفسك ، وتسعد نفسك ؟ عقلك مستنير ، ونفسك سعيدة ، عقلك مستنير بالحقائق الربَّانيَّة ، ونفسك سعيدة بالرَحَمَات الإلهية ، عقلك يرى الحقَّ حقاً والباطل باطلاً ، ونفسك تُقْبِلُ على الله عزَّ وجل فتسعد بهذا القُرب ..
      
﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
 
هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
 
     يُفْهَم من هذه الآية معنىً مخالف : أن الناس دائماً في شك ، ليس عندهم الصدق الكافي للبحث عن الحقيقة ، يقول لك : لا نعرف ، الله أعلم ، الله يجعل الخاتمة بخير ، دائماً كلماته فيها شك ، لا يوجد يقين ، بالإيمان لا يوجد فيه شك ، الإيمان فيه يقينيَّات ، إذا كانت حقائق الإيمان ليست واضحةً وشاخصةً أمامك كإيمانك بوجودك فهذا ليس إيماناً ، والدليل :
 
] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [.
( سورة الحجرات : آية " 15 ")
 
 
] كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ¯لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ[.
(سورة التكاثر5-6)
 
       لا يوجد شك في الإيمان ، لا يوجد احتمال ، لا يوجد حل وسط بين اليقين وعدم اليقين ، الإيمان كله يقينيَّات ، فلن تؤمن حتى تكون الحقائق كالشمس في رابعة النهار ، لذلك لو اجتمع أهل الأرض على أن يفتنوك لا يستطيعون ، لا تستطيع سبائك الذهب اللامعة ، ولا سياط الجلاَّدين اللاذعة أن تصرفك عما أنت فيه ، هذا هو الإيمان :
 
] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [.
 
       إن الذين آمنوا ، آمنوا وازدادوا إيماناً ، هذا الكتاب بصائر ، تصور نفسك تمشي في طريق مظلم ملتوٍ ، فيه أكمات ، فيه حفر ، فيه وحوش ، فيه حشرات ، فيه أفاعٍ ، فيه ثمار يانعة ، فيه كنوز ، بلا مصباح ، وهذا القرآن مصباحك ، تأخذ الكنز ، وتدع الأكمة أو الحفرة ، أو الحشرة القاتلة ، إذا كان هذا القرآن بصيرةً لك ما ضلَّ عقلك ، ولا شقيت نفسك ، وإذا تفتَّح عقلك نفسك تتبع العقل ، وفي الأثر :
 
" أرجحكم عقلاً أشدَّكم لله حبَّاً " .
 
       إذا أدرك عقلك الحقيقة فقد أحببتَ لنفسك الخير ، وبحكم حبِّك لذاتك تبحث النفس عن الخير  .
 
       الآن الآية الدقيقةُ الدقيقة التي لو قرأها الإنسان ، واستوعبها أدخلته في السعادة :
    
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
 
 َمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
 
       لو استوى الذي يجترح السيئات مع الذي عمل الصالحات ، لو استوى المؤمن مع الكافر،لو استوى المحسن مع المسيء ، لو استوى الخائن مع المخلص ، لو استوى الصادق مع الكاذب ، لو استوى النصوح مع الغاش لما كان للدين طعم ، ولا جدوى ، ولا فائدة ، بل هو باطل ، يقول الله عزَّ وجل : أيعقل أن نسوِّي بين الصالح والطالح ؟ بين المحسن والمسيء ؟ بين المستقيم والمنحرف ؟ بين الغاش والناصح ؟ بين الصادق والكاذب ؟ بين من تتبَّع أمر الله وطبَّقه ومن لم يبال بأمر الله ؟ بين من اتبع العقل ومن اتبع الشهوة ؟ بين من سار في طريق الجنَّة ومن سار في طريق النار ؟ بين من أساء للخلق ، فبنى حياته على أنقاضهم ومن بنى آخرته على حساب مصالحه ؟ أيستويان ؟
 
        حينما تتوهَّم أنه يمكن أن يكون الصالح كالطالح معنى هذا أن الدين لا فائدة منه ، إذا لم يكن للمؤمن معاملة خاصَّة من الله ، ليس له زواج خاص ، ليس له عمل خاص ، ليس له سمعة خاصة ، ليس له توفيق خاص ، ليس له دعم خاص ، يستوي مع الكافر ، كلاهما سيَّان ، كلاهما يساق بعصا واحدة ، كلاهما تحيط به ظروفٌ واحدة ، يعانيان من مشكلات واحدة ، إذاً الدين شيء لا يجدي ، ولا يغني ، ولا ينفع ، إذا توهَّمت أن فلانًا لا دين له ، ومع ذلك يكرمه الله ، هو لا يصلي ، ولا يصوم ، شارب خمر ، كاذب ، زانٍ الله ومع هذا أعطاه الله ، وأنعم عليه ، عندها تقول : سبحان المعطي !!! وترى المؤمن المستقيم ، وقد حرمه الله من نعمائه ، لماذا ؟ لا نعرف ، هناك حكمة ، إذا قلت : هناك حكمة ، وتعني أن هناك حكمة فكلامك مقبول ، أما إذا قلت : هناك حكمة ، وتعني أنه لا توجد حكمة فهذا الكلام صار فيه كفر .
      
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
 
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
 
      هل من المعقول لشاب نشأ في طاعة الله ، يرتاد المساجد ، وينعم بمجالس العلم ، يغض بصره ، يحرر دخله ، يصدق ولا يكذب ، ينصح ولا يغش ، أن يعامله الله كما يعامل المسيء ؟ هذا الشيء مستحيل .
    
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
 
      إنسان غضَّ بصره طوال حياته ، وقبل أن يتزوج لم يرتكب معصية إلى أن يسّر الله له زواجا ، هذا زواجه كزواج إنسان له تجارب في المعاصي ؟ وله آلاف الانحرافات ، أيعقل أن يكون زواج هذا كزواج ذاك ؟
 
      أنت لا تكذب ، مالك كله حلال ، لا تغش أبداً ، هل أموالك هذه كأموال طائلة جاءتك من طريق غير مشروع ؟ مستحيل ، المال الحلال يبارك الله لك فيه ، والمال الحرام يَتْلَف ، ويُتْلِف صاحبه ، والإنسان المستقيم قبل الزواج من أوائل ثمرات الاستقامة زواج موفَّق ، زوجة تسرُّه إن نظر إليها ، تحفظه إن غاب عنها ، ولا نعمة أكبر من نعمة الاطمئنان لأهلك إذا غبت عنها ، هذه نعمة كبيرة ، هذه النعمة لا تُقَدَّر بثمن ، لا يعرفها إلا من فقدها ، إذا الإنسان شعر أن زوجته ليست مستقيمة ، ربما خانته في غيبته ، فهل هذه حياة ؟ المؤمن مستقيم يعرف أن زوجته عفيفة مثله ، فتجده مرتاحًا ، فزواج المسلم غير زواج الكافر ، والمسلم لا يكذب أبداً في عمله ، يخاف من الله عزَّ وجل ، المال تحت قدمه ، لا يغش المسلمين ؛ لا في طعامهم ، ولا في شرابهم ، لا في بيعهم ، ولا في حاجاتهم ، فتجد المؤمن مستعدًا ليضحي بالغالي والرخيص من أجل أن يرضى الله عنه ، وتجد الكافر مستعدًا أن يضحي بكل القيم وكل المبادئ من أجل أن يكسب المال ، فهل تنتظر من الله أن يعامل هذا المسيء كهذا المحسِن ؟
 
حقيقة معاملة الله للناس
 
        فلو أردنا أن نتعرَّف إلى الحقيقة لا من خلال كتاب الله ، ولا من خلال سنَّة رسول الله ، ولا من خلال الكون ، ولكن نظرنا إلى الناس كيف يعاملهم الله عزَّ وجل لعرفنا الحقيقة من معاملة الله لعباده ، المستقيم محفوظ ، المنحرف يفاجأ بمصيبة لم تكن متوقَّعة ، من يكسب المال الحلال يبارك الله له في هذا المال ، من يكسب المال الحرام يُتلفه الله ، الأمور دقيقة جداً وعميقة ، إيَّاك أن تفهم الأمور فهمًا سطحيًا ، كل مصيبة لها حكمة بالغة ، لو كُشِفَ الغطاء لاخترتم الواقع .
 
       مرَّة قال لي أحدهم ، ووالله لا أنسى هذه الكلمة ، قال لي : كم تُقَدِّر عمري ؟ قلت له : ستون عاماً ، قال : لا ، عمري ستةٌ وسبعون عاماً ، قال لي : والله أنا أشعر أنني ذو نشاطٍ بحيث أهدم حائطاً ، لأنني لم آكل في حياتي كلها درهمًا حرامًا واحداً ، ولا أعرف الحرام ، تجد أشخاصًا كثيرين أكلوا المال الحرام فأتلفهم المال ، هذه الآية آية مصيريَّة ، آية مفصليَّة ، اطمئن إذا كنت مع الله ، لا تبالي ، لا تخف ، أبشِر ، فإن الله يؤكِّد لعباده المؤمنين أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لن يكونوا كالذين عملوا السيئات ..
      
 ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
 
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
 
        لك معاملة خاصَّة ، لك توفيق خاص ، لك حفظ خاص ، لك تيسير خاص ، لك بيت خاص ، لك طمأنينة خاصَّة ، لك اتصال بالله خاص ، لك مكانة خاصة ، لك منزلة خاصَّة ، هذا كلُّه من ثمرات الإيمان في الدنيا قبل الآخرة ، لأن في الآخرة الرصيد ..
 
] وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [.
(سورة آل عمران : آية " 185 " )
 
       لكن في الدنيا تشجيع ، توجد دفعات تشجيعيَّة لبقيَّة المحسنين ، وتوجد عقابات ردعيَّة لبقيَّة المسيئين ، ولكن الجزاء الحاسم يوم القيامة ..
 
] وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [.
 
        اطمئن ، عليك أن تتبع أمر الله ، وأن تطبِّقه ، وانتهت مهمَّتك ، والله عزَّ وجل عليه أن يحفظك ، قال تعالى :
 
] إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ .
(سورة هود56)
 
       هو يحفظك ، هو يوفِّقك ، تجد أن الله خلق من الضعف قوَّة ، يقول لك : كان لا شيء فصار كل شيء ، كان خامل الذكر فرفع الله شأنه ، كان دخله أقل من حاجته فيسّر الله له دخلاً غطَّى حاجاته ، كان بلا زوجة فيسر الله زواجه ، كان بلا بيت يسَّر الله له بيتًا ، كان له عمل مُجْهِد ومردوده قليل فصار له عمل مريح ومردوده كبير ، إذا دعا إلى الله عزَّ جل الله وفِّقه ، يُطْلِقُ لسانه في الحق ، كلما قرأت هذه الآية ازددت تعلقا بها :
      
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
 
ليس في الآخرة ، بل في الدنيا ، والدليل :
      
﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾
 
أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ
 
      هل بيت المسلم مثل بيت غير المسلم ؟ إذا ذهب المسلم إلى نزهة مثلاً ، وجلس في مكان جميل ، لا اختلاط فيه ، ولا خمور ، ولا منكر ، جلس مع أهله مسرورًا ، لكن لو جلس في مكان عام لا يرضي الله عزَّ وجل يشعر بانقباض ، لو دعا إخوانه إلى بيته في لقاء لطيف ، ولا يوجد اختلاط في هذا اللقاء يشعر بالسعادة ، ولو وجد اختلاطًا لوجدت أن كل إنسان عينه على زوجة الآخر ، يبدأ الحسد ، والغمز و اللمز ، والاضطراب ، الزوج لاحظ أن زوجته تتكلَّم مع فلان بطريقة لم تعجبه ، فعاتبها ، وهي عاتبته ، كل حياة أهل الدنيا مصاعب ، فلذلك عندما يطبِّق الإنسان شرع الله عزَّ وجل يرتاح .
      
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
 
       الحديث عن الآخرة حق ، وأركِّز الآن على الدنيا ، وأنت في الدنيا ، يستحيل على الله عزَّ وجل أن يجعل حياة المؤمن في الدنيا كحياة الكافر ،  البيت متميز ، الزواج متميز ، العمل متميز ، حتى الصحَّة الجسميَّة متميّزة ، لأنه يصلي ، والصلاة رياضة ، يصوم ، والصيام وقاية ، يعتدل في الشهوات ، والاعتدال هو الصواب ، حتى في صحَّته ، حتى في بيته ، حتى في عمله ، حتى في علاقاته ، حتى في أفراحه ، النساء في الأعراس كلهنَّ مصونات ، لا تسمع إلا مديح رسول الله e ، وربما امرأة ألقت كلمة ، هذا شيءٌ جميل ! هذا عرس إسلامي ؛ لا كتلك الأعراس التي تمتلئ بالانحرافات ، ولا تمتُّ بصلة للإسلام .
 
        عقد قِران المؤمن تجد فيه منشّدين ، إلقاء كلمات ، توزيع حلوى ، أما أهل الدنيا ففيه اختلاط ، عرس أنفق فيه كذا مليون ، والعروس على المنصَّة قال لزوجته : أنتِ طَالق طالق طَالق ، لأن كل زواج بني على معصية الله يتولَّى الشيطان التفريق بين الزوجين ، وكل زواج مبني على طاعة الله يتولَّى الله التوفيق بينهما .
 
       هذه الآية تدفعك إلى العمل الصالح ، والله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون على الله من أن يضيِّع مؤمناً مستقيماً ، هل يضيعك ؟ يجعل أهل المعاصي يتفوَّقون عليك ؟ وأنت متخلِّف في نهاية الركب ، في الدرجة السُفلى لأنك مؤمن ؟ هذا دين الله عزَّ وجل ؟ ألا يغار الله على أتباعه ، وعلى المؤمنين ؟ لأنه مستقيم بقي بلا شيء ، لأنه مستقيم طلَّق زوجته ، لأنه مستقيم فصلوه من عمله ، هذا كلام الشيطان ، وفّقه الله لأنه مستقيم ، حفظه الله لأنه مستقيم ، رفعه الله لأنه مستقيم ، أكرمه الله لأنه مستقيم ، يوجد كلام ـ والله ـ هو الكفر بعينه ، كأن يقول : سبحان الله ! لأنه أحب أن لا يأكل مالاً حرامًا فبقي بلا عمل .. يذكرون كذلك كلمة ( سبحان الله ) ، أين الله عزَّ وجل ؟ أين التوفيق ؟ أين :
 
(( ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه)) .
[الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه مقال ]
       أين هي هذه ؟ ((  ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .
 
       هذه الآية يجب أن تُحْفَر في أذهاننا ، يجب أن تمتزج مع دمائنا ، يجب أن تتخلخل بين خلايانا .
      
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ﴾
 
   هو لا يأبه لدين ولا لمنهج ، حرام حلال يريد الربح فقط ، غشَّ الناس ، كذب عليهم ، لعب عليهم ..
      
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ﴾
 
        تجد أن ماله كله أتلف ، مصادرات ، مخالفات ، أمراض وبيلة ، في النهاية هو صفر اليدين ، تجد المؤمن على دخل متواضع ولكن فيه بركة ، الله متَّعه فيه ، متَّعه بأهله وبأولاده ، وحياته مستقرَّة وهادئة ، ومتنامية ومتصاعدة .
 
       لا يوجد في الأرض كلِّها التي فيها خمسة آلاف مليون إنسانٍ إنسانٌ واحد سعيد بالبعد عن الله ، فالله عزَّ وجل قال :
 
] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [.
(سورة طه124)
       ولا يوجد مؤمن واحد حتى ولو كان فقيرًا ، أو ضعيفًا ، لو كانت حياته خشنة أو معه مرض ، لا تجده إلا وهو سعيد .
 
] مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ [ .
(سورة النحل : آية " 97 " )
 
       اسأل إخواننا الأطبَّاء عن الإنسان عند النزع كيف تكون حالته ؟ انهيار كامل ، سيدنا سعد بن الربيع كان في طور النزع ، تفقَّده النبي e ، فأرسل من يسأل عنه في ساحة المعركة ، وصل الصحابي ، وقال له : " إن النبي الكريم أمرني أن أتفقَّدك هل أنت مع الأحياء أم مع الأموات ؟ " ، قال له : " أنا مع الأموات ، لكن قل لرسول الله : "جزاك الله عنَّا خير ما جزى نبيّاً عن أمته ..
 
     فأنا متصوِّر أن سيدنا سعد بن الربيع في قمَّة السعادة وهو في النزع الأخير .. وقل لأصحابه : " لا عذر لكم إذا خُلِص إلى نبيُّكم وفيكم عينٌ تطرف " .
 
     ما هذه السعادة ؟ إنه في قمَّة النشوة وهو ينازع ، فما هذا الإيمان ؟
 
       وأنت مريض سعيد ، وأنت فقير سعيد ، وأنت بالنزع سعيد ،  وأنت تغادرالدنيا سعيد ، لا يوجد أذى ، كل أطوار حياة المؤمن سعادة ، وإياكم أن تتوهَّموا أنني أعني بالسعادة الماديَّة ، المؤمن قد يكون فقيرًا ، وليس غنياً ، ومع هذا هو سعيد ، السعادة تنبع من الذات ، ولا تأتي من المحيط ، إنها تنبع من الذات .
عناصر السعادة عند أهل الدنيا
 
       أهل الدنيا يرون أنالسعادةالماديَّة تحتاج إلى ثلاثة عناصر : تحتاج إلى وقت ، وتحتاج إلى صحَّة ، وتحتاج إلى مال ، وهذه الأشياء الثلاثة دائماً يتوفر عند المحظوظين اثنان منها :
 
     الإنسان في أول طور في حياته صحَّة طيبة وعنده وقت فراغ ، ولكن لا يوجد مال فهو غير سعيد .
 
 
      في الطور الثاني المال موجود والصحَّة موجودة ولكن لا يوجد وقت ، إنه مشغول ، فهو غير سعيد .
 
 
      في الطور الثالث المال موجود ، والوقت موجود ، ولكن الصحَّة لا توجد ، فهو غير سعيد ، لو أردت الدنيا لذاتها لا تسعد بها أبداً ، قال النبي الكريم :
 
(( إنَّ أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها )) .
 
       شيء يحيّر ، إذا أقبلت عليها بعدت عنك ، وإذا ابتعدت عنها أقبلت عليك ، لذلك قال النبي الكريم :
 
(( إياك والتنعُّم ، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعِّمين)) .
[الجامع الصغير عن معاذ بسند حسن]
 
       أنت نعيمك بالعمل الصالح ، نعيمك بطلب العلم ، نعيمك بملازمة أهل الحق ، نعيمك بالدعوة إلى الله ، نعيمك في خدمة الخلق ، نعيمك في مناجاة الحق ، هذا هو نعيمك ، يوجد أناس يتوهَّمون أن النعيم بيت فخم بمصيف ، أكل وشرب ونوم ، هذه حياة تُمَلّ ، واسأل أصحاب هذه البيوتات الفخمة ، إنهم يهجرونها كثيراً لأن حياتهم في ضنك ..
 
] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [.
(طه124)
       هذه الآية آية مفصليَّة  :
      
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾
 
      أي حياتهم ، صحَّتهم ، زواجهم ، عملهم ، أفراحهم ، أتراحهم ، ما يعتورهم من أحوال ، قال عليه الصلاة والسلام  :
 
(( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ ، وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ
 
 خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ )) .
(مسند أحمد عنصهيب)
       غير المؤمن يتكبَّر في الرخاء وينسى ، وفي الشدَّة ييئس ، يأسٌ قاتل أو غفلةٌ مستحكمة ، المؤمن شكور في الرخاء ، صبور في البلاء ، متعفِّف في الفقر ، متعفِّف في الغنى ، سموح ، منفق ، منصف في القوَّة ، متذلِّل لله عزَّ وجل في الضعف .
 
صبر النبي e على الفقر والجوع والأذى والغربة
 
      النبي الكريم أذاقه الله الضعف والقهر في الطائف ، قال صلّى الله عليه وسلّم : (( إن لم يكن لك غضبٌ عليّ فلا أبالي ، ولك العُتبى حتى ترضى )) .
 
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
      أذاقه النصر بفتح مكَّة ، قال : ((اذهبوا فأنتم الطلقاء )) .
[سيرة ابن هشام]
      أذاقه الفقر .. عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ :  
 
(( يَا عَائِشَةُ ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ ، قَالَ : فَإِنِّي صَائِمٌ ... )) .
[مسلم]
 
      لا يوجد شيء في بيته إطلاقاً ، ولا تمرة ، فلمَّا صار غنياً قال له أحدهم : لمن هذا الوادي ؟ قال له : " هو لك " ، قال : أشهد أنك رسول الله ، تعطي  عطاء من لا يخشى الفقر ، أذاقه الله الفقر ، وأذاقه الغنى ، وأذاقه القهر ، وأذاقه النصر ، وأذاقه موت الولد ..
 
(( تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا إِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ )) .
[البخاري ومسلم ، واللفظ له]
 
       أصابه موت الولد ، أصابه ترك الوطن ، الهجرة ، ترك مكَّة ، فقال :اللهمَّ إني تركت أحبَّ البلاد إلي فأسكني أحبَّ البلاد إليك ، ترك مكَّة ، وسكن في المدينة ، وإذا ظن الإنسان أن الله يسوي بين المسيء والمحسن فقد أساء ، قال تعالى :
      
﴿  سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
 
سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
 
      هذا حكم سيئ ، ونظرة قاصرة ، وتفكير ساذج ، وعمى في القلب أن يسوي الله بين المحسن والمسيء ، والمستقيم والمنحرف ، والغاش والمخلص ، والخائن والصادق ، أبداً ، الدليل : قال الله :
      
﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
 
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
 
      تصوَّر جامعة كيف يكون نظام النجاح فيها ؟ تهدي الأستاذ هديَّة فينجِّحك ، ولو لم تدرس،الفحص اختياري ، والهدية بدلاً من الفحص فتنجح ، هل هذه جامعة ؟ العلاقات الشخصية وحدها تنجحك من دون ورقة امتحان ، من دون سؤال موحَّد ، لك علاقة مع الأستاذ طيّبة تنجح بها ، قدَّمت له هديَّة ينجحك ، أعطاك الأسئلة فدفعت ثمنها فتنجح ، هل هذه جامعة ؟ هذه بالحق أم بالباطل ؟ انظر إلى الآية الكريمة :
      
﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
 
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
 
     لو كان الله يسوي بين الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات فهذا لم يُخلَق بالحق ، بل إنه خُلِق بالباطل ؟ لكنه لا يسوّي ، بل خلق الله عزَّ وجل السماوات والأرض وفق أسس ثابتة ، أسس مكينة ، وفق هدفٍ نبيل ، ووفق استقرار ، الدليل :
 
] وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا [.
(سورة ص : آية " 27 " )
       خلقهما بالحق ، وما خلقهما بالباطل ، معنى هذا أن الحق عكس الباطل ، الباطل هو الشيء الزائل ، الحق الشيء الثابت ..
 
] وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [.
( سورة الأنبياء16)
 
       معنى هذا أن الحق خلاف اللعب ، والحق خلاف الزائل ، وخلاف الزائل الثابت ، وخلاف اللعب الهادف ، معنى هذا أن الحق بتعريف القرآن له الشيء الثابت الهادف ، الشيء الثابت النبيل العظيم ، فربنا عزَّ وجل خلق السماوات والأرض لهدفٍ كبير ، وخلق الله السماوات والأرض لتبقى لا لتزول .
 
       أيها الإخوة ، العلاقة بين الآيتين علاقةٌ تامَّة ..
      
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
الأمر ليس كما تتوهَّمون لأن الله خلق  ..
      
﴿ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
 
      إذاً : لن يكون الذين عملوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لذلك الروعة والعظمة أن تأتي النتائج وفق المقدِّمات ، قال تعالى :
     
﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
 
وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
 
       لا تتوهَّم أنه يمكنك أن ترتكب إساءات دون أن تُحَاسَب عليها إطلاقاً ، ثم تنجو ، معنى هذا أن المنضبط غبي ، الذي ضبط دخله ، وكان قليلاً ، وصبر على قلَّته ،والذي لم يضبط دخله ، وتمتَّع بهذا المال ، ثم سوَّى الله بين هذا وذاك ، معنى هذا أن المستقيم إنسان غبي ، محروم ، من الذي أفلح ونجح ؟ الذي لم يبالِ بهذا النظام ، ولم يأخذ به ، فعلَ ما يشتهي ، ثم جاء يوم القيامة وله الجنَّة ، لا  ..
 
﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
 
 
] فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ¯عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [.
(سورة الحجر92-93)
 
 
] وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [.
(سورة إبراهيم : آية " 42 ")
 
لا يستوي الصالح والطالح ، والمحسن والمسيء
 
     أحياناً تسمع قصصًا مُفادها أن فلانًا عمل وكسَّب ، وكثَّر واشترى ، ونهب وسلب ، وركَّز وضعه ، واشترى بيوتًا ومراكب ، معنى هذا أنه لا يوجد إله ، والدنيا !!!
 
] أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [.
( سورة القيامة36)
 
       هكذا بلا حساب ؟ بلا مسؤوليَّة ؟ معقول لغني مسرف ، ماله أكثره من الحرام ينفقه على ملذَّاته ، وفقير محروم ما ذاق طعم الحياة ، ثم ويستويان يوم القيامة ؟ وهل يستوي إنسان ظالم إنسان مع المظلوم ؟! وإنسان مستغِل مع إنسان مستَغَل ؟ ودول قوية عاتية تتحكَّم بهؤلاء الشعوب ، يقتلون ملايين من أجل رفع مستوى المعيشة عند شعوبهم ، يفتعلون حروبًا أهليَّة تمتد سنوات من أجل بيع الأسلحة فقط ، هذه الدول لن تُحَاكَم عند الله يوم القيامة ؟ سيستوون مع الشعوب المتخلِّفة ؟! يقول الله عزَّ وجل :
      
﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
 
      هذا الإيمان ، تؤمن أنه لابد من العقاب لمن ظلم و أساء  .
 
] وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ[.
 (ابراهيم42)
 
] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ¯مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [.
( سورة آل عمران196)
       يقول الله عزَّ وجل :
 
 
] فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه ¯ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه ¯ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ¯ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ¯ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ¯ كُلُوا وَاشْرَبُوا
 
 هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ¯ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه ¯وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه ¯ يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ ¯ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه
 
 ¯ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه ¯ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ¯ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ¯ ثُمَّ فِي سـِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسـْلُكُوهُ ¯ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ  [.
 
(سورة الحاقة19-33)
       لا تفكر أبداً أن يستوي المؤمن والكافر ..
 
]أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [.
(سورة السجدة18)
 
 
 
]أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ¯مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[.
(سورة القلم)
 
 
 
]أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ [.
(سورة القصص 61)
       مستحيل أن يسوّى بينهم .
 
     هذا الإيمان أيها الإخوة يحملكم على طاعة الله ، ويحملكم على الثقة بالله ، ويحملكم على الاستبشار ، كفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله ، اجعل شعارك دائماً :
 
 
]وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[.
(سورة الأحزاب71)
       أنت الفائز ، أنت الرابح ، أنت الناجح ، أنت الفالح ، أنت المتفوِّق حين تكون على منهجه ، تنام مساءً دون أن تكون مغتصباً حقّ أحد ، دون أن تكون آكلاً مالَ أحد ، دون أن تكون معتدياً على أحد ، أنت وفق منهج الله .
      
﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
 
      لأنه خلقهما بالحق فلن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لأنه خلقهما بالحق ، ولأنه خلقهما بالحق .
        
﴿  وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
 
وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
 
       اعتقد اعتقادًا قاطعًا أن الذي يرتكب المظالم ، ويأكل أموال الناس بالباطل ، ويعتدي على أعراض الناس إنسان أحمق على الإطلاق ، ما السبب ؟ لأنه سوف يدفع الثمن باهظاً ، إذا أخذ ليرة سرقة ودَفَّعوه عوضاً عنها مليون ليرة ، أخذ الليرة سرقة يكون هذا ذكاء منه أم غباء ؟ لا ينجو من العقاب ، كله مسجَّل عليه ، فكل إنسان يرتكب المعصية ، يأكل مالاً حرامًا ، يعتدي على أعراض الناس ، لا يقيم وزناً لشرع الله ، لا يأتمر بأمر الله ، لا ينتهي عما عنه نهى الله ، ويظنُّ أنه على علم ، وأنه ذكي وقادر ، هذا هو الغباء بعينه .
         
      
﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
 
      وفي درسٍ قادم إن شاء الله تعالى نتابع :
 
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
 
 
والحمد لله رب العالمين
 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب