سورة الجاثية 045 - الدرس (2): تفسير الأيات (09 – 11)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الجاثية 045 - الدرس (2): تفسير الأيات (09 – 11)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج كيف تتعامل مع الله:  كيف تتعامل مع الله - 26- اذا خلوت به           برنامج بيّـنات: بينات -د. بيان علي الطنطاوي- 19 - مشكلات التعليم1           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 258- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- حكم قطف االثمر في الطرقات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0741 - سورة مريم 041 - 043           برنامج خطبة الجمعة: خطبة الجمعة - الشيخ الدكتور عبد الرؤوف الكمالي - حرمة الدماء في الإسلام           برنامج اخترنا لكم من أرشيف الإذاعة: اخترنا لكم - سنة الابتلاء والحكمة منه - الشيخ نعيم العرقسوسي         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الجاثية

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الجاثية ـ (الآية: 09 - 11)

29/04/2013 18:03:00

سورةالجاثية (045)
الدرس (2)
تفسير الآيات: (09 – 11)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
      الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة الجاثية ، ومع الآية السادسة  .
 
       في الدرس الماضي أيها الإخوة تحدثنا عن آيات الله الدالة على عظمته ، وهي قوله تعالى :
      
﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ¯وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ¯وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ
 
 فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
 
إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
  
   فالآيات الأولى آيات السماوات والأرض ، والآيات الثانية الكائنات الحية ، والآيات الثالثة آيات الرزق ، أي أن الله عزَّ وجل خلق الكون مسخراً لكم ، وخلقكم ، وسخَّر لكم ما في السماوات والأرض جميعاً منه من أجل أن تُرزقوا .
 
     النقطة الدقيقة : أن الإنسان عندما يجول فكره في آيات الله عندئذٍ تتسع دائرة معرفته ، وأثمن شيءٍ على الإطلاق أن تعرف الله ، والطريق الإجباري الوحيد الذي لا طريق سواه أن تعرف الله من خَلقه ، فكلما تفكَّرت في خلقه ازدادت معرفتك ، ازدياد المعرفة يتبعها ازدياد الطاعة ، والطاعة تطبيق المنهج ، معنى ذلك أنك سَلِمْتَ في الدنيا ، وسعدت في الآخرة ، وأساس كل الخيرات تبدأ بمعرفة الله ، ومعرفة الله أساسها التفكر في الكون .
 
       فأنا أدعوكم إلى اليقظة الفكرية ، شربت كأس ماء النبي قال لك : سَمِّ ، ما معنى سمِّ ؟أي قل : بسم الله الرحمن الرحيم ، مَن جعله عذباً فراتاً ؟ من جعله لا لون له ولا طعماً ولا رائحةً ؟ من جعله بهذه السيولة ؟ بهذه الخصائص ؟ البسملة من أجل أن تفكِّر في هذه النعمة ، والحمد من أجل أن تشكرها ، فإذا تناولت الطعام ؛ رغيف الخبز ، الخضار ، الفواكه ، ابنك أمامك ، نسمات عليلة ، ترتدي ثيابًا من قطن ، مَن خَلق القطن ؟ ثياب من الصوف في الشتاء ، مَن خلق الصوف ؟ تنام على سرير ، فراش وثير ، من خلق هذا الفراش ؟ من خلق هذه المواد الأولية ؟ فلما يعَوِّد الإنسان فكره ليجول في النعم ، في البداية يحتاج إلى جهد ، لكن بعد ذلك يصبح التفكُّر في آيات الله ديدنه ، وشيئاً من سلوكه اليومي ، وكلما جال الفكر في الكونيات اتسعت معرفتك بالله عزَّ وجل ، لذلك
 
 :
      
                        ﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾
 
إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
 
       هذه الشمس أمامك ، القمر أمامك ، المجموعة الشمسية أمامك ،  فكر ، وانظر ، واقرأ ، فكلما قرأت عن الكون تزداد تعظيم لله ، كلما استمعت إلى محاضرات عن الكون تزداد تعظيمًا لله ، كلما تأملت في خلق السماوات والأرض تزداد تعظيمًا لله ، فلَكَ أن تقرأ ، ولك أن تسمع ، ولك أن تفكر ، كل هذه الطرق تؤدِّي إلى معرفة الله .
 
منهج التفكر في الخلق
 
       وهناك منهج قد ذكرته من قبل : تصور أن الشيء ليس موجوداً ، كيف تغدو حالتك ؟ أَلْغِ هذا المفصل وفكِّر ، تصور الإنسان بلا عين ، أو بعين واحدة ، بلا أذنين ، أو بأذن واحدة ، بلا لسان ، بلا مثانة ، تصور الرئتين لا تعملان بشكل ذاتي ، تحتاج إلى أمر إرادي ، فلا تستطيع النوم على الإطلاق ، يلغى النوم ، وأنت بحاجة إلى النوم ، معنى ذلك أن هناك خالقًا حكيمًا ، لو أوكل إليك التنفس فلا يمكنك أن تنام ، وإذا نمت تموت ، وهناك مرض أساساً يصيب الرئتين ، يصيب مركز التنبيه النوبي في البصلة السيسائية ، فالمريض به لا يستطيع النوم ، فاخترعوا له دواء ، واعتبروه إنجازًا كبيرًا جداً ، يجب أن تأخذه كل ساعة مرة ، فأنى لك أن تنام ، أنت تنام ست ساعات بكل راحة ، والرئتان تعملان بانتظام .
 
       فبجسمك تفكَّر ، والكون من حولك ، كأس الماء ، رغيف الخبز ، الفواكه ، الثمار ، ابنك أمامك ، النهر ، الطائر ، السمك ، عَوِّد نفسك أن تفكر .
 
     أول منهج : الشيء وعدمه، تصور حياتك من دون هذا الشيء .
 
     المنهج الثاني : الشيء وخلاف ما هو عليه.
    
    المنهج الثالث : الشيء وأصله، فهل يعقل أن عنق الفخذ يحمل مئتين وخمسين كيلوًا ؟! معنى ذلك أن الاثنين يحملان خمسمئة كيلو ؟ أي أن الإنسان يتحمل
 
 نصف طن ؟ فعظم عنق الفخذ مصمم أن يلقى نصف طن ، معقول أن تكون أصل هذه القساوة من ماء مهين ؟!! ميناء الأسنان يعد ثاني أقسى عنصر في العالم ، معقول أن يكون هذا الميناء أساسه من ماء مهين سائل ؟!! معنى هذا كيف تشكل هذا العظم وميناء الأسنان ؟ الشيء أمامك ، فربما ترى عينك و تسمع أذنك .
 
         الإنسان يمشي على قدميه ، فهل يمكنك أن توقف ميتًا على قدميه ؟ الوقوف قضية ليست سهلة ، انظر كيف يضعون خلف بعض واجهات المحلاَّت مجسمات للنساء أو للرجال ، للألبسة الجاهزة ، انظر إلى الأرض قاعدتها سبعون سنتيمترًا لكي يقف النموذج ، وإلا وقع ، معنى هذا أن في داخل الأذن قنوات ، ثلاث قنوات دائرية فيها سائل ، وفيها أشعار تتأثر بالسائل ، فلما يميل الإنسان السائل يثير الأشعار الموجودة في الطرف المقابل ، فالإنسان على الفور يعدل وضْعه ، التوازن عملية خطيرة جداً ، لو حدث التهاب في الأذن الوسطى ، فالإنسان يمشي بقدمين متباعدتين لكي يوسع الدائرة الاستنادية ، وإلا يقع ، فهل التوازن سهل ؟
 
       فالعين موضوع ، والأذن موضوع ، واللسان موضوع ، والأوردة والشرايين موضوع ، والشعر موضوع ، وطبقات العين من الداخل ، ومراحل الأذن من الداخل موضوع .
 
﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ.
( سورة الذاريات20 )
الأبواب الثلاثة : الكون والخلق والرزق
        هذه الآيات الكونية خلقها الله عزَّ وجل كي نتعرف إليه بها ، فلا يكون موقفنا من الكون موقف المنتفعين الأجانب ، ينتفع فقط ولا يتعظ ، هذا الكون له وظيفتان كبيرتان ؛ الوظيفة الكبرى أن يكون هذا الكون دليلاً لك إلى الله ، والوظيفة الصغرى أن تنتفع به ، الكفار اكتفوا بالصغرى ، انتفعوا بالكون ، استخرجوا المعادن ، صنَّعوا المعادن ، استخرجوا المياه ، أنشؤوا السدود ، صنعوا مركبات ، صنعوا نقل الصورة والصوت ، استفادوا من الكون ، لكن لم يتعظوا به ، المؤمن يَعْبُرُ من النعمة إلى المنعم ، من الكون إلى المكوِّن ، من النظام إلى المُنَظِّم ، من التسيير إلى المُسَيِّر ، من التربية إلى المربي ، دائماً ينتقل إلى الأصل ؛ الكافر يبقى في الشيء ، يبقى في النعمة ، فيستغرق فيها ، وينسى المُنْعِم .
 
       تصور رجلاً ماشيًا في الصحراء بمركبة أو على جمل ، إما أن المركبة تعطَّلت ، أو غاب الجمل عنه ، وهو بالصحراء فأيقن بالهلاك ، والهلاك هنا قطعي ، من التعب والبكاء والخوف أصابته سِنَةٌ من النوم ، فنام ، ثم استيقظ ، رأى مائدة عليهاما لذ وطاب ، فهل من المعقول أن يأكل على الفور ؟ ينظر من أعد هذه المائدة ؟ من وضع هذه المائدة ؟ من هيأها ؟ من وضع هذا الطعام ؟ من وضع هذا الشراب ؟ أمن المعقول لإنسان يقبل على النعمة ، وينسى المنعم ؟ هل من المعقول أن تدعى إلى وليمة فتدخل البيت وتتناول الطعام ، وتأكل ، وبعد ذلكترجع ، وتخرج من الباب ؟ ولا تشكر الداعي إلى الطعام ؟ فكيف بالإنسان يقبل على نعم الدنيا يستهلكها وينسى المنعم ؟
 
        الشكر أن تعرف أن هذه النعمة من الله ، وأن يمتلئ قلبك امتناناً له ، وأن تخدم عباده شكراً على نِعَمِهِ ، فالشكر إدراك وحال وسلوك .
      
﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ¯وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾
خلق الإنسان  ..
      
﴿ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ ﴾
انظر إلى الدجاجة ، البقرة ، الخروف ، الأطيار ، الأسماك ..
      
﴿ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ¯وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾
ليل ونهار ، صيف ، شتاء ، ربيع ، خريف ..
      
﴿ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ ﴾
الأمطار .
      
﴿  فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
 
     آيات الكون ، وآيات الخلق ، وآيات الرزق ، أبواب ثلاثة ، وهذه بين أيديكم في متناولكم ، تحت سمعكم وأبصاركم ، ما عليك إلا أن تفكر ، ما عليك إلا
  أن تفكر في هذه النِعَم التي أنت غارقٌ فيها ، أما الآية الدقيقة :
 
﴿ تِلْكَ ﴾
آيات الخلق ، وآيات التكوين ، آيات الكون ، وآيات الخلق ، وآيات الرزق  ..
 
      
﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾
 
 
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
 
      الله عزَّ وجل يتلو عليك عناوينها فقط ، لأن كل آية تحتاج إلى سنوات ، هذه الآيات الواردة في كتاب الله ، إن هي إلا رؤوس موضوعات عليك أن تفكر بها ، والإنسان الموفَّق إذا أراد أن يرسم منهجًا لتفكره يجعل آيات الكون في كتاب الله هي المنهج ..
      
﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
 
   نحن هنا مع استفهام إنكاري ، والمعنى ليس هناك من حديث آخر ،  استفهام إنكاري،معه نفي أي  :
       
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
 
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ
 
      ما من حديثٍ آخر غير هذا الحديث ، ما من بابٍ آخر غير هذا الباب ، ما من طريقٍ آخر غير هذا الطريق ، ما من أسلوبٍ آخر غير هذا الأسلوب أبداً  ..
      
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
 
     فإذا أعرض الإنسان عن التفكُّر في خلق السماوات والأرض فقد أعرض عن معرفة الله ، وكلما صغرت معرفته كثرتْ معاصيه ، أنت تقول : أنا ليس من المعقول أن أعصي الله عزَّ وجل ، فما السبب ؟ لأنك تعرفه ، تعرف طرفًا من عظمته ، لكنك إذا رأيت إنسانًا يرتكب معصية بشكل وقح ماذا تقول ؟ إنه لا يعرف الله ، ولو عرفه لما عصاه ، هذا شيء طبيعي جداً ، فسماعك للدروس جعل لك قناعات متراكمة ، أن الله موجود ، ويعلم ، وسيحاسب ، وقد تقول : والله لو أُقَطَّعَ إرباً إرباً لا أفعل هذا ، خوفاً من الله عزَّ وجل ، هذا الخوف من الله محصِّلة التفكر في الكون ، أو سماع الآيات ، فلك أن تقرأها ، ولك أن تسمعها ، ولك أن تفكر فيها ، الطرق كلها سالكة إلى الله ، على كلٍ لو قرأت ، أو سمعت ، أو فكرت فالمحصلة أنك وصلت إلى الله ، فإذا وصلت إلى الله تشعر عندئذٍ أن الله عزَّ وجل عظيم ، وأمره عظيم ، ونهيه خطير ، فإحجام المؤمن عن المعصية بسبب قناعات متراكمة عنده ، وأعتقد أن المؤمن لو قطعته لا يعصي الله ، لو مات من الجوع لا يأكل مالاً حرامًا مهما كلف الأمر ، تجد إنسانًا من دون حاجة يحلف كذبًا ، من دون سبب يطلق سبابًا يقْشعر منه الجلد ، معنى هذا أنه لا يعرف الله عزَّ وجل ، فعرفة الله عزَّ وجل تؤدي إلى الطاعة ، فأنت تطيع الله بقدر ما تعرفه ، وكلما ضعفت المعرفة ضعفت الطاعة ، إذاً :
       
 
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
 
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ
 
       هذه الآية خطيرة جداً ، يقول الله عزَّ وجل لكم : يا عبادي ، ليس لكم إلي إلا طريقٌ واحد ، طريق هذا الكون ، هذا الكون مظهرٌ لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، كل أسماء الله في هذا الكون ، عظمته من هذا الكون ، علمه ، قدرته ، غِناه ، رحمته ، حكمته ، كلها في هذا الكون ، وبين يديك ، هذا الكون فيه آيات لا يعلمها إلا الله :
في كل شيءٍ له آيةٌ    تدل على أنه واحد
*   *   *
      الآن انظر إلى نملة وهي تسير ، ضع يدك أمامها تجدها قد وقفت لأنها رأت ، وتجدها غيَّرت من اتجاهها ، أمر صدر من الدماغ للعضلات ؟ معنى ذلكأن فيها دماغا ، وجهازا عصبيا ، وجهازا عضليا ، وقلبًا ينبض ، وإدراكًا ، ورؤية ، هذه النملة الصغيرة .
 
      هناك دويْبِيَة لا تزيد على ربع مليمتر تمشي وترى ، إذا كانت البعوضة عندها جهاز تحليل دم ، وجهاز تخدير ، وجهاز تمييع ، وجهاز رادار ، ولها ثلاثة قلوب ، وترف أربعة آلاف رفة في الثانية ، ولها محاجم ، ولها مخالب ، هذه البعوضة التي إذا قتلها الإنسان لا يحس بشيء ، لأن قتل بعوضة هيِّنة على الناس ، والنبي قال :
 
    (( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )).
(من سنن الترمذي عن سهل بن سعد)
        أي أن هذه الدنيا عند الله أقل من جناح بعوضة ، لذلك هي أحقر من أن تكون عقاباً لعبد ، وأحقر من أن تكون مكافأة ، إن هذه الدنيا عرضٌ حاضر يأكل منه البَرُّ والفاجر  .
 
       فكر كل يوم بعد صلاة الفجر ، قبل أن تنام ، في أثناء النهار ، هذا الفكر يجب أن يتحرَّك ، لأنه إذا تحرك قادك إلى الجنة ، وإذا لم يتحرك استخدمت هذا الفكر لغير ما خلق له ، وكنت من أشد الخاسرين .
 
      جهاز كمبيوتر ثمنه الملايين ، وتستعمله طاولة للأكل ؟! ألا تكون قد احتقرته ؟  حاسوب سعته التخزينية كذا ألف ميغا ، وتستخدمه طاولة أكل ؟! هذا احتقار له ، كذلك العقل البشري تستخدمه فقط لكسب الرزق ؟! فقط لكسب المال ؟! فقط للإيقاع بين الناس ؟!  للانغماس في الملذات فقط ؟! فيوم القيامة سيرى الإنسان أن هذا الفكر أداة معرفة الله ، وأنه سبب سعادتك ، لذلك هنيئاً لمن أعمل فكره في معرفة الله ، وفي التقرُّب إليه .
      
﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
 
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ
 
     لا يوجد حديث ثانٍ ، لذلك من دون تفكر يكون الإنسان عابدًا ، والعابد مقاومته هَشَّة ، فلا يستطيع كثيراً مقاومة الشهوات ، والإيمان أحياناً يقاوم ، والدنيا فيها فتن كثيرة ، والإنسان المؤمن يقاوم هذه الإغراءات ،  فتن في الطريق ، في العمل ، في كسب المال ، في الزواج ، الزوجة تضغط على زوجها ليكسِبَ مالاً حراماً ليلبي رغباتها ، الزوجة أحياناً تكون فتنة .
 
     أعرف شابًا عمل في مكان براتب جيد جداً ، وهو متزوج حديثاً ، تحت ضغط داخلي من زوجته ، ألبسة ، وزينة ، وما شاكل ذلك مدّ يده إلى الحرام من المحل التجاري ، كشف أمره ، فطُرِد ، بقي من دون عمل ، فالزوجة فتنة ، الطريق فتنة ، التعامل المادي فتنة ، كسب المال فتنة ، إنفاق المال فتنة .
 
     إن العبادة الآن لا تُنَجِّي ، يمكن قبل خمسين سنة ، قبل مئة سنة كانت الأمور بسيطة جداً ، والطرقات خالية من الفتن ، وكسب المال سهل ، وحلال ، ويملأ قلب الناس الدين ، أما الآن مع اشتداد الفتن ، والضلالات ، والمذاهب الهدَّامة ، وطُرُق الكسب غير المشروعة ، فلا يكفي إلا الإيمان ، لا يصمد أمام هذه الفتن وتلك الضلالات إلا الإيمان القوي ، والقضية قضية مصيرية ، لا قضية تسلية ، قضية مصيرك الأبدي ، إما أن تبقى ، وإما أن تفنى ، هذه قضية مصيرية .
 
      فمثلاً : إذا كان عند إنسان عدة أعمال يجب أن ينجزها ، لو فرضنا أنه أصابه مرض عضال ، كل هذه البنود لا معنى لها ، يلغيها كلها ، عنده أمر أهم ؛ قضية وجوده أو عدم وجوده ، بقاؤه حيًّا أو موته ، هذا مقدَّم على تفاصيل الحياة ، فقد يحتاج إلى جهاز صغير ، أو يحتاج إلى ( إرتاج للباب ) ، يحتاج إلى إصلاح غرفة ، إصلاح مركبته ، يكون معه مرض عضال فينسى كل هذه الأشياء ، فنحن نريد أن نعرف أن معرفة الله قضية مصيرية متعلقة بالآخرة ، متعلقة بسلامة الإنسان في الدنيا ، وفوزه في الآخرة ، فلذلك ليس للإنسان الحق أن يجعل أخطر قضية في الهامش .
 
       هناك شيء على السطح وشيء مهمل ، الإنسان عادةً يهتم بالأشياء التي على السطح ، فهو في الدنيا مثلا لا يخطر في باله أن يهيئ مستودعات الوقود للشتاء، القضية تركها ، لكن متى يفكر فيها ؟ إذا جاء البرد فجأةً وبقسوة بالغة ، فيفكر أن يملأ مستودعات الوقود عنده في البيت ، لكن العاقل هو الذي يُعِد للشيء قبل أن يقع ، فلذلك موضوع الموت موضوع خطير جداً ، وأكثر الناس لم يدخلوه في حساباتهم ، يفكر في كل شيء ، يقول لك : هذا البيت لا يربح إذا اشتريته ، هذه الدكانة عليها تنظيم ، دائماً تفكيره إلى عشرين سنة قادمة ، إذا اشترى أو باع ، أو أسس شركة يقول لك : هذه ليس لها مستقبل ، لأن في فكره يعيش خمسين سنة قادمة ، أما الموت فلا يدخله في حساباته اليومية ، قد ينتقل إلى الله عزَّ وجل بأقل من لمح البصر .
 
       هذا العقل ، أو ذاك الفكر الذي أودعه الله فينا علينا أن نُعْمِلَهُ وفق ما أراد الله ، لا وفق ما نريد .
 
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ¯الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
 
 وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار.
( سورة آل عمران190-191  )
        إذا فكَّر الإنسان صباحاً ، وأحب أن يسجل تفكيراته على ورقة ، مرة فكر في عينه ، ومرة في أذنه ، ومرة في شعره ، مرة في جهازه العظمي ، مرة في جهازه العضلي ، مرة في جهاز الدوران ، مرة في جهاز الهضم ، مرة في جهاز التصفية والإفراز ، مرة فكر في طعامه ، مرة في شرابه ، مرة في أولاده ، مرة في الجبال ، مرة في الأنهار ، كل كلمة باب كبير لا ينتهي ، فهذا الفكر ينبغي أن يدرَّب على التفكُّر في الكون ، دائماً الشيء وخلاف ما هو عليه ، الشيء وعدمه ، الشيء وأصله ، حتى تعرف قيمته .
 
       رجل في الخمسين وزنه خمسة وثمانون كيلوًا ، من أين جاء هذا الوزن ؟ من الطعام والشراب ، فهذا الطعام والشراب ينمي العضلات ، ويقوي العظام ، وينشط الأنسجة ، معنى هذا أن جهاز الهضم شيء عظيم جداً ، تأكل تفاحة ، تأكل برتقالة ، تأكل خبزًا ، تأكل لحمًا ، هذا الطعام يصير كيلوسًا ، يُهضم ، تمتصه الأمعاء ، يذهب إلى البناء ، يصير عضلات ، يصير فيه مواد شحمية ، مواد دهنية ، فهذا الجهاز الذي يحول الطعام إلى نسيج لحمي ، ونسيج شحمي ، ونسيج دهني ، جهاز عظيم جداً ، هذه من آيات الله .
     
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
 
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
 
كلمة ويل الهلاك  ..
      
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
 
الأفاك من هو ؟ الذي يفتري على الله ، يقول لك : هكذا رأيي ، فمن أنت ؟
 
يقولون هذا عندنا غير جائزٍ
الجواب :
 
فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ ؟
*   *   *
       من أنت ؟ أنت مشرّع ؟ لا ، أنت منظّم ؟ لا تعرف كل شيء ؟ فالأفاك هو الذي يفتري على الله ، تجده لو أحضرت له آية يقول لك : أنا هكذا قناعتي ، هذا أفّاك ، أنت معك علم يقيني ؟ لا ، جاءك الوحي ؟ لا ، عندك مناقشة منطقية ؟ لا ، فكيف تدعي هذه الآراء ، اقعد مع أكثر الناس تجد أن كل واحد يفلسف الحياة فلسفة تتناسب مع وضعه ، إذا كان يحب الاختلاط يقول لك : الاختلاط ليس حرامًا ، هذا تزمت ، إذا كان ماله بالربا ، يقول لك : الربا ماذا فيه ؟ فهل يعقل أن المال لا نثمره ، أأنت مجنون ؟ فهو أصبح مشرّعاً ، كل إنسان يريد دينًا يتناسب مع شهواته وانحرافاته ، هذا الشيء الخطير في الدين ، الذي يعجبك تطبقه ، وما لا يعجبك لا تهتم فيه ، أو تنكره ، هذا موقف خطير في الدين .
      
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
 
       الإمام الغزالي يقول : " لأن يرتكب العوام الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون " .
 
       هناك آية قرآنية في سورة الأعراف ، ذكر الله المعاصي بالتسلسل ، ذكر الفحشاء والمنكر ، والإثم والعدوان ، وذكر الشرك ، وذكر الكفر ، وذكر أكبر معصية على الإطلاق قال  :
 
﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ.
( سورة الأعراف33 )
       الإمام الشافعي يقول : " لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين " ، هذا دين ، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ..
 
        (( ابن عمر ، دِينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا )) .
 
[أخرجه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية عن ابن عمر]
 
       موضوع الدين شيء خطير جداً ، الدين متعلِّق بالآخرة ، فأمور الدنيا تنتهي مع الموت ، الدين خطير جداً ، حتى إنهم قالوا : " لك أباءٌ ثلاثة ، أبٌ أنجبك ، وأبٌ زوَّجك ، وأبٌ دلَّك على الله ، الذي أنجبك تنتهي مهمته عند الموت ، والذي زوَّجك تنتهي مهمته عند فِراق زوجتك ، أما الذي دلك على الله هذا الخير الذي جاءك من هذه الجهة يبقى إلى أبد الآبدين " ، فقضية الدين قضية مصيرية .
 
       أنا أتمنى على كل إنسان أن يشكِّل حياته وفق الدين ، هناك أشخاص يطلبون العلم في وقت فراغهم ، أما عمله فقبل كل شيء ، وليس مستعدًا أن يتخلى عن بيعة واحدة ، ويتخلَّى عن زبون واحد ، ويحضر مجلس علم ، إلى أن ينتهي الدوام ، نشاطه الديني على الفضلة ، ماذا بقي من عمله ؟
      هناك إنسان الدين عنده كل حياته ، يشكل حياته كلها وفق منهجه في الدين ؛ صلواته ، دروس العلم مثلاً ، طاعته لله عزَّ وجل ، وهناك أشخاص لا يهمه إذا كان ثمة اختلاط ، يقول : ماذا أفعل ؟ هكذا أهلي ، هكذا تريد زوجتي ، فماذا أفعل ؟ لكن المؤمن يغيِّر كل نمط حياته ، يغيّر كل علاقاته وفق منهج الله عزَّ وجل .
 
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
 
       في هذه الآية شيء دقيق جداً :
      
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
 
       هناك علاقة بين أفّاك وأثيم ؟ لو فرضنا أن انحراف العقيدة ليس له علاقة بالسلوك ، فلا مانع ، لتكن العقيدة منحرفة ، لو فرضنا أن هناك انفصالا بين العقيدة والسلوك ، لا مانع ، اعتقد ما شئت ، لكن هناك ارتباط دائم ، الأفَّاك دائماً أثيم .
 
       مثلاً : لو أن إنسانًا اعتقد خطأً أن النبي عليه الصلاة والسلام سيشفع لأمته مهما عملت من ذنوب ، معه بعض الأدلة ، وبعض النصوص ، ولكنه لم يحاول أن يفهمها فهمًا عميقًا ، كأن تعتقد أن رسول الله e سيشفع لك ، هذا الاعتماد سيحملك على أن تعصي الله ، لا يمكن أن تعتقد اعتقادًا خاطئًا إلا ويقابل هذا الاعتقاد سلوك خاطئ ، فالأفاك دائماً أثيم ..
 
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ¯فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ.
( سورة الماعون1-2 )
       هو نفسه ، لذلك على الإنسان أن يصحح عقيدته ، لأن عقيدته متعلقة بسلوكه ، فإذا اعتقدت أن فلانًا بيده أمرك ، إذاً لو أمرك بمعصية تعصي الله من أجله ، أما إذا اعتقدت أن الله بيده الأمر ، وفلان لا يقدم ولا يؤخِّر ، لا تطيعه في معصية ، فلا يسلك الإنسان سلوكًا إلا كان أساسه قناعة ، إما صحيحة ، وإما باطلة .
 
      سأل والي البصرة الحسن البصري .. وكان تابعيًا جليلاً .. جاءه كتاب من الخليفة ، هذا فيه توجيه خلاف المنهج الإلهي ، فوقع في حيرة ، إن نفَّذ أمر الخليفة أغضب الله ، وإن أرضى الله ، ولم يعبأ بأمر الخليفة أغضب الخليفة ، وقد يعزله من منصبه ، فسأل الحسن البصري ، قال له : ماذا أفعل ؟ قال له كلمة :  " إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " .
 
       العقيدة الزائغة من لوازمها السلوك الزائغ ، ولو فرضنا أن العقيدة الزائغة ليس لهاعلاقة بالسلوك فاعتقد ما شئت ، لا مشكلة عندئذٍ ، لكن نحن نشدد على العقيدة الصحيحة ، لأن أي عقيدة خطأ يتبعها سلوك خطأ ، فهؤلاء الذين يرتكبون المعاصي كيف يرتكبونها ؟ عندهم شعور أن الله لن يحاسبهم حسابًا دقيقًا ، أو عندهم شعور آخر أن النبي سيشفع لهم ، أو يقولون : من مات ورجع ، وقال : هناك آخرة ؟ هذه أفظع ، أما أن يرتكب الإنسان معصية من دون عقيدة فيها خلل فهذا مستحيل ، العقيدة الصحيحة تحاصرك ، انظر إلى الطبيب أحياناً تجده يبالغ في غسل الفاكهة أكثر من غيره ، فما السبب ؟ مرة كنت مع مجموعة من الأصدقاء ، وقدم لنا طعام فيه قشدة ، الطبيب رفض أن يأكلها ، لأنه : يفتح القلب ليجد الشريان مسدودًا كله من القشدة ، كوليسترول ، عنده كل يوم عملية قلب ، يرى آثار المواد الدسمة في الشرايين ، وكيف تسدها ، فلا يأكل ، الذي يرى الجراثيم والأمراض الإنتانية والحالات الصعبة في الحياة يكره أن يأكل فاكهة من دون غسل ، أحياناً يغسلها مرتين أو ثلاثا ، وبالصابون ، لأنه يرى ، فأنت كلما ازداد علمك يزداد انضباطك ، فالقضية مصلحة ذاتية ، أحب نفسك ، ولا تحب أحداً آخر ، حتى تنجو ، إذا كانت نفسك غالية عليك ، أنت حريص على سلامتك ، على سعادتك ، وهذا المنهج ، هذه تعليمات الصانع ، فهذه :
      
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
 
        الأفاك دائماً أثيم ، أيّ خلل في العقيدة يقابله خلل بالسلوك ، فلا تصلح حياتك إلا إذا صحَّت عقيدتك ، ولا تصح عقيدتك إلا بمجلس علم ، لابد من  أن يجلس بمجلس ، يسمع العقيدة الصحيحة ، هذه أثرها كبير جداً ، تتراكم هذه المعلومات ، تتراكم القناعات فتنشئ استقامة ، راقب نفسك ، أنت لست مستقيماً ببساطة ، مستقيم بعد قناعات طويلة جداً ، مستقيم بعد سنوات حضرت فيها مجالس علم ، مستقيم بعد قناعة أكيدة أن الله يعلم وسيحاسب ، والرابح هو المستقيم ، أنت مستقيم بعد قناعة متراكمة ، فلذلك :
      
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
 
        كل إنسان يعتقد اعتقادا خاطئًا ، أو يفتري على الله كذباً فهذا لابدَّ من أن يرتكب الإثم ، لكن أيّ عقيدةٍ تسمح لك أن تفعل كل شيء ؟ إنها عقيدة الإلحاد ، الملحد لا يوجد عنده ممنوع ، يقتل إنسانًا لسبب تافه ، وجد أحدهم سيارة عليها مفتاحها ، شغَّلها ومشى ، سمع صوت طفل صغير فخنقه ، وألقاه في الساقية ، هذه بسيطةجداً ، لم يفعل شيئًا ، الطفل يحدث له مشكلة فتُكشف سرقته ، خنقه ، ورماه في الساقية ، فالإلحاد يقابله توسُّع في الجريمة ، توسع في أكل أموال الناس بالباطل ، الذين يأكلون الأموال بالباطل لا يعرفون الله أبداً ، أما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال  :
 
 
     (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) .
[البخاري عن أبي هريرة]
      ثمة قصص لا تعد ولا تحصى من هذا النوع :
 
    اشترى أخوان بيتاً مناصفةً ، لم يخطر في بال الثاني إطلاقا أن يطالبه بإيصال ، وقد اشتراه عن طريق جمعية سكنية تابعة لإحدى الوزارات ، فالأخ الأول سجل البيت باسمه ، والثاني دفع نصف ثمنه ، وهذا قبل عشرين سنة أو أقل ، فبعدما صار ثمن البيت عشرين مليونًا ، قال الذي يملك البيت لأخيه : لا شيء لك عندي ، واستطاع بطريقة أو بأخرى أن يجعله خارج البيت ، وظن نفسه ذكيًا ، واتفق مع محامين لهم مكانة وشأن عظيم ، واستأثر بهذا البيت .. وبالطبع هذه القصة طويلة .. بعد شهر مرض المغتصب مرضًا خبيثًا أصاب أمعاءه ، بعد شهرين كان تحت التراب ، رجع البيت إلى أخيه ، فلو عرف أن الله يحاسب حسابًا دقيقًا لما فعل ما فعل  .
 
       إن الإنسان لا يرتكب معصية إلا بجهل كبير ، أنت صديقك العلم ، النجاة في العلم ، بالعلم تعرف الله ، تعرفه أنه يحاسب ، تعرفه عادل ، تعرف أنه لا يضيع عنده حق أبداً ، تعرفه أن كل شيء بيده ، فإذا أراد ربنا عزَّ وجل أن يجعل حياة الإنسان جحيمًا بأتفه الأسباب ، يجعلك من أسعد الناس بطاعته ، فأنت عندما تتراكم عندك الحقائق والقناعات تستقيم ، وتجد نفسك مستقيمًا بشكل عفوي ، لا أفعل هذا ، معاذ الله ، سيدنا يوسف قال :
 
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ .
 ( سورة يوسف23 )
       لو وضعت ألف إنسان في مكان سيدنا يوسف لرآها مغنمًا ، أما سيدنا يوسف فلأنه يعرف الله عزَّ وجل قال :
 
 
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ.
      
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
 
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
 
      كل إنسان يفتري على الله كذباً ، كل إنسان يعتقد اعتقادًا خاطئًا ، يظن بالله غير الحق ظن الجاهلية ، عقيدته زائغة ، منحرفة ، من لوازم انحراف عقيدته وزيغه أن ينحرف في سلوكه ، هذا الأفاك الأثيم ..
      
﴿ يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ¯وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً﴾
 
يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْه فَيُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا
 
    أحياناً يحب الإنسان أن يمزح ، والكفار لا يحلو لهم المزاح إلا في شؤون العقيدة والدين ، القضايا المقدَّسة يجعلونها محلاً لمزاحهم واستهزائهم وسخريتهم
 ..
      
﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
 
     كيف أنَّهم استهانوا بالشرع ، إنسان بعيد عن الدين يريد أن يضع شبهات للناس ، فيسأل عن التيس المستعار ؟ لا يبحث إلا قضايا يصعب تفسيرها ، ويستهزئ أحياناً بالعبادات ، بالطاعات ، بالحج  .
     
﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
 
وَإذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا
 
       استهان بشرع الله عزَّ وجل ، هذا عذابه مهين ، فالعذاب عذابان : عذاب أليم عظيم ، وعذاب مهين ، وربنا عزَّ وجل ليؤَدِّب العباد بعذاب واحد يجعل العذاب متعلِّقًا بالذنب ، إذا كان متعاليًا على الله ، مستهزئًا بشرع الله ، هذا العذاب المناسب له العذاب المهين ، فكل إنسان يستهزئ بالدين ، يستهزئ بالقرآن الكريم ، يستهزئ بهذا الشرع الحكيم ، يستهزئ ببعض المقدَّسات الإسلامية ، هذا الذي يستهزئ عذابه مهين .
 
      
﴿ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً ﴾
 
مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبوا شَيْئًا
 
قد يكون غنيًا كبيرًا  ..
       
﴿ وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾
 
وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ
 
      وقد يكون حوله جمع غفير ، لا تغني عنه لا أمواله ولا أتباعه يوم القيامة ، لا أمواله الطائلة ، ولا أتباعه الكثيرون .
      
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
 
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
 
بالدنيا مهين ، وبالآخرة عظيم ..
      
﴿ هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾
هَذَا هُدًى
 
الأولى :
      
﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ¯وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ¯وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ
 
 فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
قال تعالى :
      
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ ٌ﴾
 
وَالَّذينَ كَفَرُوا بآياتِ رَبِّهِمْ
 
       اعتبروا هذه الآيات شيئًا سخيفًا ، قالوا : ما فائدتها ؟ هذه معروفة ، هذه الشمس ظاهرة أنها شمس ، فماذا فيها ؟ هذه طبيعة ، صنعت نفسها بنفسها ، مادة معقدة ، قال :
     
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾
الوقفة الطويلة عند قوله تعالى  :
      
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
 
 
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
 
     هنا مركز الثقل : العقيدة المنحرفة يتبعها سلوك منحرف ، والسلوك المنحرف سبب شقاء الدنيا وشقاء الآخر .
 
     إذاً : أنت نجاتك في العلم ، تعرَّفت إلى الله عزَّ وجل عرفته استقمت على أمره ، ولما استقمت استحققت كل إكرام منه في الدنيا والآخرة ، فالقضية بسيطة وبسيطة جداً ، اعرف الله ، واعرف أمره ونهيه ، واستقم على أمره تسعد في الدنيا والآخرة .
 
 
      والحمد لله رب العالمين
 
 
 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب