سورة الزخرف 043 - الدرس (9): تفسير الأيات (80 – 89) خلق المؤمن

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الزخرف 043 - الدرس (9): تفسير الأيات (80 – 89) خلق المؤمن

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 39 - الحب علاقة جميلة خالدة           برنامج درب الصـــاحات:  درب الصالحات - 12 - انقلاب المشاعر           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 384- اسم الله الرقيب 1           برنامج الكلمة الطيبة: حملة مكارم - الكلمة الطيبة - 32- الجوال اداب وتنبيهات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0203 - سورة الانعام 061 - 068           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 38 - ما الحب الا للحبيب الاول         

New Page 1

     سورة الزّخرف

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الزخرف ـ (الآية: 80 - 89) - خلق المؤمن

21/03/2013 17:11:00

سورة الزخرف (043)
الدرس (9)
تفسير الآية: (80- نهاية السورة)
خلق المؤمن
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع والأخير من سورة الزخرف .
 
      إذا أراد أحد إبرام أمر فليتدبر عاقبته وليعلم أن لكل شيء حسابه : 
         
 :مع الآية التاسعة والسبعين وهي قوله تعالى
 
                             ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
(سورة الزخرف)
وقد بينت في الدرس الماضي طرفاً من هذه الآية ، حيث إن الله سبحانه وتعالى يبين أن الإنسان قد يفكر ، وقد يتخذ قراراً ، أو يبرم أمراً ، لكن حينما يبرم الإنسان أمراً يعلم أن الله بيده كل شيء ، وأن الله سبحانه مطلع على كل شيء ، و أن الإنسان في قبضته عز وجل ، فالإنسان حينما يتجاهل أن الأمر بيد الله وأن الله مطلع عليه وأن الله سيحاسبه يغدو بإبرامه هذا الأمر أحمقاً ، يبدو باتخاذه هذا القرار متسرعاً بل متهوراً .
فالإنسان قبل أن يتحرك ، قبل أن يعطي ، قبل أن يمنع ، قبل أن يغضب ، قبل أن يتخذ قراراً ، قبل أن يبرم أمراً ، قبل أن يضع خطة ، قبل أن يسيء إلى غيره ، فعليه أن يفكر بماذا سيجيب ربه يوم القيامة ؟ وما حجته ؟ إذا أراد أحدكم إبرام أمر فليتدبر عاقبته ، فأنت لك أن تتخذ أي قرار ولك أن تبرم أي أمر ولكن لكل شيء حسابه ، ولكل عمل نتائجه ، ولكل سيئة عقاب ، ولكل حسنة ثواب ، والأمر ليس كما يتوهم الناس  .
 
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)
(سورة القيامة(
 
 .هكذا بلا حساب ، بلا مسؤولية ، بلا جزاء ، بلا ثواب ، بلا عقاب ، بلا جنة ، بلا نار
 
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115(
)سورة المؤمنون)
 
      الدين هو العقل ومن لا دين له لا عقل له : 
         
 .الجاهل وحده يتوهم ذلك ، وقد ترى إنساناً يتحرك حركة عشوائية ويتطاول ويعتدي ويأخذ ما ليس له ويؤذي ويبالغ في إذلال الآخرين أو في أخذ ما في أيديهم ويظن نفسه ذكياً متفوقاً متمكناً وهذا هو الحمق بعينه ، وهذا هو الجهل بعينه
أيهاالأخوة الكرام قبل أن تتحرك ، قبل أن تتخذ قراراً ، قبل أن تطلّق ، قبل أن تتزوج ، قبل أن تعقد صفقة ، قبل أن تحدد سعراً ، قبل أن توقع أذى ، قبل أن تتحرك ، فكر واذكر أنك في قبضة الله ، فكر واذكر أن كل أمرك بيد الله ، فكر واعلم أن الله سبحانه وتعالى قادر بثانية واحدة أن يجعل حياتك جحيماً ، الإنسان تعالجه المصيبة فجأة من دون سابق إنذار، إما في جسده ، أو في ماله ، أو في أهله ، أو في أولاده ، أو في عقله ، فهذا الذي يرتكب الحماقات ويسيء إلى الناس إما معتداً بقوته ، وإما معتداً بجبروته ، وإما معتداً بذكائه هذا هو الجاهل بعينه .
 أخواننا الكرام ، دائماً فرقوا بين من هو متفوق في اختصاصه ، غافل عن ربه ، هذا ليس ذكياً ، ولو بدا لكم أنه ذكي ، ربما نسمي ذكاءه ذكاءً جزئياً محدوداً مهنياً حرفياً ، لكن الذكاء الحقيقي هو الذكاء الشمولي الذي تعرف من خلاله حجمك ، وأين كنت ؟ وإلى أين المصير ؟ وماذا ينبغي أن تفعل ؟ الذكاء الذي يضم الآخرة إلى الدنيا ، والمسؤولية إلى العمل ، والجزاء إلى المقدمات ، هذا هو الذكاء ، فلذلك من لا دين له لا عقل له ، إنما الدين هو العقل .
 
كلما زاد إيمانك زاد خوفك من الله :
         
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
(سورة الزخرف)   
 هذه الآية يمكن أن تطبق على آلافآلاف الوقائع ، اتخذ الزوج قراراً بتطليق زوجته ظلماً وتعسفاً وهو يظن أنه قادر على كل شيء ، قد يصاب بمشكلة لا يتحملها ، قد يتخذ التاجر قراراً بعقد هذه الصفقة ولو كانت حراماً ، قد يتخذ مَن أولاه الله أمرَ بعض الناس قراراً بإيقاع الأذى بمن هم دونَه ، ويغيب عن ذهنه أن الله سيحاسبه حساباً شديداً لذلك :
 
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
(سورة الزخرف)
يعني البطولة لا أن تتفوق في لحظة واحدة ، ولا أن توقع  الأذى بالآخرين ، اثنان لا تقربهما ، الإشراك بالله والإضرار بالناس ، فحينما تتخذ قراراً بالإضرار بالناس لا ينبغي أن يغيب عن ذهنك أن الله بالمرصاد وأنه حسيب ، النبي عليه الصلاة والسلام أرسل غلاماً في حاجة ، وغاب طويلاً ، والنبي بشر ، فغضب ، فلما عاد الغلام ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك .))
[الطبراني عن أم سلمة]
أيها الأخ الكريم ، كلما ازداد إيمانك ينبغي أن يزداد خوفك من الله،يجب أن تفحص إيمانك عن طريق شدة خوفك من الله ، فالخوف من الله يتناسب مع معرفته ، لذلك أخوف إنسان على وجه الأرض من الله هو النبي عليه الصلاة والسلام ، وكلما قلّ الإيمان قلّ الخوف من الله ، فإذا انعدم الإيمان انعدم الخوف ، لذلك قال بعضهم
ذو العقليشقى في النعيم بعقله       وأخو الجهالة قي الشقاوة ينعم
* * *
 
      الخوف المقدس هو أن تعرف أنك مسؤول وتعرف حدود مسؤوليتك : 
         
فإذا آمنت بالله عز وجل ، وعرفت حدود مسؤوليتك ، وعرفت الرسالة التي أناطك الله بها وعرفت أن هذه الدنيا دار عمل ، وأنالآخرة دار جزاء ، وأن كل حركة أو سكنة محاسب عليها وأنه :
 
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)
(سورة الزلزلة (
تشعر أنك خائف ، وهذا هو الخوف المقدس ، تشعر أنك مسؤول ، لذلك لا تعجب أن يقول عمر : ليت أم عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت عقيماً ، أجل لا تعجب ، لا تعجب إن رأيت نفراً من أصحاب رسول الله وهم الذين جاهدوا معه وباعوا أنفسهم في سبيل الحق ، لا تعجب أن يتهموا أنفسهم بالنفاق ، كما قال بعض التابعين : لقيت أربعين من أصحاب رسول الله وما منهم أحد إلا ويظن نفسه منافقاً ، لا تعجب كلما ازدادت معرفتك بربك ازدادت المسؤولية التي أناطها بك وعرفت المهمة التي كلفك بها معرفة أكثر ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
((والله لو تَعلَمُونَ مَا أعلَمُ لَضحِكتُمْ قَليلاً ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثيرا ، وما تَلَذَّذْتُم بِالنِّساءِ على الفُرُشِ ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلى الصُّعُدَاتِ تَجأروُنَ إِلى اللهِ))
[الترمذي عن أبي ذر]
 
      على الإنسان أن يخشى الوقوف بين يدي الله فالصدق منجاة والكذب مهواة : 
 
الحساب دقيق ، والدليل أن إنساناً لو طُلب منه أن يقابل جهة ما بعد يومين ، فلا ينام الليل وهو نظيف ومستقيم ، فما بالك أن يسألك خالق السماوات والأرض ، الذي يعلم السر وأخفى ، أنت أمام إنسان من جنسك تخشى السؤال ، ماذا سأسأل ؟ ماذا فعلت حتى طلبت ؟ فكيف إذا وقفت بين يدي الواحد الديان وهو الذي يعلم كل شيء ، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .
والشيء الذي يلفت النظر هو أن الإنسان قد يؤتيه الله في الدنيا طلاقة لسان ، وقوة بيان ، ونصاحة حجة ، قد يستطيع قلب الحق باطلاً ، وقلب الباطل حقاً ، قد يستطيع أن ينتزع إعجاب من يستمع إليه ، وأن يقنع الناس ، هذا الذي سماه بعض الصحابة جدلاً ، قال كعب بن مالك : لقد أوتيت جدلاً ، يعني عندي قوة إقناع ، ولو أردت أن أسترضي رسول الله ليوشكن الله أن يسخطه عليّ ، عرف أن الله بيده كل شيء ، قال : فأجمعت صدقه ، فحينما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سرّ  تخلفه عن غزوة تبوك قال : والله يا رسول الله إني أوتيت جدلاً ، ولكنني لم أكن في وقت من الأوقات أنشط مني ولا أقوى في الوقت الذي تخلفت فيه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أكبر صدقه ، وقال : أما هذا فقد صدق ، سمع من خمسة وثمانين رجلاً مختلقاً أعذاراً ، وقبلها منهم وسكت عنهم ، أما هذا الصحابي فقال عنه : أما هذا فقد صدق ، لذلك الصدق منجاة ، والكذب مهواة .
 :يعني أشعر أن الآية لها ظلال كثيرة
 
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
(سورة الزخرف)
 
كلما ازداد المؤمن علماً ازداد انضباطاً على منهج الله :
         
قلبك بيده ، عينك بيده ، الشبكية بيده ، مركز البصر في الدماغ بيده،نمو الخلايا بيده ، ضيق الشرايين بيده ، عمل الكلية بيده ، يقال فشل كلوي أخطر من مرض القلب ، تشمع الكبد بيده إن توقَّف الكبد انتهى أجله وليس هناك أمل إلا الموت ، فالإنسان ماذا يملك ؟ والله لا يملك شيئاً ، فأي عضو في جسده لو تعطل قلَبَ حياته إلى جحيم ، هذه الأعضاء ليست بيدك ، الله عز وجل قال :
 
﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ
(سورة آل عمران 26(
فعلام القول إنني سأفعل ولن أفعل ، وأعطي ولن أعطي ، تأدب مع الله ، ولتعلم أنك كلما ازددت علماً ازددت تأدباً مع الله،كلما ازددت علماً ازددت تواضعاً لله ، كلما ازددت علماً ازددت خوفاً من الله ، كلما ازددت علماً ازددت انضباطاً على منهج الله ، لماذا مجلس العلم ؟ لتعرف الله ، لتنعكس هذه المعرفة سلوكاً راقياً ، كمالاً في التعامل أدباً مع الله ، أدباً مع عباد الله ، تواضعاً للمؤمنين ، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو قمة البشر كلهم ، يقول الله له :
 
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215(
(سورة الشعراء(
 
      على المؤمن أن يحسب حساب كل شيء لأنه يعلم أن الله عليم بأفعاله خبير بنواياه : 
         
هذا المؤمن غالٍ على الله ، بل إن من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام أن تتواضع لمن تعلم ، وأن تتواضع لمن تتعلم منه ، هذا مجتمع المؤمنين مجتمع راقٍ حقاً ، مجتمع متكاتف ، متعاون ، متساوٍ .
 
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
(سورة الزخرف)
قد يحلف الإنسان يميناً كاذباً ، يميناً غموساً ، وسماها العلماء غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار ، ولأنها لا كفارة لها ، ومن حلف يميناً غموساً عليه أن يجدد إيمانه ، يحلف يميناً بكل بساطة يميناً كاذبة ، وربنا عز وجل قد ينتقم منه انتقاماً سريعاً وقد يعطيه مهلة .
مضمون هذه الآية يعني أنك قبل أن تتحرك لابد من أن تحسب حساباً لأشياء كثيرة ، الذي يؤسَف له أن بعض الناس إذا تحرك يحسب حساباً لكل شيء ، ذكي جداً ، لكنه يغفل عن ربه ، وأنه مطلع عليه ، ناظر إليه ، عليم بأفعاله ، خبير بنواياه ، يرى كل أفعاله ، وسوف يحاسبه حساباً دقيقاً .
 
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47(
(سورة الأنبياء(
ورد في السنة المطهرة أنه :
(( ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يغفر الله أكثر )) .
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ] .
وليس هناك مجال لذكر قصص كثيرة تؤكد هذه الآية ، إياك أن تتخذ قراراً ، أو تبرم أمراً لا يرضي الله لأن الله بالمرصاد ، إياك أن تتخذ قراراً بإيقاع الأذى ، إياك أن تتخذ قراراً بالاستعلاء ، شخص عاقل قرأ وصية فقال تكتب على ظفر لإيجازها وبلاغتها قال : اتضع لا ترتفع ، اتبع لا تبتدع ، الورع لا يتسع ، هذه وصية .
 
﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(31)
(سورة الأعراف(
وقال :
 
﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا(26)إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(27(
(سورة الإسراء(
 
 الخوف من الله هو النجاة لأن رأس الحكمة مخافة الله :
         
هناك الآن من يدفع عشرات الآلاف ليلتقط محطة تلفزيونية تفسد أهله وأولاده بماله ، وهو عند الناس مسلم .
 
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
(سورة الزخرف)
الخوف من الله هو النجاة ، أن تخاف من الله ، الإنسان رأسه عنوان حياته ، فلو قطع رأسه ماذا بقي منه ؟ لا شيء ، النبي الكريم يقول رأس الحكمة مخافة الله ، إذا كانت الحكمة إنساناً فرأسها مخافة الله ، فإذا ألغيت مخافة الله ، فما بقي شيء من الحكمة إطلاقاً ، والحقيقة الخوف من الله يتناسب مع العلم بالله ، كلما ازداد علمك ازداد خوفك ، لعل الخوف مؤشر لمعرفتك بالله .
الطبيب مثلاً ؛ لكثرة ما يرى في المستشفى من إنتانات معوية ، من أمراض سارية ، من عدوى ، تجده يبالغ في النظافة ، يبالغ بمعالجة الخضار بمواد كيماوية حتى تقتل الجراثيم ، لماذا يخاف كل هذا الخوف ؟ قد لا يأكل شيئاً في المطاعم لأنه يرى كل يوم حالات الإنتانات ، وحالات الالتهابات ، وحالات العدوى ، والأمراض السارية يراها بعينه ، لذلك هو يخاف ، لماذا هو يخاف أكثر من الناس ؟ لأن علمه أكبر وأعمق من علم الناس في هذا الموضوع ، هذا مثل ، وأنت كلما تعرفت إلى الله أكثر خفت منه أكثر .
كلمة ، ماذا تعني كلمة (قصيرة) ؟ السيدة عائشة قالت قصيرة عن أختها صفية ، فقال :
(( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه)) .
[ رواه أبو داود والترمذي ، عن عائشة ] . 
 كلمة (قصيرة) ، فما قولك بما فوق هذه الكلمة ، وقال أيضاً :
(( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً )) .
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
 
أفضل الإيمان أن تشعر أن الله معك ويراقبك وهذا يدعى مقام المراقبة :
         
فهذا الذي يغوص في أعراض الناس ، وينهش أعراضهم ، ويغتابهم ، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء ، كيف يكون حسابه عند الله عز وجل ؟
 
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
(سورة الزخرف)
 :يعني بالتعبير الدارج ؛ أنت هذا الذي صدر عنك ، حسناً سوف نريك
 
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)    
(سورة الزخرف)
أفضل الإيمان أن تشعر أن الله معك ويراقبك ، وهذا المقام سماه العلماء مقام المراقبة ، وهذا يجعلك مع الله دائماً ومع منهجه ، ومع سنة نبيه ، ومع الإحسان إلى الخلق .
   
﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)
(سورة الزخرف)
 
على المؤمن أن يعلم أن الله يعلم كل شيء وسيحاسب كل إنسان على عمله : 
         
 :ذات مرة ذكرت لكم أن الله سبحانه وتعالى اختار من بين أسمائه كلها اسمين ، وقد يعجب الإنسان لماذا هذان الاسمان بالذات ، قال
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12)
(سورة الطلاق(
إذا أيقنت أنه يعلم وأنه قدير وأنه يحاسب انتهى الأمر عند جميع الناس إلى الاستقامة ، أنت لا تنفذ الأمر إذا علمت أنه لا يعلم ، أو علمت أنه يعلم ولكن لا يحاسب ، أو علمت أنه يحاسب ولكن لا يعلم ، أما إذا أيقنت أنه يعلم وسوف يحاسب فقد انتهى كل انحراف وضلال ، ودقق أيها الأخ الكريم أنت مع إنسان مثلك إذا كان أقوى منك ويعلم وسوف يحاسب فلا يمكن أن تعصيه ، هذا مع إنسان فكيف مع خالق الأكوان ؟
      
﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)
(سورة الزخرف)
كل شيء مسجل ، لقد استطاع الإنسان أن يسجل على أي إنسان كل حركاته وسكناته ، يعني أن الإنسان بلغ درجة صار كل شيء لديه مسجلاً صوتاً ، أو صوتاً وصورة فإذا الإنسان استطاع أن يسجل فالله على كل شيء قدير ، والإنسان سيرى أعماله يوم القيامة مكتوبة .
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14(
(سورة الإسراء(
 .فإذا آمن بالملائكة كما أمر الله عز وجل وأنهم يكتبون كل الأعمال فمن البديهي أن يستقيم ، أنت حينما تقول : السلام عليكم ورحمة الله في الصلاة على من تسلم ؟ على الملائكة الذين أوكل الله إليهم كتابة أعمالك الصالحة والطالحة
 
 قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ : هذه الآية لها عدة تفسيرات :
         
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)
(سورة الزخرف)
لهذه الآية تفسيرات كثيرة،بعضهم قال : إنْ بمعنى ما ، يعني ما للرحمن ولد وأنا أول العابدين له وحده ، ولا شريك له هذا معنى .
والمعنى الثاني : قل إن كان للرحمن ولد ، فأنا أول من يعبده لكن ليس له ولد ، هذا طرح افتراضي لكن ليس له ولد ، فلو أن له ولد فأنا أول من يعبده ، أو قل إن زعم للرحمن ولد فأنا لا أعبد إلا الله وحده ، هذا المعنى الثالث .
أول معنى ليس للرحمن ولد لذلك أنا أعبد الله وحده هذا هو المعنى الأول ، المعنى الثاني : لو افترضنا أن للرحمن ولداً فأنا أول من أعبده ، المعنى الثالث : إذا زُعم للرحمن ولد ، فأنا أعبد الله وحده لا شريك له .
  
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)      
(سورة الزخرف)
 
الله تعالى منزه أن يكون له ولد لأن الولد أساسه أن الإنسان يكمل به ضعفه :
         
كلمة سبحانك تفيد التنزيه ، يعني نزِّه الله عن أن يكون له ولد ، لأن الولد أساسه أن الإنسان يكمل به ضعفه ، الإنسان ينجب ولداً حتى إذا تقدمت به السن رأى شاباً إلى جانبه ، فمن ضعف الإنسان يتمنى إنجاب الولد ، لأن الإنسان سينتهي إلى عدم يقول لك هذا الولد يخلفني من بعدي ، يخلد ذكري في الأرض هذا من ضعف الإنسان ، إما من ضعفه أو من فنائه ، لكن الله سبحانه وتعالى لا يليق به هذه المعاني .
         
﴿ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)      
(سورة الزخرف)
أيعقل أن يكون له ولد ؛ هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، هو الأزلي الأبدي لا أول له ولا آخر ، هو غني عن كل مخلوق ، يحتاجه كل شيء في كل شيء وهو غني عن كل شيء .
 
 ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)
(سورة الزخرف)
 :هذا التسبيح ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذه الباقيات الصالحات التي قال الله عنها
 
﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا(46)
)سورة الكهف(
 
   الذكر يؤهل الإنسان ليكون في ذمة الله في نهاره وليله : 
 
إنك إن سبحته وإن وحدته وإن كبرته وإن حمدته فقد عرفته ، وإن عرفته عرفت كل شيء ، ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، إن عرفته تقربت منه ، وإن تقربت منه سعدت بقربه في الدنيا والآخرة ، ملكت كل شيء ، هذا معنى قوله تعالى :
 
﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا(46)
)سورة الكهف(
كتاب الأذكار للإمام النووي فيه أذكار النبي التي كان يذكرها كل يوم صباحاً ومساءً ، فالإنسان إذا وفق إلى أن يذكرها ، وإلى أن يستغفر الله في اليوم ألف مرة ، فيقول أستغفر الله ، فقد حقق خيراً لنفسه ومفازاً :
 
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)
(سورة نوح(
فالاستغفار سبب لرحمة الله عز وجل ، أجل ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذه الباقيات الصالحات ، لا حول ولا قوة إلا بالله هذه من أذكار النبي عليه الصلاة والسلام ، فلو اطلعتم على أذكار النبي وحاولتم أن تقرؤوها صباحاً كل يوم ، فهذه مما تعين الإنسان على أن يكون مسلحاً طوال النهار ، مسلحاً بقربه من الله ، فكل هذا الذكر أهّله لأن يكون في ذمة الله نهاره كله وليله .
 
غير المؤمن يكون غير جاد بطلب الحقيقة وهذه التسلية عبّر الله عنها بكلمة يخوضوا :
         
﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا(83)
(سورة الزخرف)
قال المفسرون : فذرهم يخوضوا في باطلهم ، ويلعبوا في الدنيا ، يعني غير المؤمن غير جاد في طلب الحقيقة ، بل يريد أن يتسلى ، ما قولك في الموضوع الفلاني ؟ ما قولك في السحر ؟ ما قولك في الكتاب الفلاني ؟ ليس عنده رغبة قوية في معرفة الحق ، يتسلى بالأفكار تسليةً ، هذا التسلي في الأفكار عبّر الله عنه في القرآن بكلمة " يخوضوا ".
 
﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا (83)
(سورة الزخرف)
 .يخوض يعني أي شيء لا يقنع به ، يطرح لك مئة موضوع ، وليس عنده استعداد أن يصدق موضوعاً ، هذا يشكك ، هذا لا أعتقد ، تجد شخصاً مترفاً ليس عنده رغبة بمعرفة الحقيقة ولا بتبنيها ولا بالسعي لها لست أدري ، ولماذا لست أدري ؟ لست أدري ، هذا معنى ذرهم يخوضوا
تجد الإنسان يقرأ ويطالع لكن قراءة ليست هادفة ، قراءة متعة ، فتتكون عنده ثقافة واسعة ، وعنده إمكانية أن يتكلم في المجالس كلاماً لطيفاً محبباً مسلياً للناس ، لكن هو لا ينضبط لا بمنهج ولا بسلوك ، لأن الحقيقة الكبرى ما عرفها ، ما عرف سرّ وجوده ولا غاية وجوده ، ولا عرف عن ربه شيئاً ، ويقرأ ، ويتعلم ، ويستمع ، ويشاهد ، ويتأمل ، ويلاحظ ، وأصبح عنده مجموعة مقولات ليتسلى بها .
 
للمؤمن هدف واضح وهدفه معرفة الله وكل ما يقربه لله :
         
معنى " يخوضوا " ليس هناك هدف واضح ، لكن المؤمن هادف ، وهدفه أن يعرف الله ، كل ما يقربه من الله يتمسك به ، وكل ما يبعده عن الله يبتعد عنه وانتهى الأمر ، عنده هدف ، وعنده اصطفاء ، الحياة محدودة ، إن أردنا أن نقرأ كل شيء وأن نطالع كل شيء فالوقت لا يتسع ، مثلاً تجد مجلة فيها ثلاثون مقالة ، منها تسع وعشرون مقالة لا تعنيك نعم أنت تقرأ لكن هناك حقيقة أكبر لابد أن تعرفها ، والحياة قصيرة ، الإنسان فجأة يشعر بمرض يقربه من أجله ، فليستغل حياته على قصرها ، ويتدارك نفسه قبل مباغتة الأجل ، وليعرف ربه .
الوقت ثمين جداً ، أوضح مثل لذلك الطالب الذي عنده امتحان بعد أسبوع ، سنة التخرج والمادة الأخيرة وهذه المادة أهم مادة ولها كتاب مقرر وهذا التخرج مهم جداً يبنى عليه مستقبله ، يبنى عليه زواجه ، يبنى عليه مكانته الاجتماعية ، وعنده مكتبة ضخمة أربعة جدران كلها تغص بالكتب ، أيعقل أن يقرأ قصة في هذا الأسبوع ، أو مسرحية مثلاً أو كتاباً لطيفاً عن غرائب العالم ، أو قصص العرب ، الآن نريد الكتاب المقرر الذي سيحدد مصير نجاحنا آخر العام ، هذه حالة المؤمن ، لا يكون مبعثراً كما أنه لا يتشتت ، ولا يكون هائماً على وجهه لا ، أنا أريد كتاب الله وسنة نبي الله وسيرة النبي وأصحابه الكرام ، هذا منهجي في الحياة ، أتقن معرفة كتاب الله وكلام رسول الله ، وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وبعدها أقرأ ما يعينني على فهم كتاب الله ، أقرأ موضوعاً علمياً يزيد من إيماني بالله ، هذا ممكن ، المطالعة الهادفة ، القراءة الهادفة ، أما أن أقرأ كل شيء بلا منهج ، وبلا هدف ، بل أقرأ تسلية ، وتمضية وقت ليس هذا من صفات المؤمن .
 
في حكم الآخرة كل الدنيا لعب :
 
﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا (83)
(سورة الزخرف)
اللعب ؛ الله عز وجل سماه لعباً ، ماذا يعني اللعب ؟ يعني عمل لا هدف له بل عمل عابث ، قد يلعب المرء للساعة الواحدة ليلاً بالطاولة ماذا استفاد ؟ هل ألفت كتاباً ؟! أو ألفت موضوعاً ؟! أو دعوت إلى الله ! ما عملت شيئاً ، هذا اللعب عمل لا طائل منه ، مثلاً لاحظ طفلاً صغيراً يمسك بلعبة ، فأنت كإنسان راشد تراه ضيق الأفق ، لو أخذتها منه عنوة ، يبكي ساعة ، فهل من المعقول تبكي أنت من أجل لعبة ؟! لا فأنت كبير ، لكن لا تنس أن ما أنت فيه لو تجاوزته إلى مرحلة تالية في حياتك لرأيت نفسك تلعب ، أنت مهتم بالتحف ، مهتم بالسجاد النادر مثلاً ، لكن لو تجاوزت الدنيا لرأيت هذه الهواية الراقية في نظرك لعباً ، لأنه لا طائل منها جاء الموت فأنهى كل شيء ، فالدنيا كلها لعب .
 
﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
(سورة الحديد 20)
فأنت ترى لعباً في مرحلة تجاوزتها ، لكن المرحلة التي تعيشها فيها لعب وأنت لا تدري ، سمعت بأذني أن شخصاً يقول قضيت ستة أشهر وأنا محتار أأجعل تمديدات التدفئة داخلية أم خارجية ، بعد ذلك قال : نجعلها داخلية ، وبعد عشرين عاماً حينما تفسد الأنابيب نجعلها ظاهرةً ، هذا الرجل حينما يأتيه ملك الموت يرى أن هذا لعباً ، فاللعب عمل لا طائل منه ، لكن المشكلة أنت لا ترى اللعب إلا في مرحلة تجاوزتها ، وما أنت فيه ترى نفسك جاداً وهو لعب أيضاً ، في حكم الآخرة كل الدنيا لعب .
 
﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)
(سورة الزخرف)
 
المؤمن يعلم أن الله خلاق وفعّال لكن غير المؤمن يعتقد أن الله خلاقاً وليس فعالاً :
        
هذا اليوم يأتيهم كالصاعقة ، حينما يأتي ملك الموت ويرى المؤمن مكانته في الجنة يقول لم أر شراً قط ، قد تكون حياته مشحونة بالآلام والمتاعب والمعالجات والمضايقات ويقول لم أر شراً قط ، أما أهل الدنيا الذين انغمسوا في شهواتها وأكلوا مالاً حراماً وتطاولوا على عباد الله إذا رأوا مكانتهم في النار يقول أحدهم : لم أر خيراً قط ، كل شيء تنعّم به في الدنيا لا يراه شيئاً .
 
﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا (83)
(سورة الزخرف)
 .هذه (ذرهم) تهديد ، قد يقول الأب لزوجته : اتركيه لي (يقصد ابنه) تهديد
       
 ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ
(سورة الزخرف)
يعني أكثر الناس يتوهمون أن الله عز وجل خلق الكون وأعطى كل إنسان إمكانات ، ثم ترك العباد وشأنهم ، لا ، ليس هذا من شأن الله ، إن هذا لا يليق بعدالة الله ، ولا بكمال الله ، ولا بوحدانية الله ، ولا بأنه فعال ، الأجانب يرون أن الله خلاقاً وليس فعالاً ، أعطى كل إنسان إمكانات وأطلق العباد في زعمهم يفعلون ما يشاؤون ، لذلك لا يخافون من الله ، بل يخافون من بعضهم بعضاً ، لكن عقيدة المسلم الصحيحة أن الله سبحانه وتعالى خلاق وفعال ، يعني كما هو في السماء إله هو في الأرض إله ، الأمر كله بيده ، هذا هو الإيمان الحق ، فلا يقع شيء إلا بعلمه وبإرادته ومشيئته ، هذا هو التوحيد ، الله عز وجل بيده كل شيء ، ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله عائد إليه ، قال :
 
﴿ وإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
(سورة هود 123(
وقال :
         
﴿  وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ(84)
(سورة الزخرف)
 
علينا أن نفسر ما يجري في العالم تفسيراً توحيدياً ينسجم مع القرآن الكريم :
         
قد يحلو للإنسان أن يفسر كل شيء تفسيراً أرضياً بعيداً عن الإيمان ، وقد يفسر الأحداث الكبرى في العالم من زاوية مادية محضة ، أن فلاناً قوي ، وفلاناً ضعيف ، وفلاناً اعتدى ، وفلاناً استغل ، وفلاناً سيطر ، وفلاناً قهر ، يجب أن تفهم كل شيء من زاوية هذا القرآن الكريم ، يعني أوضح مثل كأن يقول فلان : هنا وقعت في مشكلة ، وهناك قامتحرب أهلية ، وهنالك حدث اجتياح ، دون أن يعزو ذلك لإرادة الله ومشيئته ، وما علم أن الله عز وجل قال   :
 
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)
(سورة النحل(
عليك أن تفسر كل ما تسمع من أحداث كبرى في العالم تفسيراً توحيدياً ، تفسيراً ينسجم مع القرآن الكريم ، لكن إذا تجاهلت أن الله هو الإله في الأرض ، إذا توهمت أن الله إله في السماء فقط ، عندئذ ينصرف الذهن إلى تفسير كل شيء تفسيراً أرضياً بعيداً عن تفسير أن الله في الأرض إله ، وكل شيء بيد الله عز وجل ، هذا شيء مريح كما أنه هو الحق ، من دون هذا الإيمان تشعر بالقهر ، تشعر بالذل ، تشعر أن إنساناً لا يرحم وبيده الأمر ، وأن جهة تطغى وهي قوية ، وأن الناس ضعاف مقهورون له ، أساساً أكبر عقبة أمام ضعاف الإيمان هي هذه العقبة ، يرى مثل ما قال رسول الله لعله يا عدي أنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم ، لعله يا عدي ما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم (فقراء) ، لعله يا عدي ما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم ، هذه كلها عقبات ، إذا رأيت أن الأمر بيد أعداء المسلمين وهم أقوياء وأذكياء وبأيديهم التكنولوجيا الحديثة وتحت تصرفهم كل شيء ونحن ضعاف لا نملك شيئاً ، طبعاً هذه الفكرة وحدها تسبب القهر ، والضعف ، والتخاذل ، والخنوع ، لكن إذا أيقنت أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء وهو على كل شيء وكيل ، هذه الفكرة وحدها ترفع معنوياتك .
 
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)
(سورة الزخرف)
 
  يجب تطبيق منهج الله حتى نصبح في حال أفضل :
         
 .أفعاله كلها حكيمة،وحكمته مبنية على علم
       
 ﴿ وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85)
(سورة الزخرف)
تبارك أي كثر خيره ، الله عز وجل خلق السماوات والأرض وأمدّ الإنسان بكل شيء ، والخيرات التي أودعها الله في الأرض لا تعدّ ولا تحصى ، والعطاء كبير ولكن الإنسان هو الذي أفسد الحياة ، الحياة لا تفسد إلا حينما يتحرك الإنسان حركةً خلاف منهج الله ، وربنا عز وجل وصف الكفار بأنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ، الفساد  أساسه إنسان مخير خرج عن منهج الله ، الله صمم الأنثى والذكر للزواج ، فأحدث أهل الضلال الزنى ، كما أحدثوا الملاهي ، وقامت هناك انحرافات ، صمم الحاجات من أجل أن تكسب منها رزقاً حلالاً فانحرف الإنسان إلى السرقة ، ووقع البغيٌ ، والعدوان ، والاحتيال ، والتدليس ، والكذب ، والغش ، والاحتكار هذه كلها انحرافات عن منهج الله ، لو طبقنا منهج الله في كل شيء لكنا في حال غير هذه  الحال .
 
﴿ وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(85)
(سورة الزخرف)
 
 الجهل هو العدو الأول للإنسان وهو سبب الشر : 
         
من أين يأتي الشر ؟ من سوء استخدام الأشياء ، أضرب مثلاً أعيده كثيراً الملح مادة أساسية في الحياة ، وكذلك السكر مادة أساسية ، ومسحوق التنظيف أيضاً مادة أساسية ، لكن إذا وضعت الملح في الحلويات تفسد ، إن وضعت السكر في الطبخ يفسد ، يعني الموضوع سوء استخدام ، والله عز وجل خلق كل شيء لحكمة بالغة ، الدين أساسه تعاليم وإرشادات للناس في استخدام كل الأشياء ، والله عز وجل كما أقول دائماً ما أودع فينا شهوة إلا وجعل لها قناة نظيفة نعبر بها هذه القناة ، أما حينما يخرج الإنسان عن منهج الله يكون الفساد في الأرض ، لذلك تأكد أنه ليس هناك مشكلة إلا ومن ورائها معصية ، ولا تقع معصية إلا من ورائها جهل ، فالجهل هو العدو رقم واحد للمؤمنين .
 
﴿ وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85)
(سورة الزخرف)
 .والإنسان عليه أن يهتم أكثر ما يهتم بساعته هو ، يعني ساعة لقاء الله عز وجل
 
﴿ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ(86)
(سورة الزخرف)
أي ؛ صنم ، حجر ، اللات ، العزى ، الأشخاص الذين تعتمد عليهم وترجو نفعهم وتخشى ضرهم هؤلاء من دون الله لا يملكون الشفاعة ، شفاعة تقريب من الله عز وجل قال سبحانه :
 
﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)
(سورة الزخرف)
 
علينا أن نتعلم من إنسان نثق بعلمه وبخبرته :
         
إذا الإنسان شهد الحق ، فمعرفته تنفعك ، وحاله ينفعك ، وإذا سألته تنتفع من جوابه ، إن أصغيت له تنتفع بعلمه ، يدلك على الله ، وعلى طاعة الله ، وعلى طريق القرب منالله ، وعلى طريق سعادة الدنيا والآخرة ، فالشفاعة هنا أي من شهد الحق ينفعك ـ الشفع الزوج ـ إذا اقتربت منه ، تعاملت معه ، سألته ، جالسته ، صاحبته ، اقتبست من علمه تستفيد منه ، يعني شفع لك .
فالمعنى اللطيف لهذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يقول هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله لا يملكون لكم الشفاعة ، لا ينفعونكم أبداً :
 
﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)
(سورة الزخرف)
يعني يشهد الحق ويعلم أنه شهد الحق ، يعلم ويعلم أنه يعلم ، هذا الذي تنفعك شفاعته ، هذا معنى قول الله تعالى :
 
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)
)سورة التوبة(
وقال :
 
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
(سورة الكهف 28(
: وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام
(( وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ )) .
[ الترمذي عن ابن عمر]
 :أنت يجب أن تتعلم من إنسان تثق بعلمه وتثق بخبرته إذاً
 
﴿ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)
(سورة الزخرف)
 
        علينا ألا نفصل بين القناعة والسلوك فهما متلازمتان :
         
لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ويدلك على الله مقاله ، يعني صاحب من يدلك على الله مقاله وينهض بك إلى الله حاله ، هذه الصحبة صحبة المؤمنين .
 
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)
(سورة الزخرف)
أما بعد ؛ لو فرضنا أن مريضاً مرضه شديد ، ويتألم ألماً لا يحتمل ، وسألته : أين المستشفى ؟ يقول لك : هذه المستشفى أمامك مثلاً ، ولكنه ذهب إلى نزهة ولم يذهب للمستشفى ، فتقول له : إلى أين أنت ذاهب يا هذا ؟ طالب تعرفه فيالشهادة الثانوية تقول له : متى الامتحان ؟ يقول لك : اليوم ، لكنه يتخلف عن الذهاب للامتحان ، ويذهب يتنزه ، فتقول له: إلى أين أنت ذاهب ؟
شيء غريب جداً ، وهذا هو حال أهل الكفر ، فإذا أقرّوا أن الله هو خالق السماوات والأرض وبيده كل شيء فماذا ينتظرون ؟ ما الذي يمنعكم أن تتوبوا إليه يا قوم ؟ وأن تقبلوا عليه ؟ وأن تقيموا أمره ؟ الفصل بين القناعات والسلوك خطير جداً ، في العالم الإسلامي اليوم لن تجد مسلماً لا يعلم أن الله هو الخالق ، وأن الجنة والنار حق ، وأن الحياة تنتهي بالموت ، حركة الإنسان الذي لا يطلب العلم الديني حركة عجيبة جداً ، يمشي في طريق مناقض لقناعاته .
 
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)
(سورة الزخرف)
يعني أين ينصرفون ، وقول النبي عليه الصلاة والسلام :
 
﴿ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88)
(سورة الزخرف)
 
  الدعوة إلى الله تحتاج إلى نفس طويل وإلى إدراك عميق :
         
 .النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله أن يصفح
 
﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
(سورة الزخرف)
يعني إذا أنت رأيت واحداً بعيداً متلبساً في معصية فعليك ألا تحقد عليه ، بل يجب أن تشفق عليه كالطبيب تماماً ، الطبيب لو رأى إنساناً يعاني من مرض جلدي مزعج هل يحقد عليه ؟ لا ، هو طبيب يشفق عليه ، فهذا الذي لا يصفح قاسٍ ، ومن ضعف إيمانه  يقسو ، ومن ضعف إدراكه ، من ضيق أفقه ، من إعراضه عن مجالس العلم ، من جهله بكلام الله ، من عدم إيمانه بحقيقة الحياة الدنيا تأتي قسوته ، قد يكون لك صديق ، أو قريب ، أو جار منغمس في المعاصي ولا يصلي ، فأشفق عليه مبدئياً ، ثم ادعه دعوة الحاني إلى دين الله عز وجل :
﴿ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ
(سورة الزخرف)
 :إن الدعوة إلى الله تحتاج إلى نفس طويل ، إلى صدر واسع،إلى إدراك عميق ، إلى رحمة ، إلى تحمل ، إلى تجلد ، وإلا إن ضاق الداعية بالناس ذرعاً فكيف يهديهم ؟ إن حقد عليهم كيف يهديهم ؟ إن عاداهم فكيف يهديهم ؟ النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق المعصوم الذي يوحى إليه قال له سبحانه وتعالى
 
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
(سورة آل عمران 159(
 
على الداعية أن يكون على خلق حتى يملك قلوب الناس :
         
الداعية الآن ماذا يملك من صلاحيات ؟ لا يملك شيئاً ، يملك فقط أن يعلم الناس ، وأن يكون أخلاقياً معهم حتى يملك قلوبهم ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، والعلماء ملكوا القلوب ، وشتان بين الملكين ، واحد بقوته يملك أن يحركك كما يشاء ، لكن الداعية الصادق المخلص يملك قلبك بإحسانه ، وبكماله ، فأنت إذا أردت أن تدعو إلى الله عز وجل لا ينبغي أن تحقد على العصاة .
أبو حنيفة النعمان له جار مغنٍ أزعجه إزعاجاً لا حدود له ، طوال الليل يغني ، يقول : أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ، مرة ألقي القبض عليه فذهب أبو حنيفة ليتوسط له كي ينقذه بحكم حق الجار ، فلما دخل على صاحب الشرطة ، طبعاً أكبره إكباراً شديداً ، وأطلق كل من معه إكراماً له ، ففي طريق العودة قال يا فتى : هل أضعناك ؟ فكان صبر أبي حنيفة على جاره سبباً في توبة هذا الجار .
 .فالمؤمن يصبر ؛ يصبر على أذى الجيران ، وعلى أذى المعرضين ، وعلى أذى المقصرين ، يتطاولون أحياناً ، يتكلمون كلاماً فيه سخرية
 
﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
(سورة الزخرف)
النبي الكريم أمسكه أعرابي من ثوبه ، وشده بعنف حتى أثر في عنقه ، وقال : أعطني من هذا المال ، فهو ليس مالك ولا مال أبيك  فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال: صدق إنه مال الله ، نبي كريم ، يعني حوادث  كثيرة جرت مع النبي لو جرت مع غيره لكان قطع رأسه فوراً ، قال تعالى :
 
﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ(89)
(سورة الزخرف)
 
  على المؤمن أن يتقرب إلى الله بخدمة خلقه والصبر عليهم :
         
الصفح أساسه الرحمة ، إذا دعوت إلى الله يجب أن تحب الناس جميعاً ، ينبغي أن تصبر عليهم ، أن تصبر على جفوتهم ، وعلى أذاهم أحياناً ، على أسئلتهم أحياناً أخرى ، وعلى بعض تصرفاتهم .
﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
(سورة الزخرف)
بعض الشيوخ يقولون : ما وصل فلان إلى ما هو عليه من نضج حتى بذلنا جهداً كبيراً ، يأتي إلى مجالس العلماء شاب غر ، لكنه بعد سنة يكون قد نضج ، وتوازن ، وعرف الحقيقة ، وأسرع إلى الله عز وجل ، لو أنك لم تصبر عليه لما صار إلى حاله الجديدة ، صبرك هو سبب نضجه ، يعني هذه الآية خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام في الدرجة الأولى ولكل من سار على سنته في الدرجة الثانية :
 
﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
(سورة الزخرف)
قلب المؤمن لا يعرف الحقد أبداً ، ولا يضيق ذرعاً بالناس ، يرى أن هؤلاء عباد الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعباده ، وأنت دائماً تتقرب إلى الله بخدمة خلقه ، ولا تنسوا هذا الحديث الشريف:
((اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله )) .
[ رواه ابن النجار عن علي ] .
فهذه نهاية حميدة ، وخلاصة نافعة ، كان هناك تابعي جليل أقذع بعضهم عليه بالسباب وهو الشعبي ، فبكل بساطة قال لمن يؤذيه : إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي ، وإن كنت غير ذلك غفر الله لك ، الهادئ الحليم موصول بالله عز وجل وعنده قلب كبير يطفئ الشر كله ، لأن العنف إذا قابلته بالعفو تجده صغّر فاعله ، وأزرى به ، وانفض من حوله الناس .
﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ(89)
(سورة الزخرف)
 
  لا عداوة في الإسلام بل علينا أن نتمثل أخلاق النبي الكريم :
         
تسمع أن فلاناً اسمه صفوح ، كلمة كبيرة ، كلمة صفوح تعني أن يتمثل أخلاق النبي ، كان صفوحاً عليه الصلاة والسلام ، عكرمة بن أبي جهل وهو أعدى أعداء النبي قاتله عشرون عاماً ، فلما أسلم أحبه النبي حبّاً جماً ، وإكراماً له قال : جاءكم عكرمة مسلماً ، فإياكم أن تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغه .
عمير بن وهب جاء ليقتل النبي عليه الصلاة والسلام ، سيدنا عمر شعر بنيته ، وهو مقبل،فقيده بحمالة سيفه وساقه إلى النبي ، والنبي صاحب هذا القلب الكبير ليس عنده حقد أبداً ، ليس عنده شيء اسمه ضغينة ، يحب الخلق كلهم ، قال : يا عمر أطلق سراحه ، وقال له : ادنُ مني يا عمير ، قال : سلم علينا ، قال له : عمت صباحاً يا محمد ، قال : قل السلام عليكم ، قال : لست بعيداً بسلام الجاهلية ، ما الذي جاء بك إلينا يا عمير ؟ قال : جئت أفكّ أخي من الأسر ، قال له : وهذا السيف الذي على عاتقك ؟ قال : قاتلها الله من سيوف ،  وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال له : ألم تقل لصفوان لولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت ، وديون ركبتني لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه ، وقف عمير وقال : أشهد أنك رسول الله ، لأن هذا الكلام جرى بيني وبين صفوان ولا يعلمه أحد إلا الله وأنت رسول الله .
لقاء شخصي ، أما مغزى القصة فنجده في قول عمر : دخل عمير على رسول الله والخنزير أحب إليّ منه ، وخرج من عندي وهو أحب إليّ من بعض أولادي .
 :لا عداوة في الإسلام أبداً ، تُعادي أنت عمله فقط ، فإذا رجع إلى الله صار أخاك في الله ، إذا لم تشعر بالحب لإخوانك المؤمنين فلست مؤمناً ، لذلك
 
﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
(سورة الزخرف)
 
  أسعد الناس من استعمله الله في الخير وأشقاهم من استعمله في الشر :
         
أخيراً ؛ المرعبون في النار ، شرّ الناس من اتقاه الناس مخافة شره ، المؤمن سلام لا يخرج منه إلا كل خير ، تجد الناس مرتاحين له ، وإذا كان شخص يخيف لا يجعلك تنام الليل ، ويمكن أن يشي بك وشاية مهلكة ، فهذا في عداء مع الناس ، وهو عدو نفسه حقاً وأولاً ، أما المؤمن ليس عنده هذا الحقد ، هو سلام ، وهو مصدر سعادة للناس ، لذلك إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله فانظر فيما استعملك ، أسعد الناس من استعمله الله في الخير ، وأشقى الناس من استعمله الله في الشر .
منذ أيام بينما كنت في طريقي إلى بعض أشغالي ، قال لي شخص : هذا ملهى ضخم أنشأه شخص ومات قبل أن يفتتحوه بأيام ، قلت له من باب الطرفة : هذه صدقة جارية له ، يعني أن كل معصية تقع فيه حتى يوم القيامة فهي في صحيفته .            
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب