سورة فصلت 041 - الدرس (11): تفسير الأيات (47 – 54)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة فصلت 041 - الدرس (11): تفسير الأيات (47 – 54)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة فصّلت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة فصلت ـ (الآية: 47 - 54)

13/01/2013 17:55:00

سورة فصلت (041)
 
الدرس (11)
 
تفسير الآيات: (47- 54)
 
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 

 
 بسم الله الرحمن الرحيم  
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الحادي عشر والأخير إن شاء الله تعالى من سورة فصِّلت ، ومع الآية السابعة والأربعين ، وهي قوله تعالى:
 
﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾
 
  إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ
 
لا أحد من المخلوقات يعلم متى الساعة :
 
       في هذه الآيات الأخيرة من سورة فصِّلت يبيِّن الله سبحانه وتعالى أنه استأثر بعلم الساعة ، أي أن علم الساعة ووقوعها لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ، والبشر لا يعلمون الغيب ، فلا يعلم الغيب إلا الله .
 
 الغيب ثلاثة أقسام :
 
       والغيب أيها الإخوة قسَّمه العلماء إلى أقسامٍ ثلاثة : غيب الماضي ، وغيب الحاضر ، وغيبالمستقبل ، ومن أسباب إعجاز القرآن الكريم أنه أخبرنا عن غيب الماضي ، وأنه أخبرنا عن غيب الحاضر ، وأنه أخبرنا عن غيب المستقبل ، لكن الله سبحانه وتعالى وحده يعلم الغيب ، فإذا أعلمنا به النبي عليه الصلاة والسلام فهذا من إعلام الله للنبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب بذاته ، بل بإعلام الله له ، هذه حقيقة ..
 
﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾
(سورة آل عمران : من الآية 44)
       هذه القصص التي وردت في القرآن الكريم من غيب الماضي ، وكذلك ذكر القرآن الكريم ..
 
﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾
(سورة الروم)
 
 إعجاز القرآن :
 
      هذا غيب المستقبل ، وقد وقعت هذه المعركة ، بل إن في هذه الآية إعجازاً إخبارياً مستقبلاً ، وكذلك في الآية إعجازٌ علمي ، لأن أدنى نقطةٍ في الأرض هي غَوْر فلسطين ، الغور الذي ينخفض عن سطح البحر مئات الأمتار ، وقد تمَّت المعركة بين الفرس والروم في هذا الغَور ، ولا يعلم أحدٌ إلا منذ أمدٍ قصير أن هذه النقطة أخفض نقطة على سطح الأرض ، لذلك قال تعالى :
 
﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ ﴾ ـ أي في أدنى مكان ـ ﴿ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾
       هذا من إعجاز القرآن العلمي .
       وأما إعجازه الإخباري فإخباره عن قصص الأنبياء السابقين ، وعن شيءٍ وقع بعيدًا عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، هذا غيب الحاضر ، وعن شيءٍ سيقع في المستقبل ، هذا غيب المستقبل ، ولا يعلم الغيب إلا الله .
       لكن الإنسان الذي يعيش في منطقةٍ ما يشهد الوقائع التي تجري أمامه ، فهذا الواقع بالنسبة إليه عالَم مشهود ، فالعالَم عالمان ؛ عالَم مشهود،وعالم غيبي ، فالذي تعيشه أنت ، وتعاصره ، وتراه بعينيك وبحواسِّك فهذا عالم الشهود بالنسبة إليك ، أما من ابتعد عن هذا المكان فهو غيبٌ بالنسبة إليه ، لكنه غيب الحاضر ، الذي وقع في الماضي ، ولا تعلم كيف وقع فهذا غيب الماضي ، لكن غيب المستقبل لا أحد على وجه الأرض يعلمه إلا الله .
       من أبرز أحداث المستقبل علم الساعة ، نهاية العالم ، " متى الساعة يا رسول الله ؟ " . قال عليه الصلاة والسلام :
((مَا الْمَسُْولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)) .
[ مسلم عن عمر بن الخطاب ]
       أحد الأئمَّة الكبار ، وهوالإمام مالك رأى في المنام ملك الموت ، قال : "يا ملك الموت كم بقي لي من أجلي ؟ " فأشار ملك الموت إليه بأصابعه الخمس ، فلما استيقظ الإمام مالك وقع في حيرةٍ شديدة ، أهي خمس سنوات ، أم خمسة أشهر ، أم خمسة أسابيع ، أم خمسة أيام ، أم خمس ساعات ؟ فلمَّا توجَّه إلى الإمام ابن سيرين المختصُّ بتفسير المنامات قال : " يا إمام ، يقول لك ملك الموت : إن هذا السؤال من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله " .
 
﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾
       لذلك الإنسان لا يعلم متى الساعة ، فإذا أردت أن تفهم ساعة يوم القيامة ، وإن أردت أن تفهم الساعة ساعة الإنسان ، ولكلٍ مناساعة فلن تستطيع ذلك ، يا ترى متى ؟ من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت" ."
       متى الساعة ؟ متى ينتهي أجلي ؟ في أي سن ؟ في أي يوم ؟ في بيتي أم خارج بيتي ؟ في حضرٍ أم في سفر ؟ في الليلٍ أم في النهار ؟ على أي طريقةٍ أموت ؛ بمرضٍ ؟ بحادثٍ ؟ لا أحد يعلم ، وما دمنالا نعلم ينبغي أن نستعدَّ لهذا الحدث الذي لابدَّ منه ، وما رأيت عاقلاً أعقل ممن يستعد للقاء الله تعالى ، بالاستقامة على أمره ، وبالأعمال الصالحة ، وبالتوبة إليه ، وباب التوبة مفتوحٌ للإنسان ما لم يغرغر ..
 
﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾
(سورة الأنعام : من الآية 185)
       فالمؤمن العاقل يبادر من فوره إلى التوبة إلى الله.
((ابن آدم ، لا تعجز ، ادعني أجبك ، استغفرني أغفر لك )) .
[ ورد في الأثر ]
      ولا تنسوا هذا الحديث الشريف الصحيح الذي يصف فيه النبي عليه الصلاة والسلام ربه فيقول :
((إن اللّه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من سائل فيعطى سؤله ؟ حتى يطلع الفجر )).
[مسلم ]
        أي يجب على الإنسان أن لا يضيع الفرصة ، لأن باب التوبة مفتوح ، وما دام القلب ينبض فباب التوبة مفتوح ، والصلح مع الله يسيرٌ جداً .
" إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنِّئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " .
(( لو أتيتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي )) .
[ مسلم ]
 
﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾
(سورة الزمر : من الآية 53 )
       عندما أغفل ربنا عزَّ وجل عنا علم الساعة،لك أن تقول : ساعة يوم القيامة ، ولك أن تقول : ساعة نهاية الحياة ، هذه الساعة مغيَّبةٌ عنَّا ، وأقرب الساعتين إلينا ساعة الموت  .
 
﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24) ﴾
(سورة الفجر)
 
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا(27) ﴾
(سورة الفرقان)
 
 العاقل مَن يستعد لساعة الحقيقة :
 
       هذه الساعة الإعداد لها هو قمة العقل ، قمة الذكاء ، قمة التوفيق ، قمة النَصر ، قمة التفوُّق ، قمة الفلاح ، قمة الفوز ، قمة العقل أن تعد لهذه الساعة عُدَّتها ..
   الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ " *
[من سنن الترمذي عن شِداد بن أوس]
       فأخشى ما يُخشى على الإنسان أن يستهلكه الزمن ، وأن تستهلكه همومه ومتاعبه ومشاغله ، من همٍّ إلى همٍّ ، من إنجازٍ إلى إنجاز ، من موعدٍ إلى موعد ، من لقاءٍ إلى لقاء ، من مشكلةٍ إلى مشكلة ، من مطبٍ إلى مطب إلى أن يأتي أجله ، فيذهب إلى الدار الآخرة صفر اليدين ، وكل شيءٍ تَعِبَ فيه في الدنيا خلَّفه في الدنيا ، دقِّقوا في هذا الحديث :
(( أندم الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنَّة ، ودخل هو بماله النار )) .
[ ورد في الأثر ]
       المال نفسه حصَّله بطريقةٍ غير مشروعة ، وضيَّع من أجل هذا المال دينه وآخرته ، فاستحق دخول النار بهذا المال الذي كسبه ، فجاء ورثته ـ أبناؤه ـ كسبوه حلالاً ، وأنفقوه في الطريق المشروع ، فاستحقوا دخول الجنة ، ف ..
(( أندم الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنَّة ، ودخل هو بماله النار )) .
[ ورد في الأثر ]
 والميِّت ترفرف روحه فوق النعش فتقول : يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلَّ وحرم ، فأنفقته في حلِّه وفي غير حلِّه ، فالهناء لكم ، والتبعة علي " .
 
﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾
شيءٌ آخر يُردُّ إليه ..
 
﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا ﴾
 
 وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا
 
1 ـ انعقاد الثمرة بأمر الله عزَّ وجل :
 
      انعقاد الثمرة بأمر الله عزَّ وجل ، لذلك إخواننا الريفيون يلاحظون ملاحظة عجيبة ، يقول لك أحدهم : في هذه السنة الموسم جيد جداً ، والموسم الفلاني ضعيف ، أحياناً يعطي الله عطاءً مدهشاً ، ففي بعض السنوات كيس القمح في المناطق الريفية ـ في شمال سورية وفي شرقها ـ أعطى أكثر من سبعين أو ثمانين كيسًا ، وصل كيس القمح إلى مائة وعشرين كيسًا ، وفي بعض السنوات نحتاج جميعاً إلى مليون طن من القمح فكان إنتاجنا ثلاثة ملايين طن ، وفي سنوات أربعمائة ألف ، وهذا أقلّ من حاجتنا ، فانعقاد الثمرة في المحاصيل ، أو في الخضراوات، أو في الفواكه والثمار ..
     
﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا ﴾
 
2 ـ النبات آيةٌ من آيات الله الدالَّة على عظمته :
 
      لكن انعقاد الثمرة شيء لا يصدَّق ، فربنا عزَّ وجل جعل النبات آيةً من آياته الدالَّة على عظمته ، ظاهرة النبات أن هذا النبات الأخضر ، وأن هذه الورقة الخضراء فيها من العجائب ما لا يُصدَّق ، الورقة الخضراء معملٌ ، وأعظم معمل صنعه الإنسان يبدو أمامها سخيفاً ، تافهاً ، مبتذلاً .
     الآن أعظم معمل صنعه الإنسان يبدو أمام الورقة الخضراء عملاً سخيفاً بسيطاً ، لأن هذه الورقة تأخذ من التربة ما يزيد على ثمانية عشر معدناً مذابًا في الماء عن طريق الجذور ، وعن طريق النسغ الصاعد ، وتأخذ من الشمس طاقتها الحراريَّة ـ الفوتونات ـ وتأخذ من الهواء ثاني أوكسيد الكربون ، وفيها مادة اليخضور ، وفيها ذرات الحديد ، هذه الورقة بتفاعلاتٍ عديدةٍ عجيبة يصعب على العقل فهمُها ، تصنع الورقة نسغاً آخر ينزل ، هذا النُسُغ سائل موحَّد يسهم في تصنيع الجذور ، وتصنيع الجذع ، وتصنيع الفروع ، وتصنيع الأغصان ، وتصنيع الأوراق ، وتصنيع الثمار والأزهار ، فانعقاد الثمرة في أكمامها بيد الله سبحانه وتعالى .
      والشيء الذي يلفت النظر هو أن هذه البذرة فيها خصائص الثمرة ، وقد تزيد الخصائص على مائة خاصَّة ، كلها في البذرة على شكل أوامرمُبَرْمَجَة ، تقول : هذا النبات يقاوم المرض فلاني ، وهذا النبات يقاوم البرد ، وهذا النبات إنتاجه مبكِّر ، وهذا النبات إنتاجه حامضي ، وهذا النبات نسيجه كثيف ، وهذا النبات ماؤه كثيف ، وهذا النبات من أجل العصير ، وهذا النبات من أجل المائدة ، فهناك أنواع منوَّعة جداً جداً في كل نبات يخلقه الله سبحانه وتعالى .
       يكفي أن من أصناف القمح ما يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمائة نوع ، يكفي أن أنواع العنب تزيد على ثلاثمائة ، يكفي أن كل محصولٍ وكل نباتٍ أنواع منوَّعة ترضي كل الأذواق ، التفَّاح مثلاً كم نوعا ؟ الدُرَّاق كم نوعا ؟ القمح كم نوعا ؟ هناك نوع قاس ، نوع ليِّن ، نوع يصلح للصناعة ، نوع يصلح للخبز ، فكل نوع له خصائص .
        هذا العلم ؛ إنبات النبات ، انعقاد الثمار في أكمامها هذا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ، هو الرزَّاق ، وهذه ظاهرة وعلى مستوى البلاد كلِّها ، يقول لك : هذه السنة المحصول الفلاني جيد جداً على مستوى كل المحافظات ، وهذه السنة المحصول الفلاني ضعيف جداً ، في بعض السنوات الذين ضمنوا بعض الفواكه ، دفعوا ثمن الكيلو في تقديرهم عشر ليرات ، بيعت هذه الفاكهة بخمس ليرات لوفرة الإنتاج ، فلذلك انعقاد الثمرة تعود إلى الله سبحانه وتعالى ..
 
﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى ﴾
 
 وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى
 
       أيّ أنثى ، أي أن الشيء الذي يتوالد هو النبات والحيوان ، فانعقاد الثمرات بيد الله ، وحمل الأنثى للجنين بيد الله سبحانه وتعالى ، يجعل امرأةً عقيماً ، ويجعل امرأةً تلد الإناث ، وهذا من الرجل في العلم الحديث ، وتؤكِّده الآية الكريمة:
 
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46) ﴾
(سورة النجم )
 
1 ـ الحوين :
 
       أي أن الذي يحدِّد نوع الجنين ليست الأنثى لكنه الرجل ، على كلٍ هناك بحث في انعقاد الحمل في رحم الأثنى ، وهو بحثٌ طويل ، لكن الشيء الذي يلفت النظر هو أن هذه الحوين  الذي تصنعه الغُدَد الخاصة به يجري إعداده في ثمانية عشرَّ يوماً ، هذا الحوين يعدُّ في الغدَّة الخاصَّة به لفترةٍ طويلة ، ولكن قبل أن ينتقل من مكان إعداده إلى مكان فاعليَّته تجرى عليه عمليَّةٌ بسيطة حتى يصبح فعَّالاً .
       هذه النُطَف ثلاثمائة مليون حوين في اللقاء الواحد ، كل حوين له رأسٌ ، وله عنقٌ ، وله ذنبٌ ، وهذا الحوين فيه معلومات لتشكيل الجنين تزيد على خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة ، ولك أن تسميها مورِّثات ، أو تسميها صبغيات ، أو تسميها معلومات تسهم في تشكيل هذا الجنين ، كل صفات الجنين ؛ صفات جلده ، وصفات شعره ، وصفات أعضائه وعضلاته ، ولونه ، حتى خصائصه الداخليَّة ؛ خصائص دمه ، وكبده ، وقلبه ، هذه الخصائص تزيد على خمسة آلاف مليون معلومة ، لو أردنا أن نكتبها في كُتُب لكانت مكتبة بأكملها لا تتسع لهذه المعلومات ، كلُّها في حوينٍ ، كل ثلاثمائة مليون حوين لا تزيد على سنتيمتر مكعَّب .
       والبويضة تحتاج إلى حوين واحد ، يصل إلى البويضة أقواها ، وفي رأس الحوين مادَّةٌ نبيلة مغلَّفةٌ بغشاءٍ رقيق ، إذا اصطدمت بالبويضة تمزَّق الغشاء ، فأسهمت هذه المادة النبيلة بالوصول إلى داخل البويضة ، تذيب جدار البويضة ، فيدخل هذا الحوين إلى البويضة ، يُغلق الباب ، وتصاب بقية هذه الحوينات بالإحباط ، لقد انتقت البويضة أقوى هذه الحوَيْنات وانعقدت ، وانعقد الحمل .
 
2 ـ البويضة :
 
       تنطلق البويضة من المبيض إلى الرحم ، في أثناء انطلاقها تنقسم إلى عشرة آلاف خليَّة دون أن يزيد حجمها ، ولو زاد حجمها لوقفت في الطريق ، لأن الأنبوب دقيق جداً ، فإذا وصلت إلى الرحم انغرست فيه ، وهناك علومٌ والله لا يتسع لا هذا الدرس ولا مئة درسٍ لتفصيلها في علم الأجنَّة فقط ، شيء لا يصدَّق .
      كيف تغرس في جدار الرحم ؟ كيف تأتي الدماء لتغذي هذه البويضة ؟ كيف تتشكَّل أعضاؤه الأساسيَّة ؟ كيف تطوَّر هذا الحمل إلى أن يصبح طفلاً جنيناً في تسعة أشهر ، كاملاً ؛ فيه دماغ ، فيه جمجمة ، فيه عمود فقري ، فيه عضلات ، فيه عظام ، فيه جهاز هضم ، فيه جهاز دوران ، فيه جهاز تصفية ، فيه غدد صمَّاء ، فيه بنكرياس ، فيه كبد ، فيه شعر ، فيه جهاز تناسلي ، فيه جهاز بولي ، فيه جهاز هضمي ، فيه جهاز دوران ، كل هذا من حوينٍ واحد ، فالإنسان بإمكانه أن يعرف كيف خُلِق من خلق ابنه ..
 
﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) ﴾
(سورة القيامة)
       من دون حساب ..
 
﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى(40) ﴾
(سورة القيامة )
      بلى إنه على كل شيء قدير.
 
﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ(3)بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(4) ﴾
(سورة القيامة)
 
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ(116) ﴾
(سورة المؤمنون)
       أيها الإخوة الكرام ، التفكُّر في خلق الإنسان من أرقى العبادات ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
 
﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24) ﴾
(سورة عبس)
 
﴿ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7)إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ(8) ﴾
(سورة الطارق)
       إذاً:
      
﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي ﴾
 
 وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ
 
أي الذين عبدتموهم من دوني ، الذين أشركتموهم معي ، أين هؤلاء الشركاء ؟ قالوا:
 
﴿  قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾
أعلمناك يا رب أنه ما شهدنا أحداً غيرك ، ولكن كذبنا على أنفسنا ، قال :
 
﴿ انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴾
(سورة الأنعام : من الآية 24)
      آذنَّاك أي أعلمناك ما منا من شهيد ..
 
﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ﴾
 
 وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ
 
       لو أنهم دعوا شركاء غير الله سبحانه وتعالى في الدنيا ، وجاءوا ربَّهم يوم القيامة فاستنجدوا بهؤلاء الشركاء ، أين هم ؟ أينشركائي ؟
      
﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ﴾
 
المؤمن يعرف الحقيقة وهو في الدنيا :
 
         أيها الإخوة ، من نعمة الله الكبرى على المؤمن أن الحقيقة التي يعرفها كل الخلق يوم القيامة ، الخمسة آلاف مليون الذين يعيشون معنا الآن وهم في ضلالٍ عن هذه الحقيقة ، الحقيقة التي سيعرفها الناس جميعاً يوم القيامة يعرفها المؤمن ، وهو في حياته الدنيا ، هذه أكبر نعمةٍ على الإنسان ، لذلك قال بعض الصحابة وأظنَّه عليَّ بن طالب كرَّم الله وجهه : " والله لو كُشِف الغطاء ما ازددت يقيناً " ، وقال صحابيٌ آخر : " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي " .
        أروع شيء أن يعرف الإنسان الحقيقة في الوقت المناسب ، لكن إنسانا اعتنق مبدأ غير صحيح ، ثم اكتشف في آخر حياته أن هذا المبدأ هدَّام ، ليس له أصل في الواقع ، مبدأ مُفْتَعَل ، مبدأ شيطاني ، أليست هذه خسارة كبيرة ؟ أليس هذا إحباطا لا يحتمل ؟
      
﴿ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ﴾
أي لابدَّ من أن يلقوا هذا العذاب ، ولم ينفعهم أحدٌ دعوه من دون الله عزَّ وجل .
 
 لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ
 
1 ـ من طبيعة الإنسان أنه يحب الخير ولا يسأم منه :
 
       أما طبيعة الإنسان:
 
﴿ لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ ﴾
       دائماً يطلب الخير ، يريد الصحَّة ، يريد المال ، يريد الجمال ، يريد البيت ، يريد الأثاث ، يريد المَركبة ، الدخل الكبير ، العِزَّ العريض ، الشأن الرفيع ، هذا الخير ؛ المال ، والجمال ، والقوة،والمَنَعَة ، والأنصار ، والأتباع ، والأشياء الماديَّة المُبْهِجَة ..
 
﴿ لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ ﴾
      لا يمل ، أيّ إنسانٍ هذا ؟ قبل أن يعرف الله ، فالإنسان إذا ورد معرَّفةً بأل فهذه أل الجنسيَّة ، أي أن جنس الإنسان قبل أن يعرف الله ..
 
﴿ لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ ﴾
من طلب الخير ، من البحث عن الخيرفي مقياسه ، في نظره ، في موازينه ..
 
﴿ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ ﴾
 
2 ـ من طبيعة الإنسان أنه يكره الشرّ :
 
        لو أن هذا العطاء توقَّف قليلاً ، لو أنه خسر بعض صحَّته ، أو بعض ماله تراه عابساً ، مُقَطِّباً ، مُزَمْجِرَاً ، يائساً ، سوداوي المزاج ، ضيِّق القلب ، فما هذا التناقض ؟
 
 
 
 
﴿  لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ ﴾
       هذه حقيقة الإنسان ، لكن المؤمن يطلب الخير ، ويصبر على بلاء الله سبحانه وتعالى ، يطلب الخير الحقيقي ـ خير الآخرة ـ ولا تعنيه الدنيا كثيراً ، فإذا امتحنه الله بشيء تجده صابراً ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
((عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ؛ إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ ، وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ )) .
[من مسند أحمد عن صهيب ]
       الكافر يطلب الدنيا ، وإذا أصابته فيها مصيبة ..
 
﴿ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ ﴾
     المؤمن يطلب خير الآخرة ، فإذا ابتلاه الله في الدنيا بمصيبةٍ تراه صابراً راضياً عن الله عزَّ وجل  .
 
 وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ
 
      الآن مع حالةٍ ثالثة:
 
﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ ﴾
      أصابه شبح مرضٍ عُضال ، ثم أثبت التحليل أنه بريء من هذا المرض العضال ، أصابه فقرٌ مدقع ، ثم زال هذا الفقر ، ونَعِمَ بدخلٍ كبير،أصابه همٌّ فزال ذلك الهم ، أصابته مصيبة فانحسرت تلك المصيبة ، قال  :
 
﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا ﴾
منَّا تفضُّلاً ، وتكرُّماً ، ومِنْحَةً ، وهبةً ..
 
﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ﴾
 
 لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي
 
     بعضهم قال : هذا ما استحقُّه ، وبعضهم قال : هذا من صنعي ، ومن تدبيري ، ومن علمي ، ومن خبرتي ..
 
﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴾
 
 وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً
 
1 ـ الغافل ينسب الخير لنفسه :
 
           يعبِّر بعض الناس الغافلين عن هذه الحقيقة ، فيقول لك : معك قرش تساوي قرشًا ، الدراهم مراهم ، ليس هناك آخرة ، هذه الدنيا هي كل شيء ، من كان فيها غنياً فهو السعيد ، ومن كان فيها فقيراً فهو الشقي ، فالإنسان أحياناً القوة تُعْمِيه ، ويُطْغِيه المال ، وتُلْهِيه الصحَّة ، قال تعالى :
 
﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ﴾
أي هذا ما أستحقُّه ، تألياً على الله ، أو هذا ما كان من صنعي ، ومن تدبيري ، ومن خبرتي ، ومن سعيي ، ومن كدِّي ، ومن اجتهادي ، فيعزو هذا الفضل الكبير الذي تفضَّل الله به ، والذي أكرمه به إلى سعيه ، وهذا شرك ..
 
      
﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴾
 
2 ـ الغافل لا يدخل الآخرة في حسابه :
 
        من مات ورأى ماذا بعد الموت ؟ من هنا إلى ذلك يوم الله يفرجها الله ، هذا كلام الناس ، فهو يدخل في حسابه كل شيء إلا الموت ، مع أن الموت أخطر شيء ، تجد تفكير الإنسان في العمر الفلاني يحتاج إلى دخل أكبر ، إذا سأوظِّف أموالاً من الآن ، يقتطع من دخله مالاً يوظِّفه في جهة ليكون له دخل بعد سن معيَّنة من دون تعب ، تجده يفكر في شيخوخته ، يفكر بمستقبل أولاده ، يفكر في بيته ، أبيع هذا البيت بثمانية ملايين ، ونأخذ بيت بالضواحي بلميونين ، معنا فرق مالي نشتري به سيارة ، نأخذ بيتًا صغيرًا ، فهو يخطِّط ، لكن يا ليته يخطِّط لمستقلبه الحقيقي ، لآخرته.
 
      
﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴾
      لو لم يقل الإنسان هذا الكلام كان فعله يؤكِّد ذلك ، يخطِّط دائماً ، إلا لما بعد الموت ، هذا خارج حسابه ..
      
 
﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى ﴾
 
 وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى
 
 
من استنباطات الجاهل الغافل :
 
ما دام أغناني في الدنيا فهو راضٍ عني ، ولولا أنه راضٍ عني ما أغناني ، ما دام قد أطلعني على ملكه فهو راضٍ عني ، فاستنباطات الإنسان الجاهلي الغافل سخيفةٌ جداً ؛ ما دام قد أطلعه على مُلكه فهو راضٍ عنه ، ما دام قد أغناه فهو راضٍ عنه ، مع أن الله أغنى قارون وهو لا يحبه ، وأعطى فرعون وهو لا يحبه ، لكن الذي يحبه يعطيه علماً وحكمةً ..
 
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14) ﴾
(سورة القصص)
      
﴿ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى
ضمن الدنيا والآخرة تألياً على الله ، ببساطة ، بسخف ، بجهل ، بغباء ..
      
﴿ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا
هؤلاء الذين كفروا سوف ينبئون بما عملوا يوم القيامة ؛ أعمالهم ، إساءتهم ، فسادهم ، انحرافهم ، كذبهم ، إفسادهم للناس ، أعمالهم السيئة ، اغتصابهم للأموال ، انتهاكهم للأعراض ، إفسادهم للمُجتمع ، تسخير الناس لهم ، بناء مجدهم على أنقاض الآخرين ، بناء غناهم على فقر الآخرين ، بناء أمنهم على خوف الآخرين ، هؤلاء الذين كفروا ينبئون بما عملوا يوم القيامة ..
      
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ
أي عذاب لا يحتمل ، الله سبحانه وتعالى العظيم يقول :
 
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7) ﴾
(سورة البقرة)
 
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُ لا يُؤْمِنُونَ(6)خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7) ﴾
(سورة البقرة)
       الآن هذا الإنسان نفسه ربنا عزَّ وجل يحدِّثنا عن خصائصه ..
     
﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ
 
  وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ
 
حال الإنسان قبل الإنعام غير حاله بعده :
        كان يصلي فلم يعُد يصلّي  ، كان يحضر مجلس علم عندما كان فقيرًا ، فلما اغتنى قال لك : والله ما عندي وقت ، عندنا شغل فلا مجال للحضور ، قبل الزواج كان يحضر ، تزوَّج ألْهته الزوجة ، واحتوته ، وأنهته ..
      
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا
 
  لا ينبغي للعاقل أن تشغله الدنيا عن آخرته :
 
        الزواج نعمة ، العمل نعمة ، الوظيفة نعمة إذا كانت وظيفة جيدة ، العمل التجاري نعمة ، العمل الصناعي نعمة ، لكن الإنسان يغفل عن ربه للدنيا ، لذلك قالوا : العمل المهني إذا كان في أصله مشروعاً ، ومارسه الإنسان بطريقةٍ مشروعةٍ ؛ لا كذب فيه ولا احتيال ، وابتغى به كفاية نفسه وخدمة المسلمين ، ولم يشغله عن فريضةٍ ولا عن واجبٍ ولا عن طلب علمٍ انقلب إلى عبادة ، أما إذا شغله عن واجبٍ ديني ، أو عن فريضةٍ ، أو عن طلب علمٍ هذا العمل الدنيوي خسارةٌ محقَّقة ، ولو درَّ على صاحبه آلاف الملايين.
       أيها الإخوة دقِّقوا في هذه الكلمة : العمل الذي يستغرق كل وقتك عملٌ خاسرٌ حتماً ، لأنه ألغى وجودك ، ألغى رسالتك ، ألغى مهمَّتك في الحياة ، العمل الذي يستغرق كل الوقت هذا خسارةٌ كبيرة ولو درَّ عليك المال بأكبر رقم  .
      إخواننا الكرام ... أحياناً يبحث الناس عن عمل ، فيجدون عملاً يشترط صاحب العمل أن الدوام كامل حتى الساعة التاسعة ، يلغي له كل الدروس ، هناك إخوان صادقون لا يرضون بهذا ، لا يقبل عملاً يلغي له طلبه للعلم ، لا يقبل عملاً يلغي له هذه الساعات المباركة التي يكرمه الله بها ، لذلك الذي يؤثر الله على الدنيا يأتيه عملٌ في المستقبل مريح ، ويتيح له أن يطلب العلم ، وبدخلٍ أكبر ..
(( ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .
[ ورد في الأثر ]
        قال:
      
﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ
       كان له دعاء رقيق ترك الدعاء ، كان يجلس يقرأ القرآن بحرارة ترك القرآن ، كان يصلي صلاة مُتقنة صار يصلي ترقيعا ، كان يحضر مجلس علم فترك مجلس العلم ، صار شخصيَّة لامعة ، صار رجل أعمال ، صار عنده مشروع ..
      
﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ
 
 وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ
 
1 ـ المؤمن راض عن قضاء الله ، والكافر ساخط :
 
أما إذا أرسل الله عزَّ وجل له مشكلة تجده يعوي كالكلاب ، وينهار ، يصيح صياح الأعمى ، هذه صفات الإنسان الغافل المُعرض ؛ لكن المؤمن أحياناً تأتيه مصيبة يرضى بها عن الله ، يقبلها بقبولٍ حسن ، يقول : يا رب أنا راضٍ عنك ، أنا راضٍ عن قضائك وقدرك ، أنا راضٍ بما قسمته لي ، شتَّان بين هذا وذاك .
       قال لي طبيب يعمل في مستشفى ، جاءه مريض مصاب بمرض عضال آلامه لا تحتمل ، فهذا الرجل بعيدٌ عن الدين ، فما من نبيٍ إلا وسبَّه سبابا لا يحتمل ، تجد رائحة كريهة تخرج منه ، الغرفة قطعة من جهنَّم ، إذا قرع الجرس لا يأتيه أحد اشمئزازاً منه ، لحكمةٍ أرادها الله جلَّ جلاله في الغرفة نفسها جاء مريضٌ آخر مصابٌ بالمرض نفسه ، وبالآلام نفسها ، ولكن يبدو أنه من أهل الإيمان ، الطبيب الذي عالجه حدَّثني من فمه قال لي : والله يا أستاذ ، كلَّما زاه زائر يقول له : اشهد أنني راضٍ عن الله ، هذه كلمة مأثورة له ، وما سمعنا صياحه ، ولا صوته ، ولا تأفُّفه ، مع أنه كان يتحمَّل أصعب الآلام ، وكلَّما جئته رأيت وجهه كالكوكب الدُرِّي ، أقسم لي إن له رائحةً كرائحة المِسك ، إذا قرع الجرس يتدافع الممرِّضون لتلبية طلباته ، وتوفَّاه الله بأحسن حالة ، مرض واحد أصاب مؤمنًا ، وأصاب غير مؤمن ، وهذا النجاح يجعله في أعلى عليين ، والدنيا لا قيمة لها .
 
﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26) ﴾
(سورة يس)
       الإنسان قد يكون مبتلى أحياناً ، لكن بطولته ليس في أن لا يصاب بمرض ، لكن بطولته إذا أصيب بمرض أن يتقبَّله من الله عزَّ وجل بالرضى .
ذكرت لكم من قبل أن رجلاً كان يطوف حول الكعبة ويقول : "يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ " ، كان رواه الإمام الشافعي فقال له : " وهل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى الله عنك ؟ " قال : " سبحان الله ! من أنت يرحمك الله ؟ " ، قال : " أنا محمد بن إدريس " ، قال : " كيف أرضى عنه وأنا أتمنَّى رضاه؟ " قال : " يا هذا إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله " . علامة إيمانك أن تستقبل قضاء الله وقدره بنفسٍ راضية ، ألم يقل الله عزَّ وجل :
 
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾
(سورة الطور : من الآية 48)
 
2 ـ الحياة دار ابتلاء :
 
       الحياة دار ابتلاء أيها الإخوة ، الله يمتحنك بالمال وبالفقر ، بالصحَّة والمرض ، وبالقوَّة والضعف ، وبإقبال الدنيا وبإدبارها ، دائما أنت ممتحَن ، وأغلب الظن أنك ممتحنٌ في الحالتين دائماً ..
 
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2) ﴾
( سورة العنكبوت )
      أتمتحن المركبة بالطريق النازلة ؟ لا بل بالطرق الصاعدة ، الامتحان الصعب هو الذي يثبت جدارة هذه الآلة ، هذا الإنسان الغافل الجاهل ..
      
﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ
       على الإكرام يهرب ، وقد سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم الإكرام بالغنى المُطغي ، على الإكرام ينسى ربه ، ينسى الصلاة ، ينسى الصوم ، يسافر لبلد غريب فيقول : هنا ليست الصلاة مناسبة ، الصلاة فرض ، وتجده لا يصوم ، أحياناً يرتكب أكبر المعاصي لأتفه الأسباب ، لئلا يقال عنه كذا وكذا ..
     
﴿ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ
 
3 ـ المؤمن كلَّما زاده الله إكراماً زاده حباً لله :
 
       أيها الإخوة والله الذي لا إله إلا هو إن المؤمن كلَّما زاده الله إكراماً زاده حباً لله ، وزاد تواضعاً له ، وزاد طاعةً له،وزاد ائتماراً بأمره ، وزاد ذكراً له ، وزاد خدمةً للناس ، المؤمن كريم الأخلاق ، فإذا أكرمه الله يذوب شكراً ، النبي الكريم كانت تعظم عنده النعمة مهما دقَّت  .
       ومرَّة ثانية أقول لكم أيها الإخوة : سهل جدا أن ينطلق الإنسان إلى الله بالمصيبة ، ولكن بطولته تظهر في أن يذكر الله في الرخاء ، ليس بك شيء ، صحَّتك تامَّة ، بيتك جيد ، دخلك جيد ، ليست لديك مشكلة في عملك ، بطولتك وأنت في هذا الرخاء أن تنطلق إلى الله ، تفرُّ إلى الله .
       إن الإنسان لا ينتظر من الله تأديبًا ، انطلق إليه قبل أن يحملك على أن تنطلق إليه ، انطلق إليه طواعيةً ، انطلق إليه مبادرةً ، انطلق إليه حباً قبل أن يسوق الله للإنسان مصيبةً يجعله ينطلق إليه مقهوراً ، وشتَّان بين أن تنطلق إليه باختيارك ، وبين أن تنطلق إليه مقهوراً .
      أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعاً غير هذا النموذج :
      
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ
      المؤمن يزداد طاعةً ، والتفاتاً ، وإقبالاً ، وشكراً ، وعملاً صالحاً ، وتضحيةً ، ومؤاثرةً كلَّما زاده الله إكراماً ، لذلك:
 
﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
(سورة إبراهيم : من الآية 7)
       إذا كان  الإنسان بحالة طيِّبة ، في بحبوحة ، أموره ميسَّرة ليس عنده  مشكلة ، وأراد أن تستمرَّ هذه الحالة من دون أن تهتز فعليه بطاعة الله ، لقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ إنّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾
(سورة الرعد : من الآية 11)
 
  إنّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ
 
       لا تغيِّر كي لا يغيّر ، إذا كان الإنسان متمتِّعًا بصحَّة ، متمتِّعًا ببيت ، متمتِّعًا بأهل ، عنده سعادة ، هذا التمتع بهذه السعادة لو أنه ثابر على طاعة الله ، وعلى عبوديَّته لله ، وعلى خدمته للخلق ، وعلى أعماله الصالحة أغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى لا يغير ما به أبداً ، بل إنه يزيده من فضله ، فالمؤمن دائماً من حال إلى أرقى ، من سعادة إلى أرقى ، من توفيق إلى أكثر ، دائماً في ازدياد ، أي أن المؤمن خطه البياني صاعد صعودًا مستمرًا ، حتى لو جاءه الموت يبقى خطَّه البيانيُّ صاعداً ، ما الموت إلا نقطة تحوُّل بسيطة على هذا الخط ، خلع ثيابًا ، وارتدى ثيابًا ، وبقي خطه البياني صاعداً ..
     
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
 
 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
 
      إنسان يُشاقق الله عزَّ وجل ، عدوٌ لدينه ، عدوٌ لشرعه ، عدوٌ لأوليائه ، عدوٌ للمؤمنين ، هل يعقل هذا ؟
      
      ﴿ مَنْ أَضَلُّ
 
لا أشد ضلالاً ممن يشاقق الله  :
 
     أي من أشد الناس ضلالاً ممن يشاقق الله سبحانه وتعالى ؟! يخاصم دينه ، يخاصم أولياءه ، يخاصم المؤمنين ، يتمنَّى لهم المصائب ، يفرحبمصائبهم ، يتألَّم لنجاحهم ، هذا إنسان مع المنافقين ..
     
﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
 
 سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
 
ثم يقول الله سبحانه وتعالى  :
 
     
﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
المتكلِّم هو الله ، والمخاطّب هم المؤمنون ، والغائب من ؟ قال تعالى :
    
        ﴿سَنُرِيهِمْ
 
1 ـ الإنجازات العلميَّة كانت على يد الغَرْبيين لحكمة أرادها الله :
 
      بعض المفسِّرين قالوا : لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل جعل الإنجازات العلميَّة على يد الغَرْبيين ، والتي تأتي متوافقةً مع آيات القرآن الكريم بشكلٍ لا يصدَّق . فهذه الآيات سنريها للكفَّار ..
 
﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
 
2 ـ آيات الله في الكون لا تعد ولا تحصى :
 
     كنت أقول دائماً : إن أبعد مجرَّة اكتُشِفَت بعدها عنا ستة عشر ألف مليون سنة ضوئيَّة ، كنت قبل يومين في مجلس علمي مع دكاترة في الجامعة مختصين في الفلَك،فأنبأني أحدهم أن أحدث مجرَّة تبعد عنا الآن خمسة وعشرين ألف مليون سنة ضوئيَّة ، والأربع سنوات ضوئيَّة تحتاج إلى مسيرة بمركبة أرضيَّة خمسين مليون عام ـ الأربع سنوات ـ فكيف بخمسة وعشرين ألف مليون ..
      
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ
       وكلَّما تقدَّم العلم وجد في الجسد شيئاً عجيباً ـ شيء لا يصدَّق ـ مليار خليَّة بالمعدة ، ذكرتها اليوم في الخطبة ، مليون ميكرون في الكليتين ، طول الميكرونات خمسين كيلو متر ، والكليتان مائة كيلو متر ، يقطعها الدم في اليوم خمس أو ست مرَّات ، إذاً شيء لا يكاد يصدَّق ، مائة وثلاثون مليون عُصيَّة ومخروط في الشبكيَّة ، ثلاثمائة ألف شعرة في رأس الإنسان ، لكل شعرة بصلة ، ووريد ، وشريان ، وعضلة ، وغدَّة ، وعصب ..
      
       إذا أردت الآفاق فما أعظم الآيات في الآفاق ، بعض العلماء قال : الكون فيه تقريباً مليون مليون مجرَّة ، وفي كل مجرَّة مليون مليون نجم ، والمسافات بين النجوم لاتصدَّق ..
 
﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76) ﴾
( سورة الواقعة )
      والشمس تتّسع مليون وثلاثمائة ألف أرض ، وهناك نجوم تتسع لمليون شمس ، هذه في الآفاق ، اقرءوا ، ادرسوا ، فالآيات ناطقةٌ بوجود الله ، وبعظمة الله ، وكمال الله ، وعلم الله ، ووحدانية الله ..
    
﴿ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
 
3 ـ جسمك آية :
     
جسمك أبسط شيء ؛ أنت ماشٍ في الطريق أطلقت وراءك سيارةٌ بوقها تحذِّرك ، فانتقلت إلى الرصيف الأيمن ، هل هناك في حياتك أبسط من هذه الحادثة ؟ فهناك جهاز معقَّد جداً في الدماغ يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين ، صوت إلى كل أذن ، والتفاضل واحد على ألف وستمائة جزء من الثانية ، هذا الجهاز يحسب التفاضل ، جاء الصوت إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن بواحد على ألف وستمائة جزء من الثانية ، إذا كان الصوت من اليمين  يعطي الدماغ أمرًا للعضلات أن اذهب إلى اليسار ..
      
﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
      أيها الإخوة فكِّروا في أجسامكم ، شيء لا يصدَّق ، القلب مضخَّة ، تضخ كل يوم ثلاثة أمتار مكعَّبة ، كيف مستودعات الوقود السائل على ظهور أسطحة البنايات ، فتجد من يقول : أخي أنا عندي خزان سعة اثنين طن ، أي ألفي لتر ، فالجسم يضخ ثمانية أطنان باليوم ، يضخ الجسم بالعمر ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالَم ..
      
﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
        الغدَّة النخاميَّة ملكة الغُدد ، وزنها نصف غرام ، تفرز اثنا عشر هرموناً ، لو اختل هرمون واحد تصبح حياة الإنسان جحيماً ، بعض الهرمونات تقيم توازنًا للسوائل ، لو اختلَّ هذا الهرمون الإنسان يجب عليه أن يجلس بجانب الصنبور يشرب طوال حياته ، ويخرج هذا الماء بولاً ، إذا اختل نظام السوائل في الجسم ـ شيء لا يكاد يصدَّق ـ على كلٍ هذا عناوين موضوعات .
        إذا لم يفكَّر الإنسان بجسمه كل يوم ؛ بشعره ، بعينيه ، بأذنيه ، بجهاز الهضم ، بالمعدة ، بالأمعاء ، بالرئتين ، بالقلب،بالشرايين ، بالأوردة ، بالقلب ، بدسَّامات القلب ، كيف يعرف عظمة الله عزَّ وجل ؟ .
     
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
 
 حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
 
       حتى يؤمنوا بكل خليَّة ، أحياناً الإنسان يعبِّر عن إيمانه بالشكل التالي ، يقول لك : والله كل خليَّة في جسمي تنطق بوجود الله ، كل خليَّة تنطق بحمد الله ، تنطق بعظمة الله،هذا الإيمان ، المؤمن لو قُطِّع إرباً إرباً لا يعصي الله ، لأنه يرى عظمة الله عزَّ وجل ..
      
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
         في الكون حقيقة واحدة هي الله ، كل شيء يقرِّبك لها هو حق ، وكل شيء يبعدك عنها فهو باطل ، الشهوات تبعد ، الطاعات تقرِّب ، لذلك أفضل مكان في الأرض المساجد لأنها تقرِّب ، أبعد مكان الملاهي والأسواق ..
((خير البقاع المساجد ، وشر البقاع الأسواق )) .
[ كشف الخفاء عن ابن عمر]
       ابحث عن شيء يقرِّبك ؛ القرآن يقرِّب ، الكون يقرِّب ، الطاعة تقرِّب ، الصلاة تقرِّب ، العلم يقرِّب ، ابحث عن شيءٍ يقرِّبك إلى الله عزَّ وجل ..
      
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ
 
  أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ
 
1 ـ كل إنسان يموت :
 
       ساعة الموت لسنا مستوعبين لها ، والله أيها الإخوة لو يكون الإنسان على غير طاعة لله ، غير مصطلح مع الله ، في عليه ذمم كثير ، وفي عليه مشكلات ويشعر أن موته اقترب لمرض ألمَّ به فجأةً ، تشعر أن كل كيانه قد اهتز ، شيء لا يصدَّق ، ويقول : سأموت.
 قال لي مرَّة طبيب زار امرأة فوجدها في حالة انهيار عصبي ، فقالت له : سأموت ، فقال لها : وأنا سأموت ، كلنا سوف يموت ، كل مخلوقٍ يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت ..
الليل مهما طال فلا   بدَّ من طلوع الفجر
والعمر مهما طال    فلابدَّ من نزول القبر
*  *  * 
2 ـ استعد لهذه الساعة بالطاعة :
     كلَّما فكَّرت في هذه الساعة واستعددت لها بالطاعة ، والعمل الصالح ، والإنفاق ، وتلاوة القرآن ، وتعلُّم القرآن ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وبغض البصر ، وبخدمة الأهل ، وبصلة الرَحِم ، وبالدعوة إلى الله كلَّما كنت أعقل ، فكم من أشخاص تركوا مئات الملايين ، تركوا ألف وسبعمائة مليون وغادروا الدنيا صفر اليدين ، هم ليسوا عقلاء بل في حضيض الغباء ، لذلك :
     
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ
ليس متأكِّدًا من لقاء ربنا عزَّ وجل ..
      
﴿ أَلاَ إِنّهُ بَكُلِّ شَيءٍ مُحِيطٌ ﴾
 
 أَلاَ إِنّهُ بَكُلِّ شَيءٍ مُحِيطٌ
 
1 ـ أعمال الإنسان مسجّلة كلها :
  
أعمال الإنسان كلها مسجَّلة ، بتفاصيلها ، بدقائقها ، حتى قال بعض العلماء : بصورها ، أي أن يوم القيامة تُعرض على الإنسان أعماله أمام عينيه ..
 
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14) ﴾
(سورة الإسراء)
2 ـ مجال الطاعة بيتك وعملُك :
 
       فيا أيها الإخوة الكرام ، عقلنا لا يظهر إلا بطاعتنا لله ، لا يظهر إلا باصطلاحنا معه ، لا تقل : لا أقدر ، فأنت عندك مملكتان؛ مملكته بيتك ، ومملكة عملك ، هذا ما تقدر عليه ، والله عزَّ وجل يعذرك فيما لا تقدر عليه ، أنت لا تستطيع أن تصلح المجتمع ، لأنه ليس بيدك ، لا تستطيع أن تمنع الفساد ، لا تستطيع إنزال الأمطار ، لا تستطيع أن توقف القوى المعادية ، فأنت ضعيف ، لكن الله عزَّ وجل مكَّنك من بيتك ، ومكَّنك من عملك ، فكل واحد يلتفت إلى بيته ، يقيم الشرع في بيته ، أولاده يدعوهم إلى الصلاة ، بناته يحجبهن ، عمله يكون دخله حلالاً ، لا يكون عنده كذب إطلاقاً ، أما كلام السخفاء العوام : إذا ما كذبنا لا نربح ، فهذا كلام الشيطان ، لا كذب ، ولا غش ، ولا تدليس ، ولا مخالفة للشرع ، مملكتك بيتك وعملك ، اضبط بيتك وعملك ، والله يتولى ما عجزْت عنه .
 
 خاتمة :
 
وأجمل تفسير للآية أن الله كلَّفك فيما تستطيع ، وتولَّى عنك ما لا تستطيع ، قال لك:
 
﴿ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾
(سورة الرعد : من الآية 11)
      من الظروف المحيطة بك ، فأنت لا تقدر عليها ..
 
﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ
      مما تقدر عليه ، إذا غيَّرت ما تقدر عليه يغيَّر ما لا تقدر عليه ، فإن لم تغيِّر ما تقدر عليه لا يغير ما لا تقدر عليه ، فهذا ملخَّص الملخَّص ، كل واحد ينطلق إلى بيته ، يراقب أهله ، أولاده ، دخله ، إنفاقه ، فإذا طبَّقنا الدين جميعاً تطبيقًا صحيحًا من دون نفاق ، من دون مزايدات ، من دون مظاهر فارغة ، من دون منافسة سخيفة ، إذا طبَّقنا أوامر ربنا عزَّ وجل لعلَّ الله سبحانه وتعالى ينظر إلينا برحمةٍ منه .
 
والحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب