سورة فصلت 041 - الدرس (10): تفسير الأيات (45 – 46)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة فصلت 041 - الدرس (10): تفسير الأيات (45 – 46)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة فصّلت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة فصلت ـ (الآية: 45 - 46)

10/01/2013 16:39:00

سورة فصلت (041)
 
الدرس (10)
 
تفسيرالآيات: (45- 46)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في عبادك الصالحين .
 
 مقدمة :
 
        أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس العاشر من سورة فصِّلت ، ومع الآية الخامسة والأربعين ، وهي قوله تعالى  :
 وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴿
بعد أن قال الله سبحانه وتعالى:
 
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ
 
 وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ
 
1 ـ اختلاف الناس في الكتاب أمرٌ قديمٌ :
 
        أراد الله سبحانه وتعالى أن يبيِّن للنبيعليه الصلاة والسلام أن اختلاف الناس في الكتاب أمرٌ قديم ، لست يا محمد وحدك ممن اختُلِف في الكتاب الذي جئت به ، لكن اختلاف الناس على الكتب السماويَّة أمرٌ قديم ، وهذا شأن الناس ، فالمؤمنون الصادقون ينادون من مكانٍ قريب ، يفهمون كلام الله عزَّ وجل ، يدركون مراميه ؛ والمنحرفون الضالون الشاردون ينادون من مكانٍ بعيد ، يفهمون كلام الله عزَّ وجل على خلاف ما أُنْزِل ، إما أن يطعنوا فيه ـ كما قلت في الدرس الماضي ـ وإما أن يزوَّروا بعض حقائقه ، ويؤوِّلوه تأويلاً ما أنزل الله به من سلطان .
 
2 ـ تسلية الله للنبي عليه الصلاة والسلام :
 
       أراد الله سبحانه وتعالى أن يسلِّي النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن يخفِّف عنه وطأة التكذيب والاختلاف ، فقال له :
 
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ
أي من قبلك ..
﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ
أيضاً .
      والإنسان حينما يدرك أن معركة الحق مع الباطل قديمةٌ قديمة ، ومستمرَّةٌ وأبديَّة يَخِفُّ عليه الأمر ، فيجب أن تفهم أن كل خلافٍبين أهل الحق والباطل فهذا الخلاف لابدَّ منه ، خلافٌ قديمٌ ، ويكون وسيبقى ، لأن الناس رجلان ؛ مؤمن وغير مؤمن ، فالمؤمن يتعاطف مع الحق ، ويؤيِّد الحق ، وينصر الحق ، ويفرح بالحق ، ويُسَر للحق ، غير المؤمن يحقد ، ويكذِّب ، ويسخر ، ويبحث عن المثالب ، يتوهَّم المثالب ، فهذا الكلام أيضاً موجَّه لكل مؤمن .
       إذا استقمت على أمر الله ، والذين حولك هجموا عليك عندما استقمت ، وندَّدوا بك ، وانتقصوا من استقامتك ، وشوَّهوا سمعتك ، وطعنوا في نواياك فهذا أمر طبيعي جداً ، لأن معركة الحق مع الباطل معركةٌ قديمة ، ومعركةٌ مستمرَّة ، أهل الحق يتعاطفون مع الحق ، وأهل الباطل يتعاطفون مع الباطل .
        لذلك أراد ربنا عزَّ وجل أن يسلِّي النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن يخفِّف عنه وطأة التكذيب ، وأن يبعد عنه الألم المُمِض الذي ألمَّ بقلب النبي عليه الصلاة والسلام ، لأنه يعلمعلم اليقين أنه على الحق المبين ، بينما كفَّار مكة يشكِّكون في هذا الكتاب ، ويستهزئون به ، ويشكِّكون في مصداقيّته ، فلذلك قال ربنا عزَّ وجل:
 
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ
أي من قبلك ..
 ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ
كما اختُلِفَ في كتابك ، أما هذه الآية :
 
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
 
 وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
 
        هذه الآية أو هذه الكلمات وردت مرَّاتٍ عديدة في أكثر من آيةٍ في كتاب الله ..
 
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
 
1 ـ معنى : لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
 
        معنى لقضي بينهم أي لعجَّل الله لهم العقوبة ، ولحَسَمَ الأمر .
 
2 ـ ما هي الكلمة التي سبقت من ربِّك ؟
 
      ما هي الكلمة التي سبقت من ربِّك ؟ هنا السؤال .
      إذا فهمنا هذه الآية فهماً دقيقاً ربَّما فهمنا أكثر الآيات التي وردت فيها هذه الكلمات ، فربنا سبحانه وتعالى خَلَقَ الخلْق جميعاً ، خلق السماوات والأرض ، وعرض على السماوات والأرض والجبال حمل الأمانة ..
﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ
(سورة الأحزاب : من الآية 72)
 
 الإنسان حمل الأمانة باختياره :
 
       الإنسان حمل الأمانة ، هذه الأمانة تؤهِّله ليكون أعلى المخلوقات جميعاً ، وأسعد المخلوقات جميعاً ، إذا حمل الأمانة ، وقام بواجب الأمانة كما ينبغي فهو أسعد المخلوقات وأرقاها قاطبةً من دون استثناء ، الأمانة نفسه التي بين جنبيه ، أوكل الله للإنسان تزكية نفسه ، وتهذيبها ، وتعريفها بربها ، وحَمْلَهَا على طاعته ، فمن زكَّى نفسه سعد في الدنيا والآخرة ، ومن أشقى نفسى ـ دسَّاها ـ شقي في الدنيا والآخرة .
       النقطة الدقيقة أن هذه الأمانة من لوازمها حرية الاختيار ، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، لو أن الله أجبر عباده على المعصية لبطل العقاب ، لأن الإنسان مخيَّر ، فهذا الاختيار أثمن ما يملكه الإنسان ، قال تعالى :
 
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
(سورة البقرة : من الآية 148)
      أنتم في الدنيا تتمتَّعون بحريَّة الاختيار ، وحريَّة الاختيار هي التي تثمِّن أعمالكم ، هي التي ترقى بكم ، هي التي تجعلكم تستحقون الجنَّة ، هي التي تجعلكم تستحقون النَعيم الأبدي ، هذه الحريَّة ـ حرية الاختيار ـ من لوازم حمل الأمانة .
     ربنا عزَّ وجل خلق الإنسان في الدنيا أعطاه مقوِّمات التكليف ، الكون ، كل ما في الكون ينطق بوجود الله ووحدانيَّته وكماله ، أعطاه عقلاً ، جهازًا استشاريًا ، قوة إدراكيَّة إذا سأله يجيبه ، أي سؤالٍ يُطرح على العقل يأتيك بالجواب المُقْنِع ، هذا إذا كان العقل عند صاحبه قائداً للحقيقة ، أما إذا استخدمه مبرِّراً للخطأ ، استخدمه استخداما معكوسا عندئذٍ يشقى بالعقل ..
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)
(سورة المدثر)
       فالعقل أيضاً من لوازم التكليف ، الكون من لوازم التكليف ، الفطرة من لوازم التكليف ، الشرع الذي جاء به الأنبياء من لوازم التكليف ، الشهوة التي أودعها الله في الإنسان من لوازم التكليف ، حرية الاختيار من لوازم التكليف ، القوة التي بها تحقِّق اختيارك من لوازن التكليف ، هذا كلُّه من لوازم التكليف . فلذلك هذه الكلمة هو أنك أيها الإنسان مكلَّف ، ومع التكليف أنت حُر ، لذلك لك أن تفعل في الدنيا ما تشاء ..
 
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ
(سورة الكهف : من الآية 29)
﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ
(سورة فصلت : من الآية 40)
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)
(سورة الإنسان)
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى
(سورة فصلت : من الآية 17)
﴿إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)
(سورة الكهف)
       فمن لوازم التكليف ، من لوازم وجودك في الدنيا أنك مخيَّر ، فالله عزَّ وجل أعطاك الاختيار وأعطاك عمرا محدَّدا ، إذاً الحساب يوم القيامة ، الفصل هناك ، الحكم بيـن النـاس ( من هم على حق ، من هم على باطل ) يوم القيامة ، هذا يوم الجزاء ، يوم الحساب ، يوم الدينونة ، يوم ..
﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ(111)
(سورة النحل)
 
 أنت في الدنيا في امتحان :
 
      إذاً لولا أن اللهسبحانه وتعالى خلقك ليسعدك ، وأعطاك فرصةً هي العمر كي تتعرَّف فيه إلى الله عزَّ وجل ، وكي تسمو بنفسك وتزكيها ، لولا هذه الأمانة التي حمَّلك الله إيَّاها ، ولولا هذا التكليف الذي كلَّفك به ، ولولا أنك مخيَّر ، ولولا أنه أعطاك عمراً محدَّداً لقضي الأمر سريعاً ، الكافر يُقصم ، والمؤمن يُكافَأ .
       تصوَّر طالبا في مدرسة ، وفي عام دراسي تسعة أشهر ، وهناك امتحان بشهر حزيران ، وبالطبع لا يوجد في النظام في أثناء العام الدراسي أن نرسِّب طالبا ، ولا أن ننجحه ، نظام الداخلي في الثانويَّة أن يقضي الطالب على مقاعد الراسة تسعة أشهر يتلقَّى العلوم من أساتذته ويدرس ، لكن متى الامتحان ؟ في الخامس من حزيران ، هذا الامتحان يكشف الطالب المجتهد من الكسول ، الجاد من المهمل ، الذي كان ينتبه من الذي كان يتلهَّى ، ولكن أن نعمل كل يوم امتحان فهذا مستحيل ، نظام الله نظَّمه ، قانون الله قنَّنه ، سُنَّة الله سنَّها ..
 
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
       فأنت الآن في بحبوحة ، ما دمت في الدنيا ففي بحبوحة ، وأنت مخيَّر ، أودع الله فيك الشهوات إما أنها سُلَّم ترقى به ، وإما أنها دركات تهوي بها ، أعطاك العقل قوة إدراكية إما أنه يقودك إلى الحق ، وإما أنك تعمله في فلسفة الانحراف،أعطاك الله الكون إما أن تنتفع منه فقط كما فعل الغربيّون ، وإما أن تهتدي به كما فعل المسلمون ، أعطاك الكون لتهتدي به إلى الله ولتنتفع به ، أما أن تنتفع به فقط ، وأن لا تفهم منه شيئاً فقط ظلمت نفسك أشد الظلم ، أعطاك عقلا ليكون هو القائد لا أن يكون هو المبرِّر لعملك ، أعطاك فطرة كي تكتشف فيها خطأك ، أما إذا طُمِسَت بالشهوات أصبحت الفطرة عاطلة عن العمل ، أعطاك شرعا كي تهتدي به لا كي تسخر منه ، أعطاك اختيارا كي تختارا الحق على الباطل ، إذاً هذه الكلمة تأتي كثيراً ..
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
 
 الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليرحمهم لا ليعذِّبهم :
 
       هناك معنى آخر أرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني من توضيحه ، ودائماً المثل يوضِّح : في النظام الداخلي للتعليم الثانوي أن كل طالب يغيب خمسة عشرَ يوماً يُفصل من الثانوية ، لو أن مديرا حريصا على طلابه حرصاً بالغاً ، رحيمًا بهم ، حريصًا على مستقبلهم ، فهل هي القضيَّة قضيَّة تنفيذ قرار ، لو غاب ثلاثون طالبًا بقرار واحد فصلهم كلهم ؟ ليست هذه هي المهمَّة ، القصد أن يتعلَّم هؤلاء ، أن يتربَّى هؤلاء ، لو أن الأمر أمر تنفيذ قرار يفصل هؤلاء جميعاً ، أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليرحمهم ، ليسعدهم لا ليعذِّبهم ، لو كان القصد أن يعذِّبهم لأهلكهم فور المعاصي ، ارتكب معصية قصمه ، وانتهى الأمر ، لو كان القصد أن الله خلقهم ليعذِّبهم ، أو ليقمعهم إذا عصوا فالقضيَّة صارت سهلة ، إلا أن الله عزَّ وجل خلق الخلق ليرحمهم ، خلق الخلق ليسعدهم ، خلق الخلق ليدلَّهم عليه ، خلق الخلق ليهديهم إليه ، لذلك الإنسان يخطئ مرَّة ، ومرَّتين ، وثلاثا ، وخمسا ، وعشرا ، ومائة ، والله عزَّ وجل يغفر له ، ويرحمه ، ويقبله .
       الشيء الذي يؤكِّد هذا المعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق ، ومعه صحابته وهم أحبُّ الخلق إلى الله ، منعهم من العمرة عام الحُديبيَّة ، لماذا ؟ لأن هناك رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لا يعلمونهم ، فلو فتحوا مكَّة ، وحاربوا قريشًا لقتلوهم ، والله سبحانه وتعالى يعلم فيهم الخير ، فهذه الآية تؤكِّد هذا المعنى ، ليس القصد أن يعذَّب الله سبحانه وتعالى عباده ، أو أن يقيم عليهم ميزان العدالة فقط ، ربنا سبحانه وتعالى يحب أن يرحمهم ، يحب أن يهديهم إلى سواء السبيل ، فلذلك الآية الكريمة :
 
﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ
(سورة هود : من الآية 119 )
       أي أنه خلقهم ليرحمهم ، وهذه الآية أصل في العقيدة ، يجب أن تعتقد أيها الأخ الكريم أن الله سبحانه وتعالى ما خلقنا إلا ليرحمنا ، وما خلقنا إلا ليسعدنا ، وما خلقنا إلا لينجِّينا من كرب الدنيا والآخرة ، لذلك تأتي المحاولات العلاجيَّة من الله عزَّ وجل .
       إذاً : لو أن الله خلقنا ليعذِّبنا فلمجرَّد أن نعصي الله عزَّ وجل يقصمنا وانتهى الأمر ، أحياناًالإنسان يقول لك : لماذا لا يتدخَّل الله عزَّ وجل ؟ هو خلقنا ، وأعطانا حرية الاختيار ، وربنا سبحانه وتعالى يريد أن يأخذ كلٌ منا أبعاده ، أن يحقِّق في الدنيا نياته ، أن تكون الدنيا ترجمةً لما ينطوي عليه الإنسان من حبٍ للحق ، أو حبٍ للباطل ، فكل إنسان له وجهة،كل إنسان له سلوك في الحياة ، إذاً:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ
       إما المعنى أنك مخيَّر ، وأنت لك عمرا محدودا ، والعقاب والجزاء والفصل أُخِّر ليوم القيامة ، هذا المعنى الأول .
      والمعنى الثاني : هذه الكلمة تعني أن الله خلق عباده ليرحمهم ، لأنه خلقهم ليرحمهم لا يعجِّل لهم العذاب ، فالإنسان الرحيم لو ارتكب هذا الشخص التابع له غلطا يستدعي العقاب والبتر والقصم يعطيه فرصة ، وفرصة ، وفرصة ، يذكِّره ، ينبهه ، يبيِّن له ، يتوعَّده ، يعده من أجل أن يعود إلى الصواب من دون أن يُسحَق ، من دون أن يصاب بالأذى .
      إذاً :
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ
لولا أن الإنسان مكلَّف ، لولا أنه مخيَّر ، لولا أن الله خلقه ليسعده س..
 
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
       هذا على حق ؛ يُكَرَّم ، وهذا على باطل يُقصم ، وانتهى الأمر ! لكن قد تجد خلاف ذلك ، قد تجد إنسانًا كافرًا وقويًا ، الله يعطيه كل أبعاده ، يعطيه كل نياته ، وقد تجد مؤمنًا مستضعفًا ، الله عزَّ وجل يمتحنه .
 
 أنت في الدنيا في دار اختيار :
 
      هناك مثل آخر ممكن يوضِّح هذه النقطة ، وهو مثل دقيق :
       لو أن صيدليًا طلب موظَّفًا ليعمل في صيدليته ، وأراد أن يمتحنه ، فوضع له مجموعة أدوية ، وقال له : ضع كل نوع من هذه الأدوية في خزانته المُناسبة ، طبعاً هناك خزانة للسموم ، خزانة للمنشِّطات ، للفيتامينات..  إلخ ، فصاحب الصيدليَّة الآن في طور امتحان هذا الموظف ، فتناول الموظف الدواء الذي هو فيتامينات ووضعه مع السموم ، لماذا سمح له صاحب الصيدليَّة أن يتوجَّه إلى خزانة السموم ، ويضع هذا الدواء في هذه الخزانة ؟ هذا الموقف موقف امتحان ، لو منعه لما ظهر ، لابدَّ منأن يمتحنه ، لابدَّ من أن يُمْسِك الدواء المتعلِّق باستطباب معيَّن ، ويتوجَّه به نحو خزانة ليست له  .
       فنحن الآن في طور الاختيار ، نحن مخيَّرون ، من لوازم التخيير أن يُسمح لنا أن نفعل ما اخترناه ، ولكن هذا ليس على حساب أحد ، فعندما يختار إنسان أن يوقع الأذى بإنسان ، الله عزَّ وجل يوجِّهه إلى من يستحقُّ هذا الأذى ..
((الظالم عدل الله في الأرض ، ينتقم به ثم ينتقم  )) .
)( من كشف الخفاء عن جابر
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)
(سورة الأنعام)
      المعنى الثالث : أي أنك الآن في طور اختيار ، فالمخيَّر يجب أن يأخذ أبعاده ، وبشكل أو بآخر ممكن أن تطيع الله إلى أمدٍ طويل ، وأن لا ترى أن شيئاً تحرَّك ؟ فقد تكون مستضعفًا ، قد تكون خائفًا ، قد تكون تعاني من مشكلات ، ومع أنك في طاعة الله الله يعطيك أبعادك ، وقد ورد في الأثر أنه :
((من أحبَّنا أحببناه ، ومن طلب منَّا أعطيناه ، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا )) .
 
 الإنسان ممتحَن في جميع موادّ الامتحان :
 
        فإما أن يُعطى الإنسان الدنيا ليُمتحن بها ، يُعطى المال ليُمتحن به ، يُعطى القوة ليمتحن بها ، يعطى العلم ليُمتحن به ، فأنت في امتحانٍ مستمر ..
 
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2)
(سورة العنكبوت)
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا
(سورة الملك : من الآية 2)
       يجب أن تؤمن أيها الأخ الكريم أنّك ما دمت فيالدنيا ، ما دام القلب ينبض ، وما دامت الرئتان تتحرَّكان ، وما دام الفم ينطق فأنت في امتحان ، تُمتحن في كل شيء ؛ تمتحن بالزوجة الصالحة ، هناك من يفسد الزوجة الصالحة ، تُمتحن بالزوجة السيِّئة ، تُمتحن بالولد البار ، تمتحن بالولد العاق ، تمتحن بالدَخل الوفير،تمتحن بالدخل القليل ، تمتحن بالصحَّة ، تمتحن بالمرض ، تمتحن بالفراغ ، تمتحن بالانشغال ، هل يشغلك عملك عن طاعة الله عزَّ وجل ؟ تمتحن بنعمة الأمن ، تمتحن ببليَّة الخوف .
       فأنت ممتحن دائماً ، أنت في الدنيا في طور امتحان ، كيف أن صاحب الصيدليَّة وضع الأدوية على الطاولة ، وقال لهذا الموظف الذي يمتحنه : ضع كل دواءٍ في مكانه المناسب لأختبر خبرتك بالأدوية ، فهو يراقب ، وقد يُخطئ الموظَّف ، وينبغي أن يُكشف على حقيقته ، قد يمسك بالدواء المتعلِّق بالفيتامينات يضعه مع السموم ، يراقبه إلى أن يضعه في هذه الخزانة يقول له : أنت أخطأت ، هنا حصل الامتحان .
       إذاً : هذه الكلمة التي سبقت من الله ..
 
 خلاصة معاني : وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
 
       المعنى الأول : أن الله خلقنا ليرحمنا لا ليعذِّبنا ، فلهذا يعطينا فرصاً تلو الفُرَص ، فرصة أولى ، ثانية ، ثالثة ، رابعة ، خامسة ، وهذا شأن الرحيم ، الرحيم يوعد وعيدًا ، لكن لأدنى اعتذار يقول له : أعطيناك فرصة ثانية ، فرصة ثالثة ، فرصة رابعة ، فرصة خامسة .
       جيء إلى سيدنا عمر رجل سارق فقال : " والله يا أمير المؤمنين هذه أول مرَّة " ، قال له : " كذبت ، إن الله لا يفضح من أول مرَّة " ، وظهر أنها المرَّة الثامنة .
     ربنا عزَّ وجل يعطي فرصًا كثيرة ، هذا المعنى الأول ، خلقك ليرحمك لا ليعذِّبك ، لذلك يحلم عليك ، لذلك يعطيك فرصةً حتى نهاية العمر ، تُب ، ارجع ، فكِّر ، دقِّق ، حقِّق ، اتعظ ، اقرأ القرآن ، اقرأ السُنَّة ، اقرأ السيرة ، شاهد المُشاهدات ، استنبط من الأحداث مواعظ ، دروسًا ، أي أن الله عزَّ وجل ما خلقك إلا ليرحمك ، إذاً يعطيك العمر كله فرصة كي تتوب إليه ، هذا سبب تأخير العقاب للآخرة ، هناك فرصة مثل العام الدراسي ، فهذا الطالب معه فرصة حتى الامتحان الأخير ، يمكن كلَّما شعر في نفسه بتقصير يمكن أن يتلافى تقصيره ، أما أن نعمل فجأةً امتحانا مفاجئا من الشهر الثاني ، فننجح ونرسب ، لا ليس هذا النظام ، النظام أن الامتحان في شهر حزيران ، هناك فرصة ، هذا المعنى .
       المعنى الثاني الذي ألححت عليه : أنك في طور الابتلاء ، الابتلاء من لوازمه الاختيار ، والاختيار من لوازمه أن تأخذ أبعادك الكاملة لأنك مخيَّر .
       المعنى الثالث : أنك مكلَّف ، أساس وجودك أنك مخيَّر ..
 
 ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ
 
 وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ
 
1ـ المنقطع عن الله أَمْيَلُ للتشكيك في الحق :
 
        دائماً المنقطع عن الله عزَّ وجل أَمْيَل للتشكيك في الحق ، أما في علاقاته الدنيويَّة فدائماً على اليقين ، يطلب عقدًا ، يطلب توثيقًا ، يطلب دليلًا ، في علاقاته الماليَّة وعلاقاته الاجتماعيَّة لا يقبل بالظن ، بل يطلب الدليل اليقيني ، أما في أمور عقيدته الخطيرة ، في أخطر شيء يتعلَّق فيه الإنسان فيبقى على الظن ، يقول لك : لا نعرف ، من مات ورجع فقال لنا ماذا حدث معه ؟ دائماً في أمور العقيدة هو أميل للظن والشك والتردُّد ، مع أن هذا ليس هو الإيمان ..
 
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا
(سورة الحجرات : من الآية 15 )
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)
(سورة التكاثر)
       قلت لكم مرَّةً : هناك علم اليقين،وهناك حقُّ اليقين ، وهناك عين اليقين . علم اليقين هو الاستنتاج القَطْعي ، وحق اليقين أن ترى بعينك هذا الاستنتاج ، وعين اليقين أن تلمس بأحاسيسك هذا الاستنتاج ، أنت قد تقول: لا دخَّان بلا نار ، عقلك حكم أن وراء هذا الجدار ناراً ، والدليل وجود الدخان ، والقاعدة : لا دخَّان بلا نار ، أما حينما التفتّ حول الجدار ، ورأيت النار بأم عينك ، دخلت في شيءٍ آخر هو حق اليقين ، أما إذا لَمَسَت يدك النار ، وشعرت بألم الحرق عندئذٍ دخلت في حالةٍ ثالثة هي عين اليقين ، فأنت بين علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين .
       أما الشك ، والرَيْب ، والتردُّد ، أضعف الأشياء هو الوهم ، ثم الشك، ثم الظن ، ثم غلبة الظن ، لكن في العقيدة لا يُقبل إلا القَطْعُ ، أي مائة في المائة ، هذه عقيدة ودين .
ِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ " .
(من صحيح مسلم عن محمدبن سيرين)
((يا ابن عمر ، دينك دينكَ ، إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا)) .
(من كنز العمال عن ابن عمر)
 
2ـ لماذا تتساهل في أمر دينك وتبحث وتسأل في أمور دنياك ؟
 
       سألني أخ كريم عن موضوع بالفقه فقلت له : هذا موضوع خلافي ، بعض العلماء تشدَّد ، وبعضهم تساهل ، فرآها فرصة رائعة جداً كي ينجو من تعذيب ضميره ، قال لي : ما القول في إنسان التقى بعالمٍ متساهل ، وسأله عن هذا الموضوع فأفتى له بالتساهل ، فهل عليه إثم ؟ فألهمني الله جواباً على السريع ، فقلت له : ما قولك لو أن لك بيتاً أردت أن تبيعه ، جمعتكالصُدَف بدلاّل أعطاك له ثمناً ، هل تبيعه رأساً أم تسأل دلاّلا ثانيًا ، وثالثًا ، ورابعًا ، وخامسًا ، وتمتحن الأسعار ، وتمضي في جولة في السوق ، وتطلب بيتا مشابها لبيتك ؟ لماذا في أمر بيع البيت لا يكفيك دلال واحد ، ولا مشترٍ واحد ، بل تتقصَّى الحقيقة من كل جوانبها ؟ أتكون هذه الدار أغلى عليك من الدار الآخرة ؟ لماذا في أمر الدين نقبل الظن ، والتردُّد ، والشك ، يقول لك : شيءٌ يحيِّر ، لا أحد يعرف شيئا ، كلهم يدَّعي أنهم على حق ، وأنت أين موقعك من هؤلاء ؟ فالإنسان يجب أن لا ينام الليل قبل أن يعرف الحقيقة المطلقة ..
 
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ
        حالة الكافر حالة شك ، جئت لا أعلم من أين ، ولكني أتيت ، كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدري ؟ ولماذا لست أدري ؟ لست أدري ، أي أن حياة الكافر ليس يدري ، لكن حينما يرى الحقيقة الناصعة عندئذٍ يعضُّ أصابعه ندماً ، كان من الممكن أن يدري ، وبإمكانه أن يدري .
      هناك سؤال ، الإنسان وصل إلى لقمر ، هل تعرفون ما معنى أنه وصل للقمر ؟ أي أن علم البشريَّة منذ فجر التاريخ حتى الآن تراكم وتراكم وتراكمَ ، الفيزياء ، والكيمياء ، والرياضيات ، والحاسوب ، والعدسات ، وعلم الطب ، والفسيولوجيا ، علم البشرية المتراكم منذ فجر التاريخ هذا العلم تراكم ، وسمح للإنسان أن يصل بمركبةٍ إلى القمر .
      الإنسان غاص في أعماق البحار ، أي أنه صنع غوَّاصات تقاوم ضغوطًا هائلة ، فالغواصات العاديَّة بعد مائتي متر تتحطَّم ، صنع غوَّاصات أبحاث يمكن أن تصل إلى خليج مريانة في المحيط الهادي على عمق اثني عشر ألف متر ، ليرى الأسماك ، والحياة في أعماق البحار ، ووصل إلى القمر ، و غاص لأعماق البحار ، ونقل الصورة ، ونقل الصوت ، فلا يغيب عنكم ما وصل للإنسان من تقدُّم علمي ، أتتصوَّر أن الإنسان يوم القيامة إذا وقف بين يدي الله عزَّ وجل ، يمكن أن يقال لهذا الإنسان : لو استعملت من عقلك واحد بالمليون مما استعملته لدنياك لعرفتني ، تجد كل اختراع شيئا يعجز عنه البشر مجتمعين ، فهناك إنجازات علمية كبيرة جداً ، فهل من السهل أن تضرب على حرف ضربة بنصف الثانية تكون في اليابان ؟ التلكس مثلاً ، هل الفاكس سهل ؟ نقل الصورة ، نقل صورة ملوَّنة ، الهاتف التلفزيوني سهل ؟ توجد أشياء كثيرة جداً ، لو أن الإنسان استخدم واحدا بالمليون من عقله في معرفة الله لعرف الله .
      الإنسان تقام عليه الحجَّة ، في أمور دنياه صاحٍ ، واعٍ ، سريع البديهة ، يتفحَّص ، يسلك الأسلوب العلمي ، يتحقَّق في أمور دنياه ، لماذا في أمور الآخرة تترك الأمر على عواهنه ؟ لا تتحقَّق من كلام خطيب يلقي خطبة ، قد يكون كلامًا خطيرًا جداً يضعك أمام مسؤولياتك ، فتجده يقول :  الله يعفو عنَّا ، وهو مقيم على مخالفاتٍ لا ترضي الله عزَّ وجل .
      فلذلك دائماً أقول لكم أيها الإخوة : قضيَّتك مع الإيمان قضية وقت فقط ، لأن الإنسان حينما يأتيه ملك الموت تُكْشَف له الحقائق ..
 
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)
(سورة ق)
       لكن هذا الكشف لا ينفعك إطلاقاً ، هذا جاء بعد فوات الأوان ، جاء في الوقت غير المناسب ، ولو كان الإنسان كافراً كفرعون عند الموت يؤمن كما آمن فرعون ..
 
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ{90} آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
(سورة يونس)
      ما قيمة الإيمان عند الموت ؟ لا شيء . ما قيمة الإيمان بعد فوات الأوان ؟ لا شيء ، فنحن مطالبون أن نؤمن ، ونحن في مقتبل حياتنا ، نحن مطالبون أن نؤمن ونحن أصحَّاء ..
((اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك " .
(ابن أبي الدنيا)
       الآن:
 ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
 
 مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
 
حينما تؤمن بالله تنفع نفسك :
 
        هذه نقطة دقيقة جداً جداً ، أي أنك حينما تؤمن بالله تنفع نفسك ، حينما تعرف منهج الله عزَّ وجل تُسعد نفسك ، تنجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة  ..
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا
       إن الإنسان إذا كان عنده مركبة غالية جداً ، وبلورها ثمنه ثمانون ألفًا ، فأمسك بحجر وكسر البلور الأمامي ، فهو يكون أذى من ؟ انتقم ممّن ؟ يكون أحمقً ..
 ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ
       تجد كثيرًا من الأشخاص يقولون لك : لأن فلان في الجامع لا أريد أن أذهب إلى الجامع ، هذا حمق ، ما علاقة فلان بالدعوة إلى الله ؟ فلان أساء لك في المسجد ، دعه فأنت تبتغي مرضاة الله عزَّ وجل،أشخاص كثيرون لسببٍ تافه يتركون الصلاة ، فقد يقول : يا أخي واحد يصلي كذَّب عليَّ ! هذه الصلاة باطلة فلن أصلي ، فهذا كلام حمق بحمق ..
 
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
هذه اللام سبحان الله لام الملكيَّة ، شيء الثمين يُمَلَّك ، أما على فشيء يسحق ..
 
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ
جوهرة ثمنها مائة مليون يقول لك : هذه لك ، هذه لام الملك ..
﴿وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا
تصوَّر الإساءة كتلة من الباطون زنتها خمسة طن تهوي فوق إنسان..
 
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ
لام الملك مثل من معه جوهرة ثمنها مائة مليون ، هذه لك ، هذه ملكك ..
﴿وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا
ومن أساء صخرة كبيرة تهوي على إنسان ..
 
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
 
 وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
 
1 ـ الله نفى الظلم عن نفسه :
 
        أقول لكم أيها الإخوة : الآيات التيتنفي عن الله الظلم هذه آيات في القرآن الكريم ، والقرآن قطعي الثبوت ، والآيات قطعيَّة الدلالة ، فإذا آمن الإنسان بالله من خلال الكون ، وآمن بالقرآن من خلال إعجازه ، وآمن بالنبي من خلال كتاب الله عزَّ وجل ، وهذا يجري كله بعقله ، إذا جاء في كتاب الله آياتٌ تنفي عن الله الظلم فيجب أن تعتقد بها اعتقادك بوجودك ، وإلا ففي الإيمان خلل .
 
 لا تستطيع أن تُثْبِت عدالة الله بالدليل المادي :
 
        أما أن تقول : الزلزال الفلاني ، والفيضان الفلاني، والشعب الفلاني يموت من الجوع ، والشعب الفلاني مستغل من قِبَل الشعب الفلاني ، والحرب الأهليَّة في المكان الفلاني ، لا تستطيع أن تُثْبِت عدالة الله بالدليل المادي إلا إذا كان لك علمٌ كعلم الله ، وهذا مستحيل ، لكن الله أخبرك أنه لا يظلم مثقال ذرَّة ، وانتهى الأمر .
        لا تسلك طريق معرفة الله من خلال الحوادث ، هذه ألغام قد تنفجر ، اسلك سبيل معرفة الله من خلال الكون ، الكون أسلم ، وهو طريق آمن ، واعرف الله من خلال الكون ، وصدِّقه حينما يقول لك :
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
      من خلال القرآن الكريم ، تتوازن ، أما إذا كنت تريد أن تتأمَّل بما يجري في الأرض ، فالله له علم نحن لا نعلمه ، وله حكمةٌ قد تخفى علينا ، وله مقاصد لا نعلمها ، لكن الزمن يكشفها ، ربنا عزَّ وجل يعالج ، فقد يعالج شعوبًا بأكملها ، يعالج مؤمنين مُقَصِّرين ..
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)
( القصص : الآية 5 – 6 )
       فالله له حكمة ، وأنت لا ينبغي أن تتعرَّف إلى الله من خلال أفعاله ، هذه قد تلتبس عليك ، اعرف الله من خلال خلقه ، فهذا طريق آمن ، أما إذا رأيت في الأفعال ما يوقعك في اللبس فاقرأ هذه الآيات  :
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
        وانتهى الأمر ، هذا كلام خالق الكون ، هذا الكلام إذا وجدت فيه شكًا فجدِّد إيمانك بالقرآن ، وإلا جدِّد إيمانك بالله عزَّ وجل ، أما إذا كان إيمانك بالله يقينيا ، وبالقرآن يقينيا ، وبالنبي يقينيا فهذا كلام الله ..
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
 
2 ـ معنى ظلاّم :
 
       هناظَلاَّم ليس معناها اسم مبالغة ، فلو أنها اسم مبالغة لوقعنا في مشكلة ، هو ليس بظلام ، فهل هو ظالم إذاً ؟ لا ، معنى ظلام أي ليس بذي ظلمٍ ، ليست صيغة مبالغة ، بل هي اسم من أسماء الله ، ننفي عن الله عزَّ وجل صفة الظلم فقط ، ليس بذي ظلم .
     لا بأس أن نعيد هذه الفقرة مرَّةً ثانية لأهميَّتها وخطورتها :
 
  العقل محدود :
 
        الإنسان أيها الإخوة أعطاه الله عقلاً ، وبثَّ الله آياته في الكون ، فبإمكانه أن يوقن بشكلٍ قطعيٍ بوجود الله وكماله ووحدانيَّته بالعقل ، وإذا قرأ القرآن بإمكانه أن يوقن من خلال عقله فقط أن هذا الكلام كلام الله ، عن طريق إعجازه ، وبإمكانه أن يوقن أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم هو رسول الله من خلال هذا الكتاب ، هناك أدلَّةٌ عقليَّة ، يقينيَّة ، قطعيَّةٌ ، ثابتةٌ لا مجال للشك فيها .
       بالعقل يكفي كي تؤمن به وبكتابه وبنبيِّه ، لكن العقل يبقى جهازاً محدوداً ، أنت عندك بقاليَّة ، تشتري ميزانًا بخمسمائة ألف ، حسَّاسا ودقيقا جدا ، فيه ذاكرات ، أحدث ما صُنِع للموازين ، ومع ذلك هذا الميزان يزن حتى خمسين كيلوا ، الصانع صمَّمه هكذا ، فمادام الوزن أقلّ من خمسين يعطيك نتائج بارعة وباهرة ، أما لو سوَّلت لك نفسك أن تزين به سيَّارتك لكسَّرت الميزان وحطَّمته ، وعندئذٍ لا ينبغي أن تتهم الصانع : أن يا أخي ما هذا الميزان ، فهو لم يعمل ؟ أنت كلَّفته ما لا يطيق ، كلَّفته بمهمَّةٍ لم يُصمَّم لها .
        فعقلك إذا وجَّهته لموضوعات ضمن اختصاصه يعطيك نتائج باهرة ، أي أنك إذا فكَّرت في الكون فالله عزَّ وجل قال :
 
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)
(سورة آل عمران)
      الله أمرنا أن نفكِّر في الكون ، هذا من مهمَّته ، قال لك :
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)
(سورة محمد)
      مهمة العقل ، اقرأ وتدبَّر ..
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ
(سورة المؤمنون : من الآية 69 )
      تفكَّر بالنبي الكريم ، بمعجزاته ، بأخباره ، بأخلاقه ، بما جاء به من سنةٍ نبويَّةٍ محكمةٍ رائعةٍ مدهشة .. إلخ ، لكن لو كلَّفت العقل ليبحث في ذات الله فإنك تحطِّمه ، لأنه لم يصمَّم ليبحث في ذات الله ، قال عليه الصلاة والسلام:
((تفكروا في خلق الله ، ولا تفكروا في الله فتهلكوا )) .
)(من التفسير بالمأثور عن يونس بن مسيرة
 
 الموضوعات الغيبية أساسها التصديق بالنص الصحيح لا العقل :
 
      تماماً كما لو أننا اشترينا ميزانا ثمنه نصف مليون ليرة حسَّاس جداً ، ووزنا فيه السيارة فحطَّمناه ، تماماً كما لو وقعت ورقة دخينة رقيقة في فرن صهر الحديد ، وسألت : ما الذي حدث لها ؟ هذه من الوهج تبخَّرت ، فعندما توجِّه عقلك لمعرفة ذات الله تعجز ، والشيء الذي يعجز عنه عقلك أخبرك الله به في القرآن ، وأنت له مرتاح ، لو وجَّهت عقلك إلى البحث في الماضي السحيق ، الله قال :
 
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
(سورة الكهف : من الآية 51)
      ما كانوا معي وقتها ، لو وجَّهت عقلك للبحث في المستقبل البعيد فقلت : أنا أريد دليلا قطعيا على الجنَّة ، والجنة ، والنار ، والصراط ، والميزان ، هذه أخبارٌ قطعيَّة الثبوت جاءت في كتاب الله ، لكن لا يستطيع عقلك أن يثبتها بالمادَّة ، مستحيل،إلا بالتصديق  ..
       أيها الأخ الكريم ... يجب بادئ ذي بدء أن تفرِّق بين ما ينبغي أن تعمل عقلك به وبين ما ينبغي أن تصدِّقه ، وأكبر غلط حينما تنقل موضوعًا من الذي ينبغي أن تصدِّقه إلى حقل العقل ، فتقع في متاهات كبيرة .
      أنا عندي قاعدة : هذا الموضوعإخباري انتهى الأمر ، لست مكلَّفاً أن تصدِّقه إلا بعد أن تؤمن بالله وكتابه ورسوله ، إذا آمنت بالله وبكتابه وبرسوله الآن أنت مكلَّف أن تصدِّقه ، فإن لم تصدِّقه فارجع إلى إيمانك ففيه خلل ، لذلك عندنا أخبار في القرآن هذه ليست خاضعة إلا للتصديق ؛ فالله عزَّ وجل أخبرك عن الجن ، فهل عندك دليل مادي على وجودهم ؟ لا ، أخبرك عن الملائكة ، أخبرك عن مستقبل العالم ، أخبرك عن يوم القيامة ، أخبرك عن حال أهل النار ، عن حال أهل الجنَّة ، عن الصراط ، عن الميزان ، عن يوم تُنشر الصحف ، هذه كلُّها موضوعات إخباريَّة لا تخضع لمناقشة العقل .
      والماضي السحيق ؛ كيف خلق آدم ، وكيف خلق حواء ، وكيف أخرجهما من الجنَّة هذا موضوع إخباري لا يخضع لسيطرة العقل .
      وذاته العالية العظيمة الكاملة هذا موضوع إخباري لا يخضع لسيطرة العقل ..
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(7)
( سورة المجادلة )
      كيف يعلم ؟ هذا ليس شغلك ، أخبرك أنه يعلم وانتهى الأمر ، فنحن يجب أن نفرِّق بادئ ذي بدء بين الموضوعات العقلانيَّة التي ينبغي أن يعمل بها العقل ، والموضوعات الإخباريَّة التي ينبغي أن يصدِّقها العقل ، لكن أنت لست مكلَّفًا أن تصدِّق إلا بعد أن تؤمن،فأنت اجعل همَّك الأول أن تؤمن بالله بوجوده وكماله ووحدانيَّته ، وأن تؤمن بكتابه المُعجز ، وبنبيِّه المرسل .
       أي موضوعٍ لا يخضع لعقلك أخبرك الله عنه ، فلو قلت : يا أخي أنا عندي هذا الميزان ، وعندي هذه المركبة ، ونريد أن نعرف وزنها ؟ اسأل الصانع،وأساساً وزنها مكتوب عليه ألف ومائتان وثمانية وثلاثون كيلوا على لوحة مثبَّتة على المركبة ، انتهى الأمر ، هذا وزنها ، أنت تستخدم الميزان للبقاليَّة ضمن خمسين كيلوا ، أما هذه المركبة فتأخذ وزنها من المعمل ، أما أن تحاول وزن المركبة بهذا الميزان تكسره ، تحطِّمه ، عندئذٍّ لا ينبغي أن تتهم العقل : يا أخي العقل قاصر ، لا ليس قاصرا ، هو يعطيك أرقى النتائج إذا أعملته في الحقل المخصَّص له .
      إذاً الله عزَّ وجل قال :
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
       لو ترى بعينك مليون قصَّة فيها ظلم ، القرآن أثبت هذه القصص لا تعرفها ، أنت تعرف منها قصَّة اثنين أو ثلاثا،كل قصَّة فيها خمسة فصول ، فيها عشرة فصول ، إذا عرفت أول فصل لا يكفي ، الثاني لا يكفي ، الثالث لا يكفي ، الرابع ، الخامس ، السادس ، السابع ، الثامن ، لو عرفت تسعة فصول لا تستطيع أن تحكم على هذه القصَّة فيها عدل أم ظلم ؟ ما دام ليس لديك إمكانيَّة أن يكون لك علمٌ كعلم الله ، لا تستطيع إثبات عدالة الله إلا إذا كان لك علمٌ كعلمه ، لأن ربنا عزَّ وجل قال :
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17)
(سورة الإسراء)
       مرَّة ـ هذه القصَّة أحب أن أذكرها لأنها واضحة جداً في دلالتها ـ استوقفني إنسان ، اثنان تخاصما في سوق تجاري ، واحد أطلق على الثاني النار فأصاب صاحب محل تجاري بريء ، مدَّ رأسه ليعرف من أين إطلاق النار فجاءته رصاصة في عنقه فجعلته مشلولاً فوراً ، فقال لي أحدهم : ما ذنب هذا الإنسان ؟ جاء ليفتح محلَّه التجاري فإذا بهذه الرصاصة تجعله مشلولاً ، قلت : الله أعلم ، أما ربنا عزَّ وجل ..
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
        بعد عشرين يوماً لي صديقٌ يسكن في أحد أحياء دمشق له جار ، هذا الجار وصيٌ على أموال أولاد أخيه اليتامى ، وقد أكل من أموالهم مبلغاً ضخماً يكفي ثمن بيت ، واحتكموا لأحد علماء دمشق الأكارم الذي توفَّاه الله قبل أعوامٍ ثلاثة ، قال هذا العالم لمن اشتكى على هذا الوصي : لا تشتكوا على عمِّكم ، هذا عارٌ بكم ، اشكوه إلى الله عزَّ وجل .
       هذا الكلام تمَّ في الساعة الثامنة مساءً ، وفي صبيحة اليوم الثاني هو نفسه الشخص الذي فتح محلَّه التجاري ومدَّ رأسه ، فجاءت رصاصة وجعلته مشلولاً ، فإذا نظر الرجل ببساطه للأمر يجد أنه ما فعل شيئًا ، جاء ليفتح محلَّه التجاري ، وأودت به هذه الرصاصة ، وجعلته مشلولاً ، لو عرفنا ماذا فعل مع أولاد أخيه قبل يوم ، وكيف أنه أصرَّ على أن يأكل أموالهم بالباطل ، وأنه أبى أن يسمع لنصيحة العلم لعرفنا الحقيقة .
 
 خاتمة :
 
         أنت لا تعرف ، لو عرفت من قصة خمسة فصول فهناك خمسة آخرين ، عرفت ستة بقي أربعة ، سبعة بقي ثلاثة ، ثمانية بقي اثنان ، تسعة بقي واحد ، قد يكون السر كامنا في آخر فصل ، لأنك لا تعرف ، فأنت عشرات الآيات ، بل بضع عشرات تؤكِّد لك أن الله لا يظلم:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)
(سورة الزلزلة)
﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا(77)
(سورة النساء)
      خيط في النواة بين فلقتيها ..
 
﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(124)
(سورة النساء)
     يوجد رأس مدبَّب في نواة التمرة ، لا يظلمون مقدارا :
﴿ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)
(سورة فاطر)
      غشاء رقيق شيء لا يُذكر لا قيمة له ، في هذا المستوى ..
 
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47)
(سورة الأنبياء)
      من لوازم إيمانك بالله أن تؤمن بعدالته المُطلقة ، أما إذا رأيت شيئاً لا تعرف تفسيره أوكله لله عزَّ وجل ، هكذا المؤمن .
      فلدينا موضوعات في العقيدة موضوعات عقلانيَّة تخضع للعقل ، وهناك موضوعات إخباريَّة ، فالشيء الذي يعجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ، فإن لم تصدِّقهفجدِّد إيمانك بالله ، وجدِّد إيمانك بالكتاب ، وإيمانك بالرسول.
      فإذا سمحت لعقلك أن ينتقد خبرًا يقينيًا جاء في كتاب الله ، فمشكلتك مع نفسك ، عندئذٍ جدِّد إيمانك بالله أولاً ، وإيمانك بالكتاب ثانياً ، وإيمانك بالنبي ثالثاً .
 
والحمد لله رب العالمين
 
 
 
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب