سورة فصلت 041 - الدرس (4): تفسير الأيات (23 – 29)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة فصلت 041 - الدرس (4): تفسير الأيات (23 – 29)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة فصّلت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة فصلت ـ (الآية: 23 - 29)

26/12/2012 16:14:00

سورة فصلت (041)
 
الدرس (4)
 
تفسير الآيات: (23-29)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
        أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع من سورة فصِّلت ، ومع الآية الخامسة والعشرين ، وهي قوله تعالى :
 
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ
وقبل هذه الآية حينما قال الله عزَّ وجل :
  ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ{19} حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{20} وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{21} وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ 
دقِّقوا في هذه الآية:
 
﴿وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ{22} وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ
 
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ  
 
1 ـ الجاهل يظن بالله غير الحق :   
 
ماذا نفهم من هاتين الآيتين ؟ أن الإنسان إذا ظنَّ بالله غير الحق ، فهذا الظن قد يُرديه ، ويهلكه ، ويوصله إلى النار .
       فالجاهل أيها الإخوة جعبته ممتلئةٌ بالمعلومات ، لكن هذه المعلومات ليست صحيحة ، والإنسان أحياناً يتوهَّم أنه يعرف ، وهو لا يعرف ، يظن بالله غير الحق ظن الجاهليَّة ، يظن أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان كافراً ، وهذا الإنسان لا جريرة له بهذا الكفر ، لكن الله قدَّر عليه ذلك ، خلقه كافراً ولمَّا جاء إلى الدنيا نفَّذ مشيئة الله عزَّ وجل ، ثمَّ استحقَّ النار إلى الأبد ، وهذا الظن بالله هو الذي يُردي صاحبه ، فالإنسان يجب أن يدقِّق في عقيدته ، لعلَّ في عقيدته بعض الظن السوء بالله عزَّ وجل ، والله عزَّ وجل يقول :
 
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
(سورة الأعراف : من الآية 180)
       فالإنسان عليه أن يراجع ما تسرَّب إلى عقله من عقائد زائغة ، أو عقائد فاسدة ، وليجعل من هذه الآية الكريمة :
 
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا
(سورة يونس : من الآية 44)
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
(سورة العنكبوت : من الآية 40)
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)
(سورة الزلزلة)
 
2 ـ الجاهل يظن أن الله لا يعلم ما يفعله العبادُ :     
       النقطة الدقيقة هنا أن الإنسان إذا عصى الله عزَّ وجل فقد يتوهَّم أن الله لا يعلم كثيراً مما يعمل ، وربنا عزَّ وجل يقول:
 
﴿وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :
((أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان )) .
)( البيهقي في شعب الإيمان عن أبي أمامة
ولذلك جعل الله علَّة السماوات والأرض أن تعلم أن الله يعلم .
أنت إذا علمت أن إنساناً قوياً يعلم فإنك تنضبط ، وهو إنسان من جلدتك ، وهو ضعيف مثلك ، وسيموت مثلك ، لكنه الآن أقوى منك ، إذا علمت أنه يعلم، وهو قادرٌ على أن يفعل ما يفعل فأنت لن تعصي هذا الإنسان ، فكيف إذا علمت أن الله يعلم ؟ وأنت مكشوفٌ أمام الله عزَّ وجل ، لا تخفى عليه خافية .
دقِّقوا في هذه الآية :
﴿وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ{22} وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ
 
3 ـ العقيدة الفاسدة أحدُ أسباب الهلاك :     
هذا الظن السوء بالله ، أولاً : أن الله لا يعلم ، أو أن الله لا يعلم كثيراً مما نعمل ، ولا يوجد إنسان يرتكب المعصية وهو ضعيف الإيمان إلا ويتوهَّم أنه ذكيٌ بهذا ، ولو أنه علم أن الله يعلم ، وسيحاسب لم يعد ذكياً ، بل ظهر غبيا ، بل من أغبى الأغبياء ، فإذا أيقنت أن الله يعلم ، وسيحاسب فلن تجد أنك أفلحت بالمعصية ، ولن تجد أنك ربحت بالمعصية .
إذاً أحد أسباب الهلاك عقيدةٌ فاسدةٌ بالله عزَّ وجل أو أن لا تعتقد الكمال المُطلق بالله عزَّ وجل ، أو أن تظنَّ أن الله لا يعلم ، أو أنه إذا علم لا يحاسب ، إذا أسأت الظنَّ بأسمائه الحسنى ، أو بعلمه ، أو برحمته ، أو بعدالته ، أو باليوم الآخر ، أو بأنه لا شأن له بما يجري في الأرض ، الله عزَّ وجل يقول :
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ
(سورة الزخرف : من الآية 84)
النقطة الدقيقة جداً هنا أنك إذا ظننت أن الله لا يعلم فقد ترتكب المعاصي ، ولن يرتكب أحدٌ المعصية إلا إذا ظنَّ أن واضع هذا القانون غير موجود ، فمتى تتجاوز الإشارة الحمراء ؟ الساعة الثالثة ليلاً ، لماذا ؟ لأنه ليس هناك شرطة ، فالذي وضع قانون السير لا يعلم من يخالف في هذا الوقت ، إذاً الإنسان يخالف ، أما إذا علمت أن الذي وضع هذا القانون يعلم فلا يمكن أن تخالف ، هذا مع إنسان ، فكيف مع الواحد الديان ؟ هذا مع إنسان من بني البشر ، لكنه أقوى منك قليلاً ، وبإمكانه أن يوقع بك الأذى كثيراً أو قليلاً ، ومع ذلك فأنت لا تعصيه ، قال :
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ
 
لو استعرضنا بعض العقائد الزائغة أن الإنسان قد يفعل ما يفعل ، وقد يرتكب ما يرتكب ، وقد يرتكب حتى الكبائر ، لمجرَّد أنه منتسبٌ إلى هذه الأمَّة الإسلاميَّة فسوف تناله شفاعة النبي ، انتهى الدين كله ، هذه إحدى العقائد الزائغة ، شفاعة النبي حق ، ولكن ليست بهذه الصورة الساذجة ، ليس النبي يشفع لمن مات مشركاً ، لا ينال شفاعة النبي إلا من مات غير مشرك ، أو مات مخلصاً ، أو طائعاً .
        الآن :
﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ
 
 فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ
 
1 ـ لا صبْرَ على النار :     
 
       الصبر في الدنيا ينتهي إلى الفرج ، فالإنسان يتحمَّل بعض المتاعب على أمل أن يناله الفرج ، ولكن الصبر على النار ليس بعده إلا النار ، وهذا الصبر الذي لا شيء وراءه ..
 
﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ
هناك إنسان ساقوه للإعدام فهل يرغب أن يصبر أو لا يصبر إذ لابدَّ من أن يُعدم ، هل يضحك ؟ أو يبكي ، أم يتوسَّل ، أم يتماسك ، أم يتحدَّى ، أم يشتم ، كله سواء ، وصل إلى الطريق المسدود ، فأخطر شيء أن يصل الإنسان مع الله إلى طريقٍ مسدود .
قال :
 
﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ
 
2 ـ لا عتاب بعد الموت :    
العتاب ينقطع ، لماذا ؟ أنت تعاتب من ترجو فيه الخير ، وأنت تعاتب من ترجو فيه الصلاح ، ولكن إذا مات الإنسان وخُتِم عمله ، وضيَّع الآخرة الثمينة بالدنيا تافهة ففرص الخلاص انتهت ، وفرص النجاح انتهت ، وفرص المغفرة والتوبة قد انتهت ، فالعتاب لا معنى له .
      أحياناً تلاحظ أبًا حينما يتلقَّى نتيجة ابنه أنه راسب انتهى العتاب،قد يعاتبه قبل الامتحان لعلَّه يضاعف جهوده ، قد يعاتبه في الوقت المناسب لعلَّه يتدارك النَقص ، أما حينما يقدِّم الامتحان ويرسب ، فهذه السنة الثانية في الرسوب ، ولابدَّ له من أن يُفْصَل من هذه المدرسة ومن كل المدارس فقد يسكت الأب ، لا لأن ابنه لم يفعل شيئاً، بل لأن العتاب لا يجدي ولا ينفع .
 
﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ{24} وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ
 
 وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء
 
1 ـ إمّا ملَكٌ يلهم الخيرَ ,غمّا شيطان يوسوس :     
 
الحقيقة أن الإنسان إما أن مَلَكَاً يُلهمه رشده ، أو أن شيطاناً يوسوس له ، شاءت حكمة الله عزَّ وجل أن يجعل لهذا الإنسان مَلَكَاً يلهمه الخير وشيطاناً يوسوس له الشر ، وهو مخيَّر ، فلا الشيطان يستطيع أن يفعل به شيئاً إلا أن يوسوس .
 
2 ـ لا سلطان للشيطان على أحدٍ :   
 
أدق آية في هذا الموضوع تكشف لنا حقيقة هذه الآية ، والقرآن كما تعلمون سُمِّيَ بالسبع المثاني ، أي أن كل آيةٍ تنثني على أختها فتفسِّرها ..
 
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ
(سورة إبراهيم  : من الآية 22)
       كل إنسان يرتكب معصية ويقول : الله يلعن الشيطان ، فهو إنسان جاهل لأن الله سبحانه وتعالى يبيِّن هذه الحقيقة الخطيرة :
 
﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ
      هناك إنسان نزل في حفرة من المياه السوداء ، ويرتدي أجمل الثياب البيض ، والمياه سوداء ـ مياه مجارٍ ـ فذهب إلى المخفر ليشتكي على من كان السبب ، سأله المحقِّق : الرجل دفعك إلى هذه الحفرة ؟ قال : لا والله ، قال له : شهر عليك مسدَّساً ، وقال لك : انزل ؟ قال : لا والله ، لم يفعل هذا ، قال له : لمَ تشتكي عليه ؟ قال : قال لي : انزل فنزلت ..
 
﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ
(سورة إبراهيم  : من الآية 22)
       إذاً :
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
 
3 ـ فلسفةُ المعصية وتزيينُها :      
 
       الشيطان يزيِّن ، لكن من هو أشقى الناس ؟ هو الذي يستجيب لهذا التزيين ، ويظن أنه يُحسن صنعا .
الحقيقة عندنا إنسانان يرتكبان معصية ؛ واحد يرتكب المعصية وهو متألِّماً أشد الألم ، نادماً أشد الندم ، منزعجٌ أشدَّ الانزعاج ، وإنسان آخر يرتكب المعصية ، ويظن أنه يُحسن صنعاً بها ، يظن أن الحياة هكذا ، وهذا مذهب ، هكذا الواقعيَّة ، والحضارة ، هكذا الرُقِيّ ، فأخطر إنسان هو الذي ماتت منه القيَم ، وخَفَتَ في نفسه صوت الضمير ، فإذا فعل معصيةً ، أو ارتكب مخالفةً ، أو وقع في انحطاطٍ معيَّن يظن أنه يحسن صنعاً ، لهذا فربنا عزَّ وجل قال :
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)
(سورة الشمس)
      فالإنسان مفطور فطرةً حيث لو اتقى الله لعرف أنه يتقي الله ، ارتاحت نفسه ، اطمأنَّ قلبه ، ولو أنه ارتكب معصيةً لشعر أنه قد عصى ، شعر أنه قد فجر ، وهذا من فضل الله علينا ، ومن أكبر النِعَم على بني البشر أن الله فَطَرهم فطرةً عالية حيث لو فعلوا معصيةً ، أو ارتكبوا إثماً ، أو أساءوا ، أو أوقعوا الضرر بالناس لشعروا بانقباض ، هذا معنى :
 
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)
     وأشقى من ذلك من خفت في نفسه صوت فطرته ، فإذا فعل السيِّئات يقول : ماذا فعلت ؟ هذا أشقى الناس ، مَن طُمِسَت فطرته ، وخفت صوت ضميره ، وانقلبت موازينه ، فبدل انه إذا عصى الله عزَّ وجل يتألَّم ، ولعلَّ هذا الألم يحمله على التوبة ، يفتخر ، ويظن أنه يحسن صنعاً ، هذا الإنسان بلغ الحضيض ..
 
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
      فالشيطان يزيِّن ، والمَلَك يُلْهِم ، والسعيد من أصغى إلى صوت الملك فاتبع رُشْدَهُ ، والشقي من استجاب إلى وسوسة الشيطان فسلك في طريق الهلاك .
 
4 ـ استعذ بالله فيخنس الشيطانُ الرجيم :    
 
أنت مخيَّر ، والشيطان ليتكلَّم ما شاء ، لكن ليس له عليك من سلطان ، ولا يستطيع الشيطان أن يفعل معك شيئاً إلا أن يوسوس ، وأنت بهذه الوسوسة تُمتحن ، فإما أن تستجيب لها ، وهذا من اختيارك ، ومن ضعف نفسك ، وحبِّك للمعصية ، ورغبتك في اقتراف الإثم ، وإما أن لا تستجيب فيخنس ، وسمي الوسواس الخنَّاس ، لمجرَّد أن تقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يخنس الشيطان ، فالشيطان ضعيف جداً لا يملك إلا أن يوسوس ، والوسواس الخنَّاس لا يحتمل أكثر من كلمة أعوذ بالله ، لا يحتمل أكثر من كلمة خَسِئْتَ يا شيطان ، وانتهى الأمر ، لكن من كان في نفسه مرض ، ومن أراد المعصية ، والإغواء ، والخروج عن منهج الله يتوافق خروجه مع وسوسة الشيطان ، فأنا أعتقد من خلال آياتٍ كثيرة أن الشيطان لا يستطيع أن يضلَّ أحداً ..
 
﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ(27)
( سورة ق )
        عملية توافق فقط ، فالشيطان وسوس ، والذي يستجيب لوسوسته هو على شاكلته ، لأنه يرغب بهذا العمل ، والدليل الشيطان يوسوس لمائة إنسان ، المؤمن لا يستجيب له والفاسق يستجيب  .
       دعونا من الشيطان ، رفيق سوء في مدرسة ، في هذا الصف طلاب تربيتهم راقية ، ورفقاء السوء لا يستطيعون أن يفعلوا معهم شيئاً ، لكن رفيق السوء من الذي يُغويه ؟ من كان على شاكلته ، ومن كان عنده استعداد للغواية ، ولتشرد هذا اقترف المعاصي ، فيجب أن تعتقد أنه لا يستطيع أحد أن يضلَّ أحدًا ، يجب أن تعتقد أن أحداً لا يستطيع أن يغوي أحداً ، يجب أن تعتقد أن أحداً لا يستطيع أن يفسد أحد ، ولا يفسد الشيطان إلا من هو فاسدٌ في الأصل ، ولا يغوي إلا الغاوي ، ولا يدفع إلى ارتكاب الإثم إلا الآثم ..
 
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
 
5 ـ الغفلة باب عظيم يدخل منه الشيطان :   
 
       أحيانا إن لم ينظِّف الإنسان بيته تنظيفاً تاماً فهناك حشراتٌ مزعجة ، وهذه الحشرات لها وظيفة ، الرَدْع ، فالإنسان إذا ترك نفسه بلا تعلُّم ، وبلا طالب علم ، وبلا إيمان فالشيطان جاهز ، وله دور أنك إذا لم تسعَ إلى الله سعياً حثيثاً فقد يظهر قصورك الشيطان ، والذباب أحياناً يظهر قصور أهل البيت في تنظيفه ، ولمجرَّد أن يبقى على المائدة بعض الطعام ، أو بعض المواد السكريَّة ، أو الدهنيَّة تجد الذباب جاء ، ومجيء الذباب دليل على أن هناك خَلَلا في هذا البيت ، وهناك تقصيرًا في نظافته ، إذاً : هذا التوافق توافق عجيب ، والإنسان حينما يغفل يأتي الشيطان ، ويوسوس ، و يدفع إلى المعصية ، فله دور سلبي ، وله دور إيجابي ، الدور الإيجابي أنك إذا أردت أن تكون في منجاةٍ منه دائماً فاعتصم بالله ، واستعذ بالله ، وأقم على طاعته ..
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
 
6 ـ الشيطان يأتي للإنسان من جهات معينة :
       والشيطان له مهمَّتان : ما بين يديك يقول لك : أنت شاب والآن ، هذا المال بإمكانك أن تنفقه وتستمتع به ، وأن تعبِّر عن حاجاتك الأساسيَّة ، فيدعوك إلى المعصية ، فإذا خفت من حساب الله عزَّ وجل يقول لك : الله غفورٌ رحيم ، يا أخي لا تدقِّق ، ولا تتزمَّت ، هذا كلام العوام ، والشيطان له دوران ؛ أن يأمرك بالمعصية ، وأن يطمئنك إلى أن الله لن يحاسبك ،  أنت مسلم تنالك شفاعة النبي ، غداً تتوب ، بعد غدٍ تتوب ، هذه ليست معصية ، وهذه قضيَّة خلافيَّة ، وهناك من أفتى بها ، فدور الشيطان أن يأمر بالمعصية ، وأن يطمئِن من الحساب الدقيق الذي سيحاسبه الله عزَّ وجل ، وهذا معنى قوله :
 
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
 
7 ـ طولُ الأمل سلاح الشيطان :    
 
        أو يوقعك في الأمل ، فتجد أحلام الإنسان بالمستقبل ، يحلم أن يسكن بيتًا ، وله صفات معيَّنة ، أو أن يملك كتلة نقديَّة لها حجم معيَّن ، أو أن يشتري مركبة فاخرة ذات مواصفات خاصَّة ، ويحلم أن يصل إلى مركز معيَّن ، أن يتسلَّم مثلاً منصبا رفيعا ، هذا الأمل ، وقد يكون الأجل قبل تحقُّق الأمل ، ودائماً الأمل أبعد كثيراً من الأجل ، فلا تجد إنسانا مات إلا وله آمال تزيد عن عشرين عاماً ، أو ثلاثين عاما ، فأكفان هذا الإنسان نُسِجَت وهو يأمل بالدنيا ولا يدري ، وهذا شيء بين أيدينا ، مغادرة الدنيا تتم بثانيةٍ واحدة من دون إنذار مسبق ، فهناك حالات موت تأتي بعد مرضٍ عضال ، وحالات تأتي بلا مسبِّب ، يقول لك : البارحة كنا في نزهة معاً ، وقبل قليل كان معنا يتحدَّث ولا يشكو شيئاً ، وهذه المغادرة السريعة ..
 
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
 
8 ـ مَا خَلْفَهُمْ
 
         إما أنه يخفِّف عليك من حساب الله ، ويُمَنِّيكَ بالشفاعة تارةً، وبالعفو تارةً ، والمغفرة تارةً ، أو أن الله لا يحاسب بهذه الطريقة ، هذه الطريقة ليست معقولة ، أو أنه يزيِّن لك الحاضر والمستقبل ، ويوقعك بالأمل . إما أنه يدفعك إلى معصية ويخفِّف عن كاهلك أعباء العقاب ، أو أنه يزيِّن ما بين يديك وما خلفك أي ما بعد ما بين يديك ..
 
﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ
 
9 ـ   وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
 
معنى : ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ، أي أن الله عزَّ وجل له سُنن ، وله قوانين ثابتة ، فكل إنسان أعرض عن الله عزَّ وجل وانكبَّ على الدنيا ، وحجب نفسه عن ربِّه ، وغرق في المعاصي ينطبق عليه القانون الإلهي ، وهذا حينما حجب نفسه عن الله صار أعمى ، فلمَّا صار أعمى حرَّكته شهواته فقط ، وشهواته ليس لها حدود ، ولابدَّ من أن يأخذ ما له وما ليس له ، وأن لا يقنع بما أحلَّ الله له ، ويعتدي على أعراض الناس ، لأنه وقع في العمى والشهوة مُسْتَعِرَة ، واشتعال الشهوة مع العمى كمحرِّك قوي جداً ، والسائق مغمض العينين ، والطريق كله منعطفات فالحادث حتمي .
 
قانون الهلاك :
 
إذا كانت شهوات الإنسان مستعرة ، وإيمانه ضعيفا أو معدوما ، وبصيرته منطمسة ، والطريق فيه مفاجآت ، وفيه التواءات ، ومطبَّات فالهلاك محقَّق ، هذا معنى :
 
﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ
والآن لو أن أحداً قال لك : فلان ركب مركبة ، وانطلق بها في منحدر شديد ، وفي نهاية هذا المنحدر مُنعطفٌ شديد ، ومكبحه مُعَطَّل ، وأنت لم تشاهد الحادث فتقول : التدهور محقَّق ، فما دام الانطلاق سريعا ، والطريق هبوطه شديد ، وينتهي بمنعطف حاد ، والمكبح لا يعمل فالحادث حتمي ، هذا قانون ، فالقضيَّة سهلة ، والله وضع قوانين ..
 
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ
(سورة طه)
  العقل بغير هدئ من الله مآله الضلال :
 
      لم تكن بصيراً ، بل كنت أعمى ، فمعنى هذا أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله صار أعمى ، وأنّ عقل الإنسان كعينه تماماً ، كيف أن هذه العين لو كانت اثني عشر على اثني عشر ، هو طبعاً أعلى درجة في العين عشرة ، ولكن هناك حالات بلوحات الفحص حرف في آخر سطر إذا عرفت جهته يقول لك : اثنا عشر على عشرة ، أي أن العينين تتمتَّعان بأعلى درجة رؤية ، وأدق درجة ، ولكن لا يوجد ضوء ، لا ترى شيئاً بهما على دقَّتهما ، فكذلك العقل لو كان عقلا ذكيا جداً ، إذا لم يكن فيه نور إلهي وهدى من الله قد يضل .
       وهذه أوروبا أمامكم ، الأسرة انتهت ، بنهاية هذا القرن عشرون مليون مصاب بالإيدز ، وكل دقيقة يموت إنسان ، أين عقلهم ؟ ضلوا ، هداهم عقلهم إلى أن الشهوة هي إلهُهُُم ، هداهم عقلهم إلى أن الدنيا هي كل شيء ، هداهم عقلهم إلى أن المتعة هي كل شيء في حياة الإنسان ، فالعقل من دون هدى من الله يضل ، وأمم كثيرة جداً قد قدَّمت إنجازات حضاريَّة يعجز العقل من تصوُّرها ، ولكنَّها في المستوى الآخر الأخلاقي في الوحول وفي الحضيض ، معنى هذا أن العقل يحتاج إلى نور من الله عزَّ وجل .
إذاً هذه الأمم ..
﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ
واجهد أن لا تنطبق عليك قوانين الله ، فنحن أحياناً بالتعامل اليومي تحاول بواسطة إدخال طالب للجامعة ، وذلك مستحيل لنقص في العلامات ، والقانون انطبق عليك ، فحرَمك من الدخول إلى الجامعة ، لأن علاماتك قليلة ، فهنا حقَّ عليهم القول ، أي ليس الله عزَّ وجل قدَّر عليهم هذا الشقاء ، لا ، حاشا لله ، لكن انطبقت عليهم قوانين الله ، أعرضوا عن الله عزَّ وجل فكانوا في عمىً ، فلمَّا كانوا في عمىً وفيهم شهوات مستعرة تحرَّكوا بلا مقود ، أو بلا بصيرة ، أو بلا نور مصيره إلى الهلاك .
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
 
 وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
 
1 ـ الكافر ضالٌّ في نفسِه مضلٌّ لغيره :     
 
       الكافر مشكلته ليس ضالاً فحسب ، لكنَّه ضالٌ مضل ، وليس فاسداً فحسب ، بل هو فاسد مُفْسِد ، وليس مُنحرفاً فحسب ، بل هو منحرف ويدعو للانحراف ، فهؤلاء هم الكفَّار ..
 
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ
 
2 ـ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ
 
        لأن الكفار يبغونها عوجا ، والقرآن مبادئ ، وقوانين ، وأوامر ، ونواهٍ ، وحدود،ومنهج ، ودستور ، ونظام يضمن للجميع سعادتهم ، أما الكفار فشهوتهم تقودهم ، وأهدافهم دنيويَّة ، ويحبون أن ينغمسوا في الملذَّات إلى قمة رؤوسهم ، ما الذي يعطِّل عليهم رغبتهم ؟ منهج الله عزَّ وجل ، إذاً لابدَّ من محاربته ، والقرآن يأمر بغض البصر ، وهم يجدون متعةً بالغةً في إطلاق البصر ، القرآن يأمر بالكسب الحلال ، هم يجدون متعةً بالغةً في الكسب الحرام ، القرآن يأمرهم بعدم إيذاء الآخرين ، هم يبنون أمجادهم على أنقاض الآخرين ، القرآن يأمرهم أن يقفوا عند حدود الله ، هم يريدون أن يتحرَّكوا كالدواب المنفلتة .
       نظام شهواتهم وعقيدتهم القائلة بأن الدنيا هي كل شيء ، وأن الموت نهاية كل شيء ، وأن الآخرة سرابٌ في سراب ، هذه العقائد وتلك الشهوات لا يناسبها القرآن ، القرآن منهج ، القرآن منظومة قيَم ، مجموعة أوامر و نواهٍ ، لذلك هناك تناقض بين عقيدة الكافر ومطامحه في الحياة ، لذلك من الطبيعي جداً أن يحارب القرآن ، طبيعي جداً ، فالقرآن نظام مثالي يكشف انحراف الكافرين ..
 
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
 
 معنى : وَالْغَوْا فِيهِ
 
المعنى الأول :
 
كالقراءة المُعاصرة للقرآن الكريم ، أي نريد أن نفرِّغ الآيات من مضمونها ، نريد أن نربط القرآن بالسلوك المعاصر ، وأن نجعل الإنسان يفعل كل شيء ، ويرتكب كل المعاصي ، ويقتنص كل الشهوات ، وهو مغطَّى بالقرآن ، فعملية جر الآيات إلى مصالح وإلى انحرافات وإلى شهوات هذا معنى : ﴿ وَالْغَوْا فِيه ِ أي ما من كلمةٍ تصدق على : ﴿وَالْغَوْا فِيهِ .
المعنى الثاني :
 
      أو لا تسمعوا لهذا القرآن ، وأتوا بكلامٍ آخر لينشغل الناس به ، فهناك قرآن وهناك غناء ، وشِعر لا يقدِّم للإنسان شيئاً ، فإما أن تأتي بكلام من أجل أن تشغب على القرآن ، من أجل أن تصرف الناس عنه ، وإما أن تحاول أن تؤوِّل القرآن تأويلاً غير صحيح ، وإما أن تفجِّره من داخله أو تُعَطِّله ، أو تُشاغِب عليه ، وأحياناً كثيرة نحن نرغب أن لا نسمع الناس هذا البث ، فنشوِّش عليه تشويشا ، فالكافر ماذا يفعل ؟ يشوِّش على القرآن بأن يأتي بأشياء مناقضة له .
        والقرآن يقول : إن الإنسان أصله من آدم وحواء ، والكافر يقول : الإنسان أصله قرد كما قال داروين ، وهذه النظريَّة تشوِّش على الكتاب تفسيره لبدء الخلق ، القرآن يقول لك : الآجال محدودة ، والكافر يقول لك : لا ، هذا الدواء يطيل العمر ، القرآن يقول : غضوا الأبصار ، بينما يقول الكافر : لا ، هذا جمال فاستمتع به ، لأنك إنسان وعندك حاجات ، فالكافر دائماً يأتي بنظريات ، وتعليلات ، وتوجيهات تناقض القرآن الكريم ، فهذا معنى قوله :
 
﴿وَالْغَوْا فِيهِ
        أي شوِّشوا عليه ، أو انقضوا ما فيه ، أو عطِّلوه ، إنها عملية محاربة للقرآن الكريم ، إما أن نقول : هذا الكلام ليس كلام الله ، أو أنه لا يصلح لهذا الزمان ، أو أن فيه تناقضات كثيرة جداً ، أو أنه كتابٌ تاريخي ، وانتهى أجله ، أو أن نأتي بتأويلاتٍ لآيات القرآن الكريم تفسد معناها الحقيقي ، أو أن نربط هذا القرآن بالسلوك المعاصر ، أو أن نفرِّغ الآيات من مضمونها ، هذا كلُّه محاولات الكفار للنيل من هذا الكتاب ، لكنَّه والحمد لله شامخٌ كالطود ، وكلَّما ائتمر الكفار على التشويش عليه ما زادوه إلا قوَّةً ، وما زادوه إلا وضوحاً ، وكما قيل : لو تحوَّل الناس جميعاً إلى كنَّاسين ليغبِّروا على الإسلام ما غبَّروا إلا على أنفسهم " ، وما ضرَّ السحبَ وهي في السماء نباحُ الكلاب وهي في الأرض .
يقول الله عزَّ وجل:
 
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ
 
 فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ
 
1 ـ للباطل جولة ثم يضمحل :
 
هذا وعيدٌ من الله عزَّ وجل ، فالإنسان ليتحرَّك ما شاء له التحرُّك ، أما أن يقف في خندقٍ معادٍ للدين فهذا من أشقى الناس ، لأن هذا الدين دين الله ، والله سبحانه وتعالى يقصم أعداءه ، والإنسان يتحرَّك لكن أن يجعل نشاطه في معاداة الدين ، ومعاداة هذا الكتاب الكريم ، وأهل الحق والدعاة الصادقين ، فهذا من أشقى الناس ..
 
﴿ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ
الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى يقول :
 
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)
(سورة الأعراف )
       وللباطل جولةٌ ثمَّ يضمحِل ، وكلكم يعلم أن البشريَّة مهما ابتعدت عن الدين فلابدَّ من أن تعود إليه ، لأنه ملاذها في النهاية ، وقد أتى على الناس وقتٌ تألَّقت فيه المبادئ الوضعيَّة ، وأعرضوا عن دين الله عزَّ وجل ، لكن هذه المبادئ الوضعيَّة ما لبثت أن انهارت واضمحلَّت ، وظهرت تناقضاتها ، وأصبحت تدوسها الأقدام ، ولم يبقَ أمام الناس حلٍ لما هم فيه ، وخلاصٍ لمحنتهم إلا أن يعودوا إلى الله عزَّ وجل .
       أما قوله تعالى :
 
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً
 
2 ـ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً
 
       ألا ترون أيها الإخوة إلى الكوارث التي تقع من حينٍ لآخر ، ولا سيما في بلادٍ كفرت بربِّها ، وانحرفت انحرافاً شديداً ؟ البلاد التي تحتضن الانحرافات الأخلاقيَّة ، وترعى كل المعاصي ، وفيها قلاعٌ عتيدة ترتكب فيها المعاصي ، وهذه البلاد تارةً أصيبت بالزلازل ، وتارةً أصيبت بالانهيارات أو الحروب الأهليَّة ، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل :
 
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً
ألم يقل الله عزَّ وجل:
 
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)
(سورة النحل)
       فالتاريخ المعاصر مملوء بالعذاب الشديد الذي يصيب الكفَّار ، أما الذين يدَّعون الإيمان أيضاً فلا ينجون من عذاب الله ، لكن عذاب الله للمؤمنين المقصِّرين عذابٌ رَدْعِيّ ، بينما عذاب الله للكفَّار عذاب قصم  وإنهاء .
أما يوم القيامة :
 
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ
 
3 ـ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ     
 
       لقد استمتع عشر سنوات بالمعاصي ، الأيام التي عاشها تُعد ، والمباهج التي نعم بها تُعد ، لكن جهنَّم أبديَّة لا تعد ، أيَّامها لا تعد .
إذاً:
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ{27} ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ
 
 ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ
 
1 ـ الجحود بآيات الله أول طريق الكافر :   
 
والحقيقة الجحود بالآيات أول الطريق ، جحد بالآيات أي لم يؤمن بالله عزَّ وجل من خلال جحوده بالآيات ، إن لم يؤمن بالله عزَّ وجل ، وهو عنده شهوات متقدة انطلق وراء شهواته ، من لوازم اتباع الشهوات الطُغيان ، لأن الشهوة عمياء ، الشهوة من دون منهج ، ومن دون قرآنشهوة طاغية ، والطغيان معه ظلم والظلم مصيره العقاب الأليم .
إذاً:
﴿ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ
 
2 ـ كل المعاصي تأني بعد الجحود : 
 
       الحقيقة أن الله ذكر أول الذنب ، أما البقيَّة فواضحة ، جحد بالآيات فارتكب المعاصي والموبقات ، وطغى وبغى ، ونسي المبتدى والمنتهى فاستحق هذا العذاب الأليم الأبدي السرمدي
 ..
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ
 
  إنه مشهدٌ عظيمٌ :
 
ففي يوم القيامة هناك مشكلة ثانية ، هي أن الضال يصبُّ كل حقده على الذي كان سبباً لضلاله ، وقبل قليل ذكرت لكم أنه لا يستطيع أن يضل أحدٌ ، لكن توافق رغبات ، توافق ميول ، والإنسان بساعة من ساعات ألمه الشديد يتكلَّم كلام لا معنى له ..
 
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ
       وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى صورةٍ أخرى ، هنا هؤلاء القرناء كيف يوسوسون ، وكيف يدفعون الإنسان إلى المعصية ، وكيف يتخلون عنه يوم القيامة ، ولكن المؤمنين لهم شيءٌ آخر ، لهم ملائكةٌ ..
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا
        وشتَّانَ بين وسوسة الشيطان وإلهامات الملك . هذا المقطع الثاني إن شاء الله تعالى نأخذه في الدرس القادم .
والحمد لله رب العالمين
 

 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب