سورة فصلت 041 - الدرس (2): تفسير الأيات (03 – 08)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة فصلت 041 - الدرس (2): تفسير الأيات (03 – 08)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة فصّلت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة فصلت ـ (الآية: 03 - 08)

22/12/2012 16:13:00

سورة فصلت (041)
 
تفسير الآيات: (3-8)
 
الدرس (2)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 

 
 بسم الله الرحمن الرحيم
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
        أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة فصِّلت ، ومع الآية الثالثة:
بسم الله الرحمن الرحيم
 
] حَم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[
 
 تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 
       ذكرت في الدرس الماضي أن هذا القرآن الكريم يحقِّق للبشريَّة سعادة الدارين في الدنيا والآخرة ، بل يحقِّق ذلك للمخلوقات جميعاً ، لأن المؤمن حينما يؤمَر أن يحسن لكل المخلوقات ، كانت رحمة المخلوقات بشكلٍ غير مباشر قد وصلت إلى كل الخلائق ، وقد قال أحد العلماء : " الشريعة رحمةٌ كلُّها ، عدلُ كلها ، مصالح كلها " ، فالأصل في الشريعة أنها لرحمة العالمين ، فربنا عزَّ وجل بيَّن أن هذا القرآن الكريم نزل من الرحمن الرحيم ، إذاً : هو عطاء ، وخير عطاءٍ أن يكون لك منهجٌ تسير عليه ، وهذا المنهج يُفْضي بك إلى الجنة ، وإلى سعادةٍ أبديَّة ، فالعطاء الحقيقي هو كل شيءٍ يوصلك إلى الله ، وإلى الدار الآخرة ، وإلى سعادةٍ أبديَّة هذا هو العطاء ، أما الدنيا فليست عطاءً ، لأن كل ما فيها ينتهي عند الموت ، فالكريم لا يعطي عطاءً محدوداً ، والدنيا عطاؤها محدود ، وما دام الموت يُنهي كل شيء إذًا هي ليست بعطاء .
        إذاً : هذا القرآن بأمره ونهيه ، وبوعده ووعيده ، وبقصصه ، وأحكامه ، وأوامره هو رحمةٌ للعالمين ، لا للمؤمنين فحسب ، بل للبشر قاطبةً ، بل للمخلوقات قاطبةً ، وإما أنّ هذه الرحمة أن ينالُها المؤمن المتبِّع لهذا القرآن بشكلٍ مباشر ، أو ينالها غير المؤمن ، أو المخلوق غير الآدمي بشكلٍ غير مباشر ، وعلى كلٍ فهذا القرآن الكريم هو عطاءٌ من الله عزَّ وجل .
       ورد في القرآن الشفاء في آيتين ، العسل شفاءٌ للأبدان ، والقرآن الكريم شفاءٌ للأرواح  ..
]وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا [
(الإسراء)
       فأنت متى تُرحَم ؟ إذا اتبعت منهج الله عزَّ وجل ، وهذا منهج الله عزَّ وجل لن تضل بعده أبداً ، لأنه تعليمات الصانع ، أمرٌ ونهيٌ من قِبَل الخبير خالق الأكوان .
 
        
  كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ
 
هذا القرآن الكريم الذي هو تنزيلٌ من الرحمن الرحيم هو  :
 
]كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [
 
1 ـ معنى : كِتَابٌ فُصِّلَتْ :
 
        قال : فصِّلت ، أي مع الأغراض والمقاصد التي يسعى إليها الإنسان ، وفصلت مع الطبائع والعقول التي يحملها الإنسان ، ومع البيئات والظروف التي يعيشها الإنسان ، ومع حاجات الإنسان ، ومع أحواله .
      الله عزَّ وجل صوَّر لنا في كتابه الكريم نبياً كريماً لم يكن ابنه على شاكلته ، سيدنا نوح .
      فصَّل في هذا الكتاب نبياًكريماً زوجته ليست على شاكلته .
      فصل في هذا الكتاب الكريم نبياً كريماً أبوه ليس على شاكلته .
      فأنت في كل الأحوال نموذجك ورد في القرآن الكريم ، فقد يكون الأب بعيدًا عن الله ، أو يكون الابن ، أو الزوجة كذلك ، وهناك أنبياء كانوا فقراء رعاة الغنم ، وهناكأنبياء كانوا ملوكاً وحُكَّاماً ، ولا يمنعهم أن يكونوا في أعلى مراتب القرب من الله عزَّ وجل ، فمعنى :
 
]كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [
        أي حاجات الإنسان مفصَّلة ، وأنت تحتاج إلى تطمين ، وإلى تبشير ، وتحذير ، وإنذار ، ورسم المستقبل مثل مشاهد منتزعة من يوم القيامة ، وتحتاج إلى أن تنظر إلى الماضي نظرةً فاحصة ؛ فيه أخبار تاريخيَّة في خير من كان قبلنا ، ومن سيأتي بعدنا ، وإشارات إلى آخر الزمان ومنهج ، فيه أمر ونهي .
معنى كتابٌ فصِّلت أي أنه وفق المبادئ والأهداف ، ووفق العقول والطِباع ، والبيئات والأحوال ، وحاجات النفس المتعدِّدة من تحذيرٍ،إلى تبشيرٍ ، ووعدٍ ، ووعيدٍ ، وأمرٍ ، ونهيٍ ، و تطمينٍ ، وتخويفٍ ، وإخبارٍ ، وتَنَبُّؤٍ ، وبيان هدفٍ أخير ، وكل هذه الأحوال التي يحتاجها الإنسان مفصَّلةٌ في كتاب الله ، لأنه من عند الخبير ، وقد قال الله تعالى  :
]وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14) [
( سورة فاطر )
]كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [
 
2 ـ في قصص القرآن المفصَّل عبرة لكل معتبِر :
       شيءٌ آخر ، إن كنت فقيراً فهناك من قمم البشر من كانوا فقراء ، وإن كنت غنياً فلا يمنعك غناك من أن تكون في قمة المؤمنين ، هناك أنبياء كانوا أغنياء ، وإن كنت تعاني من مشكلةٍ في أسرتك فهناك نبيٌ كريم عانى من هذه المشكلة .. وإليكم  :
]ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ(10)وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11) [
(سورة التحريم)
فأيّ مشكلة تعاني منها يجب أن لا تكون عائقاً بينك وبين الله ؛ لا وضع مادي معيَّن ، ولا وضع أسري معيَّن ، ولا وضع معاشي معيَّن ، ولا وضع اجتماعي معيَّن ، فهناك من الرجال الصالحين من كانوا في أحوال متعدِّدة .
إذاً :
]كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [
وأنت نفس تحتاج إلى تطمين ففيه تطمين  ..
 
]أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [
(سورة القصص : من الآية 61)
       وتحتاج إلى تحذير ، ففيه مشاهد مخيفة منتزعة من يوم القيامة ، تحتاج إلى وعد ، ووعيد ، وأمر ، ونهي ، وتفصيل ، وقصَّة ، وخبر ، وتاريخ ، ومستقبل  .
 
]كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً [
 
 قُرْآناً عَرَبِيّاً
 
1 ـ اللغة العربية أفضل اللغات :
 
أولاً : لغة هذا القرآن عربيَّة ، ففيه إشارة إلى أن هذه اللغة اختارها الله جلَّ جلاله لتكون قالَبَاً لكلامه ، لابدّ من أن هذه اللغة على مستوىً رفيع ، لكن إذا تجاوزتها لُغات أخرى فلأن الأقوام الأخرى اعتنوا بها أشدَّ العناية ، لا يعني هذا أن لغتنا ليست في المستوى العالي ، هي في اعتراف أكبر علماء اللغة من أرقى اللُّغات العالميَّة ، واللغة العربيَّة لا يعرف قدرها إلا من درسها ، ومن عرف أسرارها ، وخصائصها ، وأساليبها بالتعبير ، لغة غنيَّة ، وتغتني دائماً ، لأنها لغة الاشتقاق الأولى ، لغة التصريف الأولى ، فمن أي فعل ثلاثي يمكن أن تأخذ فعلا ماضيا ، ومضارعا ، وأمرا ، و مجرَّدا ، ومزيدا ، وعندنا زيادات كثيرة جداً ، وكل زيادة لها معنى ، بالتشديد مثلاً ، وبالتضعيف ، وبألف واحدة ، كاتب ، وبألف وتاء ، تكاتب ، بألف وتاء وسين ، فهناك أوزان من الأفعال كثيرة جداً ، وكل وزن يعطي معنى دقيقاً .
       ولأضرب لكم مثلاً : فربنا عزَّ وجل قال :
]وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [
(سورة العصر )
       فأنت ماذا تفهم من كلمة : تواصوا بالحق ؟ تواصوا ، لعلَّك تفهم أنهم يوصون بعضهم،التواصي لا يعني إسداء النصيحة فقط ، التواصي فعل وزنه من باب تفاعل أو فاعل ، فاعل يفيد المُشاركة ، أي أن المؤمن أسدى النصيحة ، والطرف الثاني قبلها ، تعني هذه الكلمة أن الذي يقبل النصيحة ليس أقلَّ فضلاً من الذي يُسْديها ، إذاً : هذه تعلِّمنا أنك إذا أصغيت إلى الناصح فأنت ممن تواصوا بالحق ، وإذا أصغيت له ، وسمعت كلامه ، وقبلته ، واستجبت له فلك فضلٌ كبير ، وهناك فضلٌ لمن أسداها ، وفضلٌ لمن قبلها ، وفضلٌ لمن أصغى إليها ، ثمَّ قَبِلها .
        إذاً : لو ذهبنا لندقِّق في أوزان الأفعال ، في بناء الأسماء لوجدنا العجب العُجاب ، وهذا بحثه يطول ، وربنا سبحانه وتعالى يقول :
 
]كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً [
       ويبدو أن العربيَّة واسعة البيان ، دقيقة التعبير ، لغةٌ تعدُّ من أرقى اللغات المتطرِّفة ، ولذلك كانت هذه اللغة قالباً لكلام الله عزَّ وجل  .
      وإشارة أخرى ، مرَّة قلت لكم : في اللغة العربيَّة الفعل الواحد يعني معاني كثيرة جداً ، بل إن كل فعلٍ يشير إلى حالةٍ دقيقةٍ دقيقة من أفعال النظر مثلاً ، ومرَّة ذكرت لكم في قصة سيدنا يوسف ـ قديماً ـ أنه نظر ، وهناك حدَّج ، حدَّج بمعنى نظر مع المحبَّة ، قال :
" حدِّث القوم ما حدَّجوك بأبصارهم " .
       وهناك نظر شزراً أي مع الاحتقار ، وشَخَصَ مع الخوف واستشرف مع التَمَطِّي ، واستشفَّ مع اللمس ، ولاحَ شيء أي ظهر واختفى ، ولَمَحَ أي نظر وأعرض ، ورَنَا مع السرور ، خمسون أو ستون فعلا تشير هذه الأفعال إلى فعل نظر ، وإلى معنى النظر ، لكن كل فعل معه حالة خاصَّة من حالات النظر .
      الحديث عن خصائص اللغة العربيًّة عن اشتقاقها الصغير والكبير ، ففعل عَلِمَ هذا الفعل الثلاثي له ست تقاليب ؛ علم ، ولمع ، وملع، رتِّب الحروف ، وغيّر الترتيب ، ستة تقاليب يمكن أن يكون هناك معنى واحد مشترك لكل التقاليب التي يحتملها فعل عَلِمَ ، هذا اشتقاق كبير ، ومن كل فعل اسم فاعل ، اسم مفعول ، اسم مكان ، واسم زمان ، واسم تفضيل ، وصفة مشبَّهة باسم الفاعل ، واسم آلة من فعل واحد ، وقلت لكم : إنّ أعلى لغة من حيث التصريف هي اللغة العربيَّة .
 
2 ـ القرآن عربي يُفْهم وفق قواعد اللغة العربيَّة :
 
       والإشارة الثانية في هذه الآية إلى أن هذا القرآن عربي ، إذاً : لا ينبغي أن يُفْهم إلا وفق قواعد اللغة العربيَّة ، فإذا أطحت بهذه القواعد ، وأهملتها جانباً ، ألقيتها وراء ظهرك فلست مؤهَّلاً أن تفهم كلام الله ، طبعاً أنا لا أقوال : إنّ فهم قواعد اللغة العربيَّة وحده يكفي في فهم كلام الله ، لكن فهم قواعد العربيَّة شرطٌ لازمٌ غير كافٍ .
]كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [
 
  لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
 
القرآن يحتاج إلى إدراك عميق :
 
        قال : لقومٍ يعقلون وينظرون ، فهذا الكتاب يحتاج إلى عقل يستوعبه ، يحتاج إلى نظر ينظر فيه ، أما هؤلاء الذين يعطِّلون عقولهم ، يلهثون وراء شهواتهم فهؤلاء ليسوا مؤهَّلين لفهم كلام الله عزَّ وجل ..
]لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [
فهذا الدين ، وهذا القرآن بالذات يحتاج إلى إدراك عميق ، يحتاج إلى قدرات عالية ، وإلى قدرة على الفهم ، وسرعة الفَهم ، والنظر في الأشياء ، هذا معنى قوله تعالى :
]لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [
       فإنسان يعطِّل عقله ، ويتبع شهوته ، يكون مقلِّدًا في حياته ، والمقلِّد والمعطِّل لعقله هذا ليس مؤهَّلاً لفهم كلام الله عزَّ وجل ، فهذا الإنسان حينما يعطل عقله يشقى ، وحينما يعطل عقله لا يفهم كلام الله عزَّ وجل ، فإن لم تأنس من إنسانٍ قوةً إدراكيَّةً ، وفهماً ، وحصافةً ، ودقَّةً في الفهم فلا تتعب نفسك معه ، إن هذا القرآن ..
]لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [
      أيّ لإنسان استخدم عقله ، لإنسان استخدم إمكاناته الهائلة التي أودعها الله فيه ، هذا القرآن مهيَّأ لإنسان يبحث عن الحقيقة ، يبحث عن سعادته الحقيقيَّة ، يبحث عن منهج الله في الأرض ..
]لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [
إذاً : هذه الآية رغم إيجازها تنطوي على  ..

 
] كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[
حينما قال الله عزَّ وجل  :
 
 ]قُرْآناً عَرَبِيّاً[
مدح هذه اللغة إذ جعلها قالباً لكلامه ، وحينما قال :
 ]قُرْآناً عَرَبِيّاً[
جعل فهم قواعد هذه اللغة سبيلاً أولياً لفهم كلامه ، قال  :
]بَشِيراً وَنَذِيراً [
 
 بَشِيراً وَنَذِيراً
 
         الحقيقة عندما يقرأ الإنسان القرآن ، وكان مستقيمًا على أمر الله ، وملتزماً يشعر أن الآيات التي تبشِّر موجَّهةٌ إليه ، والإنسان أحياناً يغتني بهذه البُشرى ، فإذا وُعِد الإنسان من شخص ذي أهميَّة يطمئن ، وإذا وعدك إنسان قوي وعدًا ترتاح ، ولو تأخَّر تنفيذ الوعد ، فكيف إذا وعدك خالق الكون ؟ قال :
 ]بَشِيراً[
      
القرآن بشير للمؤمنين نذير للعاصين :
 
فالمؤمن لماذا هو سعيد ؟ قد تكون حياته فيها منغِّصات .
مرَّة ضربت مثلا طريفا : أن إنسانًا فقيرًا جداً ، وعنده أولاد كثر ، وعنده مشكلات لا حصر لها ، لكن له قريب هو وريثه الوحيد يملك مئات الملايين ، ومات فجأةً بحادث ، فكل هذه الملايين آيلةٌ إلى هذا الفقير ، لكن إلى أن تصل إليه لابدَّ من معاملات ، وإجراءات ، وبراءات ذمَّة ، ونظام معيَّن ، فلماذا كان هذا الفقير في أشد حالات السعادة ، مع أنه في هذه الفترة لم يأكل لقمةً غير خشنة ؟ إذاً هذا الإنسان مع أنه لم يقبض أي مبلغٍ من المال لكنه دخل في أملٍ محقَّق .
       ولذلك أحد أسباب سعادة المؤمن أن خالقه العظيم وعده بجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض ، فلِمَ لا يطمئن ؟ وأحد أسباب سعادته أن الله بشَّره بالجنَّة ، وعده بها ، ولذلك فهذا الوعد ، وهذه البشارة تمتص كل مشكلةٍ في حياته اليوميَّة ، أما أهل الدنيا الذين لا يطمحون إلى الجنَّة ، ولا يرجون الله عزَّ وجل فمهما كانت حياتهم ناعمةً فهم في شقاء ، لأن أي شيءٍ إذا نقص من حياتهم يقلِب حياتهم إلى جحيم ، أما المؤمن فلو اصطلحت عليه الهموم كلها فهو سعيدٌ بوعد الله له ، سعيدٌ بما بشَّره به .
إذاً :
]بَشِيراً وَنَذِيراً[
       وأيضاً الإنسان المقيم على معصية لو قرأ الآيات ، وقرأ من هذه الآيات آيةٌ تحذِّره من مغبَّة عمله ، فهذه رحمة الله عزَّ وجل يبشِّر المؤمن ويحذِّر العاصي ، قال :
]بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [
 
 فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
 
1 ـ الأمراض التي يعاني منها الإنسان هي أعراض الإعراض :
 
       الحقيقة أنّ كل الأمراض التي يعاني منها الإنسان هي أعراض الإعراض ، لأن الله تعالى يقول:
]وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) [
(سورة طه)
       إذاً : الإعراض عن ذكر الله عزَّ وجل هو مصيبة المصائب ، وهو أساس البلايا ، وهو أساس الشقاء البشري ، قال عن هؤلاء ..
]فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [
 
2 ـ السماع له قانون :
 
      الحقيقة أن السماع له قانون ، والإنسان لا يكفي أن تكون له أذنان سليمتان من عيوب السمع ، فالسماع متعلِّق بالاهتمام ، والشيء الذي تبحث عنه تسمعه بدقَّةٍ بالغة ، وتسمع أخباره كلَّها ، والشيء الذي لا يعنيك ولو وُضع في أذنك أكبر مكبِّر للصوت فإنك لا تسمع شيئاً ، والإنسان يجرِّب أحياناً ، الأذنان زوَّدهما الله عزَّ وجل بقدرةٍ على الاصطفاء ، اجلس مع صديقٍ لك في الغرفة ، وضع على النافذة آلة تسجيل ، لتسجِّل الأصوات الآتية من الخارج ، تحدَّث معه طويلاً ، ثم استمع إلى ما سجَّله الشريط ، تفاجأ أن كل هذه الأصوات التي سجَّلتها الآلة لم تسمعها أنت في أثناء اندماجك في الحديث مع صديقك ، فمعنى ذلك أن الأذن تصطفي ، وهذا مثل مادي .
      وعلى نطاقٍ أوسع : إن الإنسان يُرهف السمع إلى ما يعنيه ، يرهف السمعإلى ما يحتاجه ، ويبحث عنه ، وما هو صادقٌ في طلبه ، إذاً : عدم السماع يأتي من عدم الاهتمام ، ومن عدم الصدق مع الله عزَّ وجل ، عدم السماع يأتي من البعد عن الله عزَّ وجل ، لذلك  :
]بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ [
وهناك آية قرآنيَّة توضِّح هذا المعنى الدقيق ، قال تعالى في سورة البقرة :
]خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [
(سورة البقرة : من الآية 7)
 
 الختمُ الحُكمي على القلب :
 
       العلماء قالوا : هذا ختم حُكْمِي ، وما معنى ختم حكمي ؟ لو أن لهذا المسجد بابين ، هذا الباب باب الحرم وبابٌ خارجي ، فلو أقفلنا الباب الخارجي فهذا الباب الداخلي في حكم المُغْلَق ، مادام الباب الخارجي مَنَع أيّ إنسان من دخول المسجد فهذا الباب لا معنى له ولو كان مفتوحا، فربنا عزَّ وجل يقول :
]خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [
       فمنفذ القلب هو السمع والبصر ، فإذا كان حب الدنيا يُغَشِّي السمع والبصر فالقلب قد خُتِمَ عليه حكماً ، وحب الدنيا يُغَشِّي السمع والبصر ، إذاً كأن القلب قد خُتم عليه ختماً حكمياً ، كما يقول علماء المنطق : هذا تحصيل حاصل .
    
 الختمُ على القلب ينتِج الفكر التبريري :
 
 فهنا الإنسان إذا أحب الدنيا ، وتعلَّق بها ، وانغمس في ملذَّاتها ، وخرق منهج الله عزَّ وجل كأن على سمعه وعلى بصره غِشاوة ، وهذه الغشاوة التي على سمعه وعلى بصره تحول بينه وبين أن يعقل شيئاً ، فلذلك إذا أراد الإنسان أن يعرف الله عزَّ وجل فلابدَّ من أن يتجرَّد من حب الدنيا ، إنه إنْ أحبَّها ، وأقام على بعض المعاصي فعندئذٍ يفكِّر بطريقةٍ غريبة ، إذْ يفكِّر بطريقة المنطق التبريري ، فالشيء المقيم عليه يدافع عنه ، ويكابر كل بيانٍ لِدَحضِه .
        إذاً : حينما تناقش إذا كنت متلبِّساً بمعاص فأنت تدافع عن نفسك ، وتبحث عن حجَّةٍ ترضى بها ، وأي حجةٍ تنقض مسعاك ترفضها ، فهذا هو المنطق التبريري غير المقبول في البحث عن الحقيقة ، أما إذا تجرَّدت من مصالحك الشخصيَّة ومن المعاصي المقيم عليها ، ونظرت إلى الأمر نظرةً تجريديَّة فإنك ستعرف الحقيقة .
        إذاً : إعراض الناس عن الحق هو تملُّقٌ لمصالحهم ، ولشهواتهم ، دفاعٌ عن مصالحهم الدنيويَّة ، فلو أنّ إنسانا مقيما على أكل المال الحرام ، كلَّما جئت له بآيةٍ أو حديثٍ يُذَكِّره بعمله المنحرف يثور ، ويغضب ، ويقول : لهذه الآية معنى آخر ، وليس هذا هو المعنى ، فهو يدافع عن نفسه ، ويحاول أن يبرِّر خطأه ، إذاً : إما أن تبحث عن الحقيقة بحثاً مجرَّداً خالصاً من كل مصلحةٍ أو شهوة ، وإما أن تستخدم هذا العقل العظيم الذي أودعه الله فيك استخداماً غير صحيح .
 
 العقل أداة عظيمة لابد من استعمالها في الخير :
 
       مرَّة ذكرت لكم أن آلة غالية جداً ، إذا استخدمها الإنسان وفق ما صُنعت له قد يرقى بها إلى أعلى عليين ، أما إذا استخدمها بخلاف ما صُنعت له فقد تودي به إلى السجن ، والآلة هي هي ، وكذلك العقل ، أعظم منحةٍ منحك الله إيَّاها هو هذا العقل ، إذا استخدمه وفق الهدف الجليل العظيم ، الذي أعدَّك الله له ، فهذا العقل يوصلك إلى الله ، وإلى سعادةٍ أبديَّة ؛ أما إذا استخدمته لغير ما صنع له فقد وقعت في الجدل ، ووقعت في التيه ، وجعلت من العقل أداةً للهلاك ، وهذا على قول الله عزَّ وجل :
]فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [
يقول أحد العلماء : لم أجد أشدَّ صمماً من الذي لا يريد أن يسمع ، فإذا كان الإنسان بعيدًا كما حدَّثني أخ كريم كان له حالة قبل أن يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل ، حضر مجلس علم  ، وكان منغمساً في انحرافاته ، قال لي : والله لم أفهم شيئاً ، ولا علاقة لي بهذا الدرس ، وأنا في واد والدرس في واد ، عبَّر تعبيراً صادقاً عن أن الإنسان إذا كان منغمساً في شهواته ، غارقاً في حظوظه ، ملتفتاً إلى مصالحه فهو في واد ، والحق في واد آخر ، فإذا ليسعنده تجرُّد ، وترفُّع عن شهوات الدنيا ، وعن مصالحها فالرؤية غير صحيحة ، والأذن لا تسمع .
إذاً القرآن بشيرٌ ونذير ، قال تعالى  :
 ]بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ[
معنى : لَا يَسْمَعُونَ
 
       ومعنىلا يسمعون إما أنهم رفضوا أن يسمعوا ، أو أنهم حينما سمعوا لم يفقهوا ما سمعوا ، أو أنهم فقهوا ما سمعوا ، لكنَّهم آثروا دنياهم على آخرتهم ، إما أنهم منعوا أنفسهم من السماع ، فقد يقول لك الشخص : لست مستعداً أن أجلس معك أبداً ، يرفض ، أنا أقول : الإنسان عندما يرفض الحق كمن جاءته رسالة فمزَّقها قبل أن يقرأها ، أليس هذا عملٌ غبي ؟ اقرأها ثمَّ ارفضها ، لكن المسكينَ مزَّقها قبل أن يقرأها .
      وبعض الناس ينتقد الإسلام ، أو الدين الفلاني ، فأنا أقول لهذا المنتقد : هل قرأت الدين ؟ هل استوعبته ؟ وهل قرأت القرآن ؟ وهل قرأت السُنَّة ؟ وهل أردت أن تستوعب قبل أن تنتقد ؟ النقد قبل الاستيعاب موقف غير علمي ، وغير منطقي ، كأن تهاجم شيئا دون أن تستوعبه،فعدم السماع يرفض أن يسمع ، أو إذا سمع هو في وادٍ والحديث في وادٍ آخر .
تصوَّروا آلة تصوير من أعلى مستوى ، لكن ليس في داخلها فيلم ، فلو التقط صاحبها مناظر جميلة جداً ، وجهد في تطبيق ضبط السرعة والمسافة ، ولا يوجد فيلم ، فكل إنسان يسمع الحق وليس طالباً له كهذه الآلة التي لا تنفع ولا تجدي ..
]وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [
 
 وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ
 
      أي قلوبنا مغطَّاة بأغشية وسُتُر كثيرة جداً ، تدعونا أنت ولكن قلوبنا بعيدة عن دعوتك ، في أكِنَّة مغطَّاة ، الكنَّة أي الغطاء ..
 
]وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [
       فالكفَّار يعبِّرون عن بعدهم الشديد ، والإنسان كلَّما كان بعيداً ساء فهمه ، وكلَّما كان قريباً حَسُنَ فهمه ، وربنا عزَّ وجل أشار إلى هذا المعنى ، فقال :
]أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ(44) [
(سورة فصلت)
 
أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ
 
       والمؤمن يُنادى من مكانٍ قريب ، هو قريب ينادى من مكانٍ قريب فيعي ، والكافر ينادى من مكانٍ بعيد ، فما الذي يبعده عن الله عزَّ وجل ؟ المعاصي ، فالمعاصي تُبعد ، والطاعات تقرِّب ، والمعاصي تقطع ، والطاعات تَصِل ، والمعاصي تُقَسِّي القلب ، والطاعات تليِّن القلب، والمعاصي تجمِّد الفكر ، ولا يعي على خير ، والطاعات تفجِّر طاقات الإنسان ، إنها ترفع صاحبها إلى الأوج ، والمعصية تحبط عمله ، وتقيَّد حركته ، وتجمِّد فكره ، وتشقيه ولا تسعده .
 
لا أحدَ يسعد بالمعصية أبدا :
 
وبعد ذلك أيها الإخوة ، كل إنسان يتوهَّم أنه ممكن أن يسعد بمعصية فهو أغبى الأغبياء ، وكل إنسان يتوهَّم أنه ممكن أن يُضَر بطاعةٍ من طاعات الله عزَّ وجل فهو لا يعرف الله أبداً ، لأنك إذا أطعته انقلبت كل الموازين لصالحك ، وتجلَّى على قلبك ، وأسعدك سعادةً ما بعدها سعادة ، فكل الدين من أجل أن تطيعه ، وأن تسير على منهجه ، ويكفينا قول الله عزَّ وجل :
]وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71) [
(سورة الأحزاب)
       فخالقالكون ، الذات الكاملة يقول لك : إذا أطعتني فزت فوزاً عظيماً ، وطاعة الله عزَّ وجل في متناول كل واحدٍ منَّا ، لماذا ؟ لأن الله عزَّ وجل لا يكلِّف نفساً إلا وسعها ، تقول : لا أقدر ، هذا كلام فيه جهل ، والله عزَّ وجل ما كان له أن يكلِّفنا ما لا نطيق ؛ لا في أمورنا المعاشيَّة ، ولا في كسب الرزق ، ولا العلاقات العامَّة ، والاجتماعيَّة ، ولا الأمور الشخصيَّة ، كل شيء أودعه الله فينا من غرائز وشهوات ، رسم لنا قنوات نظيفة لتحريك هذه الشهوات ، ليس في الإسلام حرمانٌ إطلاقاً ، الإسلام كله عطاء ، وكله توازن ، والإسلام واقعي ، ويتماشى مع الفطرة .
       إذاً : المعصية تُبعد ، وتُشقي ، وتجعل بينك وبين الحق أمداً طويلاً  ..
]وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [
 
 
 فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ
 
فأنت تحرَّك كما يحلو لك ، وافعل ما تريد ، ونحن مقيمون على ما نحن عليه ، ولن ندَع ما نحن عليه من أجلك ، هذا لسان حال كل كافر ، فأحياناً الناس يتكلَّمون كلمات مشابهة : يا أخي ادخل إلى الجنَّة واغلق الباب وراءك ، هذه كلمة مشابهة ، الله عزَّ وجل ينقل لنا أقوال هؤلاء لئلا نتألَّم لو سمعنا أمثال هذه الأقوال ..
]وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ [
 
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ
 
النبي بشرٌ تجري عليه خصائص البشر :
 
أروع ما في هذه الآية أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر ، فقد كان يغضب كما يغضب البشر ، ولولا أنه تنطبق عليه كل خصائص البشر ، وانتصر على نفسه لما كان سيِّد البشر ..
]لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ [
(سورة التوبة : من الآية 128)
       أي من بني جلدتكم ، ومن طبيعتكم ، فيه كل خصائصكم ، وفيه كل نزواتكم وشهواتكم ، لكنَّه انتصر على نفسه ، وآثر ما يرضي الله عزَّ وجل ، فأنت تغض بصرك عن محارم الله ، وهو يغض بصره أيضاً ، الشهوة التي أودعها الله فيك أودعها فيه ، لكنه سما عليها ، وجعل هذه الشهوة في حب الله عزَّ وجل ، أي أنه ـ اللهمَّ صلّ عليه ـ بشرٌ ، هو سيد البشر ، لكن لو لا أنه بشر ، وأن كل خصائص البشر تجري عليه لما كان سيِّد البشر ..
]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ [
كذلك في هذا الكلام افتقار إلى الله عزَّ وجل ، أي أنا واحدٌ منكم ، وأنا مخلوقٌ وضعيفٌ مثلكم ، والله أكرمني ، وعلَّمني ، ورفعني ..
 
  هذا ما يخالف فيه الرسولُ سائرَ البشر : يُوحَى إِلَيَّ
 
]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [
      فأنا أمتاز عليكم بالوحي ، والوحي شيء عظيم جداً ، وإن السماء تختص أحد بني آدم ليكون رسولاً ..
 
]إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) [
(سورة آل عمران)
]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [
 
هنا جاء تلخيص القرآن كلِّه في هذه الكلمات :
]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [
 
  يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
 
كلُّ مشكلةٍ على وجه الأرض سببُها الشركُ :
 
       فما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا أساسها الشِرك ، فإذا وحَّدت الله عزَّ وجل ؛ وحَّدته في ذاته ، وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، واتجهت إليه بإخلاص انتهى كل شيء ، فالإنسان متى يعصي الله ؟ عندما يرى مع الله إلهاً آخر ، حينما يرى قوَّةً تؤثِّر في حياته تأثيراً إيجابياً أو سلبياً عندئذٍ يعصيه ، أما إذا أيقن أن أمره كله بيد الله ، وأن الأمر راجعٌ إليه وحده ، وأن كل البشر لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيءٍ لن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك ، إذا أيقنت هذا اليقين انتهى كل شيء ، فلذلك فحوى دعوة الأنبياء جميعاً ، وهي دعوة التوحيد..
]وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25) [
( سورة الأنبياء )
]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [
لذلك إذا سمعت التوحيد يتكرَّر لأن القرآن الكريم كلَّه بُنِيَ على التوحيد ، والحقيقة أن الإنسان أحياناً لا تكفيه الكلمة مرَّة واحدة ، فالقرآن الكريم فيه تركيز على التوحيد في أكثر الآيات ، وأكثر السور ، ويجب على المفسِّر أو الذي ينقل ما في التفاسير أن يبيِّن معنى التوحيد بشكل مستمر ، لأن الإنسان لا يستقيم عمله ، ولا يستقيم على أمر ربه ، ولا يسعد إلا بالتوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ، ونهاية العلم التوحيد ، ونهاية العمل التقوى ..
]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [
 
  قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ
 
1 ـ الموقف العملي بعد التوحيد هو الاستقامة :
 
        فالموقف العملي الاستقامة ، ماذا يجدي أن تقول لا إله إلا الله وأنت مقيم على المعاصي ؟ فقيمة العلم التطبيق ، والجدوى الحقيقيَّة من العلم التطبيق ، لذلكجاءت الآية الكريمة :
]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [
        والفاء تفيد الترتيب والتعقيب ، أي ما إن تتحقَّق أن الله واحدٌ لا شريك له ، وأن الأمر كلَّه بيده إلا فينبغي لك أن تبادر إلى طاعته ، لكن هذه الاستقامة أتبعها الله عزَّ وجل بقوله :
]فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ [
 
2 ـ الاستقامة من أجلِ الله تعالى :
 
        ما قال : فاستقيموا على أمره ، بلإليه ، فاجعل استقامتك من أجله ، لا من أجل سمعةٍ في الدنيا تنتزعها من أفواه الناس ، ولا من أجل مصالح تحقِّقها باستقامتك ، هناك أهداف كثيرة تتحقَّق إذا استقمت ، الناس يمدحونك كثيراً ، تشعر بنشوة ، أحياناً تتيسَّر المصالح ، لأن المستقيم أمين ، والناس يثقون فيه ، فهناك أشخاص كثيرون يجعلون من الاستقامة سبباً لسعادتهم في الدنيا ، وهم لا يعبدون الله ، لكنهم يحرصون على مواقف راقية في حياتهم من أجل مكانةٍ عليَّةٍ في مجتمعهم ، ربنا عزَّ وجل قال :
]فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ [
       أي اجعل مؤدَّى هذه الاستقامة خالصةً له ، اجعل استقامتك طاعةً له ، اجعل استقامتك وتحقيقاً لعبوديتك له ، واستقامتك من أجله ..
]فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ [
 
      اجعل استقامتك تُفضي إليه ، وتصلك به ، واجعل من استقامتك سبيلاً إلى لقائه ، وإلى مرضاته ، ولا تجعل استقامتك من أجل دنياك ..
]فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ [
الآن :
]وَاسْتَغْفِرُوهُ [
 
3 ـ لابد من الاستغفار لما مضى من الذنوب :
 
       مما مضى ، أنت بين وقتين وقت فيه معصية ، والآن عرفت الله،إذاً : استقم إليه واستغفره مما مضى ..
]وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ [
إلهٌ عظيم يقول:
]وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ [
 
 وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ
 
        إذا كان الإنسان راكبا مركبة ، وماشيا بطريق منحدر انحدارا شديدا ، ومنطلقا بأقصى سرعة ، وهناك منعطف حاد ، والمكبح معطَّل ، وهو يضحك ، فالذي يعرف الحقيقة يقول : ويلٌ له ، الله يعينه ، فبعد دقائق ماذا سيحدث له ؟ هو لا يعلم ، هو يضحك ، وهو غافل ساهٍ لاهٍ ، لكن مادام الانحدار شديدًا ، والسرعة كبيرة ، والمنعطف حادًا ، وليس معه مكابح ، هو يضحك الآن ، لكن لا يدري بعد هذا الضحك ماذا ينتظره من عذابٍ أليم ؟
        فربنا عزَّ وجل يقول لِمَن آمن أنه لا إله إلا الله ..
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ []
فماذا تنتظرون ؟ يجب أن لا يكون هناك وقت إطلاقاً بين استقرار هذه الحقيقة في أنفسكم وانطلاقكم إلى طاعته ..
]فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [
مما مضى ، فكل مؤمن حينما يتصل ، وحينما تستقر حقيقة التوحيد في نفسه ، فيجب أن ينطلق فوراً إلى طاعة الله ، لأن الأمر كلَّه بيد الله ، وكل السعادة في طاعته ، وكل السلامة والقُرب والتجلي في طاعته ، قال :
]وَاسْتَغْفِرُوهُ [
أما هؤلاء المشركون ..
]وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [
 
 الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
 
1 ـ معنى الزكاة في هذه الآية :
 
هذه الآية مكيَّة ، والزكاة لم تُشَّرع بعد ، إذاً العلماء قالوا : معنى الزكاة هنا في الأعم الأرجح هي زكاة النفس ، أي الإنسان الذي لا يزكي نفسه بالإقبال على الله ، والاتصال به ، لا يزكي نفسه بطاعة الله ، ولا يزكي نفسه باتباع منهج الله فويلٌ له ..
]وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * [
    
2 ـ المشرك لا يؤمن بالآخرة :
 
        فالكافر كل آماله وكل همومه متعلقة في الدنيا ، أما الآخرة فلا يلقي لها بالاً ، وليست داخلةً في حساباته أبداً ، وتلاحظ أحدهم من حركته ، ومن كسب ماله ، ومن إنفاق ماله ، ومن داخل بيته ، فكأنه لا موت ، ولا يدخل الآخرة في حسابه إطلاقاً ؛ بعلاقاته الاجتماعيَّة وباحتفالاته ، وبصلاته ، فحركته حركة متحرِّرة من أي قيد ، من أي هدف ، ومن أي خوف ، ولا يخاف ، ولا يرجوه ، فهذا الإنسان لو قال لك : أنا مؤمن بالآخرة ، لا تصدقه ، لأن الطريقة الحديثة أن تكتشف اتجاه الإنسان لا من أقواله ، إذْ من السذاجة ذلك ، فالأقوال لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، كل إنسان يستطيع أن يتكلَّم بكلام طيِّب ، لكن الاتجاه الصحيح هو أن تكشف حقيقة الإنسان من أفعاله .
       أنت تشعر أن هذا الإنسان من خلالكسب ماله ، ومن خلال خروج بناته في الطريق ، ومن علاقته الاجتماعية التي فيها اختلاط ، واتصالاته مع أُناس ليسوا على شيء من الحق ، وتطلُّعاته ، وآماله تشعر أن الآخرة ليست داخلةً في حسابه إطلاقاً .
 
3 ـ الكفرُ العملي بالآخرة :
 
هذا هو الكفر ، أما أن يقول مسلم في العالم الإسلامي : أنا أعتقد أنه ليس هناك يوم آخر ، والله هذه لا يقولها أحد ، ولم يقلها أحد ، لكن لو تتبَّعت أحوال الناس لوجدت الآخرة ليست في حسابهم ، وهذا هو الكفر الحقيقي العملي ، إذْ هناك كفر قولي وكفر عملي ، وهذا هو الكفر العملي بالآخرة ، فهو لو أنه يصلي ، ويبلغ من العمر الخامسة والستين وكل سهراته لعب بالطاولة ، فماذا جعل لآخرته ؟ وهو بسن متقدِّمة وغارق في لعب النرد ، وفي النظر للنساء ، غارق في الحديث عن الدنيا ، وفي شهواتها ، فهذا لو قال لك : نحن مسلمون ، والحمد لله ، وهو ما في شيء بالإسلام في حياته اليوميَّة .
إذاً :
]وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [
 
معاني الحروف المقطّعة : 
 
1 ـ معنى ممنون :
 
فمن معاني ممنون أنه مقطوع ، ومن معاني ممنون أنه لا يُمَنُّ به عليه ، لذلك إذا أحسن إنسان لإنسان يسمِّع ، فيقول لك : لحم فلان من خيري ، وإذا أحب أن يكرم ، فطبعه أنه يمنّ على من يعطيه ، هكذا طبعه ، إلا من رحم ربِّي .
 
2 ـ عطاء الله غير ممنون :
 
أما ربنا عزَّ وجل فمن لوازم كرمه أن هذا العطاء العظيم الأبدي السرمدي غير ممنون أولاً ، وغير مقطوع ، بل مستمر ، وبعد ذلك فما الذي يقلق الإنسان ؟ انقطاع النعم ، فالدنيا كلها قلق ، أن كل شيء لا يدوم على حال ، وفي الحديث الشريف الدقيق جداً :
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا : هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ ؟ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوِ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَر )) .
[ من سنن الترمذي عن أبي هريرة ]
فالحياة ليس فيها سرور ، والزمن ليس في صالح الإنسان ، وكلَّما تقدَّمت سنه ضعف جسمه ، وضعفت قدرته على الاستمتاع بكل شيء ، يتراجع إلى أن ينتهي أجله .
إذاً : هذا العطاء ممنون أي مقطوع ، فالصحَّة تنتهي بالموت ، والمال ينتهي بالموت ، والوجاهة تنتهي بالموت ، والنعيم ينتهي بالموت ، لكن الآخرة ليس فيها انقطاعٌ أبداً ، بل فيها ما تشتهي الأنفس وتلذُّ الأعين وهم فيها خالدون ..
 
] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [
 
 ملخَّصُ ما مضى :
 
وهنا ملخَّص سريع :
أولاً: القرآن فُصِّلت آياته ، فكل حاجاتك محقَّقة في القرآن الكريم ، لأن ربنا خالق الكون .
شيء آخر: أسباب الإعراض هو عدم الصدق في طلب الحق والمعصية ، فإن لم ترد الحق ، وعصيت الله عزَّ وجل فهذه المعصية تُبْعِد ، فالمؤمن قريب بطاعته ، قريب بصلاته ، وإقباله ، وباستقامته ، والكافر بعيد بمعصيته ، وبانقطاعه .
شيءٌ آخر: التوحيد يجب أن ينتهي بنا إلى الاستقامة ، اسمعوا كلام النبي اللهمَّ صلّ عليه ، قال :
(( من قال : لا إله إلا الله بحقِّها دخل الجنَّة ، قالوا : وما حقُّها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله )) .
[ ورد في الأثر ]
كلمة أخيرة : إن لم يحملك علمك الذي تكسبه ، وتسعى إليه على طاعة الله فهذا العلم لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، وربَّما كان حجَّةً عليك ، وكان وبالاً ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
(( كل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل به )) .
[من الجامع الصغير عن واثلة]
       لا تنسوا كلمة:
]فَاسْتَقِيمُوا [
      الفاء للترتيب والتعقيب ، أي ما إن تستقر حقيقة التوحيد في نفوسكم إلا وينبغي أن تبادروا إلى طاعته ، وهذه الطاعة لا تجعلوها من أجل الدنيا ، ومن أجل مكانتك ، أو كي لا يتكلَّم أحد عليك ، لا ..
]فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ [
   اجعل طاعتك عبادة: ولا تجعلها سلوكاً ذكياً ، لأن هناك سلوكا ذكيًا أساسه الطاعة ، فاجعل طاعتك عبادةً لله ، ولا تجعلها سلوكاً ذكياً ..
]فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ [
من الآن :
]وَاسْتَغْفِرُوهُ [
عن ما مضى ..
]وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون [
     
وجاءت البشرى :
] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [
 
والحمد لله رب العالمين
 
 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب