سورة فصلت 041 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 02)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة فصلت 041 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 02)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة فصّلت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة فصلت ـ (الآية: 01 - 02)

20/12/2012 16:47:00

سورة فصلت (041)
 
الدرس (1)
 
تفسير الآيات: (1 ـ 2)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
       أيها الإخوة الأكارم ، مع الدرس الأول من سورة فصِّلت ، ومع الآية الأولى:
 
﴿ حم  * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
      
 معاني الحروف المقطّعة :
 
     أيها الإخوة ، ذكرت من قبل في هذه الحروف التي تُفتتح بها بعض السور أقوال العلماء .
 
المعنى الأول :
 
     فمن أقوالهم الشائعة : الله أعلم بمراده .
 
المعنى الثاني :
 
    ومن أقوالهم أيضاً : إن القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، هذا الكلام المعجز كلام الله عزَّ وجل ، إنما حروفه من هذه الحروف ، والحروف بين أيديكم ؟ لذلك ربنا سبحانه وتعالى جعل إعجازه دليلاً على أنه كلام الله عزَّ وجل ، فكل من يزعُم أنه ليس كلام الله فليأت بسورةٍ من مثله ..
 
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24) ﴾
(سورة البقرة)
المعنى الثالث :
 
       والمعنى الثالث : أن هذه الحروف إشاراتٌ إلى أسماء الله الحسنى .
 
المعنى الرابع :
 
    وبعضهم قال : هذه الحروف إشاراتٌ إلى أسماء النبي عليه الصلاة والسلام .
 
 لا أحد يحيط بكلام الله فهمًا كاملاً من غير نقص :
    
    والقرآن كما يقال : حمَّال أوجه ، ولا يستطيع أحدٌ أن يزعم أن هذه الآية هذا معناها على سبيل الحق ، كل إنسان يُدلي بدلوه في الآيات المتشابهات ، بينما الآيات المُحكمات لا يختلف فيها اثنان ، ومن فضل الله عزَّ وجل أن الآيات المتعلِّقة بأصول العقيدة ، وأن الآيات المتعلِّقة بأصول التكاليف هذه آياتٌ محكمات لا يختلف فيها اثنان ، بينما الآيات الأخرى المتشابهات ،  وهناك حكمٌ بالغة من كونها متشابهات ، أولاً هي حافز يحفز المؤمنين إلى البحث عن معناها ، وثانياً : إذا كانت هذه الآيات المتشابهات تحتمل معاني كثيرة ، فالله سبحانه وتعالى أراد كل هذه المعاني توسعةً على خلقه ، ورحمةً بهم ، ومن هنا قال بعضهم : اتفاق العلماء حجَّةٌ قاطعة ، واختلافهم رحمةٌ واسعة ، وما كان لهم أن يختلفوا لو أن كل آيات القرآن الكريم قطعيَّة الدلالة ، الآيات المتعلِّقة بأصل العقيدة قطعيَّة الدلالة لا خلاف فيها ، فالآيات المتعلِّقة بالتكاليف التي سوف نحاسب عليها يوم القيامة قطعيَّة الدلالة ، ولكن بعض الآيات في القرآن الكريم سمَّاها متشابهات ، أي أنها تشبه الحق من جهة ، وتشبه الباطل من جهة ، ومن خلال هذه الآيات المتشابهات يُمْتَحن المؤمن ، ومن خلال هذه الآيات المتشابهات ينطلق المؤمن ليفهم معناها ، ولعلَّ في هذا أسلوباً تربوياً حينما يجد الإنسان أنه مضطرٌّ أن يفهم هذه الآية ، فيَكِدُّ ذهنه ، والشيء السهل يبدو قليل الأهميَّة ، لكن الشيء الذي يتحدَّى فكر الإنسان وعلمه يبدو عظيم الأهميَّة ، هناك حكمٌ تربويَّةٌ ، وغاياتٌ مديدةٌ لا يعلمها إلا الله من وجود بعض الآيات المتشابهة التي اشتبه معناها على كثيرٍ من الناس .
       فالذين قالوا : الله أعلم بمراده ما أخطئوا الحقيقة ، لأنه يستحيل على المخلوق المحدود أن يحيط بالخالق ، وهذا من كلامه ، مهما اجتهدنا في فهم كتاب الله يبق فهمنا نسبيَّاً ، بل إن أعلى فهمٍ لكتاب الله هو فهم النبي عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك فالنبي ما أحاط بكتاب الله ، لأنه لا يعلم مضمون كلام الله على سبيل الحصر إلا الله ، لكن المؤمن يجتهد .
      فالذين قالوا : الله أعلم بمراده ما أخطئوا الحقيقة ، لأنه يستحيل على المخلوق الحادث أن يحيط بكلام الله عزَّ وجل .
      والذين قالوا : إن القرآن الكريم المُعِجِز صيغت آياته من هذه الحروف التي بين أيديكم ، فكيف أن التراب حينما نَفَخَ الله فيه صار إنساناً يتكلَّم ، ويتحرَّك ، ويفكِّر ، ويرى ، ويسمع ، وينطق ، ويأكل ، ويشرب ، وهذا الإنسان بخلقه المُعجز أساسه ترابٌ نُفِخَ فيه ، والمادَّة الأوليَّة بين أيدينا ندوس عليها ..
خفِّف الوطء ما أظن أديم    الأرض إلا من هذه الأجسادِ
*  *  *
       ومع ذلك فخلق الحياة في الخليَّة شيءٌ فوق طاقة البشر ، ومكوِّنات الحليب الذي تصنعه يد القدرة الإلهيَّة من خلال البقرة بين أيدينا ، هل يستطيع العلم مهما تقدَّم أن يصنع هذا السائل المُغذي من مكوِّناته الأساسيَّة ؟ ومكوِّنات البيضة التي تصنعها يد القدرة الإلهيَّة من خلال الدجاجة بين أيدينا ، فهل نستطيع أن نصنع هذه البيضة ؟ وهذه من أبسط الأمثلة ، فالمكوِّنات شاءت حكمة الله أن يجعلها بين أيدينا ، ولكن خالق الحياة هو الله عزَّ وجل ، الذي يخلق الخلية الحيَّة ، والذي خلق هذه الخليَّة لتنمو وتتكاثر ، ثم كل قسمٍ منها يأخذ اتجاهاً حتى يكون نواةً لجهازٍ دقيقٍ في الإنسان ، وهذا من فعل الله عزَّ وجل .
        فكما أن التُراب بين أيدينا ، وخلق الإنسان من إعجاز الله ، شيء يثبت عظمة الله عزَّ وجل ، كذلك هذا القرآن الحروف بين أيدينا ..
 
﴿ حم ﴾
      
 لا تصادم بين العقل السليم والنص الصحيح :
 
     ولكن أن نصوغ كتاباً فيه إعجازٌ تشريعي ، وفيه إعجازٌ إخباري ، وعلمي ، وفيه إعجازٌ تربوي ، فهذا الكتاب لم تظهر حقيقةٌ علميَّة تصادمت معه ، لأن خالق الكون هو الله ، ومنزل هذا الكتاب هو الله ، لذلك استنبط العلماء أنه لا يمكن أن يتصادم العقل الصحيح الصريح مع النقل الصحيح ، فالنقل من عند الله ، والعقل جهازٌ عظيمٌ أودعه الله فينا ، أما إذا بدا لكم بعض التصادم بين العقل والنقل ، أي بين النصِّ والفكر فهذا التصادم لسببٍ أو لآخر ، أحد هذه الأسباب أن النقل غير صحيح ، النقل غير الصحيح قد يتصادم مع العقل الصريح ، أو أن النقل الصحيح يتصادم مع العقل غير الصريح ، فالعقل حينما يغلو ، أو حينما يزوِّر ، أو حينما يشتط قد يتصادم مع النقل الصحيح ، أما نقلٌ صحيح يصطدم مع العقل الصريح فهذا من سابع المستحيلات ، لأن المصدر واحد .
      وكنت أقول دائماً : إن الحق دائرة يخطُّها أربعة خطوط ـ أو يمر بها أربعة خطوط ـ خط العقل ، وخط النقل ، وخط الفطرة ، وخط الواقع ، فالحق الذي يجب أن تعتقده يجب أن يتطابق مع الفطرة تطابقاً تاماً ، ومع الواقع ، والعقل ، والنقل ، اجتهد أن ترى الدليل العقلي مع الدليل الواقعي مع الدليل النقلي مع الدليل النفسي ، فإذا تطابقت هذه الأدلَّة الأربعة كان هو الحق ، والحق من حقَّ الشيءُ أي ثبت واستقر .
       فالمسلم يعيش نعمة لا يعرفها إلا مَن فقدها ، ما هذه النعمة التي يعيشها ؟ أنه متمسِّك بمبادئ ثابتة ، مُضِيُّ الأيام والليالي ، ومضي القرون لا يهزُّها أبداً،بينما الذين تمسَّكوا بمبادئ وضعيَّة من وضع البشر حينما فُوجئوا بعد سبعين عاماً أنها لم تكن صحيحة ، وأنها سرابٌ في سراب ، وأنها تداعت كما تتداعى بيوت العنكبوت ، هذه مفاجأةٌ ؛ وما من مفاجأةٍ أشد على النفس من هذه المفاجأة ، أن المبدأ الذي أمضيت كل حياتك في خدمته  والدعوة إليه كان مبدأً موهوماً غير صحيح ، نعمة أن المؤمن عقيدته متعلِقةٌ بالثوابت ، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل :
 
﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ﴾
( سورة إبراهيم : من الآية 27)
       وثوابت المؤمن مستنبطةٌ من كلام الله ، والله سبحانه وتعالى هو الأول والآخر ، وهو الظاهر والباطن ، وهو الحقيقة الأولى ، والتي لا حقيقة غيرها ، هذا على معنى:
 
﴿ حم ﴾
      
فإما أن تقول : الله أعلم بمراده.
       وإما أن تقول : إن القرآن الكريم المُعجز بنظمه،المعجز بتشريعه ، والمعجز بحقائقه العلميَّة مصاغٌ من هذه الحروف وهي بين أيدينا .
      والمعنى الثالث : لعلَّها أسماء النبي عليه الصلاة والسلام يا حامد ويا محمود.
      ولعلَّها أسماء الله الحسنى إشارةٌ إليها على طريقة الترميز ، وعلى كلٍ فالقرآن حمَّال أوجه، وكل إنسانٍ له أن يجتهد مع الضوابط ـ ضوابط اللغة ، وضوابط علم العقيدة ، ومقاصد الشريعة ـ في فهم كلام الله عزَّ وجل من دون أن يكون لأحدٍ حق احتكار المعاني ..
 
﴿ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
      
 تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 
1 ـ اسم الله الأعظم :
 
       فربنا عزَّ وجل أسماؤه كلُّها حسنى ، وصفاته كلُّها فضلى ، لكن الاسم الأول الذي يلي اسم الله عزَّ وجل ، وكلمة الله علمٌ على الذات الكاملة ، فأسماء الله حسنى كلُّها جًمِعَت في كلمة ( الله ) ، فالله علمٌ على الذات الكاملة .
 
2 ـ الرحمن الرحيم :
 
    الاسم الذي يلي اسم الله عزَّ وجل هو الرحمن الرحيم .
    والرحمن الرحيم هذا الاسم أيها الإخوة على شيءٍ من التفصيل الرحمن في ذاته الرحيم في أفعاله ، فذاته رحيمة وأفعاله رحيمة ، وربنا عزَّ وجل قال : هذا القرآن ..
 
﴿ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
 
 الله خلَق الخلْقَ ليرحمهم :
 
      فالله عزَّ وجل خلق الخلق ليرحمهم .
 
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾
( سورة الذاريات )
       العبادة تبدأ بمعرفة الله ، ويتوسَّطها طاعة الله ، وتنتهي برحمة الله ، رحمة الله إلى أبد الآبدين ، وكل من يتوهَّم أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعذِّبهم ، وقد يأتي بشواهد مفتعلة من فقر بعض الشعوب ، من الزلازل ، والفيضانات ، والبراكين ، والحروب الأهليَّة ، كل من يتوهَّم أن الخلق مخلوقون للعذاب فهذا افتراءٌ على الله ، وهذا قريبٌ من الكفر ، لأن الذي يقول على الله ما لا يعلم يرتكب معصيةً هي من أشد المعاصي ، وربنا عزَّ وجل وضعها في بعض الآيات ، وجعلها من أعظم المعاصي ؛ أن تقول على الله ما لا تعلم ، أن تظنَّ بالله غير الحق ظنَّ الجاهليَّة ، أن تطعن برحمة الله ، أو بحكمته ، أو بعدالته .
 
 ما يجري في الكون هو من مقتضى الحكمة :
 
       فكمال الخلق يدل على كمال التصرُّف ، وإذا ذهبت لتعرف الله من خلال خلقه فالطريق آمنٌ وسالك ، أما إذا بدأت بمعرفة الله من خلال أفعاله فلن تستطيع إثبات عدالة الله ، ولا إدراك حكمته إلا إذا كان لك علمٌ كعلم الله ، وهذا مستحيل ، لذلك ينبغي أن تستسلم في أفعاله .  
       قد يسأل سائل : ما حكمة ما يجري في العالم اليوم ؟ وقد يسأل سائل أيضا : لماذا يبدو أن الله تخلَّى عن المسلمين ؟ هناك أسئلة كثيرة جداً .
       إذا ذهبت لتعرف الله بدءاً من أفعاله فهذا الطريق غير آمن وغير سالك ، لأنك لا تستطيع أن تدرك حكمة الله ، ولا أن تدرك عدالته إلا أن يكون لك علمٌ كعلمه ، لكن يكفي أن الشيء الذي يعجز عقلك عن إدراكه قد أخبرك الله سبحانه وتعالى به ، قال تعالى :
 
﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49) ﴾
( سورة الكهف )
        قال تعالى:
 
﴿ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(124) ﴾
(سورة النساء )
﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13) ﴾
(سورة فاطر)
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
(سورة العنكبوت : من الآية 40)
       هذا كلامه ، فإن لم تصدِّق كلامه فالمشكلة في ضعف الإيمان ، عُد إلى إيمانك وجدِّده ، فإذا وجدت شكًا في كلامه فالقضيَّة يجب أن تعود إلى الأصول .
     هذا الكون بسماواته وأرضه يدل على خالقٍ عظيم ، وعلى مُرَبٍّ حكيم ، وعلى مسيِّرٍ حكيم أيضاً ، وعلى الله الموجود الكامل الواحد ، وعلى أسماء الله الحسنى ، وهذا القرآن كلامه ، وقد أخبرك فيه أنه لا يظلم أحداً ..
 
 
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾
( سورة الزلزلة )
       فهذا الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال : " عظني ولا تطل " فتلا عليه قول الله عزَّ وجل :
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾
       قال الأعرابيُّ : " قد كُفيت " ، هذه الآية تكفيني .
 
 الصادق تكفيه آيةٌ :
 
       ويا أيها الإخوة ، بالمناسبة الصادق تكفيه آيةٌ واحدة ، آيةٌ واحدة تكفيه طوال العمر  ..
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾
فقال عليه الصلاة والسلام : " فقُهَ الرجل " .
[ ورد في الأثر ]
       فآية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1) ﴾
(سورة النساء)
       تكفي وآية:
 
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
(سورة هود : من الآية 123)
       أمرك كلُّه بيده .
      آية:
 
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
(سورة الإسراء : من الآية 9)
      هذه تكفي وآية  :
 
﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾
( سورة طه )
       تكفي وآية :
 
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38) ﴾
(سورة البقرة)
      تكفي وآية:
 
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
(سورة النحل : من الآية 97)
       هذه الآية تكفي ، آمن واعمل صالحاً والحياة الطيِّبة تنتظرك .
      آية :
 
 
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) ﴾
(سورة طه)
       تكفي وآية:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ(18) ﴾
(سورة السجدة )
       آية:
 
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
(سورة الجاثية : من الآية 21)
       آية:
 
﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ ﴾
(سورة هود : من آية " 88 " )
       كل آية من هذه الآيات جامعةٌ مانعةٌ ، كافيةٌ قاطعة ، فالصادق لا يحتاج إلى مزيدٍ من التفاصيل ، بل تكفيه آية ، أما الذي لا يريد الحقيقة ولو حشرت له كل شيء ، ولو رأى الملائكة ، ولو فُتِحَت له أبواب السماء ، ولو عرج في السماء  ، ولو عاد الموتىوكلَّموه فلا يستفيد .
 
  الصادق يتمسك بالحق :
 
       لقد شبَّهت إنسانا بلا بيت ، أُخرج من بيته ، فزوجته عند أهلها ، وهو عند أهله ، وأولاده بين بَين ، ومدارسهم في حي ، وبيت أهل زوجته في حي ، وقد مُزِّقت نفسه ، وزوجته أُحبط عملها ، والأولاد مشرَّدون ، وهو هائمٌ على وجهه ، فالتقىبرجل ، وقال له : أتريد بيتاً ؟ كيف حال هذا الإنسان الشارد الضائع ، الهائم على وجهه ؟ يتمسَّك به ، يقبِّله ، ويقول : نعم أريد بيتاً  .
       هذا هو الصادق في معرفة الله عزَّ وجل ، الذي يريد الله عزَّ وجل فإنه يتمسَّك بأهل الحق ، وبمجالس العلم ، ويتمسك بالقرآن الكريم ، وبهذه السُنَّة ، والذي كان مضطراً للبيت ، وقال له رجل كلمة واحدة : أتريد بيتاً ؟ تمسَّك به ، وأكرمه ، وسأله عن كل حاجاته كي يصل إلى هدفه ، أما الذي لا يريد البيت فلا يصغي إليه ، ولذلك قال أحدهم : لم أجد أشدَّ صمماً من الذي يريد أن لا يسمع ، فهذا لو وضعت في أذنه مكبِّر صوت ، وتلوت عليه الحقَّ الصُراح لا يستجيب ، لأنه في وادٍ ، وكلامك في وادٍ ، فالقضيَّة قضية صدق ، والجنَّة لمن صدق لا لمن سبق .
       ولذلك فهذا القرآن الكريم ستمائة صفحة ، فيه آيات كونيَّة ، وآيات تشريعيَّة ، وإخباريَّة ، وفيه وعد،و وعيد ، وبيان الحلال والحرام ، فيه مَشاهد من يوم القيامة مؤثِّرة جداً ، ومشاهد من أهل الجنَّة وهم يتنعَّمون ، ومشاهد من أهل النار وهم يتصايحون ، فيه كل شيء هذا الكتاب ، وهو بين أيدينا وميسَّر ، مطبوع بطبعات عديدة ، وبحجوم متفاوتة ، وبمقاييس ، ومطبوع طبعات موحَّدة ، ومطبوع طبعات مجزَّأة ، ويمكن أن تسمعه في أشرطة ، وأن تسمع تفسيره ، المساجد مفتوحة لكل الناس من دون قيد أو شرط ، ومع ذلك أنَّى يؤفكون ؟ أنَّى ينصرفون ؟ والمؤمن هذا الكتاب بين يديه ، فهنيئاً لمن عرف الله في حياته .
 
 لابد من الإيمان في الوقت المناسب :
 
     مشكلتنا أيها الإخوة مشكلة وقت فقط ، كل الذي لم يؤمن في حياته لابدَّ من أن يؤمن عند موته ، ولكن هذا الإيمان لا ينفعه ، وإيمانه جاء متأخِّراً ، وجاء بعد فوات الأوان ، فكل طالب قدَّم امتحان ولم ينجح ، حينما يخرج من قاعة الامتحان يفتح الكتاب المقرَّر ، ويقرأ الجواب الصحيح الذي كان ينبغي أن يكتبه ، ولكن متى عرف الجواب ؟ بعد أن سلَّم الورقة بيضاء ، وبعد فوات الأوان ، فمعرفة الجواب لابدَّ منها ، إما أن تعرفه قبل دخول الامتحان ، وإما أن تعرفه بعد الامتحان ، وبعد الامتحان لا قيمة له .
       مشكلتنا أنه لابدَّ من أن نؤمن ، ولكن متى ؟ حينلا ينفع الإيمان ، فالبطولة أن تؤمن الآن وأنت صحيح ، ومعافى ، وغني ، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك )) .
[ الترمذي عن عمرو بن ميمون ]
        وهذه نصيحة مرَّةً ثانية ، إخواننا الشباب إذا آمنوا في سنِّهم المبكِّرة شكَّلوا حياتهم تشكيلاً إسلامياً ، فسعدوا بها إلى آخر حياتهم ، سيختارون زوجة صالحة ، سيؤسِّسون بيتًا إسلاميًا ، سوف يختارون عملاً يرضي الله ، والعمل الذي يرتزقون منه سيختارونه وفق مرضاة الله ، ويسعدون بأعمالهم وأزواجهم ، أما إذا عرف الإنسان ربَّه في سنٍ متأخِّرة فربما شكَّل حياته تشكيلاً غير إسلامي ، بعد أن عرف الله يشقى شقاءين ، يشقى على ما مضى ، ويشقى وقد عرف الله وهذا حاله الذي لا يرضي الله ، ولا يستطيع الفكاك منه .
      إذاً :
﴿ تَنزِيلٌ ﴾
      
 المصيبة من رحمة الله لأنها توقظ الغافل :
 
      هذا الكتاب من الرحمن الرحيم ، الرحمن في ذاته ، الرحيم في خلقه ، قد يسأل أحدكم هذا السؤال : فما بال هذه المصائب ؟ لا أستطيع أن أُفسِّر هذه المصائب التي تقع في بقاع العالم إلا على الشكل التالي : حينما صُنعت هذه السيارة إنما صُنعت لتسير ، وفيها مكابح ، والمكابح من شأنها أن توقفها ، وكأن المكابح تتناقض مع الهدف من صنعها !! الجواب : أن المكابح ضروريَّةٌ لسلامتها .
       حينما يغفل الإنسان ، حينما يحيد عن سواء السبيل ، وتطغيه شهواته ، ويضلُّ عقله ، وتغريه الدنيا ، وتخدعه الدنيا ، ويركن إلى الملذَّات الرخيصة ، لو أن الله تركه على حاله لمات على الكفر ، ولاستحقَّ جهنَّم إلى أبد الآبدين ، فرحمة الله به أن توقظه من غفلته ، من سُباته ، ومن انحرافه ، وهذا الإيقاظ يتم عن طريق المصائب ، فإما أن تأتي إلى الله عزَّ وجل مشتاقاً ، وإما أن الله سبحانه وتعالى يجلبك إليه بأساليب عديدة بطريقةٍ أو بأخرى ، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام :
((عجب ربُّكم من قومٍ يساقون إلى الجنَّة بالسلاسل )) .
[ البخاري عن أبي هريرة ]
       فإما أن تأتيه طائعاً ، وإن لم تأته طائعاً فربَّما جئته مكرهاً بسلاسل الامتحان ، التي تحمده عليها يوم القيامة .
 
 لا أيها الإنسان إنما خُلِقتَ للرحمة :
 
     وكلمةرحمن رحيم تعني أنك خُلِقت ليرحمك ، وتوجد آية تؤكِّد هذه الآية :
 
﴿ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
(سورة هود : من الآية 119)
       خلقهم ليرحمهم ، وخلقهم ليسعدهم ، وخلقهم ليعطيهم ..
(( يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا
 
عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ
 
ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا
 
نَفْسَهُ )) .
[ من صحيح مسلم عن أبي ذر ]
       كلامٌ دقيقٌ واضح.
      وكنتأقول أيها الإخوة دائماً ، إن الإنسان إذا أفرط في حب ذاته عليه أن يطيع الله ، ولأنك لن تنجو من عذاب الله إلا بطاعته ، ولن تنجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إلا بالاستقامة على أمره ، لن تنجو من المفاجآت غير المتوقَّعة إلا أن تكون معه ، فإن كنت معه كان معك ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو ويقول :
((اللهم إني أعوذ بك من تحول عافيتك ، وفجاءة نقمتك ، وجميع سخطك)) .
[مسلم عن ابن عمر ]
       وقد تجد الأمور تدهورت ، وتفجَّرت ، ويفقد الإنسان عمله أحياناً ، يصاب بجسده ، ويصاب ببيته أحياناً ، فيستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام من فجأة نقمته ، ومن تحوِّل عافيته ، ومن جميع سخطه ، فحتى ننجوَ من عذاب الله لابدَّ من طاعته ، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أدعيته :
((لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك )) .
[ متفق عليه عن البراء ]
       والصلحة بلمحة ، والدنيا ساعة فاجعلها طاعة ، والنفسطمَّاعة عوِّدها القناعة ، والعودة إلى الله عزَّ وجل مسعدةٌ جداً ، ولا يعرف طعم التوبة إلى الله إلا من تاب إليه ، ولا يعرف طعم الإقبال عليه إلا من أقبل عليه ، لا يعرف طعم السكينة إلا من خضع لأمره ، واصطلح معه ، وملأ قلبه حباً له.
 
 نِعَم اللهِ لا تُعدّ ولاتُحصَى :
 
      وكلمةالرحيم تعني أن أفعاله كلها رحيمة ، بدءاً من الظواهر الماديَّة ، فهذا الهواء الذي نتنفسه متوازن ، فأنت تطرح غاز الفحم ، والنبات يأخذه غاز الفحم ، ويطرح لك الأوكسجين ، فهذا الهواء المتوازن ، هذه من نعم الله العظمى ، ولو قلَّ الأوكسجين لضاق نفَس الإنسان ، ففي الطائرات يضعون لك كمَّامة تضُخ غاز الأوكسجين ، حتى إذا ضاق تنفُّسك تستعمل هذه الكمامة ، معنى هذا أن تشعر بالراحة في أثناء التنفس ، هذه من نِعم الله العظمى ، أن تجد أمامك الماء العذب الفرات الزلال ، هذه نعمةٌ ثانية ، وأن تجد طعامك وشرابك ، أن تأوي إلى بيتك ، وأن تلتقي بأهلك ، وأن تجد أولادك بينك يمرحون ، هذه كلُّها نعمٌ أساسها العطاء .
       و لدى المؤمن نعم الدنيا متصلةٌ بنعم الآخرة ، فإن صحَّ التعبير خطه البياني صاعداً صعوداً مستمرًّا ثابتاً ، وما الموت إلا نقطةٌ على هذا الخط الذي في صعود مستمر ، فأيّ نعيم الدنيا متصلٌ بنعيم الآخرة ، وهذا إذا استقام على أمر الله ، ولقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46) ﴾
(سورة الرحمن)
 
 الرحمة أحياناً تقتضي التضييق والشدَّة :
 
       ولكنالرحمن رحيمٌ في ذاته ، وفعله مؤدَّاه الرحمة ، لكن قد يكون في ظاهره قسوة ، فالطبيب الأب إن رأى في صحة ابنه خللاً ألا يمنعه من بعض الطعام ؟ إن استوجب عمليَّةً جراحيَّةً ، وكان جرَّاحاً ألا يُمْسك المبضع بيده ويفتح بطنه ؟ ولذلك لا يمكن أن تفسَّر الأفعال التي يفعلها الله عزَّ وجل إلا بهذا الاسم الرحمن الرحيم ، رحمنٌ في ذاته رحيمٌ بخلقه ، لكن الرحمة أحياناً تقتضي التضييق والشدَّة .. " ، وأوحى ربُّك إلى الدنيا أن تكدَّري ، وتمرَّري ، وتضيَّقي ، وتشدَّدي على أوليائي حتى يحبوا لقائي "  .
     وأحياناً سر نجاحك ضيقٌ أصابك ، سر توبتك إلى الله شدةٌ تبعتك ، يقولون : ما من شِدَّةٍ إلا بعدها شَدَّة إلى الله ، وما من مِحْنَةٍ إلا بعدها مِنْحَة من الله عزَّ وجل ، فالشر المطلق لا وجود له في الكون ، الشر المطلق يعني الشر المطلوب لذاته ، وهذا لا وجود له في الكون إطلاقاً ، لكن كل الشر الذي يبدو لنا فهو شرٌ هادف ، هدفه إصلاح النفس ، وحملها على طاعة الله عزَّ وجل .
 
 أوامر الله ونواهيه في القرآن من رحمته بالناس :
 
 
       إذاً : هذا الكتاب إذا قرأناه رحمنا الله به ، وإذا قرأناه وتدبَّرنا آياته فالله سبحانه وتعالى يسعدنا به ..
((وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمُ الْملائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ )) .
(من صحيح مسلم عن أبي هريرة)
      لأنها كلها مبادئ ، تجد المسلم لا يعرف هذه النعم لأنها متوافرة ، وحركته وفق منهج ، وهذا حرام ، وهذا حلال ، وهذا يجوز ، وهذا لا يجوز ، فقراءة القرآن يجد فيه أمر الله له بغض البصر هذا يجعله عفيفاً ، هذا يمنعه من منزلقات خطيرة ، وأمر الله له بعدم أكل أموال الناس بالباطل ، ليست هذه الأوامر قيداً تقيِّد حرية الإنسان ، بل هي ضمان لسلامته ، وهناك رأي دقيق جداً : أنه لو كان ألف مليون مسلم ، إذا أمرك الله عزَّ وجل أن لا تأكل أموال الناس بالباطل ، أمرك أنت ، وأنت واحد ، لكنَّه أمر ألف مليون مسلم أن لا يأكلوا مالك بالباطل ، فهذا الأمر لصالحك ، إذا أمرك أن تغضَّ البصر عن امرأةٍ لا تحل لك ، فقد أمر كل المؤمنين أن يغضوا بصرهم عن زوجتك .
       فالإنسان حينما يقرأ القرآن ، وحينما يستوعب أوامره ونواهيه ، وحينما ينطلق إلى تطبيقه يشعر بعزِّ الطاعة ، ويشعر بسعادة ما بعدها سعادة ، حياته نظيفة بالمعنى الدقيق ، وليس عنده باطن وظاهر ، فباطنه كظاهره ، وظاهره كباطنه ، واضحاً وضوح الشمس ، فهذا من نِعَم الله في القرآن ، لذلك والشيء الآخر :
((من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتَّى يموت )) .
       وما من مرحلة صعبة في الحياة كمرحلة أرذل العمر ، قال تعالى:
 
﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾
(سورة النحل : من الآية 70)
       فهذه المرحلة صعبة جداً ، وإذاتعلَّم الإنسان القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ، فقارئ القرآن مضمونٌ له أن لا يخرف أبداً ، وأن يعيش مستمتعاً بعقله طول حياته إلى أن ينتهي أجله .
       أيها الإخوة الكرام ... هذه الآية:
 
 أفعال الله متعلقة بالحكمة المطلقة :
 
       لا تبقي في النفس مرضاً ، ولا تبقي في النفس يأساً ، ولا ضيقاً من الرحمن الرحيم ، فليس في الإمكان أبدع مما كان ، " ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني " ، هذا قول الإمام الغزالي ، أي كل شيءٍ وقع ما دام رحمنٌ رحيم ، والفعل بيده لا بيد غيره ، فإن كان من غيره كان هذا ليس فعله ، ولكن ما دامت كل الأفعال له ، وكل شيءٍ وقع إذاً أراده الله ، أو أن كل شيءٍ أراده الله وقع ، فمادام وقع أراده الله ، معنى الإرادة هنا أنه سمح بوقوعه ..
 
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾
(سورة التغابن : من الآية 11)
      وما دام وقع فقد أراده الله ، فإرادة الله متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة ، معنى الحكمة أن هذا الشيء الذي وقع لو لم يقع لكان عدم وقوعه نقصاً في حكمة الله ، إذاً كل شيءٍ وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة .
       والإنسان أحياناً يفعل شيئاً ليس حكيماً ، يقول لك : انضغطت ، لم أستطع أو أغريت ، إما بدافع الإغراء أو بدافع الضغط يرتكب عملاً غير حكيم ، ويفعل عملاً غير حكيم ، أو بدافع الجهل ، إما أنه يجهل ، أو ضُغِطَ عليه ، أو أغري بشيء ، فكان فعله غير حكيم ، الأشياء الثلاثة الله جلَّ جلاله منزَّهٌ عنها ، إذاً أفعاله متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة ، وحكمته متعلِّقةٌ بالخير المطلق ، وليس النسبي .
      معنى المُطلق أن الخير المطلق ينتهي إلى الخير ، فقد يَضُيِّق الأب على ابنه ، بعد حين صار شخصيَّةً لامعة في المجتمع ، فهذا النجاح الذي حقَّقه الابن ما كان له أن يكون لولا ضغط أبيه عليه ، في أثناء الضغط والضغط مزعج ، وقد لا يبدو للابن أن هذا الضغط لصالحه ، لكن بعد أن يصل به هذا الضغط إلى مكانةٍ رفيعةٍ في المجتمع يحمد أباه على ذلك ، فلذلك هناك آية قرآنيَّة دقيقة ، يقول الله عز وجل يصف أهل الجنَّة :
 
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾
(سورة الزمر : من الآية 74)
       أي نحن في الجنَّة ننعُم بها ، ولولا أننا كنا في الأرض ، وقد عرفنا الله في الأرض ، واستقمنا على أمره في الأرض ، وفعلنا الخيرات لما وصلنا إلى الجنَّة ، فحينمايصل الإنسان إلى الدار الآخرة يُلَخِّص معاملة الله له في الدنيا كلِّها بكلمةٍ واحدة هي : الحمد لله رب العالمين ..
 
﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
(سورة يونس)
 
 كيف لو كشِف لك الغطاء عن حقيقة المصيبة ؟!
 
 
      وكنت أقول لأحد إخواننا الكرام وهو في محنة : والله الذي لا إله إلا هو لو كُشِف لك الغطاء يوم القيامة عن حكمة هذه المصيبة لذُبت كما تذوب الشمعة حباً بالله عزَّ وجل ، وهذا والله إيماني ، ما من شيءٍ يقع مكروه لو كشف الله لك الحكمة لذابت نفسك حباً لله عزَّ وجل ، فكلَّما ارتقى إيمان الإنسان يشكر الله عزَّ وجل على كل شيء ، وتجده مستسلمًا ، راضٍيًا ..
فليتك تحلو و الحياة مـريرةٌ      وليتك ترضى والأنام غِضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ      و بيني وبين العالمين خرابُ
إذا صحَّ منك الوصل فالكل هيِّنٌ
***
     والإنسان قد يفلِّس ، يحترق محله كله ، إذا احترق محله وأفلس وحمله هذا على الصلاة ، فالمصيبة موفية معه ، وقد يصاب بمصيبة كبيرة جداً ، وأنا أعرف رجلا شاردا على الله شرود البعير ، بعيدًا عن الدين ، مستهترًا ، كثير السخرية بالأفكار الدينيَّة ، فوجئت أنه يلتزم التزامًا تامًا في بعض المساجد ، فلمَّا استوضحت الحقيقة منه قال لي : لي ابنةٌ هي أغلى عليَّ من نفسي ، أُصيبت بمرضٍ عضال ، وبذلت من أجلها كل شيء حتى بعت بيتي ، وخطر لي مرَّةً لعلّي إذا تُبت إلى الله أنا وزوجتي لعلَّ الله أن يشفيها من هذا المرض العُضال .
       ومن هنا انطلق ، فتاب إلى الله ، وبدأ يصلي ، وحجَّب امرأته ، وسبحان الله ربنا عزَّ وجل استجاب له ، وأزاح عن ابنته الحبيبة إلى قلبه هذا المرض العضال ، فبعد أن امتد به العمر ، والتزم المساجد ، وأقبل على الله ، وصار من أهل الإيمان ، التقيت به مرَّةً وقلت له : ألا تذكر حينما جاءت هذه المصيبة وكانت مؤلمةً جداً ، انظر إلى أثر هذه المصيبة ؟ ردَّتك إلى الله أنت وزوجتك .
       وهكذا يفعل الله عزَّ وجل ، يسوق الشِدَّة كي يشُدُّك إليه ، ويسوق المِحنة كي يمنحك الهدى ، فالإنسان المؤمن مستسلم ، هو عليه أن يطيع الله عزَّ وجل ، لكن أي شيءٍ يأتيه فهو رحمة ، لأن الله عزَّ وجل رحمن رحيم ..
 
﴿ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
 
  خاتمة :
 
       إذا قرأت القرآن فهو من عند الرحمن الرحيم ، فبعض الأشخاص يتوهَّمون أن الدين قيود ، لا يا أخي ، الدين حدود وليس قيودا ، حدودٌ لسلامتك ، فيمكن لإنسان أن يرى في حقلٍ لوحة مكتوبًا عليها : احذر حقل ألغام ، فهل من الممكن لإنسان أن يعدَّ هذه اللوحةتقييداً لحريَّته ؟ لكنَّه يشكر من أعماق قلبه من وضعها في هذا المكان لأنها ضمانٌ لسلامته ، وحين يضعون على التوتر الكهربائي العالي خطر الموت ، ويرسمون جمجمة وعظمتين ، فهل هذا قيد لحريَّتك أم هو ضمانٌ لسلامتك ؟ هكذا حينما تفهم الدين أنه أوامر ونواه تضمن لك سعادتك في الدنيا والآخرة ، فهذا  الفهم هو الصحيح ، أما إذا فهمت الدين أنه ثقيل ، وأنه كلَّه قيود ، فيا أخي الإنسان يتقيَّد بالدين ، ولا يرتاح من دون ، فله بالدين حرية حركة ، فماذا قال الله عزَّ وجل ؟ قال :
 
﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 5)
       كلمةعلى تفيد الاستعلاء ، أي وأنت مقيَّد بكل أوامر الدين فالدين يرفعك إلى أعلى عليين ، والكفَّار قال :
 
﴿ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ(3) ﴾
(سورة إبراهيم)
      في تفيد الدخول شيئا بشيء ، وأنت فيما يبدو لك وللناس حر الحركة ، في النهاية مقيَّدٌ بالذنوب والآثام التي ارتكبتها ..
 
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39) ﴾
(سورة المدثر)
    هم طُلَقَاء ، فالذي يبدو لك أنه قيد هو سبب حريَّتك ، والذي يبدو لك أنه يعطيك الحريَّة هو سبب القيود التي تفرَض عليك ، وهذه من عظمة الدين ، فكلمة الرحمن الرحيم تعني أن الله خلقنا ليرحمنا ، خلقنا ليسعدنا ، و يهدينا ، فإذا صار فيه تلكُّؤ فتأتي الشدائد .
       مرَّة قال لي أخ كريم : هذه الدروس ما مضمونها ؟ فقلت له : كلمتان ، إما أن تأتيه ركضًا أو أن يأتي بك ركضًا ، اختر واحدة منهم ؟ إما أن تأتيه مسرعاً مشتاقاً ، أو أن الله سبحانه وتعالى يعرف كيف يحملك على أن تأتي إليه ، وعلى أن تسرع إليه ، فالبطولة أن تأتيه من تلقاء ذاتك ، وأنت صحيحٌ شحيح ، وأنت في أوج حياتك ونجاحك ، وغناك وصحَّتك وقوَّتك أن تأتي إلى بيوت الله ، وأن تفهم كلام الله ، وأن تفهم سُنَّة رسول الله ، وأن تلتزم بالأمر والنهي حتى يرحمك الله ، وحتى يتحقَّق فيك اسم الله عزَّ وجل الرحمن الرحيم ، وتشعر برحمة الله ، هذه الرحمة قريبة من المحسنين .
        إن شاء الله في درس قادم نتابع معنى قوله تعالى:
 
﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
والحمد لله رب العالمين
 
 
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب