سورة غافر 040 - الدرس (16): تفسير الأيات (60 – 60)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة غافر 040 - الدرس (16): تفسير الأيات (60 – 60)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 465- الشيخ أحمد شوباش- 08 - 08 - 2022           برنامج منارات مقدسية: منارات مقدسية - 104 - سقاية العادل وصهريج الملك العادل           برنامج أجمل قصة حب: أجمل قصة حب - 24 - مراعاة المشاعر           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - الشهداء أكرم منا جميعا           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1469 - سورة النجم 029 - 031           برنامج عمـــار يا بلد: عمار يا بلد - 121 - نصرة المظلوم         

الشيخ/

New Page 1

     سورة غافر

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة غافر ـ (الآية: 60 - 60)

11/12/2012 15:52:00

سورة غافر (040)

 

الدرس (16)

 

تفسير الآية: (60)

 

 

لفضيلة الأستاذ

 

محمد راتب النابلسي

 


  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السادس عشر من سورة غافر ، ومع الآية الستين ، وهي قوله تعالى :

 

وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

 

1 ـ الدُّعاءُ هُوَ العبادَة :

 

     قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

(( الدُّعاءُ هُوَ العبادَة )) .

[ الترمذي عن النعمان بن بشير ]

      استنباطاً من هذه الآية ، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾

       لم يقل : عن دعائي ، قال : ﴿ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ ، إذاً : العبادة هي الدعاء ، والدعاء هو العبادة .

 

2 ـ الدعاء اعتراف بضعف العبد وافتقاره إلى ربه :

 

       أيها الإخوة ، الإنسان حينما يدعو الله سبحانه وتعالى ، يعترف بضعفه وبقوَّة الله ، يعترف بفقره وبغنى الله عزَّ وجل ، يعترف بجهله وبعلم الله ، فالداعي دائماً ضعيف ، والمدعو قوي ، فإذا عرف الإنسان نفسه ، وعرف افتقاره إلى الله ، وعرف ضعفه ، وعرف قوة الله ، ورحمته ، وعلمه ، وحكمته ، وغناه ، وقدرته ، إذا عرف ضعفه ، وعرف قوة الله فقد عَبَدَ الله عزَّ وجل ، أي أنه تلبَّس بالعبوديَّة ، عرف حدَّه فوقف عنده ، وعرف ربَّه فأقبل عليه ، هذه هي العبادة .

 

الفرق بين الطاعة والعبادة :

 

      العبادة في مجملها وفي أدق معانيها : طاعةٌ لله عزَّ وجل ، لكن هذه الطاعة ليست قسريَّةً ، إنما هي طوعيَّة ، لو أنها قسريَّة لم تكن عبادة ، والفرق بين طاعة الأٌقوياء وعبادة الله عزَّ وجل أن طاعة الأقوياء قسريَّة ، لكن عبادة الله طوعيَّة ، لذلك الفارق الدقيق بين الطاعة والعبادة أن الأولى قسريَّة ، لكن الثانية طوعيَّة .

        فارقٌ آخر : العبادة طاعةٌ طوعيَّة لكنَّها ناتجةٌ عن محبَّةٍ ذاتيَّة ، مع الطاعة الطوعيَّة محبَّةٌ ذاتيَّة ، لكن طاعة الأقوياء أوَّلاً قسريَّة ولا تشوبها المحبَّة ، طاعةٌ قد يشوبها الحقد ، قد يشوبها الألم ، قد يشوبها القهر. فالعبادة كما قال بعض العلماء : غاية الخضوع ، مع غاية الحُب ، مع غاية الإخلاص . خضوعٌ وحبٌ وإخلاص .

       إنَّ النفس البشريَّة لها طبيعةٌ خاصَّة ، إنها لا تحب إلا الكامل ، ولا تطيع إلا ما هو في صالحها ، فإذا عرف الإنسان الله ؛ عرف كماله ، عرف أنه موجود ، وعرف أنه واحد ، وعرف أنه كامل ، وعرف أنه يعلم ، وعرف أنه سيحاسب سيطيعه ، هذه خمسة أفكار .

﴿ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف : آية 180)

       أكرِّر : إذا عرف أنه موجود ، وعرف أنه كامل ، وعرف أنه واحد ، وعرف أنه يعلم ، وعرف أنه سيحاسب ، إذا عرف هذه الحقائق الخمس فلابدَّ من أن يطيع الله عزَّ وجل ، إذاً : هذه العبادة التي هي طاعةٌ طوعيَّةٌ ممزوجةٌ بمحبِّةٍ قلبية أساسها معرفةٌ يقينيَّة   .

       لكن ما الهدف ؟ ليس الهدف أن تعرف ، ولا أن تطيع ، الهدف أن تسعد ، لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليسعدهم ، خلق الخلق ليرحمهم ، قال تعالى :

﴿ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود : الآية 119 )

 

هدف الإنسان السعادة الأخروية :

 

       خلقهم ليرحمهم ، خلقهم ليسعدهم في جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض ، هذا هو الهدف الكبير من خلق الإنسان ، لكن لأن هذه الرحمة رحمةٌ أبديَّةٌ سرمديَّةٌ ، متعاظمةٌ متناميةٌ ، هذه الرحمة فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، هذا العطاء العظيم والمديد والكبير يحتاج إلى إعداد ، الإعداد في الدنيا ، الدنيا إذاً مزرعة الآخرة ، الدنيا إذاً دار عمل ، الدنيا إذاً دار تكليف ، في الآخرة التشريف ، في الآخرة الجزاء ، في الآخرة جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض ، في الآخرة حياةٌ أبديَّةٌ سرمديَّة ، متناميةٌ متعاظمةٌ ، لا قلق ، ولا حزن ، ولا مرض ، ولا همَّ ، ولا خوف ، ولا أي شيء يزعج الإنسان .

       إذاً : الأصل أن تعرفه ، ثمَّ تطيعه ، ثم تسعد بقربه في الدنيا والآخرة ، هذا هو أساس كل الدين ، الدين ثلاث كلمات ؛ جانب معرفي ، جانب سلوكي ، جانب جمالي ، والجمالي هو الهدف ، الجمالي تذوق منه طرفاً في الدنيا ، وتذوقه كلَّه في الآخرة ، الهدف أن تسعد .

       ألا تمرُّ بالإنسان أحيانًا ساعات يشعر بها بالسعادة ؟ لو فرضنا أنه شعر بنشاطٍ شديد ، وأكل أكلةً طيِّبة ، وكان بين أهله وأولاده آمناً ، وهم سالمون معافون ، وكان له دخلٌ يغطِّي نفقاته ، ألا يشعر بساعة من الساعات أنه مرتاح مطمئن ؟ فهذه لحظة عابرة ، لكن هذا الشعور بالسعادة لا يستمر إلى أبد الآبدين ، الإنسان قد يسعد من باب المجاوزة ، من باب المجاز إذا توافرت له صحَّةٌ طيبة ، وحاجاتٌ ، وسمعةٌ ، ومكانةٌ ، أما لو توافرت له هذه الحاجات كلها بشكلٍ متنامٍ متعاظم إلى أبد الآبدين فهذا هو الفوز العظيم ..

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71) ﴾

( سورة الأحزاب )

       إذاً : الدين معرفة وسلوك وسعادة ، معرفة في البداية ، سلوك في الوسط ، سعادة في النهاية ، وكل إنسان يسلك طريقاً آخر يُتَّهم بالغباء ، والجنون ، والحُمق ، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام مجنوناً ، فسأل سؤال العارف : " من هذا ؟ " قالوا : " هذا مجنون " ، قال :

(( لا هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله )) .

[ ورد في الأثر ]

       لو التقيت بأذكى إنسان يحمل أعلى شهادة ، وهو متلبِّس بالمعصية ، بإمكانك أن تدمغه بالحُمْقِ والغباء والجنون ، لأنه سلك طريقاً مسدوداً تنتهي بهاويةٍ وحفرةٍ ما لها من قرار.

 

3 ـ الدعاء لا يفارق المؤمن في جميع أحواله :

 

       إذاً : الإنسان أحياناً يميل للتوسُّع والتفصيل ، وأحياناً يميل للإيجاز والضغط ، العبادة ؛ معرفة ، وسلوك ، وسعادة ، جانب معرفي ، وجانب سلوكي ، وجانب جمالي هذه العبادة ، هي طاعةٌ تسبقها معرفة تعقبها سعادة ، أحد أبرز مظاهر العبادة الدعاء ، الصلاة عبادة ، الصوم عبادة ، الحج عبادة ، غض البصر عبادة ، ضبط اللسان عبادة ، أن تقيم بيعك وفق الشرع أنت عابد لله ، ألاّ تكذب ، وأن تصدق فهذه عبادة ، لكن هناك عبادات شعائريَّة ؛ صلاة وصوم وحج ، وهناك عبادات تعامليَّة ؛ صدق ، وأمانة ، واستقامة ، وبيع حلال ، وكسب حلال ، وإنفاق حلال ، وغض بصر ... الخ .

       العبادات الشعائريَّة والتعامليَّة بمجملها عبادة ، أحد أكبر مظاهرها الدعاء ، إنك بالصلاة تتصل بالله في اليوم خمس مرَّات ، بالصيام تتصل بالله في العام شهراً ، بالحج تتصل بالله في عمرك شهراً ، لكنَّك بالدعاء تتصل بالله عند كل حركةٍ وسكنة .

       فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت له أدعيةٌ منوَّعة ، أدعيةٌ يدعو بها كل يوم ، وأدعيةٌ يدعو بها في مناسباتٍ خاصَّة ، فإذا ذهب لينام فله دعاء ، إذا استيقظ في منتصف الليل ليصلي فله دعاء ، إذا استيقظ لصلاة الفجر فله دعاء ، إذا جلس ليأكل فله دعاء ، إذا انتهى من طعامه فله دعاء ، إذا ارتدى ثيابه فله دعاء ، إذا خرج من بيته فله دعاء ، إذا دخل المسجد فله دعاء ، إذا خرج من المسجد فله دعاء ، إذا ذهب إلى السوق فله دعاء ، إذا سافر فله دعاء ، إذا مرض فله دعاء ، إذا ارتدى ثوباً جديداً فله دعاء ، يكفيكم على هذا دليلا كتابُ الأذكار للإمام النووي ، أذكار النبي ، له أدعية في كل أحواله ، وهناك تفاصيل في هذا الكتاب دقيقةٌ جداً ، أحوال الإنسان مهما بدت لكم كثيرةً ومنوَّعةً ودقيقةً فكل حالٍ من أحوال الإنسان يغطيه دعاءٌ رائع .

       لذلك فالإنسان يسعد إذا دعا الله عزَّ وجل ، أليس هناك أوقاتٌ كثيرة تمضيها وأنت تنتظر ، أو تمشي في طريق ، أو تجلس تنتظر دورك عند طبيبٍ ، أو في أي مكان آخر ، أو في دائرة حكوميَّة ، هذا الوقت الذي تمضيه قسراً ينبغي أن تملأه بالدُعاء ، إذا دخلت مكانًا تخشى أن يُرْفَض طلبك فهناك دعاء ، إذا واجهت عدواً لك شرساً فله دعاء ، إذا أصابك مكروه فهناك دعاء ، والدعاء مخُّ العبادة كما قال عليه الصلاة والسلام .

       أحد أبرز العبادات الدعاء ، وكلَّما أكثرت من الدعاء كنت أقرب إلى الله عزَّ وجل ، فبالدعاء تتصل بالله سبحانه ، ويمكنك أن تتصل به في اليوم لا خمس مرَّات ، بل مئات المرَّات ، بل ألوف المرَّات ، لأنك كيفما تحرَّكت أنت مغمورٌ بنعم الله ، فعليك أن تدعو الله باستمرارٍ ، وكيفما تحرَّكت فهناك مفاجآتٌ مخيفة ، فمن خلال المفاجآت تدعو مستعيناً بالله ، ومن خلال النعم تدعو شاكراً له ، فإذا فسَّرنا قوله تعالى :

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ(23) ﴾

( سورة المعارج )

       لا ترى عبادةً يمكن أن يداوم عليها الإنسان كالدُعاء ، هذا الاتصال المستمر ، مرَّة التجاء ، مرَّة ثناء ، مرَّة خوف ، مرَّة دعاء ، مرَّة تسبيح ، مرَّة ذِكر ، فالمؤمن على اتصالٍ دائمٍ بالله من خلال الدعاء ، لكن هناك علماء جزاهم الله خيراً قالوا استنباطًا من هذه آية :

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 

معنى : وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

 

المعنى الأول :

 

     ما أمرنا بالدعاء إلا ليجيبنا ـ هذا المعنى الأول ـ ما أمرنا بالدعاء إلاّ لأنه سيجيبنا ، وسيكرمنا ، وسيعطينا سؤلنا أمرنا بالدعاء ، فما أمرنا أن ندعوه إلا ليجيبنا .

المعنى الثاني :

 

       المعنى الثاني : هذه الآية متميِّزة عن غيرها من الآيات ..

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

( سورة البقرة : الآية 186 )

 

ليس بين العبد وربِّه واسطة :

 

      هناك نقطة في القرآن أحب أن أشير إليها ، وقد ذكرتها سابقاً ، وهي أنه ما من آيةٍ فيها هذه الكلمة : يسألونك إلا تلاها كلمة قل :

 

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 189 )

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 219)

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 217)

       في القرآن ما يزيد على ثلاث عشرة آية بهذه الصيغة ، يسألونك قل كذا وكذا ، إلا آيةً واحدةً حصراً ، هي هذه الآية :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

( سورة البقرة : الآية 186)

       ليس في هذه الآية كلمة قل ، استنبط العلماء من هذا أنه ليس بين العبد وربِّه حجابٌ إطلاقاً ، فإذا قال العبد : يا رب ، قال الله : لبيك يا عبدي ، أنا أنتظرك ، أنا أنتظر أن تدعوني ،  أنتظر أن تسألني ، أنتظر أن تتصل بي كي أجيبك ، وكي أعطيك سؤلَك ، وكي أكرمك ، وفي الحديث الشريف :

(( من لا يدعني أغضب عليه )) .

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

(( إن اللّه يحبّ الملحّين في الدعاء )) .

[ الأذكار النووية ]

(( إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلَّها )) .

(( إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه )) .

 )) ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع )) .

[ من الجامع الصغير عن أنس ]

 

إن الله يحب أن يسمع نداء العبد ، وهو يعلم حاله  :

 

       قد يسأل سائل : يا رب لماذا أمرتنا بالدعاء ، وأنت أعلم بنا من أنفسنا ؟ ورد في الأثر أن سيدنا جبريل جاء إبراهيم عليه السلام ، قُبَيْلَ أن يُلقى في النار ، وقال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ قال هذا النبي الكريم : منك ؟ قال : لا من الله ، قال : إذا كان من الله فعلمه بحالي يغني عن سؤالي " .

       السؤال المطروح الآن هو : ما دام الله يعلم ما نحن عليه ، يعلم السرَّ وأخفى ، يعلم ما ظهر وما بطن ، فلماذا أمرنا بالدعاء ؟ العلماء قالوا : أُمرنا بالدعاء كي نرقى إلى الله مرَّتين إذا وقعنا في ورطة ، أو في مشكلة ، أو لاح لنا شبح مصيبة وأُمرنا بالدعاء فنحن إذا دعونا أولاً استُجيب لنا ثانيًا ، هذه الاستجابة تزيدنا يقيناً بأن الله استمع إلى دعائنا ، وهي كذلك تزيدنا معرفةً بالله عزَّ وجل ، وحينما يستجيب الله لنا تزيدنا هذه الآية حبَّاً بالله عزَّ وجل ، مرَّةً نزداد علماً به ، ومرَّةً نزداد حبَّاً له ، إذاً صارت لنا قفزة إيمانية سامية .

        إذا وصل الإنسان في معرفته إلى هذا المستوى ، ثم وقع في مشكلة فإنه يدعو الله من كل قلبه ، فإن أزيحت عنه هذه المشكلة ، ارتقى إلى الله مرَّتين ، ازداد علمه بالله ، ازداد يقينه أن الله سمعه ، وازداد يقينه أن الله يحبُّه ، إذاً هذا سر الدعاء ، أي أن ..

(( إن الله تعالى يحب إغاثة الَّلهفان )) .

[ كنز العمال عن أبي هريرة ]

        أمٌ تحبُّ ابنها أشدَّ الحب ، بينما حاجته لها قليلة ، هي عاتبةٌ عليه ، فلمَّا ظهرت له حاجةٌ عند أمِّه أقبل عليها ، وطرق بابها ، وزارها صباحاً ومساءً ، هذه الحاجة التي عرضت له دفعته إلى أمِّه ، ولله المثل الأعلى ربنا عزَّ وجل أحياناً يخلُق لنا حاجةً عنده ، أما الأنبياء فهم نوعٌ آخر ، كان عليه الصلاة والسلام يصلي حتَّى تتورَّم قدماه ، فيقول له أصحابه : " يا رسول الله صليت حتى تورَّمت قدماك ، ألم يغفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟! " ، فيقول عليه الصلاة والسلام :

(( أفلا أكون عبداً شكوراً )) .

[ متفق عليه عن المغيرة ]

      فالأنبياء لا يحتاجون إلى حافز ، الأنبياء معرفتهم بالله عزَّ وجل وإقبالهم عليه ، وشوقهم إليه ، واتصالهم به لا يحتاج إلى حافز ، هم فوق الحافز ، لكن المؤمنين تحت الحافز ، يحتاجون أحياناً إلى حافز ، أحياناً الإنسان ينسى ، أحياناً يسترسل مع الدنيا ، أحياناً ينشغل بها ، أحياناً يركن إليها ، استرساله وانشغاله وركونه للدنيا ، وقد ينسيه الله عزَّ وجل ، أو يَذكره ذكراً شكلياً أو صورياً ، أو ذكراً أجوفَ ، عندئذٍ ربنا سبحانه وتعالى يجعل لهذا العبد عنده حاجة ؛ مشكلة ، مرض ، عدو مخيف.

       هذا المؤمن لا يعرف إلا الله ، ليس له ملجأٌ إلاّ الله فيبادر إلى الصلاة ، إلى الدعاء ، إلى قيام الليل ، إلى التهجُّد ، يمرِّغ جبهته في أعتاب الله ، معنى ذلك أننا قد سمعنا صوته ، جاءنا فسمعنا صوته ، فإذا كنت بطلاً كن معه دون أن تحتاج إلى حافز ، الله عزَّ وجل يُعيننا على أنفسنا إذا ركنت هذه الأنفس إلى الدنيا ، يعيننا على أنفسنا إذا اطمأنَّتْ لها ، يعيننا على أنفسنا إذا أصبحتْ عباداتنا شكليَّةً أو جوفاء ، يعيننا على أنفسنا بأن تنشأ لنا مشكلة ، وليس أمامنا إلا الله فندعوه ، نبادر إلى الدعاء ، وإلى الصلاة ، وإلى التهجُّد ، لكن الأكمل أن تأتيَه طائعاً لا مكرهاً ..

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ )) .

[ البخاري ]

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَنْ يَأْبَى ؟ قَالَ : مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى )) .

[ الْبُخَارِيُّ ومسلم ]

        إذاً : سر الدعاء أن الإنسان أحياناً يغفل ، يقصِّر ، يقعُد ، يركن للدنيا ، تُلِمُّ به مشكلة ، فهذه المشكلة تضطرَّه إلى أن يدعو ، وأن يستجير ، وأن يستعيذ ، عندئذٍ يقترب من الله عزَّ وجل ، ويزداد معرفةً ، ويزداد قرباً ، هذا هو الدعاء ..

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرشُدُونَ(186) ﴾

( سورة البقرة )

        أي تؤمن ، فتستقيم ، عندئذٍ تعرف من تدعو ، تؤمن بالله ، تتعرَّف إليه ، تستجيب لأمره ، تطيعه عندئذٍ تعرف كيف تدعوه ، وتعرف بماذا تدعوه ، إلام تدعوه ؟ ولماذا تدعوه ؟

 

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186) ﴾

       هناك شروط للدعاء و الاستجابة ، أما هذه الآية فلا شروط فيها..

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

       بعضهم قال : هذا من مطلق القرآن ، أي أن أي مخلوقٍ مهما كان إذا قال : يا رب ، يقول له الله : لبيك يا عبدي ، وبعض العلماء استنبط من هذه الآية أن كل داعٍ يُستجاب له من دون شروط ..

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾

( سورة النساء : من الآية 57 )

 

دعوةٌ إلى الدعاء مهما كان وضع الإنسان :

 

       هنا تجد شرطًا ؛ ألا وهو العمل الصالح .

 

﴿ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى ﴾

( سورة السجدة : الآية 19)

       من دون شرط ، والقرآن تارة يشترط ، وتارةً يبشِّر ، وتارةً يهوِّن الأمر ، هذه الآية تدعونا إلى الدعاء :

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

     فالإنسان؛ إن لم تكن له صلةٌ بالله ، إن لم تكن له وقفةٌ مع الله ، إن لم يكن في سجوده دعاء ، إن لم يتذلَّل إلى الله ، إن لم يطلُب العفو منه ، إن لم يطلب منه حاجته مهما دقَّت ، إن لم يطلب منه أن يكفيه مؤونة نفسه في الدنيا فإنه سيضيع ، والدعاء أوسع بابٍ إلى الله ، وأقرب طريقٍ إلى الله ، لذلك المؤمن يلجأ إلى الدعاء .

 

أنت بالدعاء تكون قويا :

 

     وهل تصدِّق أيها الأخ الكريم أنك بالدعاء تعدُّ أقوى إنسان على وجه الأرض ؟ فأنت تدعو مَن ؟ تدعو خالق الكون ، والإنسان تكون أحياناً قوَّته ذاتيَّة ، وأحياناً تكون قوته ليست خارجية ، وليست ذاتية ، فإذا قال لك شخص قوي جداً في البلدة : أيّ شيءٍ تطلبه مني أُلَبِّه على الفور ، وهذا رقم هاتفي ، وأنت ضعيف ، لكن بهذا الدعم أصبحت قوياً ، وتشعر بنشوة معيَّنة ، أن فلانًا صاحب الحول والطول ، فلانًا القوي ، أيُّ شيءٍ أرده منه يُلَبِّني فوراً ، فأنت إذاً قويٌ بقوة الذي منحك هذه القوة ، هذا تبسيط للأمر .

       إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، أنت بالدعاء تجد الله معك ، لذلك لا قلقَ مع الدعاء ، ولا خوفَ ، فمن خصمك ؟ عبد ، هو بيد الله عزَّ وجل ، جرثوم بيد الله ، يوقفه عند حدِّه ، وهناك حالات تقع فيها إصاباتٌ مرضية لا شفاء منها ، ميؤوس منها ، ثم يتم الشفاء الذاتي من الله سبحانه وتعالى بدعاءٍ صادق مخلص ، وهذا تمَّ بفضل الدعاء .

      أحياناً يخيّم شبح مصيبة كبير جداً ، ويُصرف عنك بأهون سببٍ ، فهذا تمَّ بفضل الدعاء ، فالدعاء مخُّ العبادة ، وعلى المؤمن أن يدعو الله دائماً ، وفي ذلك إيجابيتان :

       الأولى : القرب من الله ، و الثانية : الاستجابة وكشف الضر أو تحقيق الرجاء .

 

إذا أصابتك مصيبةٌ فتذكَّر مصيبة سيدنا يونس :

 

      بعض الإخوان يحدِّثوني أحياناً عن أخ له يعمل عند شخص أو جهة ، وله دخل معيَّن ، فجأةً قُطِعَ هذا الدخل ، فشعر بالحرمان ، فتوجَّه إلى الله عزَّ وجل وقال : يا رب أغنني بفضلك عمن سواك ، قالها بحرقةٍ ، وألمٍ ، وإخلاصٍ ، وصدقٍ ، ما هي إلا أسابيع حتى جاء رزقٌ وفير من حيث لا يحتسب ، أمعك قوة الدعاء وتخاف ؟ أمعك سلاح الدعاء وتحزن ؟ أمعك الدعاء وتيأس ؟ أمعك الدعاء وتكون سوداوي المزاج ؟ معك الدعاء وتبدو حزيناً ؟! لا يحزن من يدعو الله عزَّ وجل ، ولا شيءَ صعبٌ مهما تكن المشكلة كبيرة ، مهما رأيتها كبيرة ، يقول أحدهم : يا أخي أنا مشكلتي معقدة ليس لها حل ، ما هي مشكلتك التي ليس لها حل ؟ فهل هي أصعب مما كان فيه سيدنا يونس ؟

       لقد استقلّ قاربًا فوجد نفسه فجأةً في جوف الحوت ، الحوت وزنه مئة وخمسون طنًا ، وجبته الغذائيَّة أربعة أطنان ، فما وزنك بجانبه ، فأنت بالنسبة له لقمة ، سبعون كيلوا ، أو ثمانون كيلوا بالنسبة للحوت لقمة واحدة ، وجد نفسه فجأة في بطن الحوت ، في ظلماتٍ ثلاث ؛ في ظلمة الليل ، وفي ظلمة البحر ، وفي ظلمة بطن الحوت ، الله عزَّ وجل ابتلاه بمصيبة ، إذا قلت : هذه ميؤوس منها فمعك الحق ، وهذه مصيبة ، نعم هي مصيبة حقًا ، ومع ذلك :

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ ﴾

       لكن أروع ما في الآية التعقيب الذي ختمت به :

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾

( سورة الأنبياء )

       في كل عصر ، أتحزن ومعك سلاح الدعاء ؟ أتخاف ومعك سلاح الدعاء ؟ أتتشاءم ومعك سلاح الدعاء ؟ أترتجف ومعك سلاح الدعاء ؟ أتخشى عدواً لئيماً هو في قبضة الله عزَّ وجل ومعك سلاح الدعاء ؟ أتخشى فقراً مدقعاً ومعك سلاح الدعاء ؟ أتخشى من إنسانٍ أن يهدِّدك ومعك سلاح الدعاء ؟

 

الدعاء يُبعِد المشكلات :

 

هذه المعلومات أيها الإخوة ليست للفهم ، ولكن للتطبيق ، إذا خرجت من بيتك : اللهمَّ إني أعوذ بك من أن أُضِلَّ أو أضَل ، أو أزلَّ أزَل ، أو أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يُجْهَل علي .

      إذا استيقظت من نومك لك دعاء . إذا دخلت بيت الله عزَّ وجل : اللهمَّ افتح لي أبواب رحمتك . وإذا خرجت من بيت الله إلى شؤونك في الحياة الدنيا : اللهمَّ افتح لي أبواب فضلك ، ففي الجامع رحمة الله مطلوبةٌ ، وفي عملك فضل الله مطلوب .

      سافرت : اللهمَّ أنت الرفيق في السفر ، والخليفة في الأهل والمال والولد ، فيجب أن تدعو الله كل يوم ؛ قبل أن تقدم على أيّ عمل ، وكذلك في أثناء العمل ، وعقب إنجازه ، قبل أن تسافر ، وإذا دخلت البيت ، أو خرجت منه ، أحياناً يدخل الإنسان فتنشأ مشكلة فيطلِّق زوجته ، يقول لك : حلفت بالطلاق ، فلو دخل الإنسان إلى البيت وقال : السلام عليكم ، قال الشيطان لإخوانه : لا مبيت لكم في هذا البيت .

      إذا جلس إلى الطعام وسمَّى بالله عزَّ وجل . يقول الشيطان لإخوانه : لا طعام لكم في هذا البيت .

      ورد في الحديث الشريف عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ : لَا مَبِيتَ لَكُمْ ، وَلَا عَشَاءَ ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ : أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ ، وَإِذَا لَمْ

يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ : أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ )) .

[ مسلم ]

     فهم نائمون وآكلون في ذاك البيت ، وطول الليل مشاكل .

      بعض الأطبَّاء لا يفحص المريض قبل أن يسمي الله عزَّ وجل ، وقبل أن يسأل الله الهداية إلى المرض الحقيقي ، وبعض أصحاب الأعمال كيفما تحرَّك يدعو الله مسترشدًا مستعيناً :

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

     الأمرُ عجيب ؛ فإذا قال أحد من أهلِ الدنيا الأغنياء أو الأقوياء : من كانت له حاجة فليأتني ، وجدت الناس يتكاتفون على بيته ، يتدافعون ، بينما وخالق الكون يقول عزَّ وجل كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ يَهْبِطُ فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَهُ ؟ )) .

[  مسند أحمد ]

   فالازدحام على بابه سبحانه قليل .   

   كلَّما سألني أخ سؤال عن قضيَّة أقلقَتْه مثلاً ، أو همٌّ أحاط به ، أو مشكلة معقَّدة لا تُحل ، قضية مستحكمة ، عقبة كَؤود ، أقول له : ليس لك إلا الدعاء ، صلِّ قيام الليل ، واسجد ، واسأل ربَّك قبيل الفجر الحاجة كلَّها ، هكذا المؤمن ، المؤمن قوي جدًا ، ليس لأن فيه قوة ، بل هو ضعيف جدًا ، ولكن لأن الله عزَّ وجل قال : ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، أقوى قوَّة في الكون معه , وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ .

 كن مع الله ترَ الله معك         واترك الكلَّ وحاذر طمعك

وإذا أعطاك فمن يمنعه ...      ثمَّ من يعطي إذا ما منعك؟

***

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا        فإنا منحنا بالرضى من أحبَّنا

ولـذ بحمانا واحتمِ بجنابنا ..        لنحميك مما فيه أشرار خلقنا

*  *  *

       أيها الإخوة الكرام ، المؤمن قوي جداً بالدعاء ، وبإمكانه أن يقف في وجه أعتى العتاة وأقوى الأقوياء ، وأشد الناس تخويفاً ، لأنه مع الله  .

﴿ قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46) ﴾

( سورة طه )

 

إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ

 

       سيدنا موسى وقومه كانوا في اتجاه البحر ، وفرعون وراءه ، فقال قوم سيدنا موسى :

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61) ﴾

       أين نذهب ؟ هذا البحر من أمامنا وفرعون وراءنا ، انتهى الأمر ، انتهى أمرنا إما إلى فناء أو إلى استعباد دائم .

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61) ﴾

       ليس من أمل ، فالبحر أمامنا وفرعون بكل قوَّته وراءنا ، وقد أدركنا..

 

﴿ قَالَ كَلا ﴾

      ما هذه كلا ؟ ..

﴿ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ(62) ﴾

( سورة الشعراء )

      الربُّ هوَ هو ، والله هوَ هو ، ربُّ موسى هو ربُّنا ، ورب محمَّدٍ هو ربُّنا .

 

وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

 

    في غار ثور بوسائل تافهة جداً حمى نبيَّه وصاحبه الصديق ـ عنكبوت ، أو حمامة ـ أعظم رسالة سماويَّةٌ حُفِظَت بهذا السبب الصغير ، فإذا كان الإنسان مع الله يصبح أقوى الأقوياء ، فالمؤمن معنوياته عالية وبلا حدود .

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139) ﴾

( سورة آل عمران )

        آية في القرآن تكفينا :

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)﴾

( سورة الأعراف )

       الأمور تدور وتدور وتدور ، يعلو هذا ، ويسقط هذا ، وفي النهاية لا تستقر إلا على أن العاقبة للمتقين ، اقرؤوا التاريخ الإسلامي فعندما بعث الله النبي محمداً فالذين عادوه ، وائتمروا على قتله ، وأخرجوه من مكَّة ، وكادوا له ، وحاربوه عشرين عاماً كيف كانت عاقبتهم ، وكيف استقرَّت الأمور أخيرًا ؟

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(3) ﴾

( سورة النصر )

        هذا قانون إلهي ، الله يمتحنك ، قد تؤمن ، وقد تتوب إلى الله ، وقد ترى أحيانًا أنّ الأمور صعبة ، تشديد ، وقد ضاقت دائرتها حول العنق ، وأخذت بالأعناق ، فإياك أن تيأس ، وعليك ألاّ تحزن ، ولا تخنع ، ولا تستسلم ، ولا تضعف ..

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139) ﴾

( سورة آل عمران )

        بالدعاء .

 

لا تغفل عن الدعاء :

 

      يا أيها الإخوة أناسٌ كثيرون جداً يغفلون عن الدعاء ، علمًا بأنّه من أرقى العبادات ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ )) .

[ من سنن الترمذي عن أنس بن مالك ]

       أنت مُقدم على امتحان ، مُقدم على عمل عظيم ، أسست مشروعًا ، أسست تجارة ، زرعت أرضًا قل : يا رب ليس لي إلا أنت ، الله عزَّ وجل يريدك أن تدعوه لأنه وعدك بالإجابة ، فخالق الكون يفتح لنا باب الدعاء ، ونحن نُحْجِم ؟ ما أشقانا لو غفلنا عن الدعاء ، وأحجمنا عن الضراعة ؟ ألا نسأله ؟ ألا ندعوه ؟ هل نتأبَّى ؟ إذاً لا نعرفه ..

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

       فهل هناك إنسان بلا مشاكل ؟ تواجه كل واحد من الناس الكثير الكثير، والله يحلها بالدعاء واحدةً واحدة ، وهو قادر ، هذه القضيَّة : يا رب ليس لي إلا أنت ، وفقني ، ارزقني ، زوجني ، آوني يا رب ، الله موجود .

     الوقت لا يتسع لضرب الأمثال ، والله على كل موضوع من موضوعات الدعاء هناك آلاف الوقائع والأحداث الواقعيَّة .

       وأرجو الله سبحانه وتعالى أن أزوِّدكم ببعض الوقائع المدهشة التي هي ثمرة من ثمرات الدعاء ، هل أثر الدعاء قليل ؟ الله عزَّ وجل أحياناً يدمِّر أمَّة بدعاء واحد ، إذا كان الإنسان مؤمنا ، مستقيما ، طاهرا ، مخلصا ، وأمَّة كادت له ، يدمِّرها من أجل مؤمنٍ غالٍ عليه ، فربنا عزَّ وجل قوي ، وهناك آيات كثيرة تؤكِّد هذا المعنى ..

﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(47) ﴾

( سورة إبراهيم )

 

الدعاء النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف :

 

       أنت كن مع الله ، وعلى الله الباقي ، من أشهر الأدعية دعاء النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ، قال :

(( اللهمَّ إنني أشكو إليك ضعف قوَّتي ، وقلَّة حيلتي ، وهواني على الناس )) .

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

       وما أحوج المسلمين إلى هذا الدعاء في هذه الأيام  .

(( اللهمَّ إنني أشكو إليك ضعف قوَّتي ، وقلَّة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين إلى من تكلني  ، إلى عدوٍ ملَّكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي ، ولك العتبى

حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي )) .

        ماذا كان الجواب ؟

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ﴾

( سورة الإسراء : من الآية 1)

      الإنسان يتوقَّع الاستجابة ، ويقول الله عزَّ وجل : " إن الله عليمٌ قدير " ، لكنه قال كذلك :

 

﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1) ﴾

       أي أنه سمعك يا محمَّد تدعو في الطائف ، فكانت الاستجابة أن جعلك سيِّد الأنبياء والمرسلين ، وجعلك سيد ولد آدم ، وأراك ملكوت السماوات والأرض ، وأسرى بك إلى بيت المقدس ، وعرج بك إلى السماء ، وهذا تكريم وعطاء لا يصدَّق ، النبي ما كان يعرف قبل الإسراء أنه سيِّد الأنبياء ، سيد ولد آدم على الإطلاق ، دعا الله عزَّ وجل وكان مستضعفاً ، وقد بلغت الآلام ذِروتها ، فجاءت الإجابة من الله عزَّ وجل بأن أُسرى به ، وُعرج به إلى السماء ، وأراه ملكوت السماوات والأرض ، وأَكرمه .

        فأنت عبدًا لو قال لك طفل : كم الساعة يا عم ؟ أيعقل أن تتجاهله ؟ طفل يسألك وهو عابث : كم الساعة ؟ ولو كنت تحمل حاجة بيدك أو فتحة الكُم ضيِّقة ، فتضطر أن تزيح الكُم عن الساعة ، وأن تدير الساعة التي تحيط بمعصمك نحو الأعلى ، وتنظر إليها ، وتجيب الطفل ، لأنه سألك ، فأنت إنسان مقر بالعبودية تسأل خالق الكون أو لا يجيبك ؟ تسأله ، ترجوه ، تتذلَّل أمامه ، تمرِّغ جبهتك في أعتابه أو لا يجيبك ؟ مستحيل ..

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 

كن عزيز النفس أمام الخلق ذليلا أمام الله :

    

 ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا ، فالسعيد من يدعو الله عزَّ وجل ، والشقي يأبى ، ويستكبر ، يوسِّط فلانًا وفلانًا ، ويتذلَّل أمام فلان ، ويريق ماء وجهه أمام الأقوياء ، ويبدو أمامهم ضعيفاً فيحتقرونه ، ويأبى أن يتذلَّل أمام الله عزَّ وجل ، المؤمن الصادق فيما بينه وبين الله في أشد حالات الذُل ، لكنه عزيزٌ أمام الخَلْق ، يرفع رأسه كريم النفس عزيز إذْ فرَّج الله عنه وأغاثه و رفع شأنه .

       يقولون عن سيدنا نور الدين الشهيد ، الذي ردَّ أوروبا بأكملها أيام الحروب الصليبية سجد ، وقال ـ والله أستحي أن أقول هذه الكلمة إكراماً له ، ولكن يجب أن أقولها ـ قال : "يا رب ، من هو الكلب نور الدين حتَّى تنصره ؟ انصر دينك " ، فالله عزَّ وجل مكَّنه من النصر المبين والعزيز ، فالإنسان كلَّما كان مع الله متذلِّلاً فالله يرفع شأنه ، مع الناس كن عزيزًا ، لا تتضعضع أمام غني ولا أمام قوي ، أنت مؤمن غالٍ على الله ، ارفع رأسك ، كن عزيز النفس ، لكن فيما بينك وبين الله مهما استطعت تذلَّل ، مهما استطعت تبرَّأ من علمك وحولك وقوَّتك ، قبل أن تقدم على أي عمل : " اللهمَّ إني تبرَّأت من حولي وقوَّتي وعلمي ، والتجأت إلى حولك وقوَّتك وعلمك يا ذا القوَّة المتين " ، فيما بينك وبين الله تذلَّل ، مرِّغ جبهتك في أعتاب الله ، اتهم نفسك بالقصور ، اتهم نفسك بالضعف والجهل وعظِّم ربَّك ، أما مع الناس كن عزيز النفس ، لا ينبغي للمؤمن أن يذلَّ نفسه .

(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ؛ فإن الأمور تجري بالمقادير )) .

[ من الجامع الصغير  ]

(( َمَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه )) .

[ من الجامع الصغير]

       المؤمن الصادق يتذلَّل أمام الله عزَّ وجل في السجود ، ويشعر بعزَّته الكاملة أمام الخَلق ، الكافر تجده يأبى أن يدعو الله ، يستعلي ، تكبُر نفسه عنده ، وهو كالحشرة الوضيعة أمام مَن هو أقوى منه ، المؤمن بالعكس مع الله في منتهى التذلُّل ، ومع الخلق في منتهى العزَّة .

       قال : ما هذا ؟ أَكِبْرٌ في الإسلام ؟ قال : لا معاذ الله ، هذا عزُّ الطاعة ، فنحن نريد مؤمنًا عزيز النفس ، يرفع رأسه ، يثق بربِّه ، يعرف قيمة إيمانه ، يعرف دوره الخطير في الحياة ، لكن إذا خلا مع ربِّه ، إذا صلَّى في بيته ، إذا سجد في الليل يذوب عبوديةً لله عزَّ وجل ، اتهم نفسك ما شئت ، اتهمها بالقصور .

       لذلك باب الانكسار أسرع الأبواب إلى الله عزَّ وجل ، باب الانكسار أسرع طريق إلى الله ، ادخل على الله من باب الانكسار والتذلل و الضراعة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام فتح مكَّة ، هل الفتح قليل ؟ عدو عنيد ، مسيطر ، لئيم ، شرس ، قوي متحكِّم طوال عشرين سنة ، يدخل مكَّة فاتحاً بإمكانه أن يبيدهم عن آخرهم ، هم تحت رحمة كلمةٍ من شفتيه ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ ـ حاربوه عشرين سنة ، قتلوا أصحابه ، نكَّلوا بأصحابه ، ضيَّقوا على أصحابه ، حاربوه ثلاث مرَّات ، ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا : " أخٌ كريم وابن

أخٍ كريم " ، قال :  اذهبوا فأنتم الطلقاء )) .

[ السيرة النبوية ]

      وانتهى الأمر ، دخل مكَّة عليه الصلاة والسلام ساجداً على عُنُق بعيره ، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله .

       أيها الإخوة الكرام ، بطولتك ليست في الضعف والتذلل للناس ، إذا كنت قوياً نجحت في عملك ، سيطرت ، بتجارتك رقم واحد ، معملك بضاعته رائجة جداً ، دخل كبير ، صحَّة طيِّبة ، الناس ينظرون لك هكذا ، لكن البطولة حقًا أن تكون متواضعًا لله عزَّ وجل ، أروع مثل فعله النبي بعد أن فُتِحت مكَّة ، ودانت له الجزيرة العربيَّة عن آخرها ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، صعد المنبر واستقبل الناس باكياً ، وقال :

(( يا أيها الناس ، إني قد دنا مني حقوق من بين أظهركم فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ، ألا ومن كنت قد شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه ، ومن كنت

أخذت له مالا فهذا مالي فليستقد منه ، لا يقولن رجل : إني أخشى الشحناء من قِبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي ، ولا من شأني )) .

[ مجمع الزوائد ]

       بإمكانك أن تحافظ على تواضعك وأنت في القمَّة ؟ على التواضع ، والنزاهة ، والاستقامة ، والورع ، والعفَّة ؟ هذه البطولة .

 

الخلاصة :

 

       فلذلك أيها الإخوة ، اليوم شرحنا الدعاء فقط ، ووقفنا عنده وقفة صادقة ، فالدعاء مخُّ العبادة ، وهو أحد أرقى أنواع العبادات ، لذلك ادعُ الله دائماً ، بإمكانك أن تناديه نداءً خفيَّاً ، بإمكانك أن تدعوه دون أن تحرِّك شفتيك ، فهناك حالات لا يستطيع المرء أن يتكلَّم ولا بكلمة واحدة ، فليس شرطاً أن ترفع يديك وتقول : يا رب ـ إنكم لا تنادون أَصَمَّ ولا غائبًا ـ يكفي أن تدعوه بقلبك لا بلسانك ، لأن الله مطّلع ، قل : " يا رب إني تبرَّأت من حولي وقوَّتي ، والتجأت إلى حولك وقوَّتك يا ذا القوَّة المتين ، اللهمَّ اكفني شر ما أهمني وما لا أهتمُّ له " .

      أينما تحرَّكت ، وكيفما تحركت فالتجئ إلى الدعاء ، طبعاً هناك أذكار في كتاب الأذكار للإمام النووي دقيقة جداً ، ولو لم تكن تحفظها ادعُ بغيرها حسب حاجتك ، فبأي موقف ادعُ الله :

    خرجت من البيت : يا رب يسِّر .

    عقدت صفقة : يا رب ألهمني صفقة رابحة لا تكن خاسرة .

    سافرت : يا رب ، فركبت مركبة أو دابَّة مثلاً : " اللهمَّ إني أسألك من خيرك وخير ما صُنِعَت له ، أعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما صنعت له " .

    أحياناً دابَّة تدمِّر الإنسان نهائياً ، يقع حادث فيُشل طوال حياته ، فاسأل الله عزَّ وجل خيرها وخير ما صُنِعَت له ، وتعوَّذ بالله من شرِّها وشر ما صنعت له .

     جلست لتأكل للأكل دعاء ، انتهى الطعام هناك دعاء ، قمت لتنام للنوم دعاء : " إن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها " .

   وإذا قضى أحدنا حاجة ، تبوّل ، وأفرغ مثانته فهل هذا الأمر سهل أو بسيط ، و الكليتان تعملان بانتظام ؟ اسأل عندما يصاب الإنسان بفشل كلوي ماذا يحصل له لترى ما أنت به من نعمة السلامة ؟

   والله حدَّثني أخ فقال لي : والله لا أستطيع أن أشرب كأسًا من الشاي أو الماء في النهار ـ لأن آلة التصفية معطَّلة ـ قالت له الممرضة : لا تشرب ماءً كثيرًا الآلة معطَّلة ، بينما أنت أيها الأخ الكريم تشرب ما يطيب لك ، لأن الكلية لديك تعمل بانتظام ، ولو تعطَّلت - لا سمح الله - لاحتجت إلى غسيل الدم مرتين في الأسبوع ، والوقوف على الدور ، انتظار ثماني ساعات ، وتحتاج إلى واسطة ، وآلام ، وبعد ذلك يتبقى من البولة في الجسم بالمائة عشرون ، فيصبح بسببها إنسانًا آخر ، عصبيَّ المزاج ، خُلقه ضيِّق من آثار البولة في الدم ، فعندما يفرغ الإنسان مثانته فليس هذا أمرًا هيِّنًا و لا بسيطًا ، فليقل : الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني ، وأبقى علَيَّ ما ينفعني .

     أكلت طعامًا : الحمد لله إذْ أذقتني لذَّته ، وأبقيت فيَّ قوَّته ، وأذهبت عني أذاه .

     إخواننا هذا مستحيل أن يكون إنسان شاكرًا نعمة الله ، ثم يزيلها عنه ، وبالشكر تدوم النعم ، لا يغيِّر الله ما بقومٍ حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم ، فنحن نريد صلة بالله مستمرة عن طريق الدعاء ، غير الصلوات الخمس ، دعاء بإخلاص من دون ضجيج ، من دون رفع صوت ، من دون رفع الأيدي إلى السماء هكذا ، هذا التفاصح بالدعاء ، وإليكم آية دقيقة جداً أيضا حول الدعاء :

 

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55) ﴾

( سورة الأعراف )

      أيها العبد لا تعتدِ على إخوانك ، تأكل أموالهم بالباطل ، وتقول لي: يا رب يا رب بفصاحة ، فصاحتك غير مقبولة ، مهما تفاصحت في الدعاء ، ودعوتني بالدعاء النبوي الصحيح ، والقلقلة قلقلة ، والإدغام إدغام ، ورفعت صوتك بالدعاء ، ولكن مالك مالٌ حرام ، ومنك على إخوتك عدوان ، فالله عزَّ وجل لا يستجيب للمعتدين ، لأنه لا يحبُّهم ، فالأمر لا يحتاج إلى حذلقة ، ولا فلسفة ، فمع عدوان ، والمال حرام ، والانحراف ، و الطُغيان ، مهما تفاصحت بالدعاء فلن يستجاب لك ، والاستجابة تكون إذا كان فيك صلاح واستقامة وضراعة الحديث معروف :

(( ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ـ  حروف من مخارجها تخرج ملء الفم ـ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ )) .

[ من مسند أحمد عن أبي هريرة ]

         لا يستجاب ..

(( يا سعد ، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) .

[ مجمع الزوائد ]

        معنى أطب مطعمك : وليكن دخلك حلالاً ، بعيدًا عن الكذب ، والغش ، والتدليس ، والاحتكار ، وتبرأ من كل المحرَّمات – (( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) ـ  وموضوع الدعاء طويل جداً ، وهو من أهم موضوعات الدين ، بل الدعاء هو الدين كلٌّه .

      وبعدُ ، أيها الإخوة الكرام أتمنَّى على الله عزَّ وجل ، وأرجو الله أن نعيش الدعاء حقًا ، وأن يكون الدعاء أساس حياتنا ، أساس تعاملنا مع الله عزَّ وجل .

 

والحمد لله رب العالمين

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب